Liturgical Logo

الأحد عشرون من زمن السنة ب (أ. بيتر مدروس)

الأب بيتر مدروس

يكتب رسول الأمم الإناء المختار إلى معاصريه، بما فيهم أهل افسس، ويكتب لنا سائلاً أن نتصرف بحكمة لا بسخافة، فالغباوة والتفاهة والبلاهة ليست من صفات المسيح، ولا يجدر ان ينهجها المسيحيون، اذ عليهم ان يكونوا حكماء كالحيات وليس فقط ودعاء كالحمام. ويكمل الرسول: “ولا تسكروا من الخمرالتي فيها الفجور”.

يستشهد قوم بهذا القسم من الآية، ليبرّروا منع الخمر اي الكحول بشكل مطلق. ولكن المسيح شرب الخمر الفصحية بمناسبة عيد الفسح العبري. وكان يشرب الخمر، بخلاف المنذور يوحنا بن زكريا. وكانت اول معجزة ليسوع تحويل الماء الى خمر. وهنا هرب المعترضون من هذا الواقع، وقالوا او زعموا انه، له المجد، حوّل الماء الى عصير عنب غير مخمر، واسترسلوا في استهانتهم بعقول البشر، وميّزوا بين خمر مخمرة وخمر غير مخمرة. وفي العبارة تناقض داخلي اذ خمرة لا تعني الا مخمرة. واكيد ان الخمرة التي شربها المدعوون في عرس قانا الجليل حتى نفذت كانت مخمرة، بدليل قول كبير الضيوف أنّ ” أهل العرس يقدمون أوّلاً الخمرة الجيدة فإذا سكر المدعوون قدم أهل العرس ما كان دونها في الجودة”. ومن جهة اخرى يشير اللسان الآرامي الذي نطق به الرب يسوع الى العرس بلفظة “مشتيثا” أي شراب، لا شرب ماء ولا عصير عنب غير مخمر لو شربوا منه براميل لما سكروا.
في خط السيّد المسيح، يسمح مار بولس بشرب الخمر باعتدال، وينصح بها للعلاج احيانا تلميذه تيموثاوس. فالممنوع والحرام هو السكر، وفي خمرة السكر” الفجور”، لا في خمرة الاعتدال والسرور، الذي يفرح قلب الانسان ويساعد صحته. ويبدو ان الخمرة الحمراء تخفّف ضغط الدم وتمنع تجلطه. وممكن ان نستعين بعبارة مشابهة لفهم الآية: “لا تكونوا شرهين بإفراط الطعام الذي فيه الرذيلة والخمول والمرض. ليس حرامًا ان تاكلوا الطعام الذي فيه الصحة، بل محظورة الشراهة والتخمة من طعام مفرط فيه الرذائل والعاهات”.

بمناسبة عرس قانا الجليل: بعض الشط والخلط
ليسمحن القرّاء الكرام للداعي ان يخرج قليلاً عن حرفية القراءة الثانية لهذا الأحد، حسب الطقس اللاتيني، لكي يصحح ويصوب ويصلح، بعون الله والاستناد الى النص الأصلي والتأويل الكنسي التقليدي، اخطاء في التفسير وردت عند كهنة كاثوليك لا يمثل أحدهم فيها الاّ نفسه واجتهاده .
في إطار عظة، لا محاضرة، اكتب هذا الكلام بحزن شديد، اذ لا يجوز لأحد ان يقدم نظريته كأنها تعليم الكنيسة، خصوصًا عبر الشاشة الصغيرة. وكان الأجدر بهم وبأمثالهم تنبيه المشاهدين في بعض النصوص والمواضيع إنّما هم فقط رأي شخصي عند كلّ منهم.
نأتي الى اجزاء من معجزة قانا الجليل. قالت ليسوع أمّه أنّ “خمر العرس نفذت”. لنلحظن دقة الملاحظة عند سيدتنا مريم العذراء، وحدسها النسائي وعنايتها الوالدية بأهل العرس، كي لا تفسد فرحتهم. يجيب يسوع والدته، نعم والدته بسؤال: “ما لي ولَك يا امرأة؟” في لفظة امرأة اكرام واجلال واكبار بمعنى ايتها السيدة. ولو نطق احد البشر بسخافة – ان المسيح لم يحترم أمه او انتهرها – حاشى له، لدحض موقفه الحس القويم وإلاّ لكان كل منا، والعياذ بالله، أفضل من يسوع في تعاملنا مع أمّهاتنا!
ليس مطلوبا ان يكون المرء عبقريا لفهم سؤال يسوع. هذا هو النص الآرامي، بقدر ما نستطيع ان نستعيده من السرياني واليوناني: “ما لي ولخي انتات؟” يعني باللهجة الفلسطينية واللبنانية والسورية : “شو الي وشو الك؟ في نقص الخمر، لا أنا العريس ولا انت حضرتك أمّ العروس”. يعني بالعربية السليمة ان نقص الخمر ليس من شاننا أنا وانت. طبعا، يسوع يعرف كلّ شيء سلفًا ويعلم انه سيقوم بالمعجزة اكرامًا لوالدته المحبوبة المُحبّة للناس بمحبتها له والأمّ للناس بامومتها له، وهو رأسهم وكرْمتهم وآدم الجديد ، وهم الجسد والأغصان والخليقة الجديدة، وهي حواء الجديدة، المرأة التي سيسحق نسلها رأس الحية القديمة. هكذا يتّضح ان يسوع بهذا السؤال قام بمناورة مقدّسة، ليعلمنا نحن عن شفاعة والدته التي فيها اطمئنان واصرار، مع الرفض الظاهر من طرفه له المجد.
ومناورة يسوع مع والدته، أقلّ حدّة من مناورته مع المراة الكنعانية الفينيقية التي توسلت اليه بدموعها وصراخها ليشفي ابنتها. ومع الكلام القاسي ظاهريا الذي قاله لها، مشبّهًا معشر الوثنيين بالكلاب، ومنتقدًا بهذا موقف اليهود بما فيهم الرسل أنفسهم، قام يسوع بمعجزة شفاء ابنتها.
اما تفسير جماعة شهود يهوه اليهودية تلميذة التلمود، ومقاربتهم لعبارة يسوع لوالدته مع كلام الشياطين له – وقد فعل ذلك ايضا كاهن كاثوليكي غير متخصص في الكتاب المقدس- فهو غير وارد على الإطلاق. صحيح انها نفس العبارة: “ما لنا ولَك، يا يسوع الناصري؟ ” ولكن المتكلم يختلف وهم شياطين يخاطبون الرب، ولا شبه بينهم وبين والدته الطهور، والسياق يختلف تمامًا، بين أمّ فاضلة تطلب من ابنها الرب ان يقوم بمعجزة لأهل العرس، ويجيبها ان هذا ليس من شأنه ولا شأنها، فهو أصلا نجار لا صاحب حانوت للخمور، وبين أرواح نجسة لا تريد أية علاقة مع الرب القادرأن يطردها، واحتجاج تلك الأرواح الكاذبة هو في اللهجة العامية ايضا: ما لنا ولَك؟ اتركنا وشأننا. وهذا طلب غير مشروع ،لان تلك الأرواح الشريرة تسكن إنسانًا مسكينا وتظلمه وتعذبه، ولا تريد من الرب ان يزعجها ويطردها ويزيل سلطتها المدمرة على ذلك الشقي.

تفسير غريب أوّل: يا أمّي، لا علاقة بيني وبينك – كما اعترض الشياطين على يسوع!
مجنون يتكلم وعاقل يسمع ويقرأ! أقوى علاقة وأعمق علاقة وأسمى علاقة هي بين الأمّ وطفلها، بين الإنسان ووالدته، وهي أعمق بكثير من علاقته بزوجته.
هنا يلجأ احد الكهنة الكاثوليك الى اجتهاده الفردي ويقترح ، فتحسب انه يعلن عقيدة إيمانية شاملة ان يسوع قصد: لا علاقة بيني وبينك يا أمي لأنك تمثلين العهد القديم وانا أمثل العهد الجديد.
ولكن العهد الجديد بدأ بالضبط ببشارة الملك جبرائيل للسيدة العذراء وتمّ التجسد، ومن غير العذراء مريم الناصريّة لما انتقلت البشريّة وانتقل التاريخ من الميثاق العتيق الى الجديد.
واتى راهب ليدلو بدلوه وأعلن ان المسيح قصد ما يلي: لا علاقة بيني وبينك يا والدتي، فتفكيرك تفكير بشري، في العرس والخمر والإحراج والمدعوين، وتفكيري أنا روحاني غير مادي وغير دنيوي.
اذا كان الامر كذلك، لما اهتمّ يسوع نفسه بأمر نقص الخمر، ولما أمر الخدّام بملء الاجاجين ماء لتحويله بمعجزة الى خمر. لماذا لم يجب يسوع والدته: “يا مستورة، يا وليّة، إفهمي وأفهمي أهل العرس ان ينسوا الخمر، وما عليهم الا ان ينتظروا بعد عمر طويل وقرون طويلة، ان يشربوا خمر الملكوت الجديدة في السماء، وأن يناموا على هذه الخبرية! “

شط حول العبارة السيدية: لم تأت ساعتي بعد!
يقضي المنطق ان نضع الكلام في سياقه، وان ناخذ في الكتاب المقدس اولا معناه الواضح الظاهر المادي obvious sense or meaning . السيد له المجد والسيدة منها السلام في عرس، وعرس يعني عرسا لا شيئًا مجازيًّا خياليًّا، ولفظة عرس في السريانية تعني سرير، واسلفنا ان الكلمة الآرامية “مشتيثا ” تعني شراب.
طيب (أي فهمنا). تطلب الوالدة مريم من ولدها يسوع معجزة، وذلك بأسلوب غير مباشر دبلوماسي حكيم فطن ذكي حذق نحيف لطيف بحيث يتوهّم فقط اي سامع ان سيدة تخبر ابنها بنقص الخمر.
نبدأ بأحد هذين الكاهنين الذي تكلم على التلفزيون اكثر من ربع ساعة ليعلن، من غير دليل ولا اي ربط بسياق العرس، ان ساعة يسوع هي ساعة لقاء الإنسان مع الله! أعاد الداعي المشاهدة لذلك المقطع والاستماع للتأكد منه، قبل نقده بوداعة ووقار واكبر قدر مرجو من الموضوعية والعقل السليم والمنطق القويم. لنتصورنّ السيناريو: العذراء تطلب من يسوع “معروف ” (معجزة) تسدّ الحاجة الى الخمر، ويسوع يجيب: “يا مَدام بالفرنسية، اما المُدام بضم الميم الاولى فهو الخمر، يا ست هانم، ما أتت بعد ساعة لقاء الإنسان بالله!”
هذا التأويل يجهل النص اذ قال يسوع بوضوح الشمس ان” ما أتت ساعته هو”، لا ساعة البشر للقاء الله.
لا شيء لا في نص إنجيل يوحنا ولا في سياق العرس يبرّر التأويل الذي ذكرناه. ولا معنى له، لا على لسان يسوع ولا أمام أذنيّ العذراء ولا لأهل العرس.
اما لقاء البشرية بالله فلسوف يتمّ كاملاً بعد وفاة كلّ منهم! لذلك، منطقيًا، لا مانع ان يشربوا الخمر في هذه الدنيا ولسان حالهم: اليوم خمر وغدًا أمر!
تفسير آخر مرفوض يبدو موثقًا في إنجيل يوحنا: ساعة يسوع هي ساعة آلامه
نعم، صحيح ان ساعة يسوع هي آلامه، ولكن في سياق آخر. للذين نسوا: هنا، يسوع والعذراء في عرس، وتعلن الام القديسة لابنها الرب القدوس ان الخمرة قد نفذت. لنتصورنّ يسوع يجيب: “يا ماما، ما أتت بعد ساعة الامي!” لا علاقة ولا منطق ولا ربط اذا كان هذا المقصود. نعم، ما علاقة آلامك يا ابني حبيبي بهذا العرس وبانشراح صدور أهله أو بفقدان فرحهم؟ مهما لفّ المرء ودار، لا منطق!
في إنجيل يوحنا نفسه، (الفصل الثاني الآية العاشرة وتابع) ، مفتاح الجواب، وليعترضن عليه من أراد الاعتراض وليناقش الأمر. نقرأ: هذه أولى آيات يسوع قام بها في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه. اما والدته الطهور فقد آمنت به منذ حملته ، وعندما طلبت تدخّله لانشراح صدور أهل العرس، ساعة يسوع التي قال عنها في اول الامر انها ما أتت: هي ساعة مجده او تمجيده عن طريق المعجزات والخوارق، قبل ساعة تمجيده وارتفاعه على الصليب. البرهان هو في إنجيل يوحنا نفسه،. خصوصًا في (الفصلين الثاني عشر والسابع عشر) حيث يقول يسوع: “أتت الساعة ليتمجّد ابنك”. والكلمة ابن الاب السماوي هو نفسه يسوع ابن مريم. أتت الساعة “لتمجّد ابنك فيمجّدك ابنك”. نستنتج أنّ ساعة يسوع هي تمجيده، هنا بالمعجزة، باكورة الآيات والخوارق. ولاحقًا سيأتي هذا التمجيد عن طريق الآلام والارتفاع على الصليب، رغم المظاهر. ولكن لا معنى لذكر آلام المسيح في عرس قانا الجليل.
وشاء من شاء وأبى من أبى، أطاع يسوع والدته عندما أمر الخدم، وإلاّ لرفض التدخل ولترك العرس مع تلاميذه. واتت ساعة المجد السيدي بعلم يسوع السابق الذي ما فاجأه احد ولا شيء في قانا، وبقدرته الإلهية ومحبته للناس وبشفاعة والدته، وإصرارها رغم رفضه الظاهر، وهي شفاعة مفروضة بحنان يسوع وبالأمومة، مفروضة غير مرفوضة، كما نقرأ نفس الفكرة في بيان بكركي.

خاتمة
كما أعلن الكرسي البطريركي الماروني الأنطاكي: لا يجوز لأي كاهن او لاهوتي ان يقدم آراءه الفردية الشخصية كعقيدة إيمانية كنسية. ونزيد بمحبة واحترام انه لا يجوز ان نثمل لا بعلمنا ولا برأينا. وإذ نحيي الكاهنين المشار إليهما لاجتهادهما، الذي يصيب احيانا وأحيانا يخطىء، نلوم عند آخرين ، مع الاحترام المطلق للكهنوت، ومن غير تعميم ولا مبالغة، أكلهم لخبز الكسل وقلّة قراءتهم وانعدام مطالعتهم، بحيث تتكرّر عظاتهم وتصير مملّة يكسب المؤمنون بسببها أجرًا في الصبر والتحمّل عظيما.
أمّا الكهنة الذين يحسنون الادارة والتعليم – وهذه زيادة من عندنا- فإنّهم يستاهلون إكبارًا مضاعفًا!