Liturgical Logo

الأحد الرابع من زمن المجيء (ج) (أ. مدروس)

الأب بيتر مدروس

يتنبّأ ميخا عن المستقبل ولا يتكلّم عن ملك عبريّ حاضر. يُشير إلى شخصيّة فريدة لأعظم الولاة من نسل داود ومدينته بيت لحم. وكان جذع يسّى – والد داود – من سبط يهوذا – قد استقرّ في “افراثا” وصارت مرادفة لبيت لحم (عن يشوع بن نون 15:59 ، راعوت 4 :11). ويأخذ ميخا الاتّجاه الجغرافيّ الإقليميّ واصفاً افراثا بأنها “على كونها صغيرة في ألوف يهوذا”، فإنّ المدبّر الساميّ سيخرج منها زمنياً في حين أنّ “مصادره منذ بدء أيّام الأزل”. ولا يفوت المرء أن يرى في هذه العبارة الغامضة الرفيعة تلميحاً إلى ألوهية المسيح في حين يرى آخرون أنها لا تعني سوى الأصل الملكيّ العريق القديم. أمّا القدّيس متّى البشير فإنّه، بإلهام من الله ووحي منه تعالى ، يعبّر عن الاتّجاه المعنوي ، حيث يلتقي بالمقصود الأصليّ :”لستِ الصغيرة” روحانيّاً ومعنوياً – مع كونك الصغيرة جغرافياً وإقليمياً! (عن متّى 2 : 6). ومرّة أخرى يختار الله الضعيف ليخزي القويّ!
المسيح المنتظَر”سيكون سلاما” (ميخا 5 : 4). ويكرّر القدّيس بولس الإناء المختار رسول الأمم الفكرة نفسها: “المسيح هو سلامنا إذ جعل من الأمّتَين (أي اليهود والوثنيين) أمّة واحدة ” (أفسس 2 : 14) بحيث لم يعد في المسيح يسوع “يهودي ولا يوناني ، ولا عبد ولا حُرّ ، ولا ذَكَر ولا أنثى ” (عن غلاطية 3 : 28).وفي الواقع ، لا “سلام” ولا “شلوم” في فلسطين بسبب عدم اتّباع معظم سكّانها لشريعة المسيح أي شريعة المحبّة ، وتمسّكهم بشريعة حمورابي أي الثأر بمثل ما تمّ العدوان (أو شريعة “لاميك” أي الثأر عشرات الأضعاف!) وأيضاً بسبب فكرة “أرض الميعاد” التي رفض يسوع أن تكون إرثاً لأحد دون الآخر أو ميراثاً لأحد دون الآخر ، بل لأهلها ولا سيّما الودعاء منهم ،لا قوم العنف (متّى 5 : 3). وفعلاً ، في حين يبني بشر الجسور والحواجز – بذريعة “أمنهم” – بنى يسوع وما يزال الجسور : “هدم (يسوع في جسده المصلوب) الحاجز الّذي يفصل بين (اليهود والأمميّين) أي العداوة ، وألغى شريعة الوصايا وما فيها من أحكام (لا الوصايا العشر المحفورة في قلب كلّ إنسان ، والتي هي مشتركة تجمع بني آدم ، بل التشريعات الربابينية الخارجية الطقسية التي كان يتشدّق بها معشر العبرانيين وما يزالون) … ليخلق في نفسه من هاتين الجماعتين ، بعد ما أحلّ السلام بينهما ، إنسانا جديداً واحداً ويصلح بينها وبين الله فجعلهما جسداً واحداً عن طريق صليبه وبه قضى على العداوة” (أفسس 2 : 14 ب – 16).
وعلى علاّت البلاد الغربيّة الكثيرة ذات الجذور المسيحيّة ، وعلى ما فيها من انحرافات (مخالفة طبعاً للإنجيل الطاهر)- تنعم معظم الأقطار الغربيّة بالسلام والاستقرار “في حضارة المحبّة” (يوحنّا بولس الثّاني)، وقد تآخت شعوب تخاصمت لقرون مثل الإنكليز والفرنسيين والألمان ، وذلك لأنها عاجلاً أم آجلاً أدركت أنّ عدوّي أخي وليس أنّ أخي ممكن أن يصير عدوّي ، وفهمت مغزى “أحبّوا أعداءكم” لأن الكراهية تقتل صاحبها أوّلا “كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله” . وأدرك مؤرّخو الغرب الأقوال السيّديّة في بستان الزيتون للقديس بطرس البابا الأوّل : “أغمد سيفك ، لأنّ من يأخذ بالسيف بالسيف أيضاً يهلك” (متّى 26 : 52).

مكانة مريم “أمّ الرّبّ” وتواضعها (لوقا 1 : 39 – 45)
يلحظ المرء أنّ إليصابات الممتلئة من روح القدس صاحت بأعلى صوتها مهنّئة السيّدة العذراء قبل أن تعلن انّ المسيح الرب مُبارك! ويكتب الأب رينيه لورانتين في هذا الصّدد : “كان بإمكان إليصابات أن تهتف : مبارك ثمرة بطنك” – كما يفعل مع الأسف الشديد ملايين من “المسيحيين” المتنكّرين للبتول الوالدة . نعم ، علمت اليضابات أنّ جنين مريم هو الرب “الإله الذي قبل الدهور” ، كما ترنّم الليترجيا البيزنطية ، ولكنّها – بوحي من روح القدس- أسبقت التبريك له بالتبريك لأمّه العذراء ، لا لحسبانها – حاشى وكلاّ – “معبودة” بل لإكرام الأمّ التي تسبق دوماً أبناءها في النظام الطبيعيّ! ويتابع الأب لورانتين عن القسم التالي من الآية : “كان بإمكان اليصابات أن تقول متسائلة : “أنّى لي أن يأتي ربّي إليّ؟” فالمسيح الربّ الجنين يحمل والدته التي هي “بنت ابنها” (دانتيه) وهو “الكلمة الذي به كان كلّ شيء” بما فيه أمّه. ولكنّ روح القدس ألهم اليصابات احترام الوالدة وإكرامها – لا على حساب ألوهيّة الابن الجنين ، بما أنّ الجنين الإلهيّ ما كان ليتحرّك لولا تحرّك والدته الطهور من الناصرة إلى عين كارم “في الجبل”!
فلا تعارض – مع الاعتراضات الكثيرة الغريبة عن المسيحية الأصيلة الأصلية – لا تعارض بين إقرارنا بلاهوت السيّد المسيح ، وإكرامنا لوالدتهالطهور ! ولا “يغار” يسوع منها إذا مالت نحوها أحياناً صلواتنا وعواطفنا ، فللأمّ دفء وحنان وجاذبيّة وسِحر يدركه كلّ أبناء الأُسَر القويمة!
في كنيسة المهد سنرتّل هذه السنة أيضاً في اللاتينية ما معناه : “ولدت الوالدة المليك أزليّ الاسم أبديّ الوجود ، ناعمة بأفراح الأمومة ومشرّفة بوقار البتولية ، لا ما كانت لها من شبيهة ولن تكون”. وعن ابنها الرب المتجسّد فسوف نرتّل بدموع ذوارف : “إنّه ملك السلام الذي تشتهي الأرض كلّها رؤية وجهه”. وكلّ عام وأنتم بخير وسلام!