Liturgical Logo

الأحد الثالث من زمن السنة (ج)

الأب لويس حزبون

يتكلم القديس بولس الرسول عن وحدة التي يقيمها روح الله بين المسيح والمؤمنين، وبين المؤمنين بعضهم مع بعض. يتوسّع بولس الرسول في تشبيه الوحدة بصورة الجسد بأعضائه المتعددة (1 قورنتس 12:12-30) إن تنوع غنى عظيم، ويجب ان يقوّي الوحدة من أجل خير الجسد كله أي الكنيسة. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع نص الرسالة الى أهل قورنتس (1 قورنتس 12:12-30)
12 وكما أَنَّ الجَسَدَ واحِدٌ ولَه أَعضاءٌ كَثيرَة وأَنَّ أَعضاءَ الجَسَدِ كُلَّها على كَثرَتِها لَيسَت إِلاَّ جَسَدًا واحِدًا، فكذلكَ المسيح”. تشير عبارة “الجَسَدَ” الى مبدا الأعضاء الموحّد. فالجسد في الرؤية السامية يعادل الشخص (رومة 6: 6). اما عبارة “المسيح” يشير الى شخصه المركز الموحّد الذي يجعل من كثرة المسيحيين حقيقة واحدة.
13فإِنَّنا اعتَمَدْنا جَميعًا في رُوحٍ واحِد لِنَكونَ جَسَدًا واحِدًا، أَيَهودًا كُنَّا أَم يونانِيِّين، عَبيدًا أَم أَحرارًا، وشَرِبْنا مِن رُوحٍ واحِد.” تشير عبارة “شَرِبْنا مِن رُوحٍ واحِد” الى الشراب الروحي الذي يدل على الافخارستيا (1 قورنتس 10: 4)، وامتلائنا من الروح القدس (اعمال الرسل 2: 4). تشير هذه الآية الى التفسير اللاهوتي لصورة الجسد. فبالمعمودية وبالإفخارستيا نولد من جديد، ونتحد بالمسيح كأعضاء في جسده. فلا نعود الى التمييز على المستوى العرقي والحضاري (يهودي ويوناني) وعلى على المستوى الاجتماعي (عبد او حر).
14فلَيسَ الجَسَدُ عُضْوًا واحِدًا، بل أَعضاءٌ كَثيرة”. تشير هذه الآية الى ضرورة التنوع. إنه يدل على الغنى الذي يجعله الله في كنيسته. كما يدل أن لا فرق بين موهبة كبيرة وموهبة صغيرة. لكل موهبة مكانتها فلا يحسب أصحاب التكلم بالألسنة موهبتهم أرفع من سائر المواهب.
15 فلَو قالَتِ الرِّجْلُ: ((لَستُ يَدًا فما أَنا مِنَ الجَسَد))، أَفتُراها لا تَكونُ لِذلك مِنَ الجَسَد؟” تشير عبارة “قالَتِ الرِّجْلُ: ((لَستُ يَدًا)) الى تقابل الرِجِل باليد لا بالعين لأننا معتادون ان نحسد ليس أولئك الأعلى منَّا جدا، بل الأعلى منا قليلا كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “سهل على “الرِجِل” وهي تحمل ثقل الجسم ان تحسد “اليد” وهي تتحرك بحرية لا يثقلها شيء. اما عبارة ” أَفتُراها لا تَكونُ لِذلك مِنَ الجَسَد؟” فتشير الى انها لا تزال تُعدّ من الجسد. وتشير هذه الآية والآيات اللاحقة 16، 17، 18،19،20،21) الى انه كما ان الجسد البشري متنوع، ولكنه يعمل ككل، كذلك نال أعضاء جسد المسيح مواهب عديدة من أجل العمل للخير العام. ويبقى على كلِّ واحدٍ ان يعرف موهبته، وما العمل من أجل بناء الكنيسة. والروح القدس وحده يُحدِّد المواهب التي يمنحها للمؤمنين (رومة 12:5). فعلى المؤمن ان يتقبل هذه المواهب ويتجاوب معها، كما عليه أن يقدّر مواهب الآخرين فلا يعتبر موهبته هي الكنيسة كلها. لو كان الجسد لكه عينا، لم نعد أمام جسد، بل امام مَسْخ. فالموهبة التي نالها المؤمن تجتمع مع مواهب الآخرين من اجل بناء الجسد الواحد، بحيث يظهر جمال التنوع وعظمة الوحدة.
16ولَوقالَتِ الأُذُن: ((لَستُ عَينًا فما أَنا مِنَ الجَسَد))، أَفتُراها لا تَكونُ لِذلك مِنَ الجَسَد؟” نحن في هذا الجسد والرب الذي موّننا يريدنا حيث نحن. فلا نحاول التهرب.
17 فلَو كانَ الجَسَدُ كُلُّه عَينًا فأَينَ السَّمعْ؟ ولَو كانَ كُلُّه أُذُنًا فأَينَ الشَّمّ؟ 18 ولكِنَّ اللهَ جَعَلَ في الجَسَدِ كُلاًّ مِنَ الأَعضاءِ كما شاء.” تشدد هاتان الآيتان على هدف الله في توزيع المواهب وتنوع الاعمال وعلى مشيئته بأن يؤول هذا التنوع الى الوحدة.
19 فلَو كانَت كُلُّها عُضوًا واحِدًا فأَينَ الجَسَد؟ْ ” يحتاج الجسد الى اعضاء كثيرة ليقوم بوظائفه المتنوعة. والله أعدّها كلها وأهّلها ووضعها في المكان المناسب لوظائفها. وهذه هي خطة الله واختياره وتعيينه.
20 ولكِنَّ الأَعضاءَ كَثيرَةٌ والجَسَدَ واحِد.21 فلا تَستَطيعُ العَينُ أَن تَقولَ لِليَد: ((لا حاجَةَ بي إِلَيكِ)) ولا الرَّأسُ لِلرِّجْلَينِ: ((لا حاجَةَ بي إِلَيكُما)). تشير عبارة “فلا تَستَطيعُ العَينُ أَن تَقولَ لِليَد: ((لا حاجَةَ بي إِلَيكِ)) ” الى افتخار في غير محله، لان المبدأ هو ارتباط الاعضاء بالجسد كذلك يرتبط المسيحيون بعضهم ببعض في ممارسة وظائفهم.
22 لا بل إِنَّ الأَعضاءَ الَّتي تُحسَبُ أَضعَفَ الأَعضاء في الجَسَد هي ما كانَ أَشدَّها ضَرورة” تشير عبارة “الأَعضاءَ الَّتي تُحسَبُ أَضعَفَ الأَعضاء في الجَسَد” الى “العيون” والعيون لا غنى عنها في الواقع. هذه الآية تشير الى مبدأ ان كل موهبة لها دورها في جسد المسيح ولا يمكن الاستغناء عنها. فالضعفاء لهم دورهم في الكنيسة ((1 قورنتس 8: 7-13). يجب ان نعطي أعضاء الكنيسة الأكثر اتضاعا اهتماما خاصا بعيداً عن الاحتقار.
23 والتَّي نَحسَبُها أَخَسَّها في الجَسَد هي ما نَخُصُّه بِمَزيدٍ مِنَ التَّكريم. والَّتي هي غَيرُ شَريفَةٍ نَخُصُّها بِمَزيدٍ مِنَ التَّشْريف. تشير عبارة ” نَحسَبُها أَخَسَّها في الجَسَد ” الى المعدة والامعاء. فالمعدة أقل كرامة من العين. ومع ذلك فنحن لا نستغني عنها، والمسيحي الذي يعمل في الخفية، يعمل الكثير. فعلى المؤمن ان يقدّر عمل كل واحد في الجسد ويترك الله يفعل الباقي من أجل الخير العام.
24 أَمَّا الشَّريفة فلا حاجَةَ بِها إِلى ذلك. ولكِنَّ اللّهَ نَظَّمَ الجَسَدَ تَنظيمًا فجعَلَ مزيدًا مِنَ الكرامةِ لذلك الَّذي نَقَصَت فيه الكَرامة.” تشير هذه الآية الى ان الأعضاء الكريمة لا تحتاج الى إكرام خاص، بل هي تحتاج الى التواضع.
25 لِئَلاَّ يَقَعَ في الجَسَدِ شِقاق، بل لِتَهتَمَّ الأَعْضاءُ بَعضُها بِبَعْضٍ اَهتمامًا واحِدًا.” تشير عبارة “شِقاق” الى خلاف بين المؤمنين (1 قورنتس 1: 10-12) او الى التحزب التي يدل على غياب الحب من الجماعة (غلاطية 5: 19). اما العبارة “ِتَهتَمَّ الأَعْضاءُ بَعضُها بِبَعْضٍ” فتشير الى أهمية الاهتمام بالآخر قبل الاهتمام بالذات. لقد رتَّب الله تداخل العلاقات بين الأعضاء في جسم الانسان، حتى تعمل كلها بتعاون إيجابي واعتماد متبادل دون تنازع .
26 فإِذا تَأَلَّمَ عُضوٌ تَأَلَّمَت مَعَه سائِرُ الأَعضاء، وإِذا أُكرِمَ عُضوٌ سُرَّت معَه سائِرُ الأَعضاء. تشير الآيات من 20-26 الى فكرة التضامن بين أعضاء الجسد. فالواحد لا يعمل دون الآخر. بل يجد فرحه حين يعمل مع الآخر في سبيل وحدة الجسد أي الكنيسة. وهكذا تصبح أصغر المواهب كبيرة، ويكون للصغار المكان الأول.
27 فأَنتُم جَسَدُ المَسيح وكُلُّ واحِدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنه.” يطبق بولس الرسول هذه الآية على مستوى الألم والمجد فيربطه بآلام المسيح وموته وقيامته. وتشير عبارة “أَنتُم جَسَدُ المَسيح” الى الكنيسة المحلية التي هي جسد المسيح، شانها شأن الكنيسة الجامعة وكل عضو فيها هو عضو المسيح. ولكل منهم دوره الخاص.
28والَّذينَ أَقامَهمُ اللهُ في الكَنيسةِ همُ الرُّسُلُ أَوَّلا والأَنبِياءُ ثانِيًا والمُعلِّمون ثالِثًا، ثُمَّ هُناكَ المُعجِزات، ثُمَّ مَواهِبُ الشِّفاءَ والإِسعافِ وحُسْنِ الإِدارةِ والتَّكَلُّمِ بِلُغات.” تشير عبارة “أَقامَهمُ اللهُ في الكَنيسةِ” الى اختيار الله الى شخصيات معينة، وتعيين مكانهم للعمل على إتمام مقاصده “وهو الَّذي أَعْطى بَعضَهم أَن يَكونوا رُسُلاً وبَعضَهم أَنبِياء وبَعضَهم مُبَشِّرين وبَعضَهم رُعاةً ومُعلِّمين، ” (أفسس4: 11). اما عبارة “الرُّسُلُ” فتشير الى الذين اختاهم يسوع خلال حياته على الأرض (مرقس 3: 14) والذين كانوا الشهود لقيامته. ولهم خدمة رئيسية فريدة بوصفهم حماة الانجيل الطاهر (أفسس 2: 20). اما “الأَنبِياءُ” فتشير في العهد القديم والعهد الجديد ليس فقط الى من يتنبأ بحوادث مستقبلية (اعمال الرسل 11: 28) ولكن أيضا النبي هو قبل كل شيء، رجل أو امرأة (1قرونتس 11: 5) يتكلم باسم الله بالهام من الروح القدس بكلام موحى به (لوقا 1:67) ويكشف عن سر تدبيره (1قورنتس 13: 2) ومشيئته في الظروف الحاضرة. إنه يبني ويعظ ويشجّع (2 قورنتس 14:3) ويكشف خفايا القلوب (1قورنتس 14: 25). وكانت الحاجة الى الأنبياء شديدة بنوع خاص الى أن تمت كتابة العهد الجديد. اما عبارة مواهب الشفاء فتشير الى مواهب شفاء لأمراض مختلفة (اعمال الرسل 19: 12). اما عبارة “الإِسعافِ” الى الاهتمام بالفقراء والمحتاجين والمرضى. اما عبارة “حُسْنِ الإِدارةِ” فتشير الى تنظيم مشاريع العمل في الكنيسة. اما عبارة “المُعلِّمون” فيشير الى موهبة العلم أي المعرفة المعطاة بطريقة فائقة الطبيعة (اعمال الرسل 5:3). اما عبارة “التَّكَلُّمِ بِلُغات” فتشير الى كلام نشواني يردد عادة بلغات غير معروفة “أَخذوا يتكلَّمونَ بِلُغاتٍ غَيرِ لُغَتِهِم، على ما وَهَبَ لهُمُ الرُّوحُ القُدُسُ أن يَتَكَلَّموا.” (اعمال الرسل 2: 6).
29 أَتُراهم كُلُّهُم رُسُلاً وكُلُّهُم أَنبِياء وكُلُّهُم مُعلِّمين وكُلَّهُم يُجرونَ المُعجِزات. تشير هذه الآية الى أسئلة إنكارية تتوقع النفي، وتشدد على التنوع والاعتماد المتبادل.
30وكُلَّهُم عِندَهم مَوهِبةُ الشِّفاء وكُلَّهُم يَتَكلَّمونَ بِاللُّغات وكُلَّهُم يُتَرجِمون؟ تشير الآية الى ان هناك مواهب عديدة في الكنيسة لا يمتلكها انسان واحد، بل يمتلك كل واحد موهبة بحسب ما يوزّعه الروح القدس، وعليه ان يتاجر بها (متى 25: 14). كما رتّب الله الأعضاء في الجسد، كذلك رتَّب الله المؤمنين في الكنيسة؛ فهم يمارسون وظائفهم التي لا تنحصر في وظيفة واحدة وإلا ما عاد الجسد جسدا فيه الغنى والوحدة والتناغم. وإذا أردنا ان نمتلك الموهبة الفضلى الممنوحة للجميع فما لنا الاّ المحبة. مثل هذه المحبة تتيح لأعضاء الكنيسة ان يعملوا معا في الوحدة من أجل خير الجميع.

ثانياً: تطبيقات (1 قورنتس 12:12-30)
بعد دراسة وقائع النص نص رسالة بولس الى اهل قورنتس (12:12-30) نستنتج انه يتمحور حول ضرورة وحدة المسيحيين من خلال نقطتين التنوع في الوحدة والتضامن من اجل الوحدة.
1) التنوع في الوحدة
المسيح هو المركّز الموحّد الذي يجعل من كثرة المسيحيين حقيقة واحدة. إن المسيح يوحِّد الذين يحبونه، الذين يؤمنون به فأعطاهم روحه القدس (رومة 5: 5) واعطاهم أيضا أمَّه (يوحنا 19: 27). كما وحَّدهم من خلال المعمودية ولأفخارستيا ومواهب الروح القدس. والأفخارستيا والمواهب.
أ) جسد واحد: ” أَنَّ الجَسَدَ واحِدٌ ولَه أَعضاءٌ كَثيرَة وأَنَّ أَعضاءَ الجَسَدِ كُلَّها على كَثرَتِها لَيسَت إِلاَّ جَسَدًا واحِدًا، فكذلكَ المسيح. (1 قورنتس 12: 12). فجميع المؤمنين قد اعتمدوا بالروح القدس الى جسد واحد من المؤمنين، هو الكنيسة. أعضاء كثيرة لكن جسد واحد وذلك بفضل المعمودية. يشبه الرسول بولس جسد المسيح أي الكنيسة بجسد الانسان، فكل عضو له وظيفة معينة لضرورية للجسد ككل. يحتاج الجسد الى اعضاء كثيرة ليقوم بوظائفه المتنوعة. والله أعدّها كلها وأهّلها ووضعها في المكان المناسب لوظائفها. والأعضاء مع اختلافها يجب ان نعمل معا. فكرة الجسد ذاته تتضمن أعضاء كثيرة يكمل بعضها بعضا ويعتمد بعضها على البعض. يحتاج الجسد الى اعضاء كثيرة ليقوم بوظائفه المتنوعة. والله أعدّها كلها وأهّلها ووضعها في المكان المناسب لوظائفها. ان الله لم يرد ان يكون أي واحد مكتفيا بذاته، لكنه رتب الأمور بحيث يحتاج كل الاخوة الى بعضهم البعض. وهذه هي خطة الله واختياره وتعيينه. فان التنوع يدل على الغنى الذي يجعله الله في كنيسته.
تتكوَّن الكنيسة من خلفيات متنوعة، لهم العديد من المواهب والقدرات، ومن السهل ان تقسم هذ الاختلافات الناس كما حدث في قورنتس. لكن رغم الاختلافات، فإن جميع المؤمنين يشتركون في شيء واحد هو الايمان بالمسيح، وعلى المسيح تقوم وحدة الكنيسة. يستعين بولس الرسول بتشبيه الكنيسة بالجسد ليؤكد أهمية كل عضو في الكنيسة. فإن استؤصل عضو يبدو قليل الأهمية، فإن الجسد كله يصبح أقل فعالية (1 قورنتس 12: 22).
ب) معمودية: للمسيحيين معمودية واحدة. “فإِنَّنا اعتَمَدْنا جَميعًا في رُوحٍ واحِد لِنَكونَ جَسَدًا واحِدًا، أَيَهودًا كُنَّا أَم يونانِيِّين، عَبيدًا أَم أَحرارًا، وشَرِبْنا مِن رُوحٍ واحِد.” (1 قورنتس 12: 13). المعمودية هي هي نفسها لجميع الذين يعترفون بالمسيح، من اية بيئة ثقافية (قورنتس 3:10)؛ وعليه يرى القديس بولس أن المؤمن الذي ينضم إلى المسيح بالإيمان وبالعماد، إنما يشترك معه في أسراره. وبما أن المسيحي يموت عن الخطيئة مع المسيح، فإنه يقوم أيضاً معه إلى حياة جديدة (رومة 6: 3-5) فآلام المسيحي وموته يدمجانه في آلام الرب وموته وقيامته (2 قورنتس 4: 14). أننا قبلنا المعمودية جميعاً في روح واحد لنكون جسداً واحداً (1 قورنتس 12: 13). فالمعمّدون الذين يولّفون الكنيسة هم إذاً أعضاء جسد المسيح الواحد هذا، وهذه الوحدة المبنيّة على الاشتراك في الإيمان والمعمودية تمنع القول بالانتماء لكيفا (بطرس) أو لأبلس، أو لبولس، كما لو كان المسيح قابلاً للانقسام أَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكُم يَقول: ((أَنا لِبولُس)) و((أنا لأَبُلُّس)) و((أَنا لِصَخْر)) و((أَنا لِلمسيح)). َتُرى المسيحُ انقَسَم؟ (1 قورنتس 1: 12).
ج) الافخارستيا: في الكنيسة المسيحية، يشير “كسر الخبز” إلى طقس الافخارستيا حيث يتم تقسيم الخبز لصالح الجميع: فيصبح جسد المسيح المصدر الأساسي لوحدة الكنيسة (قورنتس 10: 17). وان عبارة بولس الرسول “شَرِبْنا مِن رُوحٍ واحِد” الى الشراب الروحي الذي يدل على الافخارستيا (1 قورنتس 10: 4) وامتلائنا من الروح القدس ((اعمال الرسل 2: 4). ان المسيح يغذِّي المؤمنين بخبز واحد، هو جسده الذي ضحّى به على الصليب “أَلَيسَت كَأسُ البَرَكةِ الَّتي نُبارِكُها مُشارَكَةً في دَمِ المسيح؟ أَلَيسَ الخُبْزُ الَّذي نَكسِرُه مُشارَكَةً في جَسَدِ المسيح؟” (1 قورنتس 10: 16-17) ، ويقوي خبز الافخارستيا الاتحاد مع المسيح وبين المؤمنين.
وعليه يرى بولس الرسول ان اشتراك المسيحي المؤمن في جسد المسيح في الافخارستيا يحقق في الوقت نفسه “اتحاده بالابن”(1قورنتس 1: 9)، واتحاد الأعضاء بالجسد الواحد (1 قورنتس 10: 17). وتأتي موهبة الروح القدس إلى جميع المسيحيين فتختم فيما بينهم بختم اتحاد وثيق “لْتَكُنْ نِعمةُ رَبِّنا يسوعَ المسيح ومَحبَّةُ اللهِ وشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ معَكُم جَميعًا (2 قورنتس 13: 13).
فبالمعمودية وبالإفخارستيا نولد من جديد، ونتحد بالمسيح كعضو في جسده. فلا يعود من تمييز على المستوى العرقي والحضاري (يهودي ويوناني) وعلى على المستوى الاجتماعي (عبد او حر). فالمسيح متميّز عن كنيسته، لكن كنيسته متحدة به اتحادها برأسها (أفسس 1: 22-23)، متحدة اتحادها بالمبدأ الذي تستمد منه حياتها وتناسقها ونموها” (قولسي 2:19). فالجسد غير المتكامل ينمو “نحو ذلك الذي هو الرأس “، المسيح الممجّد “وهُناكَ رَبٌّ واحِدٌ وإِيمانٌ واحِدٌ ومَعْمودِيَّةٌ واحِدة” (أفسس 4: 5).
د) المواهب: زين المسيح أعضاء الكنيسة بمواهب روحية متنوعة في سبيل خير جسده العام، الذي هو الكنيسة (1 قورنتس (12: 4-27). في الكنيسة تنوع ومواهب مختلفة لكن وراء هذا التنوع العامل الموحّد هو الله نفسه. فهناك مواهب عديدة في الكنيسة لا يمتلكها انسان واحد، بل يمتلك كل واحد موهبة بحسب ما يوزّعه الروح القدس، وعليه ان يتاجر بها (متى 25: 14). ويذكر بولس الرسول تسع مواهب: الحكمة (1 قورنتس 12:8) والايمان (1قورنتس 12: 9) وموهبة الشفاء (1 قورنتس 12:10) وموهبة النبوءة والتكلم بلغات. ليست المواهب للاغتناء الفردي الشخصي، ولا للمنافسة، او الغيرة، بل لفائدة الجميع. كل هذه المواهب لها مصدر واحد وموزّع واحد هو الروح الذي يعمل كما يشاء هو (عبرانيين 2: 4).
كما رتّب الله الأعضاء في الجسد، كذلك رتب المؤمنين في الكنيسة’ وهم يمارسون وظائفهم التي لا تنحصر في وظيفة واحدة وإلا ما عاد الجسد جسدا فيه الغنى والوحدة والتناغم. وإذا أردنا ان نمتلك الموهبة الفضلى الممنوحة للجميع فما لنا الاّ المحبة. مثل هذه المحبة تتيح لأعضاء الكنيسة ان يعملوا معا في الوحدة من أجل خير الجميع. كما ان الجسد البشري متنوع، ولكنه يعمل ككل، كذلك نال أعضاء جسد المسيح مواهب عديدة من أجل العمل للخير العام. والروح القدس وحده يُحدد المواهب التي يمنحها للمؤمنين (رومة 12:5). فالواحد لا يعمل دون الآخر. بل يجد فرحه حين يعمل مع الاخر. فيبقى على كل واحد ان يعرف موهبته من أجل بناء الجماعة وتقوية الوحدة في الكنيسة. فالمؤمن يقبل هذه المواهب ويتجاوب معها ويقدّر مواهب الآخرين فلا يعتبر موهبته هي الكنيسة كلها. فلا حاجة به الى الحسد او الافتخار الذي يؤدي الى الانقسام بل عليه يقدِّر الآخر يتضامن معه في سبيل وحدة الكنيسة وتكاملها.
2) التضامن لأجل الوحدة:
يقوم مبدأ التضامن في قول بولس الرسول “فأَنتُم جَسَدُ المَسيح وكُلُّ واحِدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنه”(1 قورنتس12:27). التضامن هو اتحادا في الفكر والحياة بهدف خدمة الله الذي يجمع أبناء الكنيسة. فالمسيحي المومن إذا أراد أن يكون مخلصاً نحو المسيح المخلّص، وجب عليه أن ينظر إلى قريبه نظرة الأخ لأخيه. إن الوحدة الأخوية التي جمعت بين المسيحيين الأوائل، نتجت عن إيمانهم المشترك بالرب يسوع، وعن رغبتهم جميعاً في تشبههم به، وعن محبتهم له التي تترتب عليها بالضرورة محبتهم المتبادلة بعضهم لبعض: فقد كان لهم ” قَلبًا واحِدًا ونَفْساً واحِدة ” (اعمال الرسل 4: 32). هذا الاتحاد الذي كان يجمعهم قد تحقق في المقام الأول لدى كسر الخبز (اعمال الرسل 2: 42)، ثم تُرجم داخل كنيسة أورشليم عن طريق المشاركة في الأموال (اعمال الرسل 4: 32 إلى 5: 11)، ثم بين الجماعات القادمة من الوثنية وجماعة أورشليم، وعند جمع التبرعات التي يوصي بها القديس بولس (2 قورنتس 8: 9)، وبمناسبة المساعدة المادية المقدمة للمبشرين بالإنجيل. والجدير بالذكر أن الاضطهادات التي يعاني منها المسيحيون معاً تعمل على وحدة القلوب كما صرّح بولس الرسول “رَجاؤُنا فيكُم ثابِت لأَنَّنا نَعلَمُ أَنَّكم تُشارِكوَننا في العَزاءِ كَما تُشارِكوَننا في الآلام” (2 قورنتس 1: 7) أسوة بالمشاركة في إذاعة الإنجيل ونشره “أَشكُرُه على مُشارَكَتِكم لي في البِشارة مُنذُ أَوَّلِ يَومٍ إِلى الآن”(فيلبي 1: 5).
ويطالب القديس بولس التضامن ” لِئَلاَّ يَقَعَ في الجَسَدِ شِقاق، بل لِتَهتَمَّ الأَعْضاءُ بَعضُها بِبَعْضٍ اَهتمامًا واحِدًا.”(1 قورنتس 12:25). “الشِقاق” يشير الى خلاف بين المؤمنين (1 قورنتس 1: 10-12) او الى التحزب التي يدل على غياب الحب من الجماعة (غلاطية 5: 19). ان الانشقاق يتناقض مع جوهر الكنيسة كجسد المسيح. الانشقاق لأنه بدل على تمزيق الوحدة ” بَلبِلْ أَيُّها السَّيِّدُ أَلسِنَتَهم وفَرِّقْها ” (مزمور55: 10) كما يدل على تشتت كعقاب لكبرياء البشرية (التكوين 11:1-9). ويهدد الانشقاق حياة ايمان الكنيسة ويُعرّض شهادتها للخطر. ويتم محاربة الانشقاق بتجنب الحسد. كما يقول القديس بولس “15 فلَو قالَتِ الرِّجْلُ: ((لَستُ يَدًا فما أَنا مِنَ الجَسَد))، (1 قورنتس 12: 15) ويعلق يوحنا الذهبي الفم بقوله: “سهل على الرِجِل وهي تحمل ثقل الجسم ان تحسد “اليد” وهي تتحرك بحرية لا يثقلها شيء”. وبدلا من مقارنة أحدنا بالآخر، يجب علينا جميعا ان نستخدم مواهبنا لنشر بشارة الخلاص بالإنجيل الطاهر. فالقديس بولس الرسول يحث المؤمنين على اكتشاف المواهب ليست للتقدم الشخصي لكن لتخدم بها الله وتعزيز النمو الروحي لجسد المسيح. فالكنيسة المحلية هي جسد المسيح، شانها شأن الكنيسة الجامعة وكل عضو فيها هو عضو المسيح. ولكل منهم دوره الخاص. فما لنا الاّ المحبة. مثل هذه المحبة تتيح لأعضاء الكنيسة ان يعملوا معا في الوحدة من أجل خير الجميع.
خلاصة:
برفض الأمانة تُحطم وحدة الزواج، (تكوين 4: 19)، وبالحسد القاتل تُحطّم الوحدة بين الاخوة (تكوين 4: 6-8) وبانعدام التفاهم تُحطم الوحدة في المجتمع (تكوين 11: 9). اما الايمان بالمسيح تجددت الوحدة على كل المستويات: وحدة الانسان الباطنية بعد ان مزّقته الشهوات (رومة 7: 14-15) ووحدة الزوجين التي مثالها اتحاد المسيح والكنيسة (أفسس 5: 25-32) ووحدة جميع البشر الذين يجعل الروح منهم أبناء آب واح (رومة 8: 14-16) كي يصبحوا على مثال الجماعة المسيحية الأولى “قلب واحد ونفسا واحدة (اعمال الرسل 4: 32) فيسبحون اباهم السماوي بصوت واحد (رومة 15: 5-6).
فالكنيسة واحدة، إذ أقيمت، كجسد للمسيح، عن طريق البشارة بالإنجيل (أفسس 3: 6)، وولدت في معمودية واحدة (أفسس 4: 5)، وتغذّت من خبز واحد (1 قورنتس 10: 17) فهي تجمع في شعب واحد (غلاطية 3: 28) أبناء الإله الواحد والأب للجميع (أفسس 4: 6). وهذه الوحدة جامعة كاثوليكية، كما سميت منذ القرن الثاني، وترمي إلى جمع كافة الفئات الإنسانية (أعمال الرسل 10: 13). حتى تواكب جميع الثقافات (1 قورنتس 9: 20-22) وتشمل العالم بأسره (متى 28: 19). فالوحدة ضرورية، حتى يتمكّن المسيحيون ان يعلنوا محبة الآب التي اظهرها بمحبة ابنه الواحد يسوع المسيح (يوحنا 3: 16) ولكي يصبح كل البشر واحداً في المسيح (أفسس 4: 13).
وعليه فإن المسيحيين بوحدتهم يقيمون في محبة الآب والابن (يوحنا 14: 20). إن العمل بوصية الوحدة هو العلامة الأصيلة الدالة على الرغبة في هذا الاتحاد الذي لا ينفصم (يوحنا 14: 21)، وهي قدرة الروح القدس التي تحققه (يوحنا 14: 17)، وهو خبز الافخارستيا الذي يمنحه الغذاء الذي لا غنى عنه (يوحنا 6: 56). فالوحدة هي حلم كل قلب مسيحي، ورجاء الكنيسة: “أن نكون مع الرب دائماً (1 تسالونيقي 4: 17) مشتركين في مجده (1 بطرس 5: 1). فعلى المؤمنين بالمسيح ان ينمو هذه الوحدة التي مزَّقها الانشقاقات (1 قورنتس 1:10) ولكن أساسها هو الايمان في الرب الواحد (أفسس 4: 5) كي تتحقق امنية يسوع ” لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد ” يوحنا 17: 22).