الأحد الثالث من زمن السنة (ج)
البطريرك بيتسابالا
يبدأ الفصل الرابع من بشارة القديس لوقا في البرّية ونستمع اليوم للآيات ١٤– ٢١ حيث يجرب الشيطان يسوع. وبعد خروجه منتصراً من التجربة، يعود إلى الجليل (لوقا ٤: ١٤). ومن هناك يبدأ التبشير بذلك التحرير الّذي كان هو أوّل من اختبره في البرّية.
تتكلّم رواية يسوع في مجمع الناصرة تحديداً عن هذه البداية، وهي مهمّة بشكل خاص لكونها، إلى حدّ ما، مفتاح قراءة الإنجيل بكامله، وبيان لبرنامج يسوع ، كالبذرة الّتي سوف تنمو مع مرور الوقت، ولكنّها تحمل في طياتها، بإيجاز، كلّ ما تبقّى من الرواية.
يتمّ اقتياد يسوع بالروح أوّلاً إلى الجليل، إلى المجامع المختلفة، وهي مراكز تجمّع الشعب، أي الأماكن الّتي يجتمع الناس فيها للصلاة ولإعلان كلمة الربّ، ولكن أيضاً، وببساطة، بهدف التلاقي معا. ويقتاد الروح القدس يسوع أيضا إلى الحياة العاديّة لكلّ واحد، وهناك يُعلن ملكوت الربّ.
ومثلما فعل في الناصرة وفي المجامع الأخرى في الجليل، يذهب يسوع للصلاة والالتقاء بالناس. يقرأ في مدينته الناصرة كلمة أشعيا النبوية، ويعلن أن تلك الكلمة تتحقق فيه اليوم.
يقول يسوع أنّ كلّ ما سوف يفعله لن يكون سوى تحقيقا لوعد كان الربّ قد وعده على لسان الأنبياء. لا يُتمّم يسوع عملا خاصا به، فقد جاء لإتمام عمل الآب؛ إنّ الطريقة الّتي يجلب فيها يسوع ملكوت الله لا يمكن أن تكون سوى طريقة الطاعة.
لو لم يكن الأمر كذلك، لكان بإمكان يسوع أن يستمع إلى اقتراحات الشيطان واغراءاته، في البرّية: اقترح عليه الشيطان طريقة لتحقيق ملكوت يختلف عن ملكوت الآب، المذكور في الكتب المقدسة. يرفض يسوع ذلك الملكوت، وينأى بنفسه عنه، لأن ما يريده الآب مكتوب بالفعل في الكتب المقدسة، وهو يتقبلها طواعية.
إليكم توسعا في مفهوم كلمة “اليوم“.
يتمّ هذا الإعلان اليوم. وهو ليس تذكاراً للماضي. يسوع الفقراء اليوم، يبشر فقراء اليوم وليس فقراء الماضي.
إن إلهنا ليس مجرد إله الماضي، إلها قام بأشياء عظيمة ونحن نستذكرها. وهو ليس حتى إلهاً نحن ننتظر أن يأتي في مستقبل غير محدد، أو مجرد أننا سنلتقي به وسنراه بعد موتنا.
اليوم يقود الروح القدس يسوع إلينا. ولا شيء أبعد من روح الإنجيل مثل التأجيل المستمر إلى الأمس وخاصة إلى الغد: يجب أن يتم عيش الإنجيل اليوم، حتى لو كان يوما ضبابيا، وضيعا، ومعتما. إنه يبقى يومي، وفيه ألتقي بالله.
إنّ إلهنا يعيش في الحاضر. يمكننا من خلال هذا الوعي فقط أن نعيش حياتنا اليوميّة من دون اغتراب أو ملل.
لذلك يجب علينا ألا نفقد الإحساس بالأشياء الّتي بين أيدينا. يعطينا الروح اليوم، من جديد، رؤية جديدة كي نرى العالم ونحبه بقلب جديد.