الأحد الثامن من زمن السنة (ج)
الأب بيتر مدروس
كلام جميل عن جميل الكلام!
ولا ينكر أحد قوّة اللّسان. ويستغرب المرء من عبارات جميلة تتكلّم فقط عن الأفراد، وهي تغفل ضرر بعض القيادات الدّينيّة “المسيحيّة” أو المتستّرة بالمسيحيّة زورًا وبهتانًا. وما الفائدة من الأناقة واللّطف عندما يكون المضمون هجوميًّا يحثّ على الكراهيّة والجفاء؟ وقد فضح صاحب المزامير أهل القول المعسول الذي يخفي رماحًا ناريّة: “يمدّ أحدهم على أصحابه يده، وهو معه ينقض عهده! أنعم من الزّبد لسانه، ويُضمر القتال جنانه. ألين من الزّيت كلامه، غير أنّ أحاديثه سهامه” (مزمور 55( 54): 21- 22).
لطف المنشقّين عن الكنيسة وحلاوة ألسنتهم وسلبيّ أفكارهم
حذّر أمير الرّسل بطرس من “معلّمين كذبة، بحلو الكلام يجعلون (من المؤمنين البسطاء) تجارة” (2 بطرس 2: 1- 2). وفي حين يقرأ المرء في بعض الكتابات عبارات جميلة عن الوداعة والمحبّة والخير، ينتبه إلى أنّ بعض الكتّاب “والمجاهرين بالإيمان والداعين إليه” لا يتردّدون في انتقاد الكنيسة الرسولية العريقة ورئاستها وأبنائها. وقد أدرك مارتن لوثير نفسه ذك التّصرّف السلبيّ الذي هو أصلاً وفعلاً سبب وجود الجماعات المنشقّة، وحلّله تحليلاً صائبًا كالتّالي: “لا يقدر الهراطقة (أي المنشقّون عن الكنيسة) أن يظهروا بمظهر الصّلاح إلاّ إذا صوّروا الكنيسة شرّيرة وكاذبة ومخطئة.” (طبعة فايمر، 3، ص 445- ودنفليه، 1، ص 339). وبالفعل، يقضي معظم الكهنة الكاثوليك حياتهم ووعظهم وكتاباتهم من غير التّطرّق إلى الكنائس الأخرى أو الجماعات المنشقّة أو الأديان الأخرى، وشعارهم أنّ الكنيسة على حقّ، ولذا ليست بحاجة إلى أن تثبت أنّ غيرها مخطىء. ولا نقوم بنقد الجماعات المنشقّة إلاّ مُكرهين لعدم السّكوت عن الخطأ.
كلام هادىء قاتل!
إنّه الكلام اللطيف المنمّق الّذي يكتبه زعماء حركات جديدة أمريكيّة واستراليّة وأوروبيّة لخّصها القدّيس العبقريّ أوغسطينوس: “كيف قتلتموه؟ بسيف اللّسان”. ومن أفظع المواقف السّلبيّة عند إخوتنا المنشقين عن الكنيسة استهانتهم بالسّيّدة العذراء مريم، منها السّلام، وهي مواقف يلقّنونها أتباعهم. ويمنع الحياء والإكبار لوالدة السيد المسيح الفاضلة أن يورد المرء ما يقال فيها وما يُكتب، في مدرسة التّلمود. ومن أضعف المروق إغفالهم لذِكرها وعدم تهنئتها والاكتفاء بالإشادة بفاضلات نساء العهد القديم. ومن شابه أباه ما ظلم!
خاتمة: السّلبيّة تميّز المنشقّين، وترافقهم صلواتنا ومحبّتنا لعودتهم إلى الكنيسة
يهدف التّفنيد هنا، كما بيّن القدّيس بولس في رسالته الثّانية إلى تيموثاوس، “إلى التّعليم والحجاج والتّقويم والتّهذيب في البِرّ” (3: 16)، لا انتقادًا للظّلام بقدر ما هو إضاءة شمعة ودعوة للعودة. نعم، هنالك دعوة عربيّة إلى العودة إلى أرض الوطن، أقرّتها الجماعة الدّوليّة، ومطلوب الرّجوع إلى كنيسة المسيح التي هي “بيت الله الحيّ وعمود الحقّ وركنه” (1 تيموثاوس 3: 15)، فيلتحق الذي شطّ حينًا بركب الحقيقة ويلازم الحقّ والعدل، بعد أن ظلمه الذين أغووه وجنوا عليه وعلى أسرته وأطفاله وجيرانه، وأبعدوه عن الكل وقطعوا كلّ علاقة له بغيرهم، وأدخلوه في سجن مظلم بعد أن وضعوا عليه “حِجرًا” عاطفيًا ومارسوا إرهابًا فكريًّا، مهدّدين بالفصل والحرمان والآخرة التّاعسة والهلاك في “معركة هرمجدون”.
ولا يصحّ حديث لنا عن الحقّ والحقيقة من غير أن نسأل العليّ القدير إنصافنا وردّ سبينا وجلائنا، “راجين على غير رجاء” ونحن على ثقة أنّ “الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه” وأنّ “جولة الباطل” لا بدّ لها أن تنتهي “ولا بدّ للقيد أن ينكسر”إذ أنّ الله “غلب العالم”!