الخطيئة الأصليّة والتّجارب الرئيسيّة

الأب بيتر مدروس

يسرد سِفر التكوين، بإلهام من الله ووحي منه تعالى، خلق الانسان الأوّل وسقوطه وقرينته في الخطيئة (2 : 7 وتابع). وبأسلوب شعبيّ مصوّر مشوّق يُفهمنا الكاتب المقدّس عناية الله الخصوصيّة بالانسان، وجَبْله للآدميّ من أديم الأرض، أي التربة الحمراء، ودور الماء في جسد الانسان.
ومهما شكّك قوم برواية الزلّة الاولى التي جرّت على البشريّة شؤمًا وشرًّا، لا شيء أوضح من عواقب تلك الزلّة الأصليّة التي تضرب بجذورها في أعماق النفس البشريّة، “العاجزة عن صنع الخير الذي تريد والعاملة للشّرّ الذي لا تريد”. ويقول مَثَل لاتيني: “أرى الخير وأويّده ولكنّي أتبع الشّرّ”. وأحيانا نريد الشّر ونستمع به ونجد أنّه لنا خير.
وقد لخّص التعليم المسيحي – انطلاقًا من الكتاب المقدّس والتقليد الشريف – ميل البشر الى الشرّ بمفهوم الخطايا الرئيسية السبع :الطّمع (أو: البُخل) والغضب والحسد والشراهة والشهوانية والكبرياء والكسل. وعبّر علم النّفس عن تلك الخطيئة “الساكنة فينا” (عن رومية 7 : 17) بسُنَن أي قواعد المصلحة والرغبة في الحياة وإرادة التسلّط والجهد الأقلّ والمحافظة على الفرد والمحافظة على الجنس أو النّوع.
ولكنّ الله -منذ الفصل الثالث من سفر التكوين الآية الخامسة عشرة – يعد بمخلّص “يسحق رأس الحيّة” – وهو نسل للمرأة الجديدة التي هي مريم. هذه السيّدة الجليلة بريئة من “الحيّة” الجاثمة في “حوّاء” الغرور والإغراء ، وتسمو ببنات البشر بحُسنهنّ وجمالهنّ ودفئهنّ إلى قمم الرّوح والمحبّة. وفي الرسالة إلى أهل رومة (5 : 12 وتابع)، يقابل رسول الأمم الإناء المختار بين آدم من تراب الأرض الذي أوصلنا تمرّده إلى الحضيض “فلصقت بالتراب أجسادنا” وآدم الجديد الفادي الذي رفع عنّا الخطيئة وبرّر النّاس وأبرأهم بعد أن جرحتهم معصية الإنسان الأوّل .
ومع هذه الآيات البيّنات، بقي قوم في تشاؤمهم، وتوهّموا أنّ لا شفاء للشّر ولا دواء للخطيئة، وأن نفس البشر غير قادرة على الخير بعجز تامّ يكبّلها. ولن تستطيع إلى الخلاص أو الخير سبيلاً إلاّ بالنعمة التي لا تدري إن كانت ستنالها أم لا. وأنكر أولئك القوم حرّيّة الإنسان، لتوهّمهم أنّها لا محالة هاوية إلى الهلاك من جهة، ولاعتقادهم المغلوط أنّ الله حدّد مسبقًا مصير كلّ إنسان مهما فعل هذا الأخير أو حاول.
إنجيل هذا الأحد المبارك ينقل إلينا انتصار السيّد المسيح على “رئيس هذا العالم” عالم الظلمات (متّى 4 : 1 – 16). وفي نصره المبين باكورة انتصاراتنا على كلّ الشرور التي فينا ، ولا سيّما الطمع الذي يريد أن يحوّل كلّ شيء إلى مادّة متمثّلة بالخبز وبذهب الملك الأسطوري “ميداس”. وسنقهر التجربة الأخرى وهي الادّعاء والاستكبار، والتصوّر أننا نتحلّى بقدرات فائقة وأننا أكثر بكثير ممّا نحن عليه، وقد تعلّمنا أن الله “يرحم امرأ عرف قدر نفسه”. وسنتغلّب على تجربة التزّلف والتمسكن حتّى التمكّن.
صرخ بولس الرسول باسم كلّ إنسان :”من يخلّصني من جسد هذا الموت؟” والرّدّ : “نعمة الله في يسوع المسيح” (رومية 7 : 24 – 25)، “أنا أستطيع كلّ شيء بالّذي يقوّيني” (فيليبّي 4 : 13)!