الفادي العطشان

الأب بيتر مدروس

يسوع هو المخلّص الّذي أزال بين النّاس الفجوات والحواجز والجدران وبنى الجسور بالمحبة والاحسان. ها إنّه يصل إلى بئر يعقوب في مدينة “شكيم” – التي تحوّلت إلى “نيابوليس” (نابُلُس) اي المدينة الجديدة – تحت حكم السلوقيين الهلينيين من خلفاء الاسكندر الكبير. يجلس “من غير تكلّف” وهو الرافض لكلّ عقدة نفسية ومركّب نقص أو استعلاء ، ولكلّ نعرة وتمييز وخيلاء! يحطّم يسوع القيود ويزيل الحدود التي أقامتها الكبرياء من جهة والطهرانية المزيّفة من جهة أخرى بين الرّجُل والمرأة، وقد تفنّن التلموديّون الذكوريّون في امتهان بنات حوّاء عامّة والوثنيات بشكل خصوصي مع أنهم كانوا بسِحر المرأة مفتونين ولسيطرتها كارهين. خشوا من فُتنة المرأة (أي جمالها) فِتنة وحسبوها مصيبة في النعومة دفينة، مع أنّ فيها كنوز الامومة مكنونة ولكنّها قليلة الادراك منقوصة الديانة معفيّة أحيانا من الفروض والعبادات. أمّا بنات الوثنيين فنجسات منذ مولدهن (عن الكتيّب التلمودي”عبادة الاصنام” 36 ب ). ومّما زاد الطّين بلّة أنّ يسوع يخاطب سامريّة أي إحدى أدنى طبقات مجموعة بغيضة مثل الفلستيين “الغزاة” قاطني الساحل ومن البشر “الاغبياء الساكنين شكيم” الّذين لا يستأهلون أن يحسبهم المرء الحازم “أمّة” (عن يشوع بن سيراخ 50 : 25 – 26). يستغرب تلاميذ الرّب أنه يخاطب امرأة وبالذات سامرية.
تشهد لنصاعة السيد المسيح حتّى كتابات خصومه من عبرانيين ورومانيين ما “أثبتوا عليه خطيئة” “والفضل ما شهدت به الاعداء”. ولكن يجد المرء مع الاسف في كتابات بعض المحدثين في العصور الوسطى وفي أيامنا ” أحاديث مائدة” تطعن – حاشى وكلاّ – بفضيلة الرب يسوع . وقد جنى مؤخّرا كتّابها الاموال الطائلة وقد دعمتهم جهات عبرية تنكر أن يسوع نبيّ وأنه المخلّص الرب الكريم.
يسوع يتحدث مع السامرية وبهذا تلتقي النعمة بالخطيئة والبراءة بالخباثة . وبدل أن تغوي حوّاء وتغري ، يجذبها البتول ابن العذراء إلى الاعالي ، مذكّرا إيّاها بحال الحرام الذي انغمست فيه . فعلا ، كان سلوكها سيئا بمعاشرتها لخمبسة رجال بالحرام ، الواحد تلو الاخر ، من غير عقد زواج ، بخلاف تعدّد الزوجات الذي سمحت به مصادر عبرية للرجال فقط (عن شتراك بيلربيك ، العهد الجديد بتفسير التلمود والمدراش – 2 ، 437).
يُحرجها الناصريّ بقوله الفصل أنّ الرجُل الذي معها – وهو السادس – ليس زوجها. وتهرب من الموضوع بخدعة يلجأ إليها نفر من الناس غير قليل كي تتنصّل من واجباتها أو من الرّدّ على أسئلة شخصية حياتية :”تفتح سيرة الدّين” وتناقش في اللاهوتيات! أين يجب أن نعبد الله ، أفي أورشالم كما يفعل معشر العبرانيين أم على جبل جرزيم شأن السامريين؟
يجيب يسوع بقوّة أنّ العبادة الحقيقية “في الروح والحق”، في كل مكان وزمان ، وفي كل ظرف من ظروف حياة الرجُل والمرأة ، من غير تحديد . ويغيّر الفادي قلوب الحجر ومعابد الصّوان إلى قلوب من لحم وهياكل الحنان ، حيث ” لا فرق بين رجُل وامرأة ولا يهودي ويونانيّ ” بما أنّهم بالمعمودية “واحد في المسيح” (عن غلاطية 3 : 26 وتابع).