المسيح وشفاء الأعمى منذ مولده
الأب لويس حزبون
يُسلط انجيل الاحد الرابع للصوم الاضواء على شفاء الأعمى منذ مولده (يوحنا 9: 1-41) كي يعلن عن شخص السيد المسيح أنه يسوع (يوحنا 9: 11)، ونبي (يوحنا 9: 17)، ورجل الله (يوحنا 9: 33)، و”ابن الانسان” (يوحنا 9: 35)، ورب مستحق للسجود والعبادة (يوحنا 9: 38)، انه جاء يفتح بصر العين وبصيرة القلب، ليعرف المؤمنون أسرار الله، وفي نفس الوقت ليفضح عمى القيادات المُرائية المتعجرفة التي لم تستطع أن تكتشف عماها الروحي وخطاياها؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 9: 1-41)
1وبَينَما هو سائِرٌ رأَى رَجُلاً أَعْمى مُنذُ مَولِدِه.
تشير عبارة ” سائر” الى اجتياز يسوع في وسط القيادات اليهودية وقد اختفى منهم لأنهم حملوا حجارة لكي يرجموه (يوحنا 8: 59)؛ اما عبارة ” رأى” فتشير الى نظرة يسوع لا كما ينظر الآخرون إليه، إنما بروح الحب والترفق، وأتى الى الأعمى وأحبه وكما جاء في اشعيا” إِني آعتَلَنتُ لِمَن لم يَسألوا عَنِّي، ووَجَدَني الَّذينَ لَم يَطلُبوني. قُلتُ: ((هاءَنَذا هاءنَذا)) لِأُمَّةٍ لم تَدعُ بِآسْمي” (اشعيا 65: 1)؛ اما عبارة “رجل أَعْمى” فتشير الى انسان محروم من نعمة البصر أي الإدراك الحسي للضوء المرئي ولم يذكر الانجيل يُذكر اسم الاعمى، وقد تكرّرت كلمة أعمى 12 مرة في الفصل التاسع من انجيل يوحنا. وكما يقول أيوب البار “لِمَ يْعْطى لِلشَّقِيِّ نور وحَياةٌ لِذَوي النُّفوسِ المُرَّة ” (أيوب 3: 20)، ويُعلق القديس أوغسطينوس ” الاعمى منذ مولده هو رمز الى كل انسان، إن كان الشر قد وجد له جذوره فينا، فإن كل إنسانٍ ولد أعمى ذهنيًا. لأنه إن كان يرى فعلًا، فلا يحتاج إلى قائد. وإذ كان يحتاج إلى من يقوده ويُنيره، فهو إذن أعمى منذ مولده”. ويضيف “فمَن لم يولد أعمى؟ أقصد عمى القلب. ولكن الرب يسوع الذي خلق الاثنين يشفي الاثنين”.
2فسأَلَه تَلاميذُه: ((رابِّي، مَن خطئ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟)).
تشير عبارة “مَن خطئ” الى استفسار التلاميذ عن علة ميلاده أعمى، لان معلمي اليهود يرون علاقة بين الخطيئة والمرض ” جُروحي أَنتَنَت وقاحَت مِن جَرَّاءِ حَماقتَيْ “(مزمور 38: 6) بل والموت ايضا؛ فهناك قول مأثور للربانيين “ليس موت بدون خطية، ولا ألم بدون شر”؛ وقد حاول الربانيون تبرير ذلك بما ورد في تعليم حزقيال النبي “النَّفْسُ الَّتي تَخطَأُ هي تَموت” (حزقيال 18: 20)، هذا يوضح أن ما قاله التلاميذ لم يكن من وحي خيالهم، بل كان تعليمًا راسخًا في أذهان الكثير من اليهود. أمَّا عبارة ” أَهذا” فتشير الى الاعمى انه أخطأ وهو في حشا امه في أثناء الحَمْل، فتنص الشريعة ” كُلُّ امرئٍ بِخَطيئَتِه يُقتَل” (تثنية الاشتراع 24: 16). أما عبارة ” والِداه ” فتشير الى تعليم بحسب شريعة موسى “لإِنِّي أَنا الَرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيور، أُعاقِبُ إِثمَ الآباءِ في البَنين، إِلى الجِيلِ الثَّالِثِ والَرَّابِعِ، مِن مُبغِضِيَّ ” (خروج 20: 5)، فاعتقد بعض الربانيين ان عقابا جزائيا لخطايا الآباء يلحق بالأبناء، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” لقد تحدث التلاميذ هنا لا ليسألوا عن معلومات قدر ما كانوا في حيرة”. كيف يكون قد أخطأ قبل ولادته حتى يُولد هكذا، أ لعلَّ هذا بسبب خطيئة والديه؟ وما ذنبه هو ما دامت الخطيئة ارتكبها أحد الوالدين؟ “.
3أَجابَ يسوع: ((لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله.
تشير عبارة “لا هذا خَطِئَ ولا والِداه” الى رفض يسوع معالجة الموضوع كمشكلة للبحث. ولم يُجبْ يسوع على السؤال، لكنه اعتبر المرض كفرصة ليُعلم عن الايمان وليُمجِّد الله (يوحنا 5: 14، 11: 4)، فعوض إدانة المولود أعمى أو والديه وجَّه السيد المسيح أنظار تلاميذه إلى عناية الله الفائقة وخطَّته الخفية، فقد سمح بعمى البصر لكن وهب هذا المولود أعمى البصيرة الروحية كي يُمجِّد الله؛ اما عبارة ” لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله” فتشير الى المرض كفرصة لإظهار مجد الله وقدرته تعالى في عمل الله بمنح هذا الرجل السلامة الجسدية التامة. ومن هنا علينا ان نتساءل ليس من اين اتى الألم؟ ولكن ماذا نعمل ازاءه، فيصير الألم فرصة لعمل الله؟ قيل لبولس الرسول: ” حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف ” (٢ قورنتس 12: 9). يقول قائل: لماذا نعاني من أجل مجد الله؟ فيجيب القديس يوحنا الذهبي الفم “الحياة الحاضرة ليست شرورًا، ولا الخيرات هي صلاح. الخطيئة وحدها هي شر، أما العجز فليس شرًا”.
4يَجِبُ علَينا، مادامَ النَّهار، أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني. فاللَّيلُ آتٍ، وفيه لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل.
تشير عبارة “يَجِبُ علَينا ” في صيغة الجمع الى تعاون الآب والابن او وحدة الحال القائمة في الجماعة المسيحية التي كانت تعدّ عملها امتدادا لعمل المسيح، يسوع مع تلاميذه، مع كنيسته، فعمل الكنيسة هو امتداد لعمل المسيح. لكن هذه المهمة والعلاقة بالآب هما على مستوى مختلف تماما عن علاقته بتلاميذه كما صرّح يسوع ” إِنَّ أَبي ما يَزالُ يَعمَل، وأَنا أَعملُ أَيضاً” (يوحنا 5: 17). أما عبارة “يجب” فتشير الى التزام المحبة والطاعة والوحدة مع الآب في تحقيق هذا العمل؛ أمَّا عبارة ” ما دامَ النَّهار” فتشير الى وقت العمل. ان الله وهبنا النهار للعمل كما يترنَّم صاحب المزامير ” يَخرُجُ الإِنسانُ إِلى شُغلِه وإِلى عَمَلِه حتَّى المَساء” (مزمور 104: 23)، لذا يليق بنا ألا نلهو في نهار عمرنا ولا نفسده، بل نجاهد في طاعة لله أبينا حتى متى حل المساء صار لراحتنا. ما دام نهار يمكن للشعب أن يؤمن بالله وبيسوع، فالنهار لنا هو مدة حياتنا على الأرض. هو يريد أن يعمل معنا فهل نسلم له حياتنا ونعمل معه؛ أمَّا عبارة ” أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني ” فتشير الى أعمال يسوع حيث تجلّى نشاط الآب الخلاصي في يسوع من أجل خير جميع البشر، فهو سبيل الوحيد الى الخلاص. كما يؤكد يسوع بقوله “جَميعُ ما هو لي فهو لَكَ، وما هو لَكَ فهو لي ” (يوحنا 17: 10)، لأنه مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك ” جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ” (يوحنا 16: 15). اما عبارة ” اللَّيلُ آتٍ” فتشير الى المستقبل حيث لا يقدر أحد أن يعمل. وليل الشخص قد يعني يوم موته أو خطاياه التي ينغمس فيها بلا توبة. وهناك ليل عام وهو يوم الدينونة حين تنتهي فرصة كل إنسان خاطئ أعمى من أن يستنير بنور المسيح، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “لم يقل: “أنا لا أستطيع أن أعمل”، بل ” لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل”، بمعنى أنه لا يعود يوجد إيمان ولا أعمال ولا توبة”، أما بولس فيدعو الحياة الحاضرة ليلًا، لأن من يستمر في شره وعدم إيمانه فهو في ظلمة “قد تَناهى اللَّيلُ واقتَرَبَ اليَوم. فْلنَخلَعْ أَعمالَ الظَّلام ولْنَلبَسْ سِلاحَ النُّور” (رومة 12: 13). أمَّا عبارة ” لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل” فتشير الى تشبيه حياة الانسان بيوم عمل. ويُعلق القديس أوغسطينوس “يا له من إنسان شقي! عندما كنتَ عائشًا كان وقت للعمل، الآن أنت في ليلٍ (ميت)، حيث لا يقدر إنسان أن يعمل “.
5ما دُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم.
تشير عبارة “ما دُمتُ في العالَم” الى يسوع ما دام هو إنسان انه في هذا العالم الى حين، الى وقت قصير، لكنه بكونه إله يوجد في كل الأزمنة “هاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم ” (متى 28: 20). وأمَّا عبارة ” أَنا نورُ العالَم ” فتشير الى يسوع الذي اتى البشر بالنور الذي يُمكنهم بالسير بأمان، بل إنَّه نبع النور وعمله هو إشراق نوره على الجالسين في الظلمة “أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة ” (يوحنا 8: 12)، إنه شمس البرّ الذي يُنير نفوسنا وأذهاننا وكل أعماقنا، ويُعلق القديس كيرلس الكبير “الابن الوحيد هو نور ليس فقط للعالم، بل ولكل خليقة علوية”. ففي شخص يسوع الذي دخل بالصليب في مجد الآب، عليهم ان يروا ” النور” أي ذاك الذي يُظهر الطريق المؤدي الى الحياة الحقيقية لدى الآب (يوحنا 8: 12). لا نور في العالم سوى نور المسيح. هو وحده حامل الخلاص (يوحنا 8: 12، 12: 35). لذا يوصينا يسوع “آمِنوا بِالنُّور، ما دام لكُمُ النُّور” (يوحنا 12 :36).
6قالَ هذا وتَفَلَ في الأَرض، فجَبَلَ مِن تُفالِه طيناً، وطَلى بِه عَينَي الأَعْمى
تشير عبارة ” تَفَلَ ” الى البصاق الذي له خصائص شفائية بحسب اعتقاد الاقدمين. يقوم يسوع بعمل مألوف لكن يضفي عليه فعاليّة جديدة (مرقس 7: 33). اما عبارة “جَبَلَ مِن تُفالِه طيناً، وطَلى بِه عَينَي الأَعْمى” الى استخدام يسوع هذه الوسائل لكنه اعطاها طابعا آخر للوصول الى الايمان. فقد حقق المسيح شفاءاته، وأيّد كرازته بعلامات مادية وافعال رمزية (يوحنا 9: 6) كما جاء في تعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية (1151). ويستعمل يسوع وسائلنا البشرية، بما فيها من التباس كي يعلن من خلالها حقائق تدخلنا في إطار الملكوت، حيث أنه استخدم التراب ليؤكد أنه الخالق المخلص وان سرّ القوة في المسيح نفسه وفي عمل يديه. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “عندما أراد أن يشفيه نزع عماه بأمرٍ يزيد العمى، إذ وضع طينًا”.
7ثُمَّ قالَ له: ((اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ))، أَي الرَّسول. فذَهَبَ فاغتَسَلَ فَعادَ بَصيراً.
تشير عبارة ” فَاغتَسِلْ” الى معنى المعمودية، والمعمودية هي موت وقيامة مع المسيح المرسل من الله كما جاء في تعليم بولس الرسول “أَوَتَجهَلونَ أَنَّنا، وقَدِ اَعتَمَدْنا جَميعًا في يسوعَ المسيح، إِنَّما اعتَمَدْنا في مَوتِه فدُفِنَّا مَعَه في مَوتِه بِالمَعمُودِيَّةِ لِنَحْيا نَحنُ أَيضًا حَياةً جَديدة (رومة 6: 3-4)؛ امَّا عبارة ” بِركَةِ سِلوامَ ” فتشير الى بركة سلوان الواقعة في وادي قدرون جنوب شرق اورشليم (2 ملوك 20: 20، اشعيا 8: 6). وهي تعود الى الملك حزقيا، الذي بنى قناة تحت الارض لتُمدَّ المدينة بالمياه من عين جيحون (عين ستنا مريم) خارج اسوار اورشليم الى البركة داخل الأسوار ليكون هناك مياه في أورشليم أثناء حصارها (2 ملوك 20: 20). وتدعى سلوام Σιλωάμ وفي العبرية הַשִּׁלֹּחַ أي الرسول او المرسل إمَّا لأن هذا الينبوع يُعتبر عطية مرسلة من قبل الله لأجل استخدام مياهه في المدينة، كما يقول اشعيا النبي “لِأَنَّ هذا الشَّعبَ قد نَبَذَ مِياهَ سِلْوامَ الجارِيَةَ روَيداً رُوَيداً” (اشعيا 8: 6)، أو لأن مياهها كانت تُرسل عبر قنوات أو أنابيب إلى جهات متباينة. ولفظة הַשִּׁלֹּחַ أي المرسل هو أحد القاب يسوع، المرسل من الآب لخلاص البشر كما أعلن يسوع “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما كانَ الرَّسولُ أَعظَمَ مِن مُرسِلِه”(يوحنا 13: 16). ان السيد المسيح يُدعى المُرسل، إذ هو رسول العهد “هاءَنَذا مُرسِلٌ رَسولي ” (ملاخي 3: 1)، فبِركَةِ سِلوامَ ترمز للسيد المسيح المُرسل من قبل الآب لإنارة النفوس وشفائها. ويكرر السيد المسيح في إنجيل يوحنا أن الآب قد أرسله. فكما يدعو يسوع الأعمى أن يذهب إلى بركة سلوام كذلك يدعو كل نفس تحتاج إلى الاستنارة أن تذهب إليه، وكما ان ماء البركة سلوم (الرسول) أعادت البصر الى الاعمى، كذلك الرسول المسيح يأتي بنور الوحي الى البشر. لعلَّ في ذلك تلميحا الى ليتورجيا المعمودية. فطلب يسوع من الأعمى أن يغتسل في بركة سلوام ليؤكد الحاجة إلى مياه المعمودية. فالمعمودية هي استنارة الروح القدس خلال الميلاد الجديد (العبرانيين 6: 4)؛ امَّا عبارة ” فذَهَبَ فاغتَسَلَ ” فتشير الى طاعة الاعمى في كل شيء في يقين وثقة وهدوء ليسوع الذي امره فأطاعه ولم يفعل شيئًا مضادًا له. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” لِم لمْ يشفي السيد المسيح الاعمى في الحال، بل أرسل الأعمى إلى بركة سلوام؟ فيجيب “ليُعرف إيمان الأعمى، ولكي يُبكم مكابرة اليهود، ولأنه كان واجبًا أن يُبصره كل من التقى به ذاهبًا إلى البركة “؛ واما عبارة ” فَعادَ بَصيراً” فتشير الى انتقال الاعمى من الظلمة الى النور على مستوى الجسد والروح معا.
8فقالَ الجيرانُ والَّذينَ كانوا يَرونَه مِن قَبلُ لأَنَّه كانَ شحَّاذاً: ((أَلَيسَ هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟))
تشير عبارة ” الجيرانُ والَّذينَ كانوا يَرونَه مِن قَبل لأَنَّه كانَ شحَّاذاً ” الى الفئة الأولى التي رأت المعجزة. وقد دُهشوا بالشفاء لدرجة انهم اخذوا يشكّون في هوية الرجل
9وقالَ آخَرون: ((إِنَّه هو)). وقالَ غَيرُهم: ((لا، بل يُشبِهُه)). أَمَّا هوَ فكانَ يقول: ((أَنا هو)).
تشير عبارة “قالَ آخَرون: ((إِنَّه هو)” الى الفئة التي عاينت ما حدث مع الاعمى، إذ تمّ كل شيء علانية، اما عبارة ” وقالَ غَيرُهم: ((لا، بل يُشبِهُه)) ” فتشير الى الفئة التي لم تصدق: “إنه يشبهه”، لأن عينا الاعمى المفتوحتان أعطته شكلًا مغايرًا تمامًا عما كان عليه. اما عبارة “أَمَّا هوَ فكانَ يقول: ((أَنا هو))” فتشير الى شهادة الاعمى أنه هو ذاك الذي كان قبلًا اعمى يستعطي الناس والآن يتمتع بشفاء نعمة الله الفائقة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” لم يخزَ من عماه الأول، ولا خشي غضب الجمع، ولا استعفى من إظهار ذاته لينادي بمن أحسن إليه”.
10فقالوا له: ((فكَيفَ انفَتَحَت عَيناكَ؟)) 11فأَجابَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُقالُ لَه يسوع جَبَلَ طيناً فطَلى بِه عَينَيَّ وقالَ لي: ((اِذهَبْ إِلى سِلوامَ فَاغتَسِل. فذَهَبتُ فَاغتَسَلَتُ فَأَبصَرتُ)).
تشير عبارة “إِنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُقالُ لَه يسوع ” في أصلها اليوناني ἄνθρωπος بمعنى الانسان، وليس أي انسان، الذي يقال له يسوع. فالأعمى رأى المسيح أنه في وضع يفوق كل الناس، بالرغم انه لم يكن قد عرف يسوع مسبقاً، لكنه سمع عنه، وسمع صوته حين أمره أن يغتسل في بركة سلوام، لقد شعر بأنه صنع طينا بنفسه وطلى به عينيه؛ امَّا عبارة “اذهَبْ إِلى سِلوامَ فَاغتَسِل” فتشير الى وصف العملية التي سببت الشفاء ويُنسبها الى يسوع، اما عبارة” ذَهَبتُ فَاغتَسَلَتُ فَأَبصَرتُ” فتشير الى مسيرة المعمودية (رومة 6: 3-4).
12فقالوا له: ((أَينَ هو؟)) قال: ((لا أَعلَم)).
تشير عبارة “لا أَعلَم” الى توارى يسوع عن الأنظار للحال بعد أن أمر الاعمى بالذهاب إلى بركة سلوام. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “لاحظوا تواضع المسيح، فإنه لم يستمر مع مَن يشفيهم، لأنه لم يطلب أن يحصد مجدًا، ولا أن يجتذب الجماهير، ولا أن يظهر نفسه”.
13فَذَهبوا إِلى الفِرِّيسيِّينَ بِذاكَ الَّذي كانَ مِن قَبْلُ أَعْمى.
تشير عبارة “فَذَهبوا إِلى الفِرِّيسيِّينَ بِذاكَ الَّذي كانَ مِن قَبْلُ أَعْمى” الى إحضار الاعمى المُعافى الى امام الفريسيين الذين هم فرع من المجلس المحلي باعتبار ان فعل الشفاء يوم السبت تضمّن مخالفة للناموس. وقد أنتقل عمى هذا الرجل الى عمى الفريسيين (يوحنا 9: 40).
14وكانَ اليَومُ الَّذي فيه جَبَلَ يسوعُ طيناً وفَتحَ عيَنَيِ الأَعمى يَومَ سَبْت.
تشير عبارة ” يَومَ سَبْت” في العبرية יוֹם הַשַּׁבָּת الى يوم الراحة الأسبوعية لدى اليهود والاحتفال الديني للأسرة، وهو يوم العبادة عند اليهودية وكانت المعالجة محرّمة يوم السبت الاّ في حالة الطوارئ (يوحنا 5: 9). في زمن يسوع، كان إفتاء الربانيين يُجيز مخالفة شريعة السبت لإغاثة إنسان في خطر الموت، ولكنه لم يكن يتساهل في أي عمل طبي، فينظر الفقهاء الفريسيون الى الشفاء، حتى الشفاء العجائبي، نظرهم الى عمل طبي، فهو لذلك عمل محرّم يوم السبت (لوقا 7: 7). امَّا عبارة ” جَبَلَ يسوعُ طيناً وفَتحَ عيَنَيِ الأَعمى يَومَ سَبْت” فتشير الى ان العناية بالمرضى من الاعمال الممنوعة يوم السبت. وكان الفريسيون قد أعدوا قائمة طويلة من الأوامر والنواهي بيوم السبت، ويُعد عجين الطين وشفاء الرجل من الاعمال وبالتالي فيه ممنوعة. اما موقف يسوع فقد استباح استراحة السبت لشفاء المرضى معتمدا على حجج راّبّينية “أَيُّها المُراؤون، أَما يَحُلُّ كُلٌّ مِنكُم يومَ السَّبْتِ رِباطَ ثَورِه أَو حِمارِه مِنَ المِذوَد، ويَذهَبُ بهِ فيَسقيه؟ وهذِه ابنَةُ إِبراهيمَ قد رَبطَها الشَّيطانُ مُنذُ ثَمانيَ عَشرَةَ سَنَة، أَفما كانَ يَجِبُ أَن تُحَلَّ مِن هذا الرِّباطِ يَومَ السَّبْت؟ (لوقا 13: 15-16).
15فسأَلَهُ الفِرِّيسيُّونَ أَيضاً كَيفَ أَبصَر. فقالَ لَهم: ((جَعَلَ طيناً على عَينَيَّ ثُمَّ اغتَسَلتُ وها إِنِّي أُبصِر)).
تشير عبارة “سأَلَهُ الفِرِّيسيُّونَ أَيضاً كَيفَ أَبصَر” الى قصد الفريسيين من السؤال ليس التعرف على الحقيقة، وإنما ليجدوا علة يشتكون بها على شخص يسوع، ويشوهون بها صورته أمام جمهور الشعب. اما عبارة “جَعَلَ طيناً على عَينَيَّ ثُمَّ اغتَسَلتُ وها إِنِّي أُبصِر” فتشير الى ان أقواله في الاستجواب الثاني لم تكن مخالفة لأقواله في الاستجواب الأول، غير أنه لم يذكر عن السيد المسيح “صنع طينًا” (يوحنا 9: 10).
16فقالَ بَعضُ الفِرِّيسيِّين: ((لَيسَ هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لأَنَّه لا يَحفَظُ شَريعةَ السَّبْت)). وقالَ آخَرون: ((كَيفَ يَستَطيعُ خاطِئٌ أَنَ يَأتيَ بِمثِلِ هذهِ الآيات؟)) فوَقَعَ الخِلافُ بَينَهم.
تشير عبارة “لَيسَ هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لأَنَّه لا يَحفَظُ شَريعةَ السَّبْت” الى الفئة الأولى التي ادّعت ان يسوع ليس من الله، لأنه لا يراعي حُرمة السبت (تثنية الاشتراع 13: 1-6)، ويعلق القديس أوغسطينوس ” في الحقيقة يا اخوة هذا ما حثنا عليه الله عندما أمرنا بالسبت: ” لا تَعمَلوا فيه عَمَلَ خِدْمَة (العبودية) ” (الأحبار 23: 8). الآن ارجعوا إلى الدروس السابقة واسألوا ماذا يعني بعمل خدمة او عبودية، وأصغوا إلى الرب: ” كُلُّ مَن يَرتَكِبُ الخَطيئَة يَكونُ عَبْداً لِلخَطيئَة” (يوحنا 8: 34)، اما يسوع فشفى يوم السبت لإبراز مفهوم السبت، إنه راحة في الرب، في ممارسة عمل الرب من حب ورحمة، وليس في حرفية قاتلة بالامتناع عن الأعمال اليومية الضرورية وأعمال المحبة؛ ومن هنا جاءت توصية بولس الرسول في هذا الصدد ” فلا يَحكُمَنَّ علَيكم أَحَدٌ في المَأكولِ والمَشروب أَو في الأَعيادِ والأَهِلَّةِ والسُّبوت،” (قولسي 2: 16). اما عبارة “كَيفَ يَستَطيعُ خاطِئٌ أَنَ يَأتيَ بِمثِلِ هذهِ الآيات؟” فتشير الى فئة أخرى ان يسوع من الله بما انه أجرى معجزة الشفاء، وأن الشفاء علامة صادقة على صدق رسالته، والله لا يستجيب للخاطئين (يوحنا 9: 31-33). اما عبارة ” فوَقَعَ الخِلافُ بَينَهم” فيشير القديس يوحنا الذهبي الفم عن سبب الخلاف” لأن بعضهم منعهم حبهم للرئاسة عن المجاهرة بالسيد المسيح، وبعضهم أسكتهم جبنهم وخوفهم من الكثيرين”.
17فقالوا: أَيضاً لِلأَعمى: ((وأَنتَ ماذا تَقولُ فيه وقَد فَتَحَ عَينَيكَ؟)) قال: ((إِنَّهُ نَبِيّ)).
تشير عبارة “وأَنتَ ماذا تَقولُ فيه وقَد فَتَحَ عَينَيكَ؟” الى طلب الفريسيين طلب من الاعمى المُعافى ان يصرّح عن اعتقاده بيسوع وذلك كي يفضّ الخلاف بين الجماعات المتنازعة؛ اما عبارة ” إِنَّهُ نَبِيّ” فتشير الى ان يسوع رجل الله، يتكلم ويعمل باسم الله، وله سلطان يفوق الطاقات البشرية كما اعترفت فيه السامرية (يوحنا 4: 19).
18على أَنَّ اليَهودَ لم يُصَدِّقوا أَنَّه كانَ أَعْمى فأَبصَر، حتَّى دَعَوا والِدَيه.
تشير عبارة ” اليَهودَ ” الى اسم يهوذا، من أبناء يعقوب الذين أصبحوا أبناء شعب يتميزون بأتباع الدين اليهودي وثقافته وتراثه؛ اما هنا فيقصد باليهود السلطات الدينية، خاصة الفريسيين وأعضاء المجمع المحلي. اما عبارة “لم يُصَدِّقوا أَنَّه كانَ أَعْمى فأَبصَر حتَّى دَعَوا والِدَيه ” فتشير الى حطِّ من قدر حقيقة الشفاء. فرفضوا المعجزة وحاولوا ان يلغوها من قلب الاعمى وقلب والديه.
19فسأَلوهما: ((أَهذا ابنُكما الَّذي تَقولانِ إِنَّه وُلِدَ أَعمى؟ فكَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن؟)) 20فأَجابَ والِداه: ((نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا ابنُنا، وأَنَّه وُلِدَ أَعْمى.
تشير العبارة” نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا ابنُنا،” الى اعتراف والداه بأنه ابنهما الذي كان أعمى يستعطي، أما عبارة “وُلِدَ أَعْمى” فتشير الى تأييد والدي الاعمى حقيقة ان ابنهما اعمى منذ مولده. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “حاول اليهود أن يطمسوا المعجزة بالظلمة ويزيلوها. ولكن هذه هي طبيعة الحق، بذات الوسائل التي يُهاجم بها من البشر، يصير الحق أقوى، ويشرق بذات الوسائل التي تُستخدم لطمسه”.
21أَمَّا كَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن، فلا نَدْري، ومَن فَتَحَ عَينَيه فنَحنُ لا نَعلم. إِسأَلوهُ، إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، سَيَتكلَّمُ هو بِنَفسِه عن أَمرِه)).
عبارة “أَمَّا كَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن، فلا نَدْري، ومَن فَتَحَ عَينَيه فنَحنُ لا نَعلم ” تشير الى خوف والدي الاعمى ان يقفا مع ابنهما. خافا البشر فنصبا شركًا لنفسيهما ولابنهما، وكما يقول الحكيم: ” خَشيَة البَشَرِ تُلْقي فَخًّا والمُتَّكِلُ على الرَّبِّ هو في أَمان”(أمثال 29: 25). ويُظهر أنجيل لوقا آية الاعمى على ضوء الحالة التي يعيشها المسيحيون ومضايقات اليهود لهم (يوحنا 12: 42). اما عبارة ” إِسأَلوهُ، إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، سَيَتكلَّمُ هو بِنَفسِه عن أَمرِه” الى إحالة الوالدين السؤال الى ابنهما،
22وإِنَّما قالَ والِداهُ هذا لِخَوفِهِما مِنَ اليَهود، لأَنَّ اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح.
تشير عبارة “لِخَوفِهِما مِنَ اليَهود” الى قرار اتخذه اليهود بان يطردوا من المجمع كل من يقول إن يسوع هو المسيح. لكن الايمان يجب ان يتغلب على الخوف من عقوبات الشريعة. لا يكون الايمان صحيحاً الاّ إذا التزم بدون تحفظ حتى الاعتراف العلني الذي قد يؤدي الى الفصل عن جماعة إسرائيل او الاضطهاد او الاستشهاد (يوحنا 9: 22، 12: 42، 17: 1-14). اما عبارة ” يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ ” فتشير الى اتخاذ الدين اليهودي بعض القوانين لفصل فئة من المذنبين من المجمع. الفصل من المجمع يُحسب كمن قد ارتد عن الإيمان اليهودي، وعزل نفسه عن الجماعة، ويُحسب متمردًا وخائنًا للقيادة الدينية. ولم يظهر تحريم المسيحيين من الدخول الى المجمع إلاّ في أواخر القرن الأول. ” ومن المحتمل ان يوحنا نسب الى الماضي قانونا حديثا (يوحنا 12: 42، 16: 2). ويعلق القديس أوغسطينوس ” لم يعد الطرد من المجمع بالأمر الشرير. هم يُطردون والمسيح يستقبلهم
23فلِذَلكَ قالَ والِداه: إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، فاسأَلوه. 24فَدَعَوا ثانِيَةً الرَّجُلَ الَّذي كانَ أَعمى وقالوا له: ((مَجِّدِ الله، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا الرَّجُلَ خاطِئ)).
تشير ” مَجِّدِ الله ” الى دعوة للرجل للقسم باسم الله بقول الحق، وهكذا يتمجد الله الذي يراه، وإلا فهو يُهين العزة الالهية. فطال اليهود المتهم بالاعتراف بالحق خوفاً من الله، وأرادوا أن يتشبَّهوا بيشوع بن نون عندما حكم على عاكان بالرجم إذ طلب منه أولًا”مَجِّدِ الرَّبَّ” (يشوع 7: 19). ويعلق القديس أوغسطينوس ” ماذا يعني ” مَجِّدِ الله “؟ اجحد ما قد نلته. فإن مثل هذا التصرف لا يُمجد الله بل هو تجديف عليه “. وهذ ا الطلب يدل هنا على ضغط الفريسيين على الرجل حتى يعلن خطأه. اما عبارة “نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا الرَّجُلَ خاطِئ” فتشير إلى مراءاة اليهود الذين في حضور المسيح لم يجسر أحد أن يتهمه لما سألهم مَن مِنكم يُثبِتُ عَليَّ خَطيئة؟ (يوحنا 8: 46)، لكن من ورائه يقولون “نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا الرَّجُلَ خاطِئ “، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ويسألهم “من أين عرفتم أنه خاطئ؟ “
25فأَجاب: ((هل هو خاطِئٌ لا أَعلَم، وإِنَّما أَعلَمُ أَنِّي كُنتُ أَعْمى وها إِنِّي أُبصِرُ الآن))
تشير عبارة ” أَعلَمُ أَنِّي كُنتُ أَعْمى وها إِنِّي أُبصِرُ الآن” الى خبرة الاعمى مع يسوع وإصراره على صحة الشفاء واعترافه بالمعجزة. انه لم يخف قول الحقيقية وبذلك صار شاهدًا حقيقيًا لشخص السيد المسيح. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” هكذا حفظ نفسه بعيدًا عن الشكوك، فلا تفسد شهادته، ولا يتكلم عن تحيز، بل يقدم شهادات من خلال الواقع “.
26فقالوا له: ((ماذا صَنَعَ لكَ؟ وكَيفَ فتَحَ عَينَكَ؟))
تشير عبارة “ماذا صَنَعَ لكَ؟ وكَيفَ فتَحَ عَينَكَ؟” الى إعادة اليهود استجوابه بطريقة أخرى لعلهم يجدون في إجابته ما يناقض ما سبق فقاله في الاستجواب الاول، فيجدون علة ًعلى السيد المسيح
27أَجابَهم: ((لقد قُلتُه لَكم فلَم تُصغُوا، فلِماذا تُريدونَ أَن تَسمَعوه ثانِيَةً؟ أَتُراكم تَرغَبونَ في أَن تَصيروا أَنتُم أَيضاً تَلاميذَه؟))
تشير عبارة “لقد قُلتُه لَكم فلَم تُصغُوا، فلِماذا تُريدونَ أَن تَسمَعوه ثانِيَةً؟” الى عدم وجود تناقض في شهادة الرجل بالرغم من الأسئلة المتعاقبة. اما عبارة” أَتُراكم تَرغَبونَ في أَن تَصيروا أَنتُم أَيضاً تَلاميذَه؟” الى سؤال استهزاء بالفريسيين حيث كان اهتمامهم هذا يقود الى طريق التلمذة ليسوع؛ ويعلق القديس أوغسطينوس “ماذا يعني قوله: “ألعلكم أنتم تريدون أن تصيروا له تلاميذ؟” فمن جهتي أنا (الاعمى) قد صرت فعلًا تلميذا له، أتريدون أنتم أيضًا؟ إنني الآن أرى، أرى بدون ارتياب”.
28فشَتَموه وقالوا: ((أَنتَ تِلميذُه، أَمَّا نَحنُ فَإِنَّنا تَلاميذُ مُوسى.
تشير عبارة “شَتَموه” الى ان اليهود سبَّوه، وعابوه، ووصفوه بما فيه نقصٌ وازدراء. لقد تعرض إيمان الاعمى بشدة للامتحان على يد بعض من ذوي السلطة. وفي هذا الصدد قال يسوع ” طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي” (متى 5: 11)؛ أما عبارة ” أَنتَ تِلميذُه” فتشير الى استخفاف اليهود بالأعمى المعافى، بالرغم من أنه لم يكن بعد قد رآه، ولا سمع لعظاته، لكنهم حسبوه تلميذه لأنه يشهد له، أما هو فكان يعتز بأن يكون تلميذه. اما عبارة “أَمَّا نَحنُ فَإِنَّنا تَلاميذُ مُوسى” فتشير الى افتخار الفريسيين بعلاقتهم بموسى النبي كمعلمٍ لهم، وهم لا يحتاجون إلى معلمٍ آخر. ولكن لو كانوا حقاً تلاميذ موسى لالتصقوا بالسيد المسيح الذي تنبأ عنه موسى، عوض مقاومتهم له. ويعلق القديس أوغسطينوس “أهكذا تتبعون العبد (موسى) وتعطون القفا للرب يسوع؟ فإنكم بهذا لستم تتبعون العبد، لأنه هو نفسه يقود إلى الرب ي”. ان الفريسيين يعتبرون نفوسهم تلاميذ موسى، حامل الشريعة، فيما الاعمى من تلاميذ المسيح. فالمسيح، حامل الوحي التام والنهائي تفوَّق على موسى كما صرّح يسوع ” الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: لم يُعطِكُم موسى خُبزَ السَّماء بل أَبي يُعطيكُم خُبزَ السَّماءِ الحَقّ” (يوحنا 6: 32).
29نحَنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوسى، أَمَّا هذا فلا نَعلَمُ مِن أَينَ هو)).
تشير عبارة ” أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوسى ” الى المكانة التي احتلتها الشريعة في الدين اليهودي التي رفعت شأن موسى. المشترع. وكان الفريسيون يُعدُّونه المعلم المثالي. اما عبارة ” أَمَّا هذا فلا نَعلَمُ مِن أَينَ هو ” فتشير الى تخبط اليهود بين اقوالهم “أَمَّا هذا فلا نَعلَمُ مِن أَينَ هو ” (9: 29) وبين أقواله الناس “على أَنَّ هذا نَعرِفُ مِن أَينَ هو” (يوحنا 7: 27). فتساءل الفريسيين عن أصل يسوع وسلطانه يدلّ على اندحارهم الظاهر وانهزامهم.
30أجابَهُمُ الرَّجُل: ((فعَجيبٌ أَن لا تَعلَموا مِن أَينَ هو وقَد فتَحَ عَينَيَّ.
تشير عبارة ” فعَجيبٌ أَن لا تَعلَموا مِن أَينَ هو وقَد فتَحَ عَينَيَّ ” الى دهشة الرجل الاعمى انهم أنهم يجلسون على كرسي القضاء ويجهلون أصل شخص قوّته تجري معجزات كهذه بالرغم هناك عدة حقائق: فتح يسوع عينيه، والله لا يسمع للخطأة (مزمور 66: 18) بينما هم يقولون إنهم يعلمون بأن هذا الإنسان خاطئ في حين الله يسمع للأتقياء الذين يعملون إرادته وأنه لم يسمع في تاريخ العالم أن أحدًا فتح عيني مولود أعمى. إن برهان الذي قدّمه الاعمى تفوق فيه على العلماء والفقهاء من الفريسيين واليهود، وقد شكر يسوع الاب السماوي على هذه النعمة “أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار” (متى 11: 25).
31نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ لِلخاطِئين، بل يَستَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وعَمِلَ بِمَشيئتِه.
تشير عبارة ” أَنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ لِلخاطِئين ” الى رد فعل الاعمى على الفريسيين الذين نفوا ان يكون يسوع من الله وذلك بحقيقة شائعة كما ورد في نبوءة اشعيا ” فحينَ تَبسُطونَ أَيدِيَكم أَحجُبُ عَينَيَّ عنكم وإِن أَكثَرتُم مِنَ الصَّلاةِ لا أَستَمعُ لَكم لِأَنَّ أَيدِيَكم مَمْلوءَةٌ مِنَ الدِّماء ” (اشعيا 1: 15). وردت لفظة “الخاطئين” في اليونانية ἁμαρτωλῶν ومعناها الوثنيين غير المؤمنين، اما كلمة لِمَنِ اتَّقاهُ في اليونانية θεοσεβὴς فهي تعني المتعبد لله. اما عبارة ” يَستَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وعَمِلَ بِمَشيئتِه” فتشير الى الجمع بين التقوى التي يمتاز بها اليونانيون والطاعة لله التي تستند على الكتاب المقدس.
32ولَم يُسمَعْ يَوماً أَنَّ أَحداً مِنَ النَّاسِ فتَحَ عَينَي مَن وُلِدَ أَعْمى.
تشير عبارة ” فتَحَ عَينَي مَن وُلِدَ أَعْمى” الى المعجزة الوحيدة الذي تدور على شفاء اعمى منذ مولده وقد حدثت لأول مرة في تاريخ البشرية. وهذا يدل على ان يسوع هو رجل الله. اما شفاء انسان أصيب بالعمى وأصبح كفيفا، فقد حدث سابقا على سبيل المثال شفاء والد طوبيا “بِأَنَّ اللهَ قد أَنعَمَ علَيه بِرَحمَتِه ففَتَحَ عَينَيه” (طوبيا 7: 17)، فهو لم يكن أعمى منذ مولده.
33فلَو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لَما استَطاعَ أَن يَصنَعَ شَيئاً)).
تشير عبارة ” الرَّجُلُ مِنَ الله ” الى انه ما من أحد في إسرائيل حتى اليوم كان رجل الله بمقدار يسوع المسيح.
34أَجابوه: ((أَتُعَلِّمُنا أَنتَ وقد وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا؟)) ثُمَّ طَردوه.
تشير عبارة “أَتُعَلِّمُنا أَنتَ وقد وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا؟” الى غضب الفريسيين الين عبّروا عنه بشتم الرجل واساءته، إذ ان حجّته ليس لها رد. امَّا عبارة ” ثُمَّ طَردوه” فتشير الى اضطهاد الاعمى بسبب تأديته للشهادة للمسيح.
35فسَمِعَ يسوع أَنَّهم طَردوه. فلَقِيَه وقالَ له: ((أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان؟))
تشير عبارة “طَردوه” في اليونانية ἐξέβαλον αὐτὸν ἔξω أي اخرجوه خارجا، ولكنها لا تعني الحرم الرسمي. أما عبارة ” لَقِيَه ” فتشير الى بحث السيد المسيح عن الاعمى ليجده. وجده حين طرده الفريسيون، وحرموه من حقه كعضوٍ في شعب الله. بحث عنه حتى وجده، فالمسيح يبحث عن كل من خسر شيئاً لأجله ليعطيه اختبارا أعمق. إنه ” أبو اليَتامى ومُنصِفُ الأَرامل ” (مزمور 68: 6). التقى الاعمى مع ابن الانسان الآتي من السماء ليجمع البشر، انه مسيح المطرودين والمرذولين. اما عبارة “ِابنِ الإِنسان ” فتشير الى لقب يسوع، وقد لمّح اليه دانيال النبي في رؤيته (دانيال 7: 9-15) وذكر هذا اللقب على لسان يسوع في اثناء الدعوى امام مجلس اليهود قائلا ” أَنا هو. وسَوفَ تَرونَ ابنَ الإنسانِ جالِساً عن يَمينِ القَدير، وآتِياً في غَمامِ السَّماء” (مرقس 14: 62)، اما عبارة “أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان؟” يعادل “أتؤمن بابن الله؟” لأن هاتين السِمتين لا تنفصلان كما آمن نَتَنائيل فشهد “راِّيي، أَنتَ ابنُ الله” (يوحنا 1: 34)
36أَجاب: ((ومَن هو. يا ربّ، فأُومِنَ به؟)) 37قالَ له يسوع: ((قد رَأَيتَه، هو الَّذي يكَلِّمُكَ)).
تشير عبارة ” مَن هو” الى فهم الرجل معنى لقب “ابن الانسان” ولكنه لا يعرف الى من يشير. اما عبارة “هو الَّذي يكَلِّمُكَ ” فتشير الى اعلان يسوع انه المسيح. فيسوع قريب من الانسان كما يقول الرسول بولس: لا تَقُلْ في قَلْبِكَ: مَن يَصعَدُ إِلى السَّماء؟ (أَي لِيُنزِلَ المسيح) أَو: مَن يَنزِلُ إِلى الهاوِيَة؟ (أَي ليُصعِدَ المسيحَ مِن بَينِ الأَموات) (فماذا يَقولُ إِذًا؟ ((إِنَّ الكَلامَ بِالقُرْبِ مِنكَ، في فَمِكَ وفي قَلبِكَ” (رومة 10: 6-8).
38فقال: ((آمنتُ، يا ربّ)) وسجَدَ له.
تشير عبارة ” يا ربّ” وفي الاصل اليوناني κύριε “ومعناها يا سيد، الى اسم المخلص يسوع المسيح في الجماعة المسيحية بعد قيامته كما جاء في تعليم بولس الرسول “وجُعِلَ ابنَ اللهِ في القُدرَةِ، بِحَسَبِ روحِ القَداسة، بِقِيامتِه مِن بَينِ الأَموات، أَلا وهو يسوعُ المسيحُ ربّنا” (رومة 1: 4). وهذا الاسم يتضمن احتراما وثقة من قبل الذين يقتربون من يسوع ويترقبون منه عونا او شفاء مثل الابرص الذي يَدنو من يسوع ” فيَسجُدُ لَه ويقول: ((يا رَبّ، إِن شِئتَ فأَنتَ قادِرٌ على أن تُبرِئَني (متى 8: 2) ويعبّر هذا الاسم عن الاعتراف بسر يسوع الإلهي كما جاء في بشرى الملائكة للرعاة ” وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ “(لوقا 2: 11) أمَّا عبارة “آمنتُ، يا ربّ ” فتشير الى ان الاعمى لم يسترد بصر عينيه فحسب، أنما أيضا بصيرته الروحية حيث أعترف بيسوع سيداً فنبيا ثم ربا، ويطلب بطرس الرسول ” وانمُوا في النِّعمَةِ وفي مَعرِفَةِ رَبِّنا ومُخَلِّصِنا يسوعَ المسيح” (2 بطرس 3: 18) وهكذا نستطيع أن نترنَّم مع صاحب المزامير “نُعايِنُ النُورَ بِنورِكَ (مزمور 36: 9)؛ اما عبارة “سجَدَ له” فتشير الى عمل تعبدي، إذ قدم له سجودًا لائقًا بالعبادة لله. فإعلان الايمان ادّى به الى السجود، أي العبادة بالروح والحق. ويعلق القديس اوغسطينوس “عرف الاعمى يسوع ليس فقط كابن الإنسان كما اعتقد قبل ذلك، بل ابن الله الذي أخذ جسدنا”.
39فقالَ يسوع: ((إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون)).
تشير عبارة “إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ” الى الدينونة التي هي نتيجة حتمية لمجيء المسيح (يوحنا 5: 22)، كي يُظهر ما في القلوب، ويميّز الأبرار من الأشرار؛ المسيح هو نور، والنور حين يظهر يكشف كل شيء، “ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل ” (لوقا 2: 24). لم يأتِ المسيح في مجيئه الأول ليُدين، لكن من يرفض الإيمان به يُدان؛ والدينونة هي الانفصال عن المسيح، والمسيح هو النور والحياة والفرح والسلام والمجد. أما عبارة ” أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون ” فتشير الى انقلاب في المواقف. فعبارة “يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ” تشير الى العميان الذين يؤمنون بيسوع المسيح فيُشفون ويبلغون معرفة الوحي، اما عبارة ” ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون ” فتشير الى الفريسيين المتباهين بالنور، حكماء في أعين أنفسهم (لوقا 10: 21)، لكنهم عاجزون عن رؤية يسوع الذي يأتي بنور الخلاص “أَنا نورُ العالَم” (يوحنا 9: 5) وينكرونه ليس جهلاً ولكن تجاهلاً للحقيقة. فهم يغلقون على أنفسهم للأبد في الظلمات والهلاك كما صرّح يسوع ” مَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد”(يوحنا 3: 17).
40فسَمِعَه بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانوا معَه فقالوا له: ((أَ فنَحنُ أَيضاً عُمْيان؟))
تشير عبارة ” أَ فنَحنُ أَيضاً عُمْيان؟” الى أدراك الفريسيين أنه يتحدث عن العمى الروحي، فسألوه إن كان يقصدهم بهذا. وهذا دليل على كبريائهم وترفعهم على الآخرين فهم يشعرون أنهم حكماء واذكياء، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “قول الفريسيين للسيد المسيح “أ لعلنا نحن أيضًا عميان؟” على نحو ما قالوا في غير هذا الموضع: “إننا ذرية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط؛ إننا لم نولد في زنى” (يوحنا 8: 33، 41) هكذا قالوا الآن”.
41قالَ لَهم يسوع: ((لو كُنتُم عُمْياناً لَما كانَ علَيكُم خَطيئة. ولكِنَّكُم تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة)).
تشير عبارة ” لو كُنتُم عُمْياناً لَما كانَ علَيكُم خَطيئة ” الى عفو عمى الجهل، إذ لو كان الفريسيون عميانا على مثال الذي شُفى، لكانوا بلا خطيئة. اما عبارة ” تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة” فتشير الى عمى الكبرياء والاكتفاء الذاتي الذي يمنع من رؤية الحق، إذ ان الفريسيين الذين يعتمدون بعُجب على ما عندهم ولم يؤمنوا بيسوع الذي يستطيع وحده ان ينتشلهم من الخطيئة “مَن آمَنَ بِالابن فلهُ الحَياةُ الأَبديَّة ومَن لم يُؤمِنْ بالابن لا يَرَ الحَياة بل يَحِلُّ علَيه غَضَبُ الله ” (يوحنا 3: 36). اما عبارة “خَطيئَتُكُم ثابِتَة” فتشير الى دينونة أعظم للفريسيين بسبب ما لهم من امتيازات. فقد ادعوا أنهم مبصرون، قادرون على إدراك الحق وتمييزه عن الباطل ويفهمون الشريعة والنبوات، لذا أغلقوا على أنفسهم، وصارت خطيتهم ثابتة.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 9: 1-41)، نستنتج انه يتمحور حول معجزة شفاء الاعمى
وهي معجزة من سبع معجزات اختارها يوحنا الرسول لتدوينها في انجيله، وهي: معجزة عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 1-11) وشفاء ابن عامل الملك (يوحنا 4: 46: -54)، وشفاء مقعد بركة باب الغنم (يوحنا 5: 1-9)، ومعجزة تكثير الخبز والسمكتين (يوحنا 6: 1-21، وإحياء لعازر (يوحنا 11: 1-44). وتُبين معجزة شفاء الاعمى منذ مولده آية من آيات اعمال الله في ابن الانسان، يسوع المسيح، وآية للانتفال من الظلمة الى النور.
1) شفاء الأعمى: آية من آيات عمل الله
في عيد المظال عند اليهود أثبت يسوع لهم أنه “نور العالم” والمرسل من الله عن طريق شفائه للمولود الأعمى. فقدم يوحنا الإنجيلي البشير شفاء الاعمى منذ مولده كآية وعمل من اعمال الله. وقد وضع يسوع عمله في خطة عمل الله، وعمل الله يعني نشاطه الخلاّق وتدخلاته في سبيل شعبه كما صرّح يسوع ” لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله” (يوحنا 9: 3). اعترف يسوع بواقع المرض وحاول ان يشفيه ليُقدم للمريض آية أو علامة للوصول الى النور الحقيقي يسوع المسيح، السبيل الوحيد للخلاص ” أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة (يوحنا 8: 12).
وإذا ردّ يسوع الى الاعمى بصره، فلانَّه يعمل عمل الذي ارسله ” يَجِبُ علَينا، مادامَ النَّهار، أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني” (يوحنا 9: 4)، لذا لا تهدف اعمال المسيح إلا لإظهار عمل الآب “أَرَيتُكم كثيراً مِنَ الأَعمالِ الحَسَنةِ مِن عِندِ الآب” (يوحنا 10: 23). يسوع يعمل اعمال الله على انها أعمال ابيه السماوي. ولم يخطئ رد فعل اليهود في هذا “اشْتَدَّ سَعْيُ اليَهودِ لِقَتلِه، لأَنَّه لم يَقتَصِرْ على استِباحَةِ حُرمَةِ السَّبْت، بل قالَ إِنَّ اللهَ أَبوهُ، فَساوى نَفْسَه بِالله” (يوحنا 5: 18).
فأعمال الله التي يأتي بها يسوع تكشفه كإبن. وهذا هو جوهر المعجزة: وحدة عمل ووحدة كيان بين الآب والابن. إن الابن والآب واحد، فمن رأى عمل الابن رأى عمل الآب، ومن رآه رأى الآب كما قال يسوع الى تلميذه فيلبس “أَلا تُؤِمِنُ بِأَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ؟ إنَّ الكَلامَ الَّذي أَقولُه لكم لا أَقولُه مِن عِندي بلِ الآبُ المُقيمُ فِيَّ يَعمَلُ أَعمالَه. صَدِّقوني: إِنِّي في الآب وإِنَّ الآبَ فيَّ وإِذا كُنتُم لا تُصَدِّقوني فصَدِّقوا مِن أَجْلِ تِلكَ الأَعمال.”(يوحنا 14: 10-11).
لهذا السبب، رؤية آيات اعمال يسوع هي بلوغ الحد الأقصى في الايمان، التي شهد لها الاعمى على مراحل. في المرحلة الأولى من الايمان: اعترف الاعمى ان يسوع نبياً، وذلك في ختام الاستجواب الأول الذي فرضه الفريسيون عليه بقولهم ” أَنتَ ماذا تَقولُ فيه وقَد فَتَحَ عَينَيكَ؟ قال: إِنَّهُ نَبِيّ ” (يوحنا 9: 17).وفي المرحلة الثانية، أعلن الاعمى انه ما من أحد في إسرائيل حتى اليوم كان رجل الله بمقدار يسوع. في نهاية الاستجواب الثاني، صرّح الاعمى بهذه الحقيقة “فلَو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لَما استَطاعَ أَن يَصنَعَ شَيئاً” (يوحنا 9: 33). واما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الاضطهاد بسبب الشهادة التي قام الاعمى بتأديتها للمسيح. فبلغ الاعمى المعافى اقصى درجات شهادته فأحتمل الاضطهاد واستحق ان يُطرد من المجمع من اجل يسوع (يوحنا 9: 35)؛ وقد تنبأ يسوع عن الاضطهاد ” أُذكُروا الكَلامَ الَّذي قُلتُه لَكم: ما كانَ الخادِمُ أَعظمَ مِن سَيِّده. إِذا اضطَهَدوني فسَيَضطَهِدونَكم أَيضاً” (يوحنا 15: 20). وفي المرحلة الأخيرة شهد الاعمى ليسوع ربا والهاً “فقال: ((آمنتُ، يا ربّ)) وسجَدَ له” (يوحنا 9: 35-38).
فرأى الاعمى يسوع في قوة عمله فشهد قائلا “آمنتُ، يا ربّ، وسجَدَ له” (يوحنا9: 38)؛ فالاطلاع على يسوع كآية بصورة صحيحيه تؤدِّي الى رؤية مجد المسيح والى الايمان به. “لمَّا كانَ في أُورَشَليمَ مُدَّةَ عيدِ الفِصْح، آمَنَ بِاسمِه كثيرٌ مِنَ النَّاس، لمَّا رَأَوا الآياتِ الَّتي أَتى بِها.” (يوحنا 2: 32). وأكد ذلك يوحنا الإنجيلي “لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه” (يوحنا 20: 31). اتى يسوع لملاقاته وكشف له عن كونه ” ابن الانسان”، أي ذاك الذي اتى من السماء ليجمع شمل البشر ويرتفع بهم الى المشاركة في حياة الله كما صرّح “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: ستَرونَ السَّماءَ مُنفَتِحَة، وملائِكَةَ اللهِ صاعِدينَ نازِلينَ فَوقَ ابنِ الإِنْسان” (يوحنا 1: 51(. فإذا كان الابن يُدعى ابن الانسان، لانّ له سلطة الدينونة. في العهد القديم والادب الرؤية اليهودي (سفر دانيال) نرى ” ابن الانسان” يظهر على غمام السماء ويمارس الدينونة او القضاء في الأزمنة الأخيرة. وهذه هي السلطة التي اولاها الاب للابن “أَولاهُ سُلطَةَ إِجْراءِ القَضاء لأَنَّه ابنُ الإِنسان” (يوحنا 5: 27).
وفي الاعمال التي يعملها يسوع، مُنح الانسان القدرة على اتخاذ القرار وباتت مسالته مسالة حياة او موت “مَن سَمِعَ كَلامي وآمَنَ بِمَن أَرسَلَني فلَه الحَياةَ الأَبَدِيَّة ولا يَمثُلُ لَدى القَضاء بلِ انتَقَلَ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياة” (يوحنا 5: 24). وبعد ان طرد اليهود الاعمى لَقِيَه يسوع وقالَ له: ((أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان؟)) (يوحنا 9: 39). وبهذا السؤال أوجز يسوع دوره في الدينونة والقضاء بقوله ” إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون” (يوحنا 9: 39). فأعمال يسوع سرّ يحتجب عُمقه عن الذين لم يؤمنوا بيسوع. وبعد ان شُفى المقعد يسوم السبت، القى اليهود مسؤولية الامر على يسوع فأجابهم ” فاشْتَدَّ سَعْيُ اليَهودِ لِقَتلِه، لأَنَّه لم يَقتَصِرْ على استِباحَةِ حُرمَةِ السَّبْت، بل قالَ إِنَّ اللهَ أَبوهُ، فَساوى نَفْسَه بِالله” (يوحنا 5: 18)
في انجيل يوحنا قدّم يسوع نفسه أنه الماء الحي (يوحنا 4: 10) ثم خبز الحياة (يوحنا 6: 35) واليوم يُقدِّم نفسه نور العالم “ما دُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم”(يوحنا 9: 5). ان الايمان، الذي هو انضمام الانسان بثقة الشخص الابن، هو الشرط الوحيد لنيل الحياة الابدية، في حين ان رفض الايمان يترك الانسان بلا حماية امام دينونة او غضب الله.
2) شفاء الاعمى آية للانتقال من الظلمة الى النور
نال الاعمى منذ مولده الشفاء، فاظهر إيمانا ثابتاً، ولمَّا شهد بإيمانه بيسوع أنه نور العالم، وابن الانسان والديان، انتقل من الظلمة الى النور، من ظلمة العمى الى نور البصر ومن الموت الى الحياة. وموضوع النور والظلمة منتشرة في انجيل يوحنا. أشرق النور في الظلمات (يوحنا 1: 5) وشهد له يوحنا المعمدان “لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور.”(يوحنا 1: 8). فعندما جاء يسوع الى العالم، حقَّق الامل المسيحاني بتمكين العميان من استعادة البصر الذي هو أحد أعمال المسيح المنتظر كما تنبأ اشعيا النبي “في ذلك اليَومِ تُبصِرُ عُيونُ العُمْيانِ بَعدَ الدَّيجورِ والظَّلام ” (اشعيا 29: 18). وبما ان يسوع هو النور الآتي الى العالم ففي إمكانه أن يُنير العالم. كما صرّح “جِئتُ أَنا إِلى العالَمِ نوراً فكُلُّ مَن آمَنَ بي لا يَبْقَى في الظَّلام” (يوحنا 12: 46). ورسالته هي انارة لا للعيون فقط، بل للقلوب ايضا.
ونستنتج مما سبق أنّ مجيء المسيح أصبح أمراً حاسماً، فالأعمى منذ مولده أُبصر بعيني جسده، وأبصر بنور الايمان: حين اعترف بإيمانه بيسوع “ابن الانسان” وسجد له. اما جيران الاعمى وهم شهود عيان لِما حدث، يعرفون الأعمى تمام المعرفة ولكنهم بسبب عظمة المعجزة وعدم توقعهم لحدوثها، أبدوا دهشة وتشككاً. واما والداه آمنا، لكنهما خافا ان يعترفا بالمسيح خشية الطرد من المجمع، اما في نظر الفريسيين مجيء يسوع نور العالم فهو امر مزعج كما صرّح يسوع ” إِنَّما الدَّينونَةُ هي أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور لأَنَّ أَعمالَهم كانت سَيِّئَة. فكُلُّ مَن يَعمَلُ السَّيِّئات يُبغِضُ النُّور فلا يُقبِلُ إِلى النُّور لِئَلاَّ تُفضَحَ أَعمالُه” (يوحنا 3: 19-20).
اظهر الفريسيون عدم الإيمان والإنكار والتحيّز، فهم لا يريدون ان يروا ويَظنون أنهم يرون، ويعتبرون انهم يمتلكون الحقيقة، فهم مراؤون في مفهوم يوحنا الإنجيلي، إذ يستبدل يوحنا البشير لقب مرائي بلقب أعمى؛ فخطيئتهم تقوم على قولهم “إننا نرى” في حين أنهم عميان (يوحنا 9: 40). فعدم ايمان الفريسيين ليس مبينا على عدم كفاية البراهين، بل على الحقد والغيرة وتفضيل الظلام، فهم يعلنون موقفهم السلبي تجاه يسوع، ويرفضون الايمان بآية يسوع وعمله في شفاء الاعمى، فلم يوصلوا الى جوهر السر الذي يُمكنهم في الحقيقة من القول ” إني أرى”، لذا جاء حُكم المسيح “إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون” (يوحنا 9: 39). فهم عميان يحكمون على نفوسهم ويسجنون نفوسهم في ظلمة الشر. ادعى الفريسيون أنهم مبصرون. بادعائهم هذا صاروا في غباوة بلا رجاء، أما العشارون إذ اعترفوا بعماهم فانفتح أمامهم باب الرجاء وتمتعوا ببصيرة فائقة ونعموا بالحياة الأبدية في المسيح يسوع.
جاء يسوع الى العالم “إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حكم”، الدينونة هي النتيجة الحتمية لمجيء المسيح على الارض كي “يكون نور العالم”. “أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون”: من يقبلون الى النور ينالون الايمان وهكذا كان موقف والدا الاعمى منذ ولادته وموقف الاعمى الذي انتقل من العمى الى رؤية الايمان ومعرفة يسوع المسيح، واما الذين يعتبرون انهم يمتلكون الحقيقة وأظهروا عدم الايمان والانكار والحقد مثل الفريسيين فهم يبقون في ظلمة الشر والخطيئة “فخَطيئَتُهم ثابتة”.
وتجاه يسوع، لا تتمَّ الاستنارة بالإيمان إلا للذين يعلمون أنهم العميان. فلا بد لمن يريد ان يرى مجد المسيح ان ينسى علمه. اما الذين يقولن إنهم يعلمون ويرون، فإنهم لا يضعون أنفسهم موضع الاستنارة، لذلك تظل خطيئتهم ثابتة كما صرّح لهم يسوع: “لو كُنتُم عُمْياناً لَما كانَ علَيكُم خَطيئة. ولكِنَّكُم تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة”(يوحنا 9: 41).
اما الذين يتقبلون نور المسيح، مثل هذا الاعمى، فهم ينتقلون من العمى الى رؤية الايمان وفي النهاية يكتشفون يسوع هو المسيح “لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه” (يوحنا 20: 31). فمن يريد ان يقدم نفسه للمسيح، عليه ان يَطرح على نفسه السؤال الذي طُرح على الاعمى منذ مولده ” أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان؟” (يوحنا 9: 35).
الخلاصة
يروي النص الإنجيلي معجزة شفاء الرجل الاعمى منذ مولده، لقد سمع يسوع وآمن وسجد، غسل وجهه فرأى، ولم يسترد بصر عينيه فحسب، إنما بصيرة قلبه، فتغيّرت حياته، إذ أعلن إيمانه بالمسيح: سيداً فنبيّاً ثم ربّاً وابن الانسان.
أظهر يسوع حقيقة رسالته في هذه المعجزة انه نور العالم. فالأعمى الذي شُفي قد آمن بيسوع، اما الفريسيون فلم يؤمنوا بل تثبتوا في رفضهم، فأدان يسوع عماهم بتعابير قاسية: انهم عميان ويجهلون ” تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة” (يوحنا 9: 41). هكذا ينقسم العالم إلى مؤمنين وغير مؤمنين: فريق يعترف بعماه فيؤمن ويقبل النور، وآخر يظن أنه مبصر فيرفض الإيمان ويبقى في ظلمته، ويصير حضور يسوع وأعماله وآياته دينونة عليهم.
دعاء
أيها الرب يسوع، إله المطرودين والمرذولين، تتطلع إلينا بعينيك كما تطلعت إلى المولود أعمى! أقلب ظلامنا نوراً، واشفِ بحبك قلوبنا وبصائرنا! فتنفتح عيوننا فنعترف أنك أنت هو النهار الذي لا يكف عن العمل! أنت النور الذي يُبدد الظلمة التي فيّنا! أنت النور المشرق في داخلنا التي لا تقدر قوات الظلمة أن تقاومه. ولتشرق عليّنا بنورك البهي، فنصير ابناء النور ونرى أبواب السماء مفتوحة أمامنا ترحب بنا!
