صلاة يسوع الكهنوتية: لذاته ولتلاميذه
الأب لويس حزبون
في امسية الخميس المقدس بعد العشاء الأخير وقبل بدء آلامه رفع سيدنا يسوع المسيح صلاته من اجل ذاته ومن اجل تلاميذه الحاضرين ومن اجل الذين يؤمنون به لكلامهم (يوحنا 17: 1-11)؛ ويدعوها القديس إكليمندس الإسكندري “صلاة كهنوتية”، وهي تلخص كل حياته واعماله على الأرض. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 17: 1-11)
1قالَ يسوعُ هذهِ الأَشياء، ثُمَّ رَفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماءِ وقال: ((يا أَبتِ، قد أَتَتِ السَّاعة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ
تشير عبارة “قالَ يسوعُ هذهِ الأَشياء” الى الخُطب التي قالها يسوع في الفصول السابقة (13-16)، وقد شارف على نهاية توصياته وتعاليمه. اما عبارة “رَفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماءِ” فتشير الى علامة حسيّة لدخول يسوع في الصلاة والمناجاة مع ابيه السماوي، كما فعل يسوع قبل معجزة تكثير الخبز والسمك الاولى (مرقس 6: 41)، وقبل شفاء الاصم (مرقس 7: 34) وقبل إحياء عازر (يوحنا 11: 41)، وتدل هذه الحركة هنا على توجَّه يسوع نحو الآب، الذي منه أتى الى العالم، واليه سيعود (يوحنا 16: 28). ودخلت هذه العلامة في كثير من الطقوس، وهي تعبّر عن موقف الإنسان الذي يتجه الى الله الذي في السماوات. وأصبحت من ميزات التقليد الطقسي المسيحي (اعمال الرسل 7: 55)، بعد ان اعتادت الكنيسة ان تقول ” ابانا الذي في السماوات” (متى 6: 99)، لنرفع أعيننا نحن أيضًا مع عيون يسوع، فيرفع قلوبنا إلى السماء أثناء الصلاة كما يترنّم صاحب المزامير” إِلَيكَ يا رَبِّ أَرفَعُ نَفْسي ” (مزمور 25: 1). في حين ان اليهود يلتفتون بالأحرى الى هيكل اورشليم والمسلمون الى الكعبة المشرفة. اما عينا يسوع فتعبرا عن كامل كيانه، فالعين رمز للإدراك الفكري وللنظر الداخلي، والضمير. أمَّا عبارة ” السَّماءِ ” فترمز الى الحضرة الإلهية؛ اما عبارة ” يا أَبتِ” فتشير الى ابتهال يتكرر مرتين في النص (يوحنا 17: 21، 24). وقد احتفظ انجيل مرقس باللفظة الآرامية אַבָּא ” آبا” (مرقس 14: 36). انها اللفظة التي يستعملها الطفل في علاقاته الودِّية مع ابيه. وقد كان اليهود يرفضون استخدامها في صلواتهم، لما فيها من مودَّة حميمة. ويسوع صلَّى مثل طفل، وصلاته هي مناجاة الابن لأبيه؛ يدعو السيد المسيح الآب أباه، وهو الأب بالطبيعة، وهو الابن الوحيد للآب، الذي نرفع نحن أعيننا معه، ونتطلع إلى الله كأبٍ لنا، وذلك بالتبني الذي نلناه بروحه القدوس (يوحنا 17:20)؛ اما عبارة ” السَّاعة” فتشير الى ساعة التدخل الإلهي الأخير، في موت يسوع وقيامته، في آخر الأزمنة (دانيال 8: 17-19)، تبدأ هذه الساعة بالصلب ثم المجد، لذا فهي تدل على ساعة آلام المسيح وصلبه من ناحية وهي ساعة تمجيده من ناحية أخرى (متى 19: 28 و25: 31)؛ لانها ساعة رجوع الابن الى الآب، ساعة اللقاء ، ساعة ظهور مجده الإلهي كما صرّح يسوع “أَتَتِ السَّاعَةُ الَّتي فيها يُمَجَّدُ ابنُ الإِنسان” (يوحنا 12: 23). هذه الساعة حدّدها الآب وسمَّاها يسوع “ساعته” (يوحنا 2: 4، 5: 25، 7: 6 و8: 20 و11: 9) وهو يعترف بها ويتقبلها راضيا (يوحنا 12: 23و27). أما عبارة “قد أَتَتِ السَّاعة” فتشير الى ساعة طريق الصليب ويسوع يعرفها. وكثيرًا ما كان يكرر قبل ذلك بأن ساعته لم تأت بعد. اما الآن وقد بدأ طريق الصليب يقول: “قد أتت الساعة”، وهو يعرفها، بعكس الانسان الذي لا يعرف ساعته (الجامعة 9: 12). أما عبارة ” مجد” في العبرية بلفظة כְבוֹד فتشير الى فكرة “الوزن”، الكائن الحقيقي واهميته الفعلية واما “مجد” في اليونانية δόξα, فتدل على عِزَّةٍ ورِفعة وشرف وما يواكبه من الشهرة. جعل الأمر ساطعًا. ويعلق القديس اوغسطينوس “عندما يكشف الابن عن الآب ويظهر حقيقته، تتعرف الخليقة على حقيقة بهائه فتسبحه”. قد تكرر ت لفظة “مجد” في إنجيل يوحنا 18 مرة أكثر من أي سفر آخر في العهد الجديد، والفعل “يُمجّد” تكرر هنا 23 مرة. إنه سفر المجد الحقيقي الذي فيه أخلى يسوع نفسه حتى نلتقي به ونتعرف عليه وعلى حبه ونتحد به فنتمجد معه! اما عبارة “مَجِّدِ ابنَكَ” فتشير الى طلب يسوع من الآب ان يمجّده، أي ان يرفعه في المجد، وذلك بان يوافق على عمله بختمه فيظهر في ملئه ويشاهده الجميع على انه انعكاس حياة الآب. وقد تكرر فعل “يُمجِّد” نحو 23 مرة. وبداية مجد الابن كانت بطاعته للآب وقبوله للصليب، فبالصليب النصرة ” فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء” (فيلبي 6:2-7)، وكان الصليب مجد الربّ يسوع، لأنّ فيه تتويج عمله وكماله كما صلى يسوع امام ابيه السماوي “إنِّي قد مَجَّدتُكَ في الأَرض فأَتمَمتُ العَمَلَ الَّذي وَكَلتَ إِلَيَّ أَن أَعمَلَه (يوحنا 17: 4)، كما كان فيه إعلان محبّة الربّ الإله للبشر. قد مجَّد الآب ابنه في وسط الآلام التي قبلها الابن بمسرَّة أثناء آلامه. فهزم ابليس وشهّر بقوات الظلمة، ورفض مجد ممالك العالم الذي أراد الشيطان تقديمه له (لوقا 4: 7). ومجد الابن ظهر أولاً في أنه فعل ما فشل الانسان أن يقوم به، وهو طاعة الله والنصرة على الشيطان والموت، وهذا ما قام به المسيح بناسوته.
وكل ما يريده يسوع من ابيه، هو ان يُظهر هذا المجد الإلهي عند ساعة موته بالذات. اما عبارة ” لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ ” فتشير الى اظهار يسوع مجد الاب من خلال مجده على الصليب أي من خلال الطاعة الكاملة ومحبته في تحمل آلام الصليب. لقد كان الصليب للربّ يسوع هو مجد الحياة الحاضرة، والطريق إلى أمجاد الحياة المقبلة، لأنّ جاذبيّة الصليب قد اجتذبت إليه الجموع أكثر ممّا اجتذبتهم حياته وتعاليمه ومعجزاته ” إِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة “(يوحنا 3: 16). ومجَّد الآب ابنه إذ أقامه من الأموات، وأرسل الروح القدس على تلاميذه وأسس مملكته في قلوب البشرية. ويعلق القديس اوغسطينوس ” لو أن الابن قد مات (بالجسد) ولم يقم، فإنه بلا شك لا يكون قد تمجَّد بواسطة الآب، ولا هو مجَّد الآب. الآن إذ يتمجد بقيامته بواسطة الآب، يُمجَّد الآب بالكرازة بقيامته. انكشف هذا الأمر بترتيب الكلمات عينه: ” مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ”، بمعنى أقمني حتى بي يعرفك العالم كله”.
2بِما أَولَيتَهُ مِن سُلطانٍ على جَميعِ البَشَر لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له.
تشير عبارة “أَولَيتَهُ ” في اليونانية ἔδωκας ، وعبارة “لِيَهَبَ” في اليونانية δέδωκας ، وعبارة ” وهبتَهم ” في اليونانية δώσῃ تشير كلها الى فعل δίδωμι, (اعطى). فقد تكرر فعل العطاء في إنجيل يوحنا 76 مرة، وجاءت في هذه الصلاة 17 مرة، منها 13 مرة عن عطاء الآب للابن، وأربع مرات عطاء الابن لتلاميذه. تكرار هذا الفعل يحمل معانٍ كثيرةٍ في مفهوم يوحنا الإنجيلي. يتكلم يوحنا عن الكلمة الإلهي بكونه ابن الله الوحيد، ويصف الآب يلد الابن أزليًا فيعطيه كل ما له، لأنه يحمل ذات الجوهر، فهو يعطي ليس بالمنحة أو الهبة أو النعمة المقدمة كما من الخارج، لكنه عطاء الآب للابن وهما أقنومان متمايزان لكنهما واحد في الجوهر. كل ما للآب فهو للابن، وما للابن فهو للآب من حيث السمات الإلهية. وعليه فإن الابن الذي تجسَّد يفيض بالعطاء خلال النعمة الإلهية كهبة لمؤمنيه. هذا العطاء مجاني، مقدم من الآب والابن والروح القدس. ” كل عطية إلهية تقدم لنا من الآب بالابن في الروح القدس ” كما يقول القديس كيرلس الكبير. اما عبارة ” سُلطانٍ على جَميعِ البَشَر” فتشير الى الوهية يسوع، فمن هو الذي له سلطان على كل البشر سوى الله كما كما جاء في ترنيم صاحب المزامير “إِهتِفوا لِلهِ يا أَهلَ الأرضِ جَميعًا إِعزِفوا لِمَجدِ اسمِه واْجعَلوا تَسْبيحَه تَمْجيدًا. (مزمور 65: 1-2)، والله الآب الذي “يُحِبُّ الابن فجَعَلَ كُلَّ شيءٍ في يَدِه” (يوحنا 3: 35)؛ اما عبارة ” البَشَر ” في اليونانية ” σαρκός,” بمعنى جسد، فتشير الى “الإنسان” ككل (التكوين 6: 3)، فالسيد المسيح هو صاحب سلطان على البشرية، على الأجساد كما على الأرواح. ومن حيث أنه المسيح، مخلص العالم الذي صار إنسانًا لتحقيق الخلاص، قد نال من الآب سلطانًا عامًا على كل جسد، أي على كل الجنس البشري. إنه صاحب سلطان على بني البشر ويهب الحياة لأبناء الله، ويجعل كل شيء هو لهم (2 قورنتس 4: 15)، كل الوعود الإلهية هي من أجلهم. ويعلق القديس يوحنا ذهبي الفم “ماذا يعنى ” على جَميعِ البَشَر “؟ بالتأكيد لم يؤمن الكل، لكن من جانب يسوع، هو قدم تعليمه للجميع لكي يؤمن الكل، فإن لم يبالِ الناس بكلماته، فالخطأ ليس من جانب المعلم، بل من جانب الذين لم يقبلوا كلماته”. اما عبارة “يَهَبَ” فتشير الى تقديم الابن ذاته هبة لنا، هي عطية حاضرة الآن؛ نقبلها ونعيشها ونتمتع بها وننمو فيها، حتى ننعم بها بصورة أعظم وأبهى يوم لقائنا معه وجهًا لوجه. اما عبارة “لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له” فتشير الى مشاركة يسوع في الحياة الأبدية جميع أولئك الذين هم في انفتاح على الاب ومستعديّن لتقبل كلمة يسوع ويؤمنون به ويتحدون معه (أفسس 30:5). فان عمل الآب مرتبط كله بعمل الإبن، وعمل الاين يكشف عن نشاط الاب كشفا كاملا (يوحنا 3: 35 و5: 19-30 و13: 3/ 6: 42-44). الآب هو الإرادة والابن هو إرادة الآب في أنه يعطي حياة لمن يريد، الآب يريد والابن يفعل. “لأنه فكَما أَنَّ الآبَ له الحَياةُ في ذاتِه فكذلِكَ أَعْطى الِابنَ أَن تَكونَ له الحَياةُ في ذاتِه” (يوحنا 5: 26)، والمعنى أنه طالما أن الابن له حياة في ذاته فهو له السلطان أن يعطي هذه الحياة لمن يريد. إن مجد الابن يظهر حين يعطي الحياة الأبدية للتلاميذ الذي سلّمهم الآب اليه. فمجد الله هو خلاص البشر، وخلاص البشر يكمن في معرفة الله. اما عبارة ” جَميعِ ” فقد ترددت مرتين: الأولى تشير لسلطان المسيح على جَميعِ البَشَر واما الثانية فتشير لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له أي المؤمنين الذين هم خاصة المسيح.
3والحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح.
تشير عبارة ” الحَياةُ الأَبدِيَّة ” الى معرفة الآب المباشرة، الاله الحقيقي، ويسوع المسيح ابنه الوحيد. فالحياة الأبدية هي معرفة الآب والابن معا؛ والآب والابن إله واحد لهما نفس جوهر الألوهية. هذه المعرفة هي أيضا محبة واتحاد. وتنمو الحياة الابدية على قدر ما نتعمّق في المعرفة التي هي ليست منهجاً فكرياً، بقدر ما هي إتحاد كياننا بالله. لقد حجب الله هذه المعرفة عن العلماء وكشفها للناس البسطاء ” أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار” (متى 11: 25). وتستلزم الحياة الأبدية منا ان ندخل في علاقة شخصية مع الله من خلال ابنه يسوع المسيح. ويعلق القديس أمبروسيوس” تقول الكتب المقدسة أن الحياة الأبدية تستند على معرفة الإلهيات وعلى ثمر الأعمال الصالحة”. اما عبارة ” يَعرِفوكَ ” فتشير في الكتاب المقدس الى الاتحاد الذي يثمر حياة، فالمعرفة هي حياة وشركة مع من نتعرف عليه، فمعرفة الآب الإله الحقيقي وحده هي العبادة له، والطاعة. أمَّا عبارة “أبدية” فتشير الى حياة خلود المؤمن نفسًا وجسدًا تتحدى الموت. المسيح يقدم نفسه ذبيحة يبطل مفعول الخطيئة وهو الموت، ويثبت فيه المؤمنين فيتمتعوا به بكونه الحياة التي لا تُقاوم، ولأنها تتعدى حدود الزمن. اما عبارة “الإِلهَ الحَقَّ ” فتشير الى الله الذي هو ليس اسما مجردًا أو فكرة في الذهن، لكنه الإله الحقيقي الثابت غير المتغير الذي يهتم ببني البشر، وقد أرسل ابنه الوحيد خلاصًا لهم. اما عبارة ” وحدَكَ ” فتشير الى الله مثلث الأقانيم تمييزا عن الآلهة الوثنية وإبليس وكل ما يؤلهه الإنسان في حياته كالذات والشهوات. اما الابن فهو الله، وهو ابن الله الذي يدعى “الإله وحده”، ولو أن الابن ليس هو الإله الحقيقي فكيف يكون هو “الحق”؟ الحياة الأبدية بكل دقة هي أن نعرف الإله الحقيقي وحده ونعرف ذاك الذي أرسله، يسوع المسيح؛ اما عبارة “يَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح” فتشير الى قبول السيد المسيح المعلم والذبيحة والكاهن والمخلص، الذي يتم فيها تجلي الله الى اقصى الحدود (يوحنا 4: 14-36). لأن الآب لم يُعْرَفْ إلاّ بتجسد المسيح الذي هو القيامة والحياة (يوحنا25:11). والحدث الفصحى يفتح امام التلاميذ إمكانية لقاء يسوع ومعرفته ومعرفة الآب به. والمعرفة تفترض المحبة المتبادلة.
4إِنِّي قد مَجَّدتُكَ في الأَرض فأَتمَمتُ العَمَلَ الَّذي وَكَلتَ إِلَيَّ أَن أَعمَلَه
تشير عبارة ” مَجَّدتُكَ في الأَرض ” الى اعلان محبة الآب للبشر وأبوته لهم (يوحنا 18:1) وكان ذلك بأن يسوع قد تمَّم وأكمل عمل الفداء؛ واما عبارة “أَتمَمتُ العَمَلَ” فتشير الى عمل مشيئة الله كما صرحّ يسوع ” طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه “(يوحنا 4: 34)، وقال أيضا ” فقَد نَزَلتُ مِنَ السَّماء لا لِأَعمَلَ بِمَشيئتي بل بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني” (يوحنا 6: 38)، ” إِنَّ الَّذي أَرسَلَني هو معي لَم يَترُكْني وَحْدي لأَنِّي أَعمَلُ دائِماً أَبَداً ما يُرْضيه” (يوحنا 8: 29). ويعلق القديس أوغسطينوس” استخدم كل الكلمات السابقة الخاصة بالمستقبل، وصاغها في الماضي”. لقد تمم السيد المسيح عمل الآب وإرادته لنتمتع بالخلاص، والآن لا يزال يتممه فينا لكي يتجلى في داخلنا فنشاركه أمجاده.
5فمَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبتِ بِما كانَ لي مِنَ المَجدِ عِندَكَ قَبلَ أَن يَكونَ العالَم.
تشير عبارة ” المَجدِ ” إما الى المجد الذي كان الابن يتمتع به في وجوده منذ البدء لدى الآب (يوحنا 1: 1)، وإما المجد الذي اعدّه الآب. ولقد تجلى مجد الابن يسوع المسيح طوال حياته على الأرض (يوحنا 2: 11، 11: 4)، وسطع بهاء هذا المجد ابتداء من آلامه وصلبه وقيامته (يوحنا 3: 14). ومن خلال آلامه وتواضعه حتى الموت كشف يسوع لنا كيان الله ومحبته كما جاء في تعليم بولس الرسول ” وضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب. لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء” (فيلبي 2: 8-9). وقد تكررت لفظة المجد لأهميتها في النص. اما عبارة “مَجِّدْني ” فتشير الى مجد المسيح الذي أعدَّه الآب له ككلمته المتجسد منذ البدء، لحساب الإنسان (يوحنا 36:13)، وتجلى في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 11) ، ثم في الصلب وأخيرا في القيامة والصعود وجلوسه عن يمينه في العلى فوق كل خليقة كما جاء في تعليم بولس الرسول “المَسيحِ يَسوع الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب. لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء”(فيلبي 2: 6-9). وهنا يطلب المسيح من ابيه أن يكون الناسوت له نفس مجد اللاهوت وذلك لحساب الكنيسة جسده الاسرّي. اما عبارة ” الآن” فتعني بعد أن أكمل يسوع عمله. اما عبارة “عِندَكَ ” فتشير الى “لدى الله” كما ما ورد في مقدمة انجيل يوحنا “الكَلِمَةُ كانَ لَدى الله … الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب ” (يوحنا 1: 1، 18). وبعد أن أخلى الابن ذاته من مجده آن الآوان أن يدخل الابن بالجسد إلى أحضان الآب بكل المجد الذي كان له وعنده ومعه قبل تكوين العالم. اما عبارة ” يا أَبتِ ” فتشير الى الله الاب، أب يسوع وحده بالطبيعة لا بالتبني، بعكس البشر الذي الله هو ابوهم بالتبني. فالله اب للبشر في زمان، أما للمسيح فالله هو أب له قبل كل زمان. اما عبارة ” كانَ لي مِنَ المَجدِ ” فتشير الى مجد المسيح الذي كان له كالابن الازلي. كما تبين صلاة يسوع ” يا أَبَتِ، إِنَّ الَّذينَ وهَبتَهم لي أُريدُ أَن يَكونوا معي حَيثُ أَكون فيُعايِنوا ما وَهَبتَ لي مِنَ المَجد لأَنَّكَ أَحبَبتَني قَبلَ إِنشاءِ العالَم (يوحنا 17: 24). ويعلق القديس أوغسطينوس “أن المجد الذي لناسوته وهو قابل للموت يصير خالدًا مع الآب”. وهذه العبارة تصريح واضح بلاهوته الأزلي.
6أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنَّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم. كانوا لَكَ فَوهبتَهُم لي وقَد حَفِظوا كَلِمَتَكَ
تشير عبارة ” اسمَكَ ” إلى شخص الله نفسه والى الحضور الإلهي ذاته وكل إمكانياته وقدراته وقوته وحكمته وقداسته ورحمته ومحبته الأبوية للمؤمنين وصفاته كلها. فالاسم ليس مجرد تمييز بين شخص وآخر بلقبٍ معين، وإنما يحمل كيانه كله. والاسم في العقلية السامية يعبِّر عن الشخصية بكل ما تحمل من ميزة ودينامية خاصة. واسم الله هو الجدير بالمحبة كما يترنم صاحب المزامير “يَبتَهِجُ بِكَ مَن يُحِبُّونَ اْسمَكَ”(مزمور 5: 12)، والتسبيح (مزمور 7: 18)، والتقديس (اشعيا 29: 23). إنه اسم رهيب (تثنية 28: 58)، أبدي (مزمور 135: 13). وكان اليهود يكتفون باسمه للإشارة إليه لكي يتفادوا تحديد ما لا يليق بالله (تثنية 12: 5) او لئلا يخطئ الشخص في نطقه او بدافع من الاحترام المتزايد. اما عبارة “أظهَرتُ اسمَكَ لِلنَّاسِ” فتشير إلى اخبار الابن عن الآب كما جاء في مقدمة انجيل يوحنا “إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه “(يوحنا 1: 18)، واشعار بحقيقة الآب (يوحنا 17: 26) من خلال ما يقوله وما يعمله وما هو عليه (يوحنا 12: 28)؛ فلا تقوم رسالة يسوع في الأساس على عرض كلام جديد، إنما على اظهار طبيعة الله الآب. لأنه “ما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه.” (متى 11: 27). يسوع وحده القادر أن يكشف عن الحق ويُدخل الحق إلى أعماق تلاميذه اما عبارة “الناس” فتشير مبدئيًا الى التلاميذ الذين قبلوه، لكن الأمر يمتد ليشمل كل الذين يقبلونه عبر الأجيال ويسمعون كلماته ويتجاوبون معها. اما عبارة ” كانوا لَكَ ” فتشير الى هؤلاء التلاميذ الذين كانوا يعرفون الله ويؤمنون به وهم من صنعه كما يقول بولس الرسول “لأننا مِن صَنْعِ الله (أفسس 2: 10)؛ اما عبارة “وهبتَهُم” فتشير الى من انفتحت أعينهم وقبلوا رسالة المسيح واجتذبهم الآب (يو44:6، 65). وينسب يسوع لله أبيه التلاميذ الذين صاروا له خلال الإيمان به، ويقدِّمهم الآب له كعطية ليكونوا ورثة المسيح. إذ اختار يسوع الرسل، والآب أعطاه إياهم. “ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ إِلاَّ بِهبَةٍ مِنَ الآب “(يوحنا 6: 65). ويتكرر فعل “وهب” عشر مرات في هذا النص مما يدل على اهميته. فعمل يسوع هو ان يِهب للإنسانية كل ما تسلمه من الآب. فالعطاء وبذل الذات هما موقفان يجسّمان محبة يسوع. اما عبارة ” حَفِظوا كَلِمَتَكَ ” فتشير الى قبول الكلمة داخل القلب وإطاعتها والعمل بها. ولقد أودع يسوع كلمته في حياة تلاميذه ورسله الذين اختارهم، فحفظوا الكلمة، وتقبلوا في حياتهم الكلمة المتجسد، لذا العالم يرذلهم ويقاومهم.
7وعَرفوا الآنَ أَنَّ جَميعَ ما وَهَبتَه لي هو مِن عِندِك
تشير هذه الآية الى معرفة التلاميذ كلام يسوع الإلهي فعرفوا فيه كلام الحياة كما جاء في تعليم يسوع “الكَلامُ الَّذي كلَّمتُكُم به رُوحٌ وحَياة” (يوحنا 6: 63). ويعلق القديس اوغسطينوس “عندما قال يسوع “وعرفوا الآن” أراد أن يفسرها: “وآمنوا”.
8وأنَّ الكلامَ الَّذي بَلَّغَتنيه بَلَّغتُهم إِيَّاه فقَبِلوه وعَرَفوا حَقّاً أَنِّي مِن لَدُنكَ خَرَجتُ وآمنوا بِأَنكَ أَنتَ أَرسَلتَني.
تشير عبارة “أنَّ الكلامَ الَّذي بَلَّغَتنيه بَلَّغتُهم إِيَّاه ” الى ما ورد على لسان يسوع “إنَّنا نتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِمَا رَأَينا ” (يوحنا 3: 11). وهذا ما اكّده صاحب الرسالة الى العبرانيين ” كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين.” (عبرانيين 2:1)؛ اما عبارة ” فقَبِلوه ” فتشير الى قبول التلاميذ يسوع فرحبوا به قلبيًا، مما يدل على فرحهم ومشاعرهم تجاهه؛ اما عبارة ” عَرَفوا حَقّاً أَنِّي مِن لَدُنكَ خَرَجتُ” فتشير الى معرفة التلاميذ أصل يسوع الالهي، وقبولهم هذه المعرفة قادهم الى الحق. إذ بدأ التلاميذ التمييز والحكم بالعقل فحكموا على كلام المسيح أنه سماوي. عرفوا المسيح وأنه من عند الله. وانه الله المتجسد. اما عبارة “مِن لَدُنكَ خَرَجتُ ” فتشير الى التجسد. اما عبارة ” آمنوا بِأَنكَ أَنتَ أَرسَلتَني” فتشير الى إيمان التلاميذ بيسوع ابن الله، حيث وعرفوه وأقروا بقدرته ودعوه رباً ومخلصا كما اكّد ذك يوحنا الرسول “أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه” (يوحنا 1: 12). والايمان هو غاية انجيل يوحنا “كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه” (يوحنا 20: 31). فالتلاميذ قبلوا التعليم، وعرفوا الأصل الإلهي ليسوع فوصلوا الى الحق، وأخيرا أمنوا ” جاءَ شاهِداً لِيَشهَدَ لِلنَّور فَيُؤمِنَ عن شَهادتِه جَميعُ النَّاس” (يوحنا1: 7). نلاحظ هنا درجات الإيمان: قبلوه ثم عرفوه ثم آمنوا أي اتخذوا القرار والإرادة بعزيمة ثابتة ملتهبة بنار القلب وملهمة بنور العقل. اما عبارة ” أَرسَلتَني” فتشير الى العمل الذي أُرسِل من أجله وهو الفداء.
9إِنِّي أَدعو لَهم ولا أَدعو لِلعالَم بل لِمنَ وَهبتَهم لي لأَنَّهم لَكَ.
عبارة ” أَدعو لَهم ” في اليونانية ἐρωτῶ ومعناها اسأل تشير الى صلاة يسوع الذي يشفع من اجل التلاميذ الذين اختارهم من العالم وقبلوه وأمنوا به. فاستودعهم أباه بالصلاة (يوحنا 1: 10) إن يسوع قد مات من أجل العالم كله، لكن الرب يعرف تمامًا من يُصرُّون على رفضه، فهم ليسوا له. لذلك يدعو الرب للذين وهبهم الله له. إنه لا يشفع فيمن رفضوا عمله فيهم وامتلوا بالشر والتمرد وعدم الإيمان؛ اما عبارة “العالَم” فتشير الى معان مختلفة في انجيل يوحنا. فتعني أحيانا الكون الذي خلقه الله (يوحنا 1: 10)، وأحيانا تعني الجنس البشري الذي أحبه الله لدرجة انه جاد بابنه الوحيد (يوحنا 3: 16)، وأحيانا أخرى تعني مجموعة الكائنات التي تعيش تحت سيد هذا العالم الشرير التي تقف في وجه ملكوت الله. وعليه فالرب لا يدعو لهؤلاء الناس الذين يُغلقون على أنفسهم في الكبرياء ويرفضون الله. فيسوع لا يصلي لمثل هذا العالم، فأنه لم يأت لهذا العالم الاَّ لينتزع البشر من عبودية سيد هذا العالم ويرميه خارجا كما صرّح يسوع المسيح ” اليَومَ يُطرَدُ سَيِّدُ هذا العالَمِ إِلى الخارِج ” (يوحنا 12: 31) ، وبموته يتأهب يسوع للانتصار على هذا العالم ” ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم ” (يوحنا 16: 33). لا يصلي يسوع للعالم أي الذي لا يزال يحيا في شره غير مؤمن بالمسيح بل لجماعة التلاميذ المؤمنين به. فالمسيح حقاً مات من أجل كل العالم ولكن ليس كل العالم قد تمتع بالغفران. فكيف يصلي المسيح عمن لا يزال في شره لكي يحفظه الآب؟ اما عبارة ” لأَنَّهم لَكَ ” فتشير الى الذين قبلوا كلمة السيد المسيح وآمنوا بها فدخلوا في ميثاق جديد مع الآب، فحسبهم السيد المسيح أنهم للآب؛ وهم عطية الآب للابن.
10وجَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي وقَد مُجِّدتُ فيهِم
تشير عبارة “ما هو لي فهو لَكَ” الى كل ما يملكه يسوع هو لله الآب، ويمكن لأية خليقة أن تقول للآب: “كل ما هو لي فهو لك”؛ اما عبارة “وما هو لَكَ فهو لي” فتشير الى كل ما يملكه الآب فهو مُلك المسيح، والسيد المسيح وحده القادر ان يقول “ما هو لك فهو لي”، لأنه الواحد مع الآب في ذات الجوهر والطبيعة الواحدة وهما واحد ومتساويان في القدرة والسلطان والمجد كما جاء في تعليم االسيد المسيح ” ان “جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ولِذلكَ قُلتُ لَكم إِنَّه يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه” (يوحنا 16: 15)؛ ويعلق القديس اوغسطينوس “أن كل ما يخص الآب يخص الابن أيضًا”. فهذه العبارة تشير الى تعريف الحب والتحالف بين الآب والابن. اما عبارة ” مُجِّدتُ فيهِم” فتشير الى تمجيد يسوع في تلاميذه الذين يسمعون له، ويطيعونه، ويعملون باسمه، ويكرزون بإنجيله ويعلنون علاقة الآب بالابن للعالم كله. ومجد المسيح ظهر في تجديد المؤمنين وفي ثمارهم. ” قد لَبِستُمُ المسيح” (غلاطية 3: 27). فصار الناس يرون فيهم صورة المسيح ” لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات” (متى 5: 16). هذا المجد مقدم للآب أيضًا. وهذا التمجيد هو تجلي قدرة الآب والابن، والتجلي هو وحدة حب الاب والابن التي للتلاميذ نصيب فيها. ويُمجّد المسيح بقدر ما يَهدي التلاميذ تدريجيا الى معرفة الحقيقة المتجلية فيه، بالتالي يُنجز عمله القائم على تمجيد الآب. وهكذا تظهر وحدة الوحي بين الآب والابن. وهنا تجلت محبة يسوع في التلاميذ، فدلّت على محبة الآب والابن. ويقدّم يسوع حقيقة وحدة الآب والابن ومعرفتهما المتبادلة حتى يتيقّن التلاميذ أنهم للآب. وان يسوع يتمجّد بإيمانهم. ان فرح يسوع يكبر لرؤية تلاميذه يشهدون بحضورهم وإيمانهم. ويعلق القديس اوغسطينوس “يحدث يسوع الآب عن تمجيده كأنه قد تمَّ، (مُجِّدتُ فيهِم) مع أن ذلك حدث في المستقبل. منذ قليل طلب من الآب أن يحقق مجده بقوله إنه قد تحقق فعلًا، مظهرًا أنه قد تم تدبير ذلك فعلًا، وأراد أن يظهر أنه ما سيتحقق في المستقبل هو أمر أكيد”.
11لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم وَأَمَّا هُم فلا يَزالونَ في العالَم وأَنا ذاهِبٌ إِليكَ. يا أَبَتِ القُدُّوس اِحفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد.
عبارة “لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم ” في اليونانية οὐκέτι εἰμὶ ἐν τῷ κόσμῳ تعني مع أنني لا أعود أظهر في الجسد لكنني أتمجد بواسطتهم. اما عبارة “َأَمَّا هُم فلا يَزالونَ في العالَم” فتشير الى ان التلاميذ هم باقون في العالم بما فيه من محن وأخطار تُشتتهم وتُقسِّمهم بعضهم على بعض. فالشيطان يهاجم المؤمنين بوسيلتين: الإغراء والخداع بملذات العالم، والعنف بآلام والاضطهاد (رؤيا 13). ان يسوع في ساعة ذهابه الى أبيه، لا يفكر في نفسه، انه يفكر في تلاميذه. لا يتركهم، انما يحملهم في صلاته، لأنه يعرف الهجمات لتي سيتعرضون لها كما أعلن لهم ” إذا أبغَضَكُمُ العالَمُ فَاعلَموا أَنَّه أَبغَضَني قَبلَ أَن يُبغِضَكم”(يوحنا 15: 18) وعرف الاغراءات التي تنتظرهم في العالم ” لأَنَّ كُلَّ ما في العالَم مِن شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآبِ، بل مِنَ العالَم” (1يوحنا 2: 16). وقداسة الله هي قوة قادرة أن تحفظ ابناءه من إغراءات واضطهاد العالم. أما عبارة “يا أَبَتِ القُدُّوس” فتشير الى الله المتسامي عن الأرضيات، وهو ابتهال ورد مرة واحدة هنا في العهد الجديد. والقداسة هي الصفة المميزة لجوهر الله. ان الله القريب بأبوته فهو المحبوب؛ والبعيد بقداسته فهو المرهوب. وتقوم قداسة التلاميذ على قداسة الآب “كونوا قِدِّيسين، فإِنِّي أَنا قُدُّوس” (أحبار 11: 44). وقد استعملت الليتورجيا المسيحية هذه العبارة في وقت مبكر (تعليم الرسل 10: 2). اما عبارة “اِحفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي” فتشير الى قوة الله التي تحيط بالإنسان وتحرره، وصلاة يسوع لتلاميذه هي ان يُدخلهم في مجال قوة عمله وحضرته وان يكونوا مخلصين. وقد كان التلاميذ مخلصين له ما عدا يهوذا “ابن الهلاك”. فهنا يصلي يسوع حتى يدخل تلاميذه في اتحاد وثيق مع الآب بحيث لا تستطيع أية إرادة في العالم أن تفصلهم عنه. فقد سلَّمهم الآب الى يسوع، وها هو يسوع يسلّمهم الى الآب. ويُكرر يسوع في صلاته فعل “يحفظ” ثلاث مرات، فهو يعلم الصعوبات الجمَّة التي تساور الرسل عندما يحتجب عنهم. ولذا يطلب يسوع من الآب ان يحفظ التلاميذ، لأنه سيتركهم. اما عبارة ” لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد” فلا تعني ان يصيروا واحداً، بل ان يكونوا واحداً، واحداً في المحبة والإرادة والغاية والفكر والاهتمامات والتسليم لله؛ فالوحدة تنطلق من يسوع، ومثالها الوحدة التي تجمع بين الآب والابن. فيطلب يسوع أن يكون المؤمنون واحداً كما أن الآب والابن والروح القدس هم واحد، فالوحدة أقوى من كل الروابط لان الوحدة من المحبة المتبادلة هي نتيجة الاتحاد الذي يجمع بين الاب والابن ” فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا (يوحنا 17: 21).
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 17: 1-11)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 17: 1-11)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول
موضوع “صلاة يسوع الكهنوتية: انه يصلي من اجله ولتلاميذه.
1) صلاة يسوع لأجل ذاته: (17: 1-5)
صلّى يسوع كإنسان حقيقي كامل وكممثلٍ لنا، كما يقول الرسول بولس: ” وهو الَّذي في أَيَّامِ حَياتِه البَشَرِيَّة رفعَ الدُّعاءَ والاِبتِهالَ بِصُراخٍ شَديدٍ ودُموعٍ ذَوارِف إِلى الَّذي بِوُسعِه أَن يُخَلِّصَه مِنَ المَوت، فاستُجيبَ لِتَقْواه” (عبرانيين 5: 7). وهو شاعر الآن ان “ساعته” كانت تقترب (يوحنا 12 :23). إنها ساعة تمجيده عن طريق الآلام والموت. “يا أَبتِ، قد أَتَتِ السَّاعة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ” (17: 1)، فيطلب يسوع من الآب أن يمجّده، أي ان يرفعه في المجد الالهي، وذلك لثلاثة غايات:
ا) الغاية الأولى: مجد ألاب
” لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ” أذا طلب يسوع الى ابيه ان يمجّده ليس عن كبرياء، ولا سعيا وراء ذاته إنما يطلب مجد ابيه كما صرّح يسوع “الَّذي يَتَكَلَّمُ مِن عِندِ نَفْسِه يَطلُبُ المَجدَ لِنَفْسِه أَمَّا مَن يَطلُبُ المَجدَ لِلَّذي أَرسَلَه فهُو صادِقٌ لا نِفاقَ فيه” (يوحنا 7: 18)، ” أَنا لا أَطلُبُ مَجدي فهُناكَ مَن يطلُبُه وَيَحكُم (يوحنا 8: 50)، ومجد الآب لا ينفصل عن مجد الابن، انهما في الواقع واحد كما صرّح يسوع لدى أحياء لعازر “هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله” (يوحنا 11: 4).
ب) الغاية الثانية: الحياة الأبدية
يطلب يسوع من الآب أن يمجّده من خلال تجسده وصلبه وقيامته وصعوده، فيتمجد كي يمنح الحياة الأبدية للبشر، كما صلى “لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له” (يوحنا 17: 2). وهذا التمجيد شرط ضروري من اجل خلاص البشري جمعاء. قد تولى يسوع من الاب سلطان ان يهب الحياة الابدية للبشر” كَما أَنَّ الآبَ يُقيمُ الموتى ويُحيِيهِم فكَذلِكَ الِابنُ يُحيِي مَن يَشاء ” (يوحنا 5: 21) وكما قالَ يسوع لتوما الرسول ” أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة” (يوحنا 14: 6)، ولكن سلطان منح الحياة تقتضي تمجيد الابن، لان ذلك يُظهر الآب في محبته للابن، وهذا الاعلان هو مصدر الحياة للبشر. فالمجد الذي يطلبه المسيح هو للإنسان، يتمجد ليعطينا هذا المجد. حين طلب اليونانيون أن يروا يسوع. أجاب يسوع ” يا أَبتِ، مَجِّدِ اسمَكَ ” فجاء صوت من السماء “قَد مَجَّدتُه وسَأُمَجِّدُه أَيضاً” (يوحنا 12: 28) فقال المسيح “لم يَكُنْ هذا الصَّوتُ لأَجلي بل لأجلِكُم.” (يوحنا 12: 30) أي لتعرفوا أن المجد الذي أطلبه هو لكم. وهذا ما يوكّده بولس الرسول ” لأَنَّنا، إِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا” (رومة 8: 17).
وتكمن الحَياةُ الأَبدِيَّة في “أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح” (يوحنا 17: 3). فالحياة الأبدية هي ليست مجرد معرفة عقلية، انما هي معرفة شخصية وحياتية، انها اتحاد الروح والقلب والإرادة، وإنها عطاء الذات. وبلوغ هذه المعرفة للإله الحقيقي هي الحياة والسعادة الحقة وتحقيق الانسان لذاته؛ لكن الانسان لا يستطيع ان يبلغ هذه المعرفة الا بواسطة يسوع المسيح، ابن الإنسان. لهذا يجب ان يُمجّد وبدونه نحن في ظلام دامس ” اُذكُروا أَنَّكم كُنتُم حِينَئذٍ مِن دُونِ المسيح مَفْصولينَ، غُرَباءَ عن عُهودِ المَوعِد، لَيسَ لَكم رَجاءٌ ولا إِلهٌ في هذا العالَم” (أفسس 2: 12). والحياة الأبدية هي حياة المسيح التي قام بها من الأموات وهي أبدية لأنه لن يموت ثانية. والروح القدس يعطينا هذه الحياة ويثبتنا فيها بالمعمودية.
باختصار صلَّى يسوع لكي يتم عمل الفداء بموته يسوع على الصليب الذي ينجز خلاص الانسان، ويُظهر مجد الاب والابن، وينال الحياة الأبدية لكل من يومن به. والحياة الأبدية هي انتقال من حياة الايمان الى حياة المشاهدة، ومن حياة غربة في الزمن الى حياة بقاء في الأبدية، ومن حياة في الشفاء الى الحياة في الراحة، ومن ممارسة الاعمال الى حياة الثواب في مشاهدة الله ومعرفته.
ج) الغاية الثالثة: تكليل لمشيئة الآب
يسوع لا يطلب التمجيد مكافأة لعمل صالح، بقدر ما يطلبه تكليلا للعمل الذي أوكل إليه الآب “إِنِّي قد مَجَّدتُكَ في الأَرض فأَتمَمتُ العَمَلَ الَّذي وَكَلتَ إِلَيَّ أَن أَعمَلَه (يوحنا 17: 4). فتمجيد يسوع ضروري، لان عمل الابن لم يكن إلا لإظهار الآب للناس كما جاء صوت من السماء يقول “قَد مَجَّدتُه وسَأُمَجِّدُه أَيضاً” (يوحنا 12: 28).
د) الغاية الرابعة: العودة الى حضن الآب
صلّى يسوع ايضاً لأجل ذاته ليتقدم الى حالة المجد التي تمتع بها مع الآب قائلاً: “مَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبتِ بِما كانَ لي مِنَ المَجدِ عِندَكَ قَبلَ أَن يَكونَ العالَم” (يوحنا 17: 5). ان المجد الذي يتوق اليه يسوع ليس إلا العودة الى الاب في المجد الذي كان يتمتع به قبل ان يكون العالم. “فمَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبتِ بِما كانَ لي مِنَ المَجدِ عِندَكَ قَبلَ أَن يَكونَ العالَم” (يوحنا 17: 5)، أنه يتوق الى الرجوع الى حضن الآب ” (يوحنا 1: 18) حيث يشرق مجده ويُنير هذه البشرية كما جاء في مقدّمة إنجيل يوحنا ” الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ “(يوحنا 1: 14). فقد اتخذ يسوع هذه البشرية لكي يظهر لنا الآب. لقد كان طريق الرجوع إلى الآب السماوي هو طريق الصليب، ولذلك فقد كان الصليب طريق المجد.
والآن قد قربت رسالة يسوع على الانتهاء، فأنه يطلب من الآب ان يردَّه الى مكانته مع الله الآب. ويشهد اسطفانس اثناء استشهاده ان الرب يسوع قد عاد الى مكانه المُمجَّد عن يمين عظمة الله كما صرّح اسطفانس وهو في حال انخطاف ” إِنِّي أَرى السَّمواتِ مُتَفَتِّحَة، وابنَ الإِنسانِ قائِمًا عن يَمين الله” (اعمال الرسل 7: 56).
وصلىّ هذه الصلاة بعد ان أكمل عمله؛ وهو إعلان اسم أبيه السماوي للتلاميذ “أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنَّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم” (يوحنا 17: 6). فالتلاميذ يدركون ان مصدر تعليم يسوع هو من فوق، وان ارساليته نشأت أصلا من الآب.
2) صلاة يسوع من أجل التلاميذ: (17: 6-11)
بعد أن صلى من أجل نفسه ليس عن حاجة، إنما علامة الشركة بينه وبين الآب، والمجد المتبادل بينهما، الآن يصلي من اجل تلاميذه. وقبل صلاته وصف عمله معهم؛ لقد اظهر اسم الاب لهم “أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنَّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم. كانوا لَكَ فَوهبتَهُم لي وقَد حَفِظوا كَلِمَتَكَ” (يوحنا 17: 6) اظهر لهم ان الله أب، لان له ابنا، ويسوع هو هذا الابن الذي اتخذ وجها وجسدا يعكس حبَّ أبيه. ومن خلال تعليم يسوع وأعماله وحياته عرف التلاميذ كلام الله، وقبلوه. وقد “حفظوا كلامك” كما كانوا يحفظون كلام الشريعة ” طوبى لِلَّذينَ يَحفَظونَ شَهادَتَه وبِكُلِّ قُلوبِهِم يَلتَمِسونَه (مزمور 119: 2). فالتلاميذ هم عطيّة الآب للابن “اِحفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي ” (يوحنا 17: 11)، وروح الربّ يحرّك قلوبهم ليستجيبوا لنداء “يسوع”. فقد صلى يسوع الى ابيه السماوي من اجل هؤلاء التلاميذ المجتمعين حوله كي يحفظهم الرب من الشر ويثبتوا في الوحدة.
أ) حفظ التلاميذ:
كان على المسيح أن يذهب الى الآب، بينما هم يجب ان يبقوا في العالم ليتمِّموا مهمة الآب “كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم” (يوحنا 17: 18). فصلى يسوع من اجله ليحفظهم الله “لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم وَأَمَّا هُم فلا يَزالونَ في العالَم وأَنا ذاهِبٌ إِليكَ. يا أَبَتِ القُدُّوس اِحفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه (يوحنا 17: 11). لم يطلب يسوع لهم الغنى، ولا المجد الزمني، ولا النصرة الأرضية، لكنه يطلب منه أن يحفظهم في اسمه من الخطيئة والعالم الشرير، حتى يجتازوا أيام غربتهم، ويبلغوا إلى حضن الآب.
وصلى يسوع الى أبيه ليحفظهم في هذا الايمان، فيقيهم من روح العالم، ومن سيد هذا العالم، لأنه كبرياء وجحود. فالتلميذ بحاجة ان يفسح المجال لله لكي يعمل في داخله. الصلاة من أجل حفظهم في النعمة التي تسلموها.
ولم يصلي يسوع كي يأخذ تلاميذه من العالم بموتٍ مفاجئٍ سريعٍ ليعبروا إلى عالم أفضل. هذا ما اشتهاه بعض رجال الله مثل أيوب وإيليا ويونان وموسى عندما ضاق بهم الأمر واشتدت بهم الضيقات والتجارب. لكن السيد المسيح صلى لتلاميذه ان يحفظهم من الفساد الذي حلَّ بالعالم، “لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم بل أَن تَحفَظَهم مِنَ الشِّرِّير” (يوحنا 17: 15). وذلك أن يعهد بهم في حضن الآب، فلا يقترب إليهم الشرير. إنه لم يطلب حفظهم بإزالة التجارب والضيقات من طريقهم، وإنما لينعموا بالنصرة في صراعهم ضد الشرير؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” احفظهم من الشرير”، يعني من الشر الأخلاقي، من الرذيلة، وضعف القلب”.
دعوة التلاميذ ان لا يكونوا منفصلين عن العالم بل ان يندمجوا في العالم حتى يلعبوا دورا نبويا هاما فيه. أرسل المسيح تلاميذه نورًا للعالم وملحًا للأرض، لنشر معرفة المسيح. لذلك يجب أن نعيش وسط العالم. فبموجب دعوتهم أصبحوا مفروزين وسط شعب لله، ولكن لا ليكونوا في عزلة، وانما ليكونوا مكرَّسين كليا للعمل الذي يدعوهم اليه الرب” كَرِّسْهُم بالحَقّ إِنَّ كلِمَتَكَ حَقّ ” (يوحنا 17: 15). لكنهم لا يستطيعون ان يكونوا خداما للمسيح، إن لم يكونوا شهودا للحياة الأبدية، لذا ينبغي ان يمارسوا عملهم في العالم كالخميرة في العجين بفضل قوة ونعمة المسيح الذي تحفظهم من كل شر. فالشر الذي في العالم نابع من سيطرت الشيطان على نفوس الناس كما جاء في تعليم يوحنا الرسول “العالَمُ كُلُّه تَحتَ وَطْأَةِ الشِّرِّير” (1يوحنا 19:5). والمسيح هنا يسأل الآب أن يحفظ تلاميذه من سلطان الشرير وقوته وتأثيره المخادع، ويعلم تلاميذه ان يصلوا قائلين ” نَجِّنا مِنَ الشِّرِّير” (متى 6: 13).
ولم يهمل المجمع الفاتيكاني الثاني هذا الدور الهام “إن كهنة العهد الجديد، بموجب دعوتهم وسيامتهم، أصبحوا مفروزين بنوع ما وسط شعب الله، ولكنهم لا ليكونوا في عزلة عنه او عن أي إنسان، وإنما ليكونوا مكرَّسين كليا للعمل الذي يدعوهم اليه الرب. وإنهم لا يستطيعون أن يكونوا خداماً للمسيح، إن لم يكونوا شهودا وموزِّعين لحياة أخرى غير هذه الحياة الفانية. ولكنهم لن يستطيعوا ان يخدموا الناس، إذا ظلوا غرباء عن حياتهم وأحوالهم” (المجمع الفاتيكاني في حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية، 3).
ب) وحدة التلاميذ
لم يصلي يسوع من أجل حفظ تلاميذه من الشرير فحسب، إنما صلى من اجل وحدتهم أيضا. ان موضوع الوحدة شغل قلب السيد المسيح، وها هو يطلبها من الآب “لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد” (يوحنا 17: 11). يطلب يسوع أن قوة الوحدة التي بينه وبين الآب تعمل في التلاميذ وتوحدهم، لأنه بدون عمل المسيح والآب والروح القدس لا يستطيع التلاميذ وحدهم أن يتحدوا. ويكون اتحادهم انعكاس للوحدة والحب الكائنة بين الآب والابن. فالآب في الابن والابن في الآب وهما واحد بالحب الذي هو طبيعة الله.
لما كان الروح القدس هو روح الآب وروح الابن، هو روح الوحدة، إذ يجمع الكل معاً ليعمل الكل في الكل (1قورنتس 12: 4)؛ والروح القدس يهب المحبة، وبالمحبة يتحد التلاميذ معاً بل يتحدوا مع الله، فالله طبيعته المحبة، ومن هو مملوء بالمحبة يستطيع أن يتحد بالله، الله محبة. لذا على التلاميذ ان يحافظوا على وحدة الروح كما يقول الرسول بولس ” ومُجتَهِدينَ في المُحافَظَةِ على وَحدَةِ الرُّوحِ بِرِباطِ السَّلام. فهُناكَ جَسَدٌ واحِدٌ ورُوحٌ واحِد” (أفسس 4: 3).
يطلب يسوع ان يكون التلاميذ واحداً كما أن الآب والابن والروح القدس هم واحد، وهي اقوى كل الروابط.
وأعظم امنية يطلبها يسوع لتلاميذه هي ان يكونوا واحداً. فقد ارادهم ان يكونوا متحدين كشهادة قوة لحقيقة محبة الله. “فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني” (يوحنا 17: 22).
الوحدة ضرورية حتى تعلن عن طريقها للعالم محبة الآب، التي أظهرها تعالى ببذل ابنه الوحيد (يوحنا 3: 16) ولكي يصبح كل البشر واحداً في المسيح “فنَصِلَ بِأَجمَعِنا إِلى وَحدَةِ الإِيمانِ بِابنِ اللهِ” (أفسس 4: 13). وعلى هذا الأساس تتحقق أمنية يسوع السامية هذه “أيها ألآب، لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد” (يوحنا 17: 22). فعلينا ان ننمّي هذه الوحدة، التي تمزقها الانشقاقات والبدع والاختِلافات (1 قورنتس 1: 10)، وذلك بتجديد إيماننا الواحد في يسوع المسيح ربنا “هُناكَ رَبٌّ واحِدٌ وإِيمانٌ واحِدٌ” (أفسس 4: 5). الوحدة التي يطلبها المسيح، هي وحدة بين التلاميذ فيما بينهم ثم وحدة بينهم وبينه وبين الآب، وأخيراً الامتلاء من الله “فتَمتَلِئوا بِكُلِّ ما في اللهِ من كَمَال” (أفسس 3: 19).
فالوحدة ليست علاقات اجتماعية أو ما شابه بل هي مؤسسة على اتحاد بالمسيح والروح القدس. والوحدة التي تجمع التلاميذ هي في انفصالهم عن العالم وإنجذابهم المشترك نحو الآب. وهذه لا تأتي إلاّ بالالتصاق بالله في صلاة بلا انقطاع بالمسيح وفيه. المحبّة الإلهيّة وحدها، وليس سواها، هي الّتي تُحطّم الحواجز بين التلاميذ. لذا صلي يسوع الى ابيه ليحفظ تلاميذه مجتمعين في محبته، وقد اظهر لهم محبة الآب، واسمه وقد آمنوا به.
الخلاصة:
يقدم يسوع الصلاة الكهنوتية للآب أبيه في الهيكل (يوحنا 1:18) في بيت الله فبيت أبيه بيت الصلاة يُدعى. رفع الرب يسوع صلاته من أجل ذاته ومن التلاميذ ومن أجل كنيسته. وفيها نرى علاقة ابن الله بأبيه. وكيف أنهما واحد، جوهر واحد متحد في كيان واحد.
وهي صلاة فيها مجد للابن وللآب، وللإنسان، فقد كان عمل المسيح الذي تممه هو أن يعطي للإنسان مجدًا. ومجد الابن أن نتمتع بصليبه فنشاركه أمجاده. ويكشف الصليب هذا المجد. نحن نرى، في الصليب، شكلاً جديداً للمحبّة – محبّة غير مشروطة، ومُضحّية، وسخيّة، تتجاوز الادراك.
وهي صلاة فيها مجد الآب أيضًا، ” إِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة ” (يوحنا 3: 16). الحياة الأبديّة هي أكثر من مجرّد زمن لا نهاية له، هي معرفة الربّ، الإله الحقيقي الوحيد، ومعرفة يسوع المسيح، المرسل من قبله. وتتكوّن هذه المعرفة من المحبّة والشركة.
قدم السيد هذه الصلاة قبل تسليم نفسه للموت ذبيحة عن خطايانا، وعليه فان صلاة المسيح تنتهي، وآلامه تبدأ. إنّه شيء مُعزٍّ لنا، نحن مؤمنين القرن الحادي والعشرين، أن نُفكّر في حقيقة أنّ الربّ يسوع قد صلّى من أجلنا أيضاً، صلّى من أجل إيماننا، ومن أجل وحدتنا.
دعاء
أيها الآب السماوي، يا من ارسلت ابنك الوحيد يسوع المسيح لكي يصلي من أجلنا كي تحفظنا من الشرير ونعيش في الوحدة، ضع في قلوبنا روح القدس لنعمل على تحقيق صلاة الربّ يسوع الأخيرة، فنحي الصلاة في جماعاتنا المسيحية وفي بيوتنا كي تكون كنائسنا وبيوتنا بيت صلاة وتعزز الوحدة في الكنيسة، والمحبة في العالم تمجيدا الله الآب وأبنه يسوع المسيح مخلصنا. آمين
