عظة أحد العنصرة أ

البطريرك بيتسابالا

إن النص الإنجيلي الذي استمعنا إليه اليوم (يوحنا ٢٠: ١٩ – ٢٣) يعود بنا إلى عشية الفصح: وفقاً للقديس يوحنا الإنجيلي، ظهر يسوع لتلاميذه، الذين أغلقوا على أنفسهم الأبواب خائفين. وفي ذلك المكان ومن دون انتظار ٥٠ يوماً كما يروي القديس لوقا في أعمال الرسل، يمنح يسوع تلاميذه الروح القدس.
إن لاهوت القديس يوحنا يربط بدقة عطية الروح مع آلام المسيح والقيامة، ليشكلوا معاً حركة فريدة وعظيمة واحدة، سر خلاص فريد: يريد أن يؤكد ويجعلنا نفهم أن تدفق الروح يأتي من الصليب، من جنب الرب المفتوح الذي يمنح الحياة. لا وجود لهذا الروح من دون عطية الذات هذه، التي يحققها يسوع من أجلنا على الصليب. ومن ناحية أخرى، فإن الفصح لا يتحقق إلا بانتقال الروح القدس إلى الإنسان.
إن إنجيل القديس يوحنا، الذي قمنا بقراءته في آحاد الفصح، يؤكد أن الفصح لا ينتهي بقيامة يسوع ورجوعه للآب بل عندما يسكن فينا، ونصبح جزءاً من طريقة حياته.
لهذا السبب، انضم يسوع في يوم قيامته إلى تلاميذه وشاركهم الحياة التي استعادها لتوّه، والتي أعطاها إياه الآب عند موته: هذه الحياة التي هي الحياة الحقيقية لكونها مولودة من الأعماق، ستكون منذ الآن حصة من يقبلونها.
عندما نقول أن يسوع يمنح الروح، يستعمل يوحنا الإنجيلي تعبيراً هاماً ونادراً: يمكن إيجاد هذا التعبير فقط في العهد الجديد. يقول أن يسوع نفخ فيهم (يوحنا ٢٠:٢٢) ومعنى ذلك أن الروح هو عطية لا تبقى خارج المرء، بل تعبر إلى داخله، وتصبح نفسَ الإنسان وجزءاً من كيانه العميق.
إن هذا التعبير، الذي لا نجده في مكان آخر في العهد الجديد، موجود بالمقابل في العهد القديم. نستطيع إيجاده في البداية، عندما قام الله بعد خلقه الإنسان وجبله من تراب بهذه الحركة: “نَفَخَ في أنفِه نَسمة حياة، فصار آدم نَفساً حيّة” (تكوين ٢: ٧): الإنسان إذاً يتكون من عنصرين، يتّسمان بعدم استقرار كبير: التراب، أو ذلك الجزء الناعم وغير المتماسك من التراب، والذي يرمز إلى هشاشة تكوينه الجسدي، ونسمة الحياة، التي تجعل من الجسد الهامد إنساناً حيّاً: إنها كل ما تسمح بالتنفس وإعطاء إمكانية الحياة.
إذاً بينما ينفخ الله نسمة الحياة في أنف آدم، لكي يتمكن من الحياة، يقوم يسوع بنفخ نسمة حياة جديدة في تلاميذه، لكي يتمكنوا من الحياة كأشخاص قائمين من بين الأموات: ليس الروح شيئاً إضافياً، أو أمراً ثانوياً، بل هو ما يعطينا الحياة، وما يوحّد يسوع مع الحالة الإنسانية الضعيفة ويجعلنا جزءاً من حياة الله. وعليه فإن الإنسان هو خليقة عليها أن تحافظ على ترابط هذين العنصرين، لكونهما أمرين يفصل بينهما بعد كبير، كالبعد الذي يفصل السماء عن الأرض.
إذاً فإن العنصرة تكشف بصورة حاسمة سر الإنسان: في عشية الفصح، ومن خلال نفخ يسوع للروح، لا يجعلنا الله خليقة جديدة فحسب، بل خليقة تعيش حياة الله، عليها أن تحافظ على ترابط الحياة الطبيعية والإلهية، الجسد والروح، السماء والأرض. حينها يكون الإنسان كاملاً.
ليس ذلك فحسب. هناك عنصر آخر ينير هذا الكمال في الخليقة، والتي تحققها العنصرة: في رواية التكوين، إن عمل الله يتعلق بالإنسان، الإنسان الأول، الإنسان الفرد. في العنصرة، هناك أمر مختلف: في عشية الفصح يمنح يسوع الروح للتلاميذ المجتمعين سوياً، ويعيد خلقهم كجماعة من الأخوة. هنا ولدت الكنيسة.
في الحقيقة، إن عمل الروح لا يتمثّل بخلق أفراد كاملين، وحتى قديسين. إن عمل الروح هو حدث اتحاد، يخلق أخوّة، ويتكون من اختلافات ويجعل من الاتحاد أمراً ممكناً. بعبارة أخرى، إنه أصل الكنيسة.
إن حياة الروح الجديدة لم تعد حياة تجري في عزلة وتسعى لتحقيق نفسها، بل تتحقق في ملاقاة الشخص الذي نتشارك معه الحياة: لا يمكن أن نعيش هذه الحياة إلا إذا تم منحها ومشاركتها وإعطائها لكي تغدو هذه الحياة ذاتها عطية. إن حاولنا أن نقودها ونمتلكها، فسيخرج هذا الروح وسنعود إلى الموت.
لهذا السبب، فإن عطية الروح ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع عطية مغفرة الخطايا (يوحنا ٢٠: ٢٣)، أو القدرة على عدم السماح للشر بأن يطغى على الإنسان، وتدمير علاقاته: إن التلاميذ، الممتلئين بالروح القدس، مرسلون للقيام بما فعل يسوع، أي جلب الحياة أينما كان هناك الموت. هذا هو الروح التي تلقوه.
إن كان الروح القدس هو حياة مولودة من الموت، فإن الطريقة الأفضل لمشاركتها تتمثل في إعلان المغفرة لمن يعيشون في الموت والخطيئة، لكي يتسنى للجميع أن يعيشوا.