Liturgical Logo

تأملات آباء الكنيسة حول ملح الأرض ونور العالم

آباء الكنيسة

من مواعظ القديس يوحنا فم الذهب

نور المسيحي لا يمكن أن يَخفَى

المسيحيُّ الذي لا يكترثُ لخلاصِ غيرِه هو إنسانٌ باردٌ لا حياةَ فيه.
وهنا لا تستطيعُ أن تتعذَّرَ بالفقرِ. فالمرأةُ التي قدَّمَتْ الفَلسَيْن هي تحكمُ عليك (مرقس 12: 41-44). وكذلك بطرسُ، إذ قال: “لا فِضَّةَ عِندِي وَلا ذَهَب” (أعمال 3: 6). وكذلك بولسُ الذي كانَ فقيرًا، والذي جاعَ ووجدَ نفسَه مرارًا من دونِ القوتِ الكافي (2قورنتس 6: 4-10)، (2قورنتس 11: 21-29).
لا تستطيعُ أن تتعذَّرَ فتقولُ إنّك من طبقةٍ وضيعةٍ. فالرسلُ كانوا من أصلٍ وضيعٍ وأبناءَ أناسٍ فقراءَ (مرقس 1: 16-20). لا تستطيعُ أن تتعلَّلَ بالجهل: هم أيضًا كانوا غيرَ مثقَّفِين (أعمال الرسل 4: 13). ولا أنّك ضعيفٌ أو مريضٌ. كذلك كانَ طيموثاوس الذي كانَ يعاني من أمراضٍ كثيرةٍ (1طيموتاوس 5: 23).
كلُّ واحدٍ يمكنُه أن يكونَ مفيدًا للقريبِ، إن قامَ بما يجبُ أن يقومَ به.
ألا تَرى الأشجارَ التي لا تُثمِرُ، إنَّها قويَّةٌ، جميلةٌ، نَضِرَةٌ، مُورِقَةٌ، وعاليةٌ. ولو كان لنا بستانٌ لوَدِدْنا أن يكونَ فيه بدلاً منها أشجارٌ مُثمِرةٌ، مثلُ الرمَّانِ والزيتون. تلك هي لبهجةِ العينِ، لا للمنفعةِ. وإن كانَتْ فيها فائدةٌ فهي قليلةٌ.
هكذا هم الذين ينظُرُون فقط إلى مصالِحِهم. بل هم أسوأُ ولا يستحقُّونَ إلاّ العقابَ. لأنَّ تلك الأشجارَ غيرَ المُثمِرةِ يمكنُ أن تُفيدَ على الأقلِّ في أعمالِ البناءِ، ولتَسنُدَ بعضَ الأمورِ. كذلك كانَتِ العذارى الجاهلاتُ في المثلِ، عفةٌّ وجمالٌ وزهدٌ، ولكنْ لا نفعَ فيهِنَّ لأحدٍ. ولهذا يُحكَمُ عليهِنَّ بالنارِ (متى 25: 1-13). وهكذا كلُّ مَن لا يتغذَّى بالمسيحِ.
ثم لاحِظْ أنَّ لا أحدَ من هؤلاء يُؤَنَّبُ بسببِ خطاياه: لأنّه زنى أو حنثَ بقَسَمِه، أو لأيِّ شيءٍ من ذلك، بل لأنَّه لم يكُنْ مفيدًا لقريبِه. كذلك مَن دَفَنَ الوزنةَ (متى 25: 14-30). كانَت حياتُه من غيرِ ملامةٍ. ولكنَّه كانَ من غيرِ فائدةٍ لغيرِه.
أسألُكم، كيف يمكنُ أن يكونَ مثلُ هذا مسيحيًّا؟ إنَّ الخميرةَ الممزوجةَ بالعجينِ، إنْ لم تخمِّرِ العجينَ كلَّهُ، أتكونُ حقًّا خميرةً؟ (لوقا 13: 20-21) والعِطرُ الذي لا تفوحُ رائحتُه، هل يُسمَّى عِطرًا؟
ولا تقُلْ: لا أَقدِرُ أن أعملَ شيئًا مع الآخَرين. لأنَّك إنْ كُنْتَ مسيحيًّا، فمستحيلٌ أن لا تَقدِرَ (أفسس 4: 7-8)، (فيلبي 4: 13). ما هو في طبيعةِ الأمورِ لا يمكنُ أن يعارَضَ. ومن طبيعةِ المسيحيِّ أن يكونَ مفيدًا لغيرِه.
لا تُلحِقِ الإهانةَ بالله. إن قُلْتَ إنَّ الشمسَ لا تضيءُ، فأنتَ تُهِينُ الله. وإن قلْتَ إنَّ المسيحيَّ لا يقدرُ أن يكونَ نافعًا لغيرِه، فأنت تهينُ الله وتجعلُه كاذبًا. من الأسهلِ ألاّ تُعطيَ الشمسُ نورًا وحرارةً من أن لا ينشرَ المسيحيُّ النورَ حولَه (متى 5: 14). من الأيسرِ أن يُصبِحَ النورُ ظلامًا من أن يحدُثَ مثلُ هذا.
لا تقُلْ: مستحيل. العكسُ هو المستحيل (لوقا 1: 37)، (مرقس 10: 27ب). لا تُلحِقْ الإهانةَ بالله. إذا قُمْنا جيِّدًا بعملِنا، سيتِمُّ ذلك ويكونُ نتيجةً طبيعيّةً لعملِنا. لا يمكنُ أن يبقى نورُ المسيحيِّ مخفيًّا. لا يمكنُ أن يَخفَى مثلُ هذا القنديلِ المضيءِ (متى 5: 15-16).

اقتربوا من الرب واستنيروا من كتاب التفسير للقديس غريغوريوس أسقف أغريجنتا في سفر الجامعة
(الكتاب ١٠: ٢؛ PG ٩٨: ١١٣٨- ١١٣٩)
اقتربوا من الرب واستنيروا
يقولُ الجامعةُ إنَّ هذا النورَ عذْبٌ (جامعة ١١: ٧)، وإنَّه لجميلٌ جدًّا أن نحدِّقَ بأعينِنا في هذه الشَّمسِ البهيَّة. لو زالَ النُّورُ لأصبحَ العالمُ من غيِر صورةٍ ولا بهاء، ولأصبحَتْ الحياةُ من غيرِ حياة. ولهذا قالَ موسى النَّبيُّ الذي شاهدَ اللهَ بعينَيْه: “ورأى اللهُ النُّورَ وقالَ إنّه حَسَنٌ” (تكوين ١: ٣). فيَليقُ بنا أن نفكِّرَ نحن في النُّورِ العظيمِ الحقيقيِّ والأزلي، الذي “يُنِيرُ كُلَّ إنسَانٍ آتٍ إلى العَالَمِ” (يوحنا ١: ٩)، وهو يسوعُ المسيحُ مخلِّصُ العالمِ وفادِيه، والذي لمَّا صارَ إنسانًا أرادَ أن يكونَ في أدنى مراتبِ الإنسانيّة. وفيه قالَ النَّبيُّ داود: “أنشِدوا لله واعزِفوا لاسمِه، مهِّدوا للصَّاعدِ من المَغرِب. الرَّبُّ اسُمه فابتهجوا أمامَه” (ر. ٦٧: ٥).
قالَ إنَّ النورَ عذْبٌ، وإنَّه حسَنٌ أن نحدِّقَ بأعيُنِنا في شمسِ المجدِ أي في الذي قالَ في أيّامِ تجسُّدِهِ الإلهيِّ: “أنَا نُورُ العَالَمِ مَن يَتبَعْنِي لا يَمْشِ في الظَّلامِ بَل يَكُونُ لَهُ نُورُ الحَيَاةِ” (يوحنا ٨: ١٢). وقال أيضًا: “إنَّمَا الدَّينُونَةُ هِيَ أنَّ النُّورَ جَاءَ إلى العَالَمِ” (يوحنا ٣:١٩). هذا هو إذًا شمسُ البِرِّ الذي نشاهدُه بأعينِ جسدِنا. إنَّه يبشِّرُ بشمسِ البِرِّ الرُّوحيَّة، والذي كانَ حقًّا شديدَ العذوبة لِمَن وُجِدوا أهلًا لأنْ يُعَلَّموا على يدِه، ولأن يشاهدوه بأعينِهم، لمّا كانَ مقيمًا بينَ الناسِ مثلَ أيِّ إنسان، مع أنَّه لم يكُنْ مثلَ أيِّ إنسان. كانَ الإلهَ الحقَّ الذي جعلَ العُميَ يُبصرون، والعُرجَ يمشون والصُّمَّ يسمعون، والبُرصَ يَطْهُرون، والذي بكلمتِه أعادَ الحياةَ للموتى.
والآنَ أيضًا، النَّظرُ إليه بأعينِ الرُّوحِ يبعثُ في النَّفسِ عذوبةً فائقة، وكذلك التأمُّلُ في بهائِه الإلهيِّ البسيط. بهذه المشاركةِ وهذا الاتِّحادِ تستنيرُ النَّفسُ وتزدان، وتغمُرُها النَّشوة، وترتدي القداسةَ وتزدادُ فَهمًا، وتُكَمَّلُ أخيرًا بفرحٍ روحيٍّ يشمَلُ جميعَ أيَّامِ هذه الحياة. هذا ما أشارَ إليه الجامعةُ الحكيمُ حينَ قال: “وإنْ عاشَ الإنسانُ سنينَ عديدةً سوف يفرحُ فيها جميعًا” (ر.جامعة ٦: ٣)، لأنَّ شمسَ البِرِّ نفسَها هي مصدرُ كلِّ فرحٍ لكلِّ من ينظرُ إليها. وفيها قال النَّبيُّ داوود: “لكنَّ الأبرار يفرحون وأمام الله يبتهجون. (مزمور ٦٧: ٤) وأيضًا: “هلِّلوا للرب، أيها الأبرار، فإن التسبيح يجدر بالمستقيمين” (مزمور ٣٢: ١) .

أنا نور العالم القدّيس إكليمنضوس الإسكندريّ (150- نحو 215)، لاهوتيّ
مُنوَّعات Stromates
«أَنا نُورُ العالَم»
أيُّها الرَّبُّ يسوع المسيح، عندما تقودُني إلى النور، وأجدُ الله بفضلكَ، ومنكَ أتلقّى الآب، أُصبِح شريككَ في الميراث (رومة 8: 17)، كونكَ لم تَستَحي أن تدعوَني أخًا (عبرانيين 2: 11). فلنَتخلّصْ إذًا من نسيان الحقيقة، ولنَتخلّصْ من الجهل؛ وبعد تبديد الظلام الذي يغطّينا كسحابة على العينين، فلنتأمّلْ الله الحقيقي قائلين: “سلامٌ لكَ أيُّها النُّورُ الحقيقي!”.
لأنّ النُّور قد أشرقَ علينا، نحن المُقِيمون “في الظُّلمَةِ وظِلالِ الـمَوت” (لوقا 1: 79)، نورٌ أنقى من الشمس وأجمل من هذه الحياة هنا على الأرض. هذا النُّورُ هو الحياة الأبديّة، وكلُّ مَن يشاركُ فيه يحيا. يهربُ اللَّيل من النُّورِ ويَختبئ خوفًا، فيترك المكان لنهارِ الرَّبّ. والنور الذي لا يمكن أن ينطفئ قد حلّ في كلِّ مكان، وٱلتقى الغرب بالشَّرق. هذا هو معنى “الخلق الجديد”. في الواقع، إنّ شمس العدل (ملاخي 3: 20) الذي يضيءُ على كلِّ شيء، يسطعُ على الجنس البشري كلّه، على مثال أبيه الذي يُطلعُ شمسَه على الأشرار والأخيار (متى 5: 45)، ويَرويهم بندى الحقيقة.

أنا نور العالم لانسبيرج الكرتوزيّ (1489 – 1539)، راهب ولاهوتيّ
العظة 5
«جِئتُ أَنا إِلى العالَمِ نوراً فكُلُّ مَن آمَنَ بي لا يَبْقَى في الظَّلام»
إنّ التواضع، الّذي من خلاله تَجَرَّد الرّب يسوع المسيح “مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد” (فيلبي 2: 7)، هو لنا نور. ورفضُه مجد العالم هو أيضًا نورٌ لنا، إذ شاء أن يولَد في مذود لا في قصر وأن يعانِيَ ميتة مهينة على الصليب. بفضل هذا التواضع يمكننا أن نُدرك قباحة خطيئة كائنٍ من تراب (تكوين 2: 7)، إنسان مسكين صغير مِن لا شيء، عندما يتكبّر، ويُمَجِّد نفسه ويرفض الطاعة، بينما نرى الله الأزليّ مُحتقرًا، مرذولاً، ومُسلّمًا إلى أيدي البشر.
إنّ الوداعة التي بها ٱحتمل الجوع والعطش والبرد والتجديف واللطمات والجراح، هي أيضًا لنا نور، عندما “عُومِلَ بِقَسوَةٍ فتَواضَع ولم يَفتَحْ فاهُ كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ” (أشعيا 53: 7). وبالفعل، بفضل هذه الوداعة، نرى كم أنّ الغضب لا ينفع، وكذلك التهديد. إذ ذاك نرتضي بالألم ولا تعود خدمتنا للرّب يسوع المسيح برتابة. بفضلها نتعلّم أن نعرف ما هو المطلوب منّا: أن نبكي خطايانا بصمت وخضوع، وأن نتحمّل بصبر الألم حين يوافينا. لأنّ الرّبَّ يسوع المسيح قد تحمّل آلامه بكثير من الوداعة والصبر، ليس بسبب خطايا لم يرتكبها، بل بسبب خطايا الآخرين.
وعليه أيّها الإخوة الأعزّاء، تأمّلوا بجميع الفضائل الّتي علّمنا إيّاها الرّبُّ يسوع المسيح من خلال حياته المثاليّة، والّتي يوصينا بها بتوجيهاته ويمنحنا القوّة لنقتدي بها بمعونة نعمته.

المسيحُ هو النَّهار من مواعظ القديس مكسيموس أسقف طورينو (420†)
(العظة 53، 1- 2 و4: CCL 23، 214- 216)
المسيحُ هو النَّهار
قيامةُ المسيحِ تُحطِّمُ أبوابَ الجحيم، والمعمَّدُون الجُدُدُ في الكنيسةِ يُجَدِّدون الأرض، والرُّوحُ القدسُ يَفتَحُ أبوابَ السَّماء. الجحيمُ يُفتَحُ فيَرُدُّ الأمواتَ الذين فيه، والأرضُ تتجدَّدُ فتُنبِتُ القدِّيسينَ القائمِينَ من الموتِ، والسَّماءُ تُفتَحُ فتستقبلُ الصاعدِينَ إليها.
ويَصعَدُ اللصُّ أخيرًا إلى السَّماءِ، وتَدخُلُ أجسادُ القدِّيسين المدينةَ المقدَّسة، والموتى يُرّدُّون إلى الحياة، وتَكتَسِبُ جميعُ العناصرِ رِفعةً جديدةً بقيامةِ المسيح.
ما ٱحتجَزَتْه الجحيمُ ترُدُّه إلى العُلى، وما ٱحتوَتْه الأرضُ في القبورِ تُرسِلُه إلى السَّماء، وما تستقبلُه السَّماءُ تقدِّمُه للرَّبّ. وهو بإرادَتِهِ كمخلِّصٍ وبقوّةِ آلامِه ينتشِلُ من الأعماقِ ويُقيمُ من باطنِ الأرضِ، ويُثَبِّتُ في الأعالي.
فقيامةُ المسيحِ هي للموتى حياة، وللخطأة غفران، وللقدِّيسين مجدٌ وافتخار. ولذلك يدعو النبيُّ القدِّيسُ كلَّ خليقةٍ إلى الاحتفالِ بقيامةِ المسيح. فيقولُ إِنَّه يجبُ أن نتهلَّلَ ونبتهجَ بهذا اليومِ الذي صنعَه الرَّبّ (مز 118: 24) .
نورُ المسيحِ هو نهارٌ من غيِر ليل، هو نهارٌ لا نهايةَ له. ويقولُ الرَّسولُ إنَّ هذا النهارَ هو المسيح: “تَنَاهَى اللَيْلُ وَٱقتَرَبَ النَّهَارُ” (روما 13: 12). يقولُ “تَنَاهَى اللَيْلُ”، ولن يعودَ. لِتَفهمَ أنّه مع حلولِ نورِ المسيح، تَتَبَدَّدُ ظُلُماتُ إبليس وتُوقَفُ ظُلُماتُ الخطأة. بل وتزالُ الظُّلُماتُ الماضيةُ ببهاءِ نورٍ دائم، ويوضَعُ حدٌّ دونَ تزايدِ الخطايا.
النَّهارُ الدائمُ هو الابنُ نفسُه الذي كشفَ له الآبُ سرَّ نورِه الإلهيِّ.
وكما أنَّ نورَ السَّماءِ لا يضعُ الليلُ حدًّا له، كذلك بِرُّ المسيحِ، فلا يضعُ حدّاً له أيُّ ظلامٍ ناجمٍ عن الخطيئة. فإنَّ نورَ السَّماءِ يَشِعُّ، ويُضيءُ ويَسطعُ دائمًا. ولا يمكنُ لأيِّ ظلامٍ أن يَضَعَ حدًّا له. كذلك نورُ المسيح، فإنّه يُضِيءُ ويُنيرُ ويَنتَشِرُ دائِمًا، ولا يمكنُ أن تكتنفَه ظلُماتُ الآثام. ولهذا قالَ يوحنا الإنجيليُّ: “وَالنُّورُ يُشرِقُ فِي الظُّلُمَاتِ، وَلَم تُدرِكْهُ الظُّلُمَاتُ” (يوحنا 1: 5).
لذلك، أَيُّها الإِخوة، يجبُ علينا جميعًا أن نتهلَّلَ في هذا النَّهارِ المقدَّسِ. فلا يَعزِلْ أحدٌ نفسَه عن الفَرَحِ المشترَكِ لأنَّ ضميرَه مُثقَلٌ بخطيئتِه. ولا يَمتَنِعْ أحدٌ عن المشاركةِ في الصَّلواتِ العامّةِ إذا شَعَرَ بِثِقَلِ آثامِه. فإنّه وإنْ كانَ خاطئًا، ففي هذا النَّهارِ، يجبُ ألاَّ ييأَسَ مِنَ المَغفِرة. وأمامَنا برهانٌ ومثالٌ: إنْ كانَ اللصُّ قد ٱستحقَّ فيه الفِردوسَ، فلماذا لا يَستَحِقُّ المَسيحيُّ فيه المَغفرة؟

سمعان اللاهوتيّ الحديث (حوالي 949 – 1022)، راهب يونانيّ وقدّيس في الكنائس الأرثوذكسيّة

“جِئتُ أَنا إِلى العالَمِ نورًا فكُلُّ مَن آمَنَ بي لا يَبْقَى في الظَّلام”
“إنّ الله نورٌ” (1يو1: 5)، نورٌ غير محدود وغير مُدرك. الآبُ نورٌ، الابنُ نورٌ، الرُّوحُ نورٌ؛ الثلاثة هم نورٌ واحدٌ، وبسيطٌ، وغير مركَّب، وخارج الزَّمن، في ٱتّحادٍ أَزليٍّ في المَقامِ والمَجد.

إِنَّ كُلَّ ما يأتي من الله هو نورٌ وينعكس بيننا كمَن هو مُقبلٍ من النُّور: نورٌ هي الحياة، نورٌ هو الخلود، نورٌ هو نبعُ الحياة، نورٌ هو الماءُ الحي، والمحبَّة، والسَّلام، والحقّ، بابُ ملكوتِ السَّماوات. نورٌ هو ملكوتُ السّماواتِ نفسه؛ نورٌ هو الخِدر، والمضجع، والفردوس، وطيِّباتُ الفردوس، وأرضُ الودعاء، وأَكاليلُ الحياة، نورٌ هي أثوابُ القدّيسينَ نفسها. نورٌ هو المسيح يسوع، مخلِّص وملك العالم، نورٌ هو خبزُ جسدِه الطَّاهِر، نورٌ هو كأسُ دمِه الثَّمين، نورٌ هي قيامتُه، نورٌ هو وجهُه؛ نورٌ يداه، وإصبعُه، وفمُه، نورٌ هما عيناه؛ نورٌ هو الرَّبُّ، وصوتُه، كنورٍ من نور. نورٌ هو المعزّي، واللؤلؤ، وحبّةُ الخردل، والكرمةُ الحقّ، والخميرةُ، والرَّجاءُ والإيمان: كُلُّه نورٌ!

أنتم ملحُ الأرض أنتم نورُ العالم القدّيس خوسيه ماريا إسكريفا دي بالاغير (1902 – 1975)، كاهن ومؤسّس
عظة بتاريخ 04/05/1957، in Es Cristo que pasa § 147
«أَنتُم مِلحُ ٱلأَرض… أَنتُم نورُ ٱلعالَم»
أن يملؤوا العالم من النور، أن يكونوا الملح والنور: هكذا وصف الرَّبًّ رسالةَ رُسُلِه. أن يحملوا إلى أقاصي الأرض بشرى محبّة الله الجديدة. إنّ المسيحيّين مدعوّون بأن يكرِّسوا حياتَهم بكامِلها لهذه الرسالة بطريقةٍ أو بأخرى. سأتعمّق أكثر. من الواجب أن تلهبنا الرَّغبة بألّا نبقى وَحدنا، يجب علينا أنّ نشجّع الآخرين على المشاركة بهذه الرسالة الإلهيّة، وعلى حمل الفرح والسلام لقلوب البشر. “بمقياس ما تتقدّمون بأنفسكم، كتب القدّيس غريغوريوس الكبير، اجذبوا الآخرين نحوكم؛ ليكن عندكم هذه الرغبة بأن يكون لديكم رفاق في الطريق صوب الرَّبّ”.
ولكن تذكّروا أنّه “بَينما النَّاسُ نائمون، جاءَ عَدوُّهُ فزَرعَ بَعدَه بينَ القَمحِ زُؤانًا وٱنْصَرَف” (متّى 13/25). كبَشَر، نحن مُعَرَّضون بأن نترك أنفسنا يجتاحها نوم الأنانيّة والسطحيّة، بأن نترك قلوبنا تتبعثر في ألف خبرة زائلة، بأن نتجنّب التفتيش في العمق عن المعنى الحقيقيّ للوقائع الأرضية. من المُحزن أنّ هذا النوم يخنق كرامة الإنسان ويجعله عبدًا للحزن!…
من الواجب أن يستيقظ أولئك الّذين ٱستطاعوا أن يغرقوا في هذا النوم السيء؛ من الواجب أن يتذكّروا أنّ الحياة ليست لعبة بل هي كنزٌ إلهيّ عليه أن يُثمِر. ومن الواجب أيضًا إظهار الطريق للّذين هم ممتلئون من الإرادة الصالحة والرَّغبات الحميدة ولا يعرفون كيف يُطبِّقونَها. يحثّنا الرَّبُّ يسوع المسيح بقوله: على كلّ شخصٍ منكم أن يكون، ليس رسولاً فحسب، بل رسولاً للرُّسُلِ الّذي يدرّب الآخرين ويشجّعهم هم أيضًا على معرفة المسيح. (راجع 2قور 5: 14)

 

من كتابات القديس كروماتيوس الأسقف من أكويلا (345- 407) في انجيل متى

أنتم نور العالم

“أَنتُم نُورُ العَالَمِ. لا تَخفَى مَدِينَةٌ عَلَى جَبَل، ولا يُوقَدُ سِرَاجٌ وَيُوضَعُ تَحتَ المِكياَلِ، بَل عَلَى المَنَارَةِ، فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ في البَيتِ. هَكَذَا فَليُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاسِ، لِيَرَوا أعمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ، فَيُمَجِّدُوا أبَاكُمُ الَّذِي في السَّمَاوَاتِ” (متى 5: 14- 15). سمَّى الرَّبُّ تلاميذَه ملحَ الأرض، لأنَّهم يضعون ملحَ الحكمةِ السماويّةِ في قلوبِ البشرِ التي أفسدَها الشيطان. وهنا يدعوهم نورَ العالم، لأنَّهم يستمدُّون منه النُّورَ الحقيقيَّ والأبديَّ، ويُصبِحون هم أنفسُهم نورًا في الظُلُمات.
بما أنَّه هو شمسُ البِرِّ (ملاخي 3: 20)، فبحقٍّ يدعو تلاميذَه نورَ العالم. لأنّه يُفيضُ بوِساطتِهم، وكأنَّهم أشعةٌ مُضيئةٌ، نورَ معرفتِه على العالم. فتتوارى أمامَهم ظُلُماتُ الضلالِ من قلوبِ البشرِ حين يسطعُ نورُ الحقِّ.
نحن أيضًا ٱستضَأْنا بهم، فبعدَ أن كنَّا ظلامًا صِرْنا نورًا، كما يقولُ الرَّسول: “بِالأمسِ كُنْتُم ظَلامًا، أمَّا اليَومَ فَأنتُم نُورٌ في الرَّبِّ. فَسِيرُوا سِيرَةَ أبنَاءِ النُّورِ” (أفسس 5: 8). وقالَ أيضًا: “أنتُم لَستُم أبنَاءَ المَوتِ والظَّلامِ، بَل أبنَاءُ النُّورِ وَالنَّهَارِ” (1 تسالونيقي 5:5).
لذلك بحقِّ شهِدَ أيضًا القدِّيسُ يوحنا في رسالتِه “إنَ اللَهَ نُورٌ” (1 يوحنا 1: 5)، ومَن أقامَ في اللهِ كانَ في النورِ، كما أنَّه هو في النورِ. ولهذا بما أنَّنا نفرحُ لأنَّنا تحرَّرْنا من ظُلُماتِ الضلال، يجبُ أن نسيرَ في النورِ مثلَ أبناءِ النور. ولهذا يقولُ الرَّسول: “تُضِيئُونَ ضِيَاءَ النَّيِّرَاتِ في الكَونِ، مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الحَيَاةِ” (فيلبي 2: 15- 16).
وإن لم نفعلْ، فسوف نبدو بسببِ عدمِ أمانتِنا كمن ظلَّلَ وألقى غطاءَ ساتِرًا دونَ منافعِ هذا النورِ الضروريِّ، وذلك لمضرَّتِنا ولمضرَّةِ غيرِنا. ونحن نعلمُ، وقد قرأْنا أنَّنا سوف ننالُ العقابَ الذي ٱستحقَّه صاحبُ الوزنةِ الواحدة، وقد أُعطِيَهَا ليَكسَبَ بها الخيراتِ السماويّة، ولكنَّه فضَّلَ أن يطمُرَها في الترابِ بدلاً من أن يضعَها على مائدةِ الصرَّافين.
ولهذا فإنَّ هذا المصباحَ الساطعَ الذي أُوقِدَ لخدمةِ خلاصِنا يجبُ أن يبقى دائمًا مضيئًا. وفي حوزتِنا مصباحُ الوصيّةِ السماويّةِ والنِّعمةِ الروحيّة، التي يقولُ فيها داود: “وصيَّتُكَ مِصبَاحٌ لِقَدَمَيَّ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” ( راجع مزمور 118: 105) وقال سليمان: “أوامرُ الشريعةِ هي مصباحٌ” ( راجع أمثال 6: 23).
ولهذا يجبُ ألا نُخفِيَ نحن مصباحَ الشريعةِ والإيمانِ هذا، بل نَرفعُه على شمعدانٍ في الكنيسةِ، لخلاصِ الكثيرين، فنَنعَمُ نحن بنورِ حقيقتِه ويستضيءُ به جميعُ المؤمنين.

أنتم نور العالم والقدّيس خوسيه ماريا إسكريفا دي بالاغير (1902 – 1975)، كاهن ومؤسّس
عظة بتاريخ 04: عندما يمرّ المسيح
«بَل عَلى ٱلمَنارَة، فَيُضيءُ لِجَميعِ ٱلَّذينَ في ٱلبَيت»
أن نملأ العالمَ من النور، أَن نكون الملح والنور، هذه مهمّتنا كتلاميذ الربّ يسوع كما وصفها بنفسه. أَن نحملَ حتّى أَقاصي الأرض البشرى السارّة لمحبّة الله. هذا ما ينبغي أَن يُكرِّس له جميع المسيحيّين حياتَهم بشكلٍ أَو بآخر… إنّ نعمة الإيمان لم تُمنَح لنا لنُبقيها مخفيّة، بل على العكس لنتألّقَ بها أمام الناس… قد يتساءَل البعض كيف يُمكنهم إيصال معرفة المسيح للآخرين. أجيبُكم: بشكل طبيعي، وببساطة، وبالعيش تمامًا كما تفعلون في وسطِ العالم، بعطائكم الكلّي في عملكم ورعاية عائلاتكم، وبالمشاركة في جميع التطلّعات النبيلة للناس، وبٱحترام الحريّة المشروعة لكلّ شخص… إنّ الحياة العاديّة يُمكن أن تكون مقدّسة ومليئة من الله… الرَّبّ يدعونا إلى تقديس أعمالنا اليوميّة، لأنّ في ذلك أيضًا يَكمنُ الكمال المسيحيّ. علينا ألاّ ننسى أنّ معظم الأيّام التي أمضتها مريم العذراء على هذه الأرض جَرَت بطريقةٍ تشبه إلى حدٍّ بعيد أيّام الملايين من النساء المكرّسات لأُسَرهنَّ، ولتربية أطفالهنَّ، وللمهام المنزليّة. في كلّ هذا، قَدّسَتْ مريم أصغر التفاصيل التي يخطئ الكثيرون في ٱعتبارها بلا قيمة أو معنى… إنّ الحياة العاديّة المباركة يمكن أن تفيض بمحبّة الله! لأَنّ هذا ما يفسّر حياة مريم: حبّها الذي دفعها إلى نسيان ذاتها، وسعادتها العارمة بأَن تكون حيث هي، حيث أَرادها الله أَن تكون. لذا، فإنّ أَبسط أَعمالها ليس تافهًا أبدًا، بل على العكس هو مليء بالمعنى… إنّ الخيار يعود إلينا في محاولة أَن نكون مثل مريم وسط الظروف المحدّدة التي أَراد الله أَن نعيش فيها.

صلاة إلى يسوع نور العالم
القدّيس إكليمنضوس الإسكندريّ (150- نحو 215)، لاهوتيّ
أيُّها الرَّبُّ يسوع المسيح، عندما تقودُني إلى النُّور، وأجدُ الله بفضلكَ، ومنكَ أتلقّى الآب، أُصبِحُ شريككَ في الميراث (رومة 8: 17)، كونكَ لم تَستَحي أن تدعوَني أخًا (عبرانيين 2: 11). فلنَتخلّصْ إذًا من نسيان الحقيقة، ولنَتخلّصْ من الجهل؛ وبعد تبديد الظلام الذي يغطّينا كسحابة على العينين، فلنتأمّلْ الله الحقيقي قائلين: “سلامٌ لكَ أيُّها النُّورُ الحقيقي!”. لأنّ النُّور قد أشرقَ علينا، نحن المُقِيمون “في الظُّلمَةِ وظِلالِ الـمَوت” (لوقا 1: 79)، نورٌ أنقى من الشمس وأجمل من هذه الحياة هنا على الأرض. هذا النُّورُ هو الحياة الأبديّة، وكلُّ مَن يشاركُ فيه يحيا. يهربُ اللَّيل من النُّورِ ويَختبئ خوفًا، فيترك المكان لنهارِ الرَّبّ. والنُّور الذي لا يمكن أن ينطفئ قد حلّ في كلِّ مكان، وٱلتقى الغرب بالشَّرق. هذا هو معنى “الخلق الجديد”. ففي الواقع، إنّ شمس العدل (ملاخي 3: 20) الذي يضيءُ على كلِّ شيء، يسطعُ على الجنس البشري كلّه، على مثال أبيه الذي يُطلعُ شمسَه على الأشرار والأخيار (متى 5: 45)، ويَرويهم بندى الحقيقة. آمين.

نورًا للعالم ملح الأرض البابا فرنسيس كن نورًا لإنارة الآخرين وملحًا لتضفي نكهة على حياة الآخرين!

“إن “البطاريّة” التي يستعملها المسيحي للإنارة هي الصلاة” هذا ما قاله قداسة البابا فرنسيس صباح اليوم الثلاثاء في عظته مترئسًا القداس الإلهي في كابلة بيت القديسة مرتا بالفاتيكان، ونبّه المسيحيين من أن يصبحوا ملحًا فاسدًا لا طعم له وشجّعهم على التغلُّب على تجربة “روحانيّة المُرآة” التي تجعلنا نهتمُّ أكثر بأن ننير أنفسنا من أن نحمل نور الإيمان للآخرين.
ٱستهل الأب الأقدس عظته ٱنطلاقًا من الإنجيل الذي تقدّمه لنا الليتورجيا اليوم من الإنجيلي متى وقال: نور وملح! إن يسوع يتحدّث على الدوام بواسطة كلمات وتشابيه سهلة لكي يتمكّن الجميع من فهم الرسالة، وبالتالي من هنا يأتي القول بأنّه ينبغي على المسيحي أن يكون النور والملح. وهذان الاثنان كلاهما ليسا من أجل نفسيهما: فالنور يضيء للآخرين، والملح يضفي نكهة على شيء آخر أو يحفظه.
تابع البابا فرنسيس متسائلاً: ولكن كيف يمكن للمسيحي أن يعمل إذًا لكي لا ينقص الملح والنور أبدًا، ولكي لا ينتهي الزيت الذي يشعل المصباح؟ ما هي “البطاريّة” التي يستعملها المسيحي للإنارة؟ إنها الصلاة بكل بساطة. يمكنك أن تقوم بأمور كثيرة وأعمال كثيرة والعديد من أعمال الرَّحمة، كما يمكنك أن تقوم بأمور عظيمة للكنيسة أيضًا، يمكنك أن تبني جامعة كاثوليكيّة أو معهدًا أو مستشفى… وقد يكرمونك بنصب تذكاري كمحسن للكنيسة ولكن إن كنت لا تصلّي فجميع هذه الأمور ستكون مُظلمة. كم مِنَ الأعمال تصبح مُظلمة بسبب غياب النور أي بسبب غياب الصلاة. فالصلاة هي التي تُحيي وتحافظ على النور المسيحي، لا بل هي التي تنير.
أضاف الأب الأقدس يقول هذا ما تفعله الصلاة فعلاً! صلاة العبادة للآب والتسبيح للثالوث، صلاة الشكر وإنَّما أيضًا صلاة الطلب، تلك التي نطلب فيها الأمور من الله ولكن ينبغي على هذه الصلاة أن تنبع من القلب دائمًا. فالصلاة هي الزيت، والـ “بطاريّة” التي تولّد النور. والملح أيضًا لا يُضفي نكهة على ذاته. فالملح يصبح ملحًا حقًّا عندما يُعطي ذاته. وهذا هو موقف آخر للمسيحي: بذل الذات ليُضفي نكهة على حياة الآخرين والعديد من الأشياء بواسطة رسالة الإنجيل. كل ذلك من خلال بذل الذات وليس من خلال المحافظة عليها. فالملح ليس للمسيحي وإنَّما ليُعطيه، فهو يملكه ليعطيه للآخرين، فالملح هو ملح لأنّه يبذل ذاته! كم هو غريب هذا الأمر: الملح والنور هما للآخرين وليسا لنفسيهما! فالنور لا يضيء نفسه والملح أيضًا لا يُضفي نكهة على ذاته!
بالتأكيد تابع الحبر الأعظم يقول قد نتساءل كم بإمكان الملح والنور أن يدوما إن ٱستمرّا في بذل ذاتيهما بلا توقف؟ هنا تدخل قوّة الله لأنَّ المسيحي هو ملح أعطاه الله في المعموديّة، إنه عطيّة وتُعطى لنا دائمًا وبٱستمرار إنِ ٱستمرَّينا بدورنا في إعطائِها للآخرين، وعندها لن تنتهي أبدًا! وهذا ما يحصل تمامًا في القراءة الأولى التي تقدّمها لنا الليتورجيا اليوم من سفر الملوك الأول والتي تُخبرُنا عن أرملة صرفت صيدون التي وثقت بكلمات النبي إيليا وبالتالي لَم تَفرُغ َجَرَّةُ ٱلدَّقيقِ وقارورَةُ الزَّيتِ لَم تَنقُص.
وختم البابا فرنسيس عظته بالقول لذلك أضئ بنورك ولكن إحفظ نفسك من تجربة أن تُضيء نفسك! فهذا أمر سيء، إنَّها “روحانيّة المُرآة” أي عندما يضيء المرء نفسه! كن نورًا لإنارة الآخرين وملحًا لتضفي نكهة على حياة الآخرين وتحفظهم! وبالتالي أكرر مرّة أخرى أنَّ الملح والنور ليسا لنفسيهما وإنَّما لإعطائِهِما للآخرين في أعمال صالحة! هكَذا إذًا فَليُضِئ نورُكُم لِلنّاس، لِيَرَوا أَعمالَكُمُ ٱلصّالِحَة، فَيُمَجِّدوا أَباكُمُ ٱلَّذي في السَّمَوات، أي يعودوا إلى الذي أعطاكم الملح والنور. ليساعدنا الرَّبُّ على الدوام لنعتني بالنور فلا نخفيه بل نضعه عَلى ٱلمَنارَة، وبالملح فنعطيه بالمقدار الصحيح لكي ينمو أيضًا. هذه هي أعمال المسيحي الصالحة.

نور العالم وملح الأرض البابا فرنسيس
النور لا يُضيء نفسه بل يُضيء الآخرين، والملح أيضًا لا يُضفي نكهة على ذاته بل على الآخرين. فالملح يصبح ملحًا حقًّا عندما يُعطي ذاته. وهذا هو موقف آخر للمسيحي: بذل الذات ليُضفي نكهة على حياة الآخرين والعديد من الأشياء بواسطة رسالة الإنجيل. كل ذلك من خلال بذل الذات وليس من خلال المحافظة عليها. فالملح ليس للمسيحي وإنَّما ليُعطيه، فهو يملكه ليعطيه للآخرين، فالملح هو ملح لأنّه يبذل ذاته! كم هو غريب هذا الأمر: الملح والنور هما للآخرين وليسا لنفسيهما! فالنور لا يضيء نفسه والملح أيضًا لا يُضفي نكهة على ذاته!

بالتأكيد تابع الحبر الأعظم يقول قد نتساءل كم بإمكان الملح والنور أن يدوما إن ٱستمرّا في بذل ذاتيهما بلا توقف؟ هنا تدخل قوّة الله لأنَّ المسيحي هو ملح أعطاه الله في المعموديّة، إنه عطيّة وتُعطى لنا دائمًا وبٱستمرار إنِ ٱستمرَّينا بدورنا في إعطائِها للآخرين، وعندها لن تنتهي أبدًا! وهذا ما يحصل تمامًا في القراءة الأولى التي تقدّمها لنا الليتورجيا اليوم من سفر الملوك الأول والتي تُخبرُنا عن أرملة صرفت صيدون التي وثقت بكلمات النبي إيليا وبالتالي لَم تَفرُغ َجَرَّةُ ٱلدَّقيقِ وقارورَةُ الزَّيتِ لَم تَنقُص.

لذلك أضئ بنورك ولكن إحفظ نفسك من تجربة أن تُضيء نفسك! فهذا أمر سيء، إنَّها “روحانيّة المُرآة” أي عندما يضيء المرء نفسه! كن نورًا لإنارة الآخرين وملحًا لتضفي نكهة على حياة الآخرين وتحفظهم! وبالتالي أكرر مرّة أخرى أنَّ الملح والنور ليسا لنفسيهما وإنَّما لإعطائِهِما للآخرين في أعمال صالحة! هكَذا إذًا فَليُضِئ نورُكُم لِلنّاس، لِيَرَوا أَعمالَكُمُ ٱلصّالِحَة، فَيُمَجِّدوا أَباكُمُ ٱلَّذي في السَّمَوات، أي يعودوا إلى الذي أعطاكم الملح والنور. ليساعدنا الرَّبُّ على الدوام لنعتني بالنور فلا نخفيه بل نضعه عَلى ٱلمَنارَة، وبالملح فنعطيه بالمقدار الصحيح لكي ينمو أيضًا. هذه هي أعمال المسيحي الصالحة.