شريعة العهد
البطريرك بيتسابالا
متى ٥: ١٧ – ٣٧
إن جميع التشريعات والقوانين تتضمّن رؤية دقيقة للإنسان والانسانية: لذا يتم بلورة الحقوق والواجبات والالتزامات والمبادئ والعقوبات وفقاً للنموذج الإنسانيّ الذي نسعى إلى تحقيقه. إنها قضيّة واقعيّة ينتج عنها سِجال حول القضايا الأخلاقيّة الرئيسيّة التي تتخبط فيها مجتمعاتنا.
تذكرنا “عظة الجبل” التي نستمع إليها في هذه الآحاد بالفصل ١٩ حتى ٢٣ من سفر الخروج: الوصايا العشر والأحكام التي تبعتها والتي تعرف بشريعة العهد. وفي إشارته إلى هذا النص الهام من العهد القديم، يقدّم يسوع لنا في إنجيل اليوم رؤيته للإنسان.
صعد يسوع الجبل أوّلاً (متى ٥:١)، وبدأ يُكلّم الجموع ويقترح عليهم نموذجاً جديداً للإنسانيّة نجده في التطويبات. بعد ذلك يشير يسوع إلى أن هذه الإنسانيّة الجديدة، التي تعيش التطويبات، تصبح خميرة حياة وحقيقة للإنسانيّة: هي تمثّل ملح العالم ونوره .
اليوم يبدأ يسوع بمقطع طويل يهتم فيه بتحضير طريق يستطيع الإنسان الجديد من خلاله تحقيق إنسانيته تحقيقا كاملا.
يستطيع يسوع ذلك. يستطيع يسوع أن يقدّم للإنسان قانوناً لأنّه يعرف جيداً ما هو الإنسان. كما ويعلم ما قد يساعد الإنسان ليتصّرف أكثر فأكثر على سجيّته، وفي المقابل، ما قد يبعده ويعزله عن نفسه: يسوع هو النموذج الأصلي للإنسان. لهذا السبب وعلى الفور يقول أنّه لم يأت ليبطل الشريعة بل ليكمّلها. إن العنصر الأول لهذه الإنسانيّة الجديدة التي يقترحها يسوع ليست عبارة عن إنسان بلا شريعة، إنسان يحلم بالحريّة من غير أن يكون مطيعاً. يعي يسوع أن الحريّة ليست للإنسان الذي لطخته الخطيئة، بل للإنسان المفتدى، أي الرجل الذي يسعى يوميّاً وبكل تواضع إلى تصويب علاقته بالله. لهذا السبب، يواصل يسوع إشارته إلى أهميّة الشريعة: أولئك الذين لا يطيعون الشريعة ويقلّلون من شأنها ويشككون فيها، لا يقللون من شأنها فحسب بل من شأن الإنسان، وبذلك من شأن الله نفسه.
كما ذكرنا سابقاً، يواصل يسوع خطابه وتفسيره للشريعة القديمة التي أعطاها الله لموسى في سيناء. يعاود يسوع قراءتها وتفسيرها من منطلق رؤية انسانية جديدة. أية رؤية هي؟
لنتوقف عند مقطعين.
يخبرنا المقطع الأول أن بِرّنا عليه أن يفوق بِرّ معلّمي الشريعة والفرّيسيين (متى ٥: ٢٠).
إن المصطلح الذي يستعمله عند قوله “يفوق” يشير تحديداً إلى شيء يفيض، يذهب إلى ما هو أبعد، ولا يقتصر على ما هو مطلوب. باختصار، نلاحظ أن الشريعة الجديدة لا تتطلب طاعة دقيقة لكل التعاليم (كان هذا الأمر كافيّاً في الشريعة القديمة)، بل تعتمد على التبنّي الحر لنمط حياة أساسه المحبة.
لا يمكن أن تقوم الشريعة الجديدة على البِرّ فحسب: فعليها أن تكتمل بالمحبة. البِرّ هنا يعني الأمانة وطاعة إرادة الله المعرب عنها في الشريعة. ويسوع يقول لنا أن الإنسان الجديد يعيش “بِرّاً يفوق، ويفيض” من أجل المحبة. في الملكوت الجديد، لا يوجد بِرّ بلا محبة.
كل من يطيع قانوناً بشكل دقيق فهو خادم. كل من يحافظ على الروح ويتصرف بإبداع فهو إنسان حر لا يستعمل الشريعة ليقول أنّه فعل ما يكفي ويقف في مكان معيّن، بل يعلم أن يكتشف فيما يحدث دعوة ليتخطى محدوديته وذوقه والأنا التي في داخله.
إن ما يؤنسِن الإنسان هو قدرته على أن يذهب إلى أبعد من الطاعة الخارجيّة، وأن يدخل في حيّز تسود فيه المجانيّة.
أما المقطع الثاني الذي نتوقف عنده فيتعلّق بآيات متى ٥: ٢١- ٣٧، حيث يتكلّم يسوع عن الوصايا التي تخصّ الانسان في علاقته مع الآخرين. يقول أنّه من غير الكافي أن نمتنع عن القتل، بل علينا أن لا نهين أحداً أيضاً، ومن غير الكافي أن لا نرتكب الزنى، بل علينا تجنّب كل ما يتعلّق بالتملّك. ومن غير الكافي أن نتجنّب شهادة الزور، بل علينا بالصدق. وهكذا يرسم أسلوب علاقة جديد، ليس من الكافي فيه تجنّب الإساءة للآخر، ولكن أن نفهم أن الآخر هو جزء منّا، وأننا نشكل معه جسداً واحداً، وبأنّنا شأن واحد. إن الآخر هو شخص وُجِد كي نحبّه.
يوضّح لنا هذان المقطعان رؤيّة الإنسان التي يقترحها يسوع. بالنسبة ليسوع، الإنسان هو أوّلاً وقبل كل شيء ابن لله وصورته، وهو مدعو إلى حياة المحبة والشركة معه: لا يستطيع أن يمارس كامل إنسانيّته بأقل من ذلك.
وبما أنّ الإنسان هو صورة الله الثالوث، فإن كماله لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال المرور بالآخر. الإنسان هو أخ.
كيف لنا تنفيذ هذا النموذج؟ ليس بإجهادنا أنفسنا في طاعة الشريعة، بل بقبول هبة القلب الجديد، الهبة التي يعطيها الله لأولئك الذين يعيشون أسلوب التطويبات، أي لمن لا يبحثون عن أنفسهم في الحياة.
ملاحظة أخيرة.
إن المقطع الذي يقدّمه يسوع في الآيات ٢٣- ٢٤ جميل جداً: “إذا كُنتَ تُقَدّم قُربانَك إلى المذبح وتذكّرتَ هُناكَ أنَّ لأخيكَ عليك شيئاً، فاترُك قُربانك عند المَذبح، واذهَب أوّلاً وصالح أخاك، ثم تَعالَ وقَدّم قُربانكَ”.
ما يترتب على الإنسان الجديد، والشريعة الجديدة والقلب الجديد، هو أيضا عبادة جديدة. في الشريعة القديمة، استُخدِمت القرابين للتكفير عن الخطيئة. في ملكوت يسوع، المصالحة بين الإخوة هي القربان الصحيح والعبادة الصحيحة. فقط عندما يكون الإنسان على سجيّته، ويحقق مخطط الله، ويكون أخاً، عندئذ يستطيع أن يعبد الله بشكل صحيح وأن يمتلك علاقة جيّدة مع الآب.