Liturgical Logo

الشَّريعة القديمة والشريعة الجديدة

الأب لويس حزبون

الشَّريعة القديمة والشريعة الجديدة (متى 5: 17-37)

يصف انجيل متى موقف يسوع من الشريعة القديمة، شريعة موسى النبي (متى 5: 17-37). والشريعة هي جوهر الكتاب المقدس، فهي تعبّر عن إرادة الله وما يطلبه الربّ من الإنسان. وأعلن المسيح أنه ليس ضد الشريعة، ولكن ضد إساءة فهمها وتطبيقها، فأنه تجسَّد ليكملها فتصبح شريعة الكمال. فماذا ينبغي مراعاته من التقاليد القديمة من شريعة موسى؟ وما هي الوصايا التي نلتزم بها في حياتنا؟ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 5: 17-37)

17 ((لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل.

تشير عبارة “جئت” الى ان يسوع جاء من نفسه وليس كالأنبياء أرسلهم الله. فهو بهذا القول يظهر نفسه أعظم من الأنبياء. اما عبارة “الشَّريعَةَ” فتشير الى القسم الأول من الأقسام الثلاثة للأسفار العبرية تتلخص برمز תנכ بحيث أن التاء (ת) ترمز الى التوراة، والنون (נ) ترمز الى الأنبياء، والكاف (כ) ترمز الى الكتابات؛ والقسم الأول يتكوّن من الاسفار الخمسة من سفر التكوين الى سفر تثنية الاشتراع؛ امَّا عبارة “الأَنْبِياء” فتشير الى القسم الثاني من الاسفار العبرية، المكوَّن من سفر يشوع الى سفر الملوك الثاني ومن سفر اشعيا النبي الى سفر ملاخي النبي. لكن استعمال التعبير “الشَّريعَةُ والأَنبِياء ” يرجح ان الرب يسوع يشير به الى كل اسفار العهد القديم (متى 7: 12). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” لقد أكمل يسوع الأنبياء بقدر ما أكّد بأعماله كل ما قيل عنه، فقد اعتاد الإنجيلي أن يقول في كل حالة: ” كانَ هذا كُلُّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبُّ على لِسانِ النَّبِيّ” (متى 1: 23)؛ اما عبارة ” لأُكْمِل” في النص اليوناني الأصلي πληρῶσαι. ومعناه ان يُحقِّق نبوءة (متى 1: 22) او ملأ (متى 13: 48). لا شك ان المعنى المقصود هنا المعنى الثاني. فلم يكتفِ يسوع بتحقيق النبوءة، بل أراد ان يبلغ بها الى كمالها. لقد أوصل يسوع الشريعة الى كامل مدلولها، فلم يتوقف عند مستوى اعتراف خارجي وطاعة شكلية للشريعة، بل أعادها الى مبادئها الأساسية وفرائضها. وبذلك أعاد الى الشريعة معناها الحقيقي، فبلغت كمالها الجذري وبساطتها الاصلية (متى 5: 20). فقد كمّل يسوع الناموس في حياته بحفظه الى التمام، وفي تعليمه بنشر مبدأ المحبة الذي يكمّل الناموس كما جاء في تعليم بولس الرسول “فالمَحبَّةُ لا تُنزِلُ بِالقَريبِ شرًّا، فالمَحبَّةُ إِذًا كَمالُ الشَّريعة (رومة 13: 10)، وأكمل المسيح الناموس أيضا بموته، إذ بموته استنفذ عقوبة الناموس على البشر.

18الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ حَرْفٌ أَو نُقَطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيء، أَو تزولَ السَّماءُ والأَرض.

تشير عبارة ” الحَقَّ أَقولُ لَكم ” الى تعبير أن ما سيقال شيء مهم، ولم يستعمل هذه العبارة سوى المسيح له المجد، أما الأنبياء فكانوا يقولون “قال الرب”؛ اما عبارة ” حَرْفٌ” وفي اليونانية ἰῶτα تشير الى الحرف العبري יוֹד (ي) وهو أصغر الحروف الابجدية، وهو يدلُّ على أهمية الأمانة لكل شيء حتى للتفاصيل في الكتاب المقدس كما أنه تعبير عن كمال الناموس؛ اما عبارة “نُقَطَةٌ ” في النص اليوناني κεραία ومعناها في العبرية קוֹץ أي “الخط” وهو خط صغير يميّز بين حرفي. أذ يُضاف الى الحروف الابجدية العبرية فيحدث فرقا جوهريا بين أحد الحروف والآخر. في العربية، كثيرا ما تميّز النقطة بين حرفين. وفي كلا الحالين فالمعنى واضح وهو وجوب عدم لإهمال أي أمر من أمور الشريعة او أي تفصيل. ويعلّق القديس أوغسطينوس ” لقد أشار يسوع بحرف صغير، لأن حرف (ι) أصغر الحروف ويتكوّن من خط صغير، ثم أشار إلى النقطة التي توضع على الحرف، مظهرًا بذلك أن لأصغر الأجزاء في الناموس قيمة”؛ أما عبارة “الشَّريعَة” فتشير هنا الى كل اسفار الكتاب المقدس؛ اما عبارة ” يَتِمَّ كُلُّ شَيء” فتشير الى أن استيفاء يتم الغرض من الشريعة، فالشريعة تحمل معها المكافأة على طاعتها والقصاص على عصيانها؛ اما عبارة ” تزولَ السَّماءُ والأَرض “فتشير الى ظهور السماء الجديدة والأرض الجديدة (رؤيا 1:21). والمقصود من هذه الآية أن اية كلمة في الشريعة لن تسقط حتى لو زالت السماء والأرض.

19فمَن خالفَ وَصِيَّةً مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا وعَلَّمَ النَّاسَ أَن يَفعَلوا مِثْلَه، عُدَّ الصَّغيرَ في مَلَكوتِ السَّمَوات. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلِّمُها فذاكَ يُعَدُّ كبيراً في ملكوتِ السَّمَوات.

تشير عبارة “مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا” الى ما يراها الناس أنها وصايا صغيرة مثل النظرة أو الغضب في مقابل الوصايا الكبرى كالزنى والقتل التي هي خطايا الفعل؛ اما عبارة ” عُدَّ الصَّغير ويُعَدُّ كبيراً” فتشير الى فرق في مقام المخلصين وجزائهم في الحالة الأخيرة كما صرّح يسوع “فمَن وضَعَ نفسَه وصارَ مِثلَ هذا الطِّفل، فذاك هو الأَكبرُ في مَلَكوتِ السَّموات” (متى 18: 4)، وهناك معنى آخر يشير الى انه يجب الاَّ نستصغر أتفه الأمور، بل ان نقدّرها ونُعطيها حق قدرها. عندما يأمرنا السيد المسيح القيام بأي عمل مهما كان نوعه، لا يعّده صغيراً، ويُعلق الفيلسوف بسكال “لنعتبر صغار الأمور كبيرة، لان يسوع عهد إلينا حرمتها”. وهذا ما طبّقته القديسة تريزا للطفل يسوع عندما دخلت دير الكرمل وكانت تقوم بأعمال صغيرة مثل تكنيس الاروقة، والغسيل، ومساعدة راهبة عجوز… وكانت تنفّذها على أحسن وجه وبمحبة صادقة. وهذه الإعمال الصغيرة تافهة في نظرنا، لكنها عظيمة في عيني الرب؛ وأما عبارة “الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلِّمُها” فتشير الى تشديد يسوع على الاعمال وتطبيق الوصايا. فالدين الحق ليس مجرّد مجموعة معارف دينية نظرية، وإنما يكمن في الحياة اليومية. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “من لا يقدر أن يُعلّم نفسه ويحاول إصلاح الآخرين يسخر به الكثيرون، أو بالأحرى مثل هذا لا يكون له أي قوّة للتعليم نهائيًا، لأن أعماله تجعل كلماته ضدًا له”. وهذه الآية دعوة من الرب يسوع لنا جميعا كي نلتزم بتكميل الشريعة في حياتنا العملية. فالتعليم بغير عمل يُحسب كنقض للشريعة، والتعليم يفقد فاعليته بدون أن يكون المعلم قدوة. لنتمسك بروح الشريعة وليس بقشورها، ولا نستصغر أصغر الوصايا، بل ان نقدّرها حق قدرها.

20 ((فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات.
تشير عبارة “يَزِدْ ” إلى شيء يفيض، يذهب إلى ما هو أبعد، ولا يقتصر على ما هو مطلوب. باختصار، نلاحظ أن الشريعة الانجيلية لا تتطلب طاعة دقيقة لكل الوصايا والتعليمات، بل تعتمد على التبنّي الحر لنمط حياة أساسه المحبة. وعليه فان تلاميذ يسوع عليهم ان يتفوّقوا على الكتبة والفريسيين بالبر والتقوى لا من الناحية الكمية بل من الناحية النوعية أي الطاعة بمحبة. لا يوجد بِرّ بلا محبة؛ اما عبارة “بِرُّكُم ” فتشير الى أمانة التلاميذ لشريعة الله، وهي أمانة جديدة أصبحت ممكنة وماسًّة بفضل تفسير يسوع لهذه الشريعة ” لأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن لَه سُلطان، لا مِثلَ كَتَبَتِهم” (متى 7: 29). لا يتكلم يسوع ضد ممارسة الشريعة، بل يرفض التعلق الاعمى بالشريعة، والرياء والمراءة والتهرّب الكاذب ومنطق الكتبة معلمي الشريعة والفريسيين. ورفض يسوع أيضا تفسيرهم ونظرتهم الى البر بأعمال الشريعة، مشدداً على البر الذي يأتي عبر الايمان به والاعمال، وعلى ضرورة أصالة الحياة الروحية وصحتها؛ اما عبارة ” الكَتَبَةِ ” فتشير الى علماء الناموس المخوّلين على تعليم الشعب الشريعة؛ اما عبارة “الفريسيين ” فتشير الى مجموعة من المتدينين المتزّمتين؛ اما عبارة “لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات” فتشير الى عدم تملكهم الحياة الأبدية التي وعد بها يسوع السميح “فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة” (يوحنا 3: 16).

21سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: ((لا تَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء)).

تشير عبارة “سـَمِعْتُمْ ” الى التعارض الذي يُلمِّح إليه يسوع بين تقليد خارجي لتفسير الشريعة حسب الكتبة والفريسيين، وبين تفسيره، وقد تمّ ست مرات (متى 5: 21، 27، 31، 33، 38، 43). لكن لا يكمن التعارض بين تعليم العهد القديم والعهد الجديد؛ اما عبارة “لِلأَوَّلين” في الأصل اليوناني ἀρχαίοις ومعناها “الذين سبقولنا” فتشير الى الأجداد الذين صدرت عنهم السنن ولا تشير الى الشيوخ πρεσβύτερος, (متى 16: 21) أي أعيان الشعب. أما عبارة “لا تَقْتُلْ” في اللغة اليونانية φονεύσεις ومعناها نزع الحياة البشرية فتشير الى القتل المتعمّد والانتقام الشخصي، وهذا أمر تحرّمه الوصية السادسة من والوصايا العشر (خروج 20: 13)؛ اما عبارة “حُكْمَ القَضـاء” فلا تشير الى محكمة بشرية بل الى محكمة الله كما أوضّح بولس الرسول الى أهل روما “ومع أَنَّهم يَعرِفونَ قضاءَ اللهِ بِأنَّ الَّذينَ يَعمَلونَ مِثلَ هذِه الأَعمالِ يَستَوجِبونَ المَوت، فهُم لا يَفعَلوَنها فحَسبُ، بل يَرضَونَ عنِ الَّذينَ يَعمَلوَنها”(رومة 1: 32). فالقاتل يستحق دينونة الله وعقابه.

22أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: ((يا أَحمَق)) اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: ((يا جاهِل)) اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم.

لا تشير عبارة “أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم” الى أن يسوع قد نًـقـَضَ الشريعة وأضاف إليها او أضاف اليها آراءه الشخصية، بل تشير الى مفهوم اشمل لغرض الله منها في المكان الأول. ولم يجرؤ نبي أن يقول ” أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم “، إنما يقول “هكذا يقول الرب”. هذه الآية وحدها تثبت لاهوت المسيح فهل يوجد إنسان يمكنه أن يغير أو ينقص أو يزيد حرفا على ما قاله الله، إلا لو كان هو الله؛ اما عبارة “غَضِبَ” في أصل النص اليوناني ὀργιζόμενος الى ظُهُورُ عَلاَمَاتِ الانْفِعَالِ وَالتَّشَنُّجِ والْمَيْلِ إِلَى الاعْتِدَاءِ والعنف وغير ذلك من النتائج المدمرة مما يؤدي الى القتل، وبذلك يكون المرء الغضوب قد ارتكب القتل في قلبه. ويقصد الرب يسوع ان الخطيئة الحقيقية يقترفها القلب قبل الوصول الى العمل الخارجي. ويعتبر هذا الإنسان في نظر الله مذنباً كالذي يقتل فعلا. وليس بوسع الشريعة الموسوية الاّ ان تكبح الاعمال الخارجية، اما يسوع فيعالج القلب الشرير في الانسان ويغيّره كما أوضح ذلك بولس الرسول ” فالَّذي لم تَستَطِعْهُ الشَّريعة، والجَسَدُ قد أَعيْاها، حَقَّقَه اللهُ بإِرسالِ ابِنه في جَسَدٍ يُشْبِهُ جَسَدنا الخاطِئ، كَفَّارةً لِلخَطِيئَة. فَحَكَمَ على الخَطيئَةِ في الجَسَد لِيَتِمَّ فِينا ما تَقتَضيهِ الشَّريعةُ مِنَ البِرّ، نَحنُ الَّذينَ لا يَسلكُونَ سَبيلَ الجَسَد، بل سَبيلَ الرُّوح” (رومة 8: 3-4). وبهذا المعنى تكمل مبادئ يسوع الشريعة لأنها تعنى بأصل الموضوع وتمكن من تحقيق أهداف الشريعة؛ اما عبارة “حُكْمَ القَضاء” فتشير الى العقوبات المنصوص عليها في الشريعة، دون الاهتمام بصيغتها الحرفية (خروج 21: 12). لا يقول يسوع إن فلانا يستوجب الموت، بل يعلن أنه يخضع لحكم إلهي “مع أَنَّهم يَعرِفونَ قضاءَ اللهِ بِأنَّ الَّذينَ يَعمَلونَ مِثلَ هذِه الأَعمالِ يَستَوجِبونَ المَوت، فهُم لا يَفعَلوَنها فحَسبُ، بل يَرضَونَ عنِ الَّذينَ يَعمَلوَنها” (رومة 1: 32)؛ اما عبارة “يا أَحمَق” في أصل النص اليوناني Μωρέ والتي تعبّر عن الغضب بكلمة ذم وكلمات جارحة للإدانة فتشير الى شتيمة مألوفة، تتضمن كراهية قاتلة فإن من يتلفظها يستحق عقابًا أعظم. وكانت هذه اللفظة تتضمن عند اليهود معنى جسيما يهدف الى التمرّد على الله كما جاء في كلام موسى النبي “أَبهذا تُكافِئُ الرَّبَّ أَيُّها الشَّعبُ الأَحمَقُ الخالي مِنَ الحِكمَة؟ (تثنية الاشتراع 32: 6) لهذا جُعلت على مستوى القتل. ومن هنا ربط يوحنا الرسول البغض مع القتل ” كُلُّ مَن أَبغَضَ أَخاه فهو قاتِل وتَعلَمونَ أَنْ ما مِن قاتلٍ لَه الحَياةُ الأَبدِيَّةُ مُقيمَةٌ فيه”(1يوحنا 3: 15)؛ أما عبارة “حُكمَ المَجلِس” συνεδρίῳ فتشير الى المجلس الأعلى او السنهدريم الذي يتألف من 71 عضواً، ويعقد جلساته في اورشليم، وهو غير المحاكم الصغرى المؤلفة من 23 عضواً والمنتشرة في أنحاء البلد “فسَيُسلِمونَكم إِلى المَجالس” (متى 10: 17). في المحاكم الصغرى يكون الاتهام مشكوكًا فيه، فيبحث القاضي في الاتهام ليتأكّد من صحّته، أمّا المجلس الأعلى فيحمل نوعًا من التأكّد أن الاتهام ثابتٌ على المتهم، فيحدّد القضاة الجزاء الذي يسقط تحته. وكان حكم محاكم القرى يمكن نقضه أمام المجلس الأعلى، ولكن حُكم المجلس الأعلى لا يُنقض. ويستعمل الرب يسوع التدرج القضائي ليوضّح مبلغ جسامة الذنب، انطلاقاً من حكم القضاء الى الحكم المجلس الى محاكم القرى؛ اما عبارة “يا جاهِل” في اللغة اليونانية Ῥακά, وفي الأصل العبري רֵקָא أي رأس فارغ ، بلا دماغ، صاحب تصرف ارعن، وهو تعبير عبري ” הָרֵקִים أي لا خَيرَ فيهم! ” (2صموئيل 6: 20)؛ وهي تعبير عن انفعال الغضب، يمتهن بها الشخص على سبيل الاحتقار. وقد سأل القديس أوغسطينوس رجلًا عبرانيًا عن كلمة “رقا רֵקָא “فأجابه أنها لا تعني سوى مجرّد تعبير عن انفعال الغضب يصعب ترجمته إلى لغة أخرى. واما القديس يوحنا الذهبي الفم فرأى أن هذه الكلمة سريانية كانت مستخدمًة في الحديث مع الخدم والأشخاص الذين من الطبقات الدنيا كتعبير عن عدم الاحترام للشخص الموجّه إليه الحديث؛ امَّا عبارة “جَهنَّم ” في الصيغة اليونانية γέεννα مشتقة من العبرية גֵּיהִנּם وهي مركّبة من كلمتين عبريّتين أي “داخل هنوم”. وهِنُّوم هو وادٍ هنّوم في اورشليم كانت تُقرَّب فيه مُحرقات أولاد إكراما للإله مولك (2 أخبار 28: 21) في هذا الوادي أجاز أحاز الملك (2 ملوك 16: 3) ومنسي الملك (2 أيام 33: 6) أولادهما بالنار، ونزع يوشيَّا الملك حرمة هذا الوادي (2 ملوك 23: 10)، فتحوّل الى مزبلة دائمة الاشتعال لحرق نفايات المدينة. وأصبح الوادي صورة للهلاك الأخير ورمز لعنة (ارميا 7: 31)، بل لعنة أبدية استعمله إنجيل متى عشر مرّات ليدل بها على الهلاك والعذاب الأبدي. وأراد يسوع في هذه الآية ان يُشدِّد على ما تتضمنه وصية القتل.

23فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً،

تشير عبارة “كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ” الى صيغة المفرد وتشكل طريقة عملية للممارسة الوصية العامة، وهي تقديم ذبيحة لله بمقتضى الشريعة الموسوية؛ اما عبارة ” المَذبَح” فتشير الى المصالحة مع الله؛ فما معنى مصالحة مع الله لا تسبقها مصالحة مع القريب؟ وإلا كانت المصالحة كذباً. كما ان المحبة قريب هي علامة محبة الله، كذلك لا تكون المصالحة مع الله صادقة إن لم تجد نتيجتها في مصالحة مع القريب.

24فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك.
تشير عبارة ” أَوَّلاً فصالِحْ ” الى ان الله لا يمكن ان يتقبل عبادة أمرئ لا يكون في علاقة قويمة مع الآخرين. يرفض الله أعمال المحبة التي نُبديها تجاهه تعالى، ونحن نحقد ونضمر الشرّ تجاه إخوتنا. وفي هذا الصدد يقول يوحنا الرسول ” إِذا قالَ أَحَد: ((إِنِّي أُحِبُّ الله)) وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِبًا لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه. ” (1 يوحنا 4: 20). فالمحبة للناس هي أعظم ذبيحة لله، ودليل حبنا لله، وبدونها لا تُقبل أي ذبيحة. لأنه بدون المحبّة لا يمكن أن تقوم الشركة ولا تُقبل تقدمة. ويعلق القديس ايرونيموس “لا أعرف سلامًا بغير حب، ولا شركة بدون سلام”. يريد يسوع منا ان نسرع الى مبادرة خصمنا ونذهب للقائه لمصالحته، ولا نكتفي ان نكون على أهبة الاستعداد للمصالحة عندما يمدّ خصمنا يده لمصالحتنا. ويُعلق القديس أوغسطينوس “إن كنت في عداوة فصالح. إن جاءتك الفرصة للوصول إلى مصالحة، لا تترك نفسك في نزاع”. ونفهم من قول الرب أن الخصومة تمنعنا من الصلاة والتناول وتقديم الذبيحة.

25سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن.

تشير عبارة “سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق” إلى ضرورة التوبة قبل فوات الأوان، يعني أن الإنسان يجب أن لا يكون غاضبا على أحد عند مثوله أمام الله الدّيان، لئلا يتعرّض للهلاك الابدي (لوقا 12: 57-59)؛ اما عبارة “خَصمِكَ” فتشير الى الوصيّة الإلهيّة، فإنها تدخل كطرفٍ في الخصومة مع الإنسان ، محب الخطيئة، ويُعلق القديس أوغسطينوس ” أي شيء سيكون خصمًا لمحبي الخطيّئة مثل وصايا الله، أي شريعته المدوّنة في الكتاب المقدّس، ذلك الكتاب الذي وُهب لنا ليكون معنا في الطريق، أي في الحياة الحاضرة، لكي ننفذ تعاليمه سريعًا ولا نخالفها. حتى لا يسلّمنا إلى القاضي؟”؛ اما عبارة ” القاضي ” فتشير الى الديان، أي السيّد المسيح (يوحنا 5: 22)؛ واما عبارة “الشُّرطِيّ” فتشير الى الملائكة؛ وعبارة ” السِّجْن ” تشير الى ” الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة ” (متى 8: 12). ولا يجوز ان نقف أمام القاضي الديان الذي هو الرب ونحن في حالة الغضب. حينئذ، يكون مصيرنا الحكم الابدي. لكن ينبغي ان يُظهر الانسان المحبة والصفح بسخاء للجميع (متى 18: 32-35) خاصة ان الرغبة اليوم في سحق الآخر كسبيل لحل النزاعات في ازدياد مطرد. ينادي الرب يسوع بالمصالحة، ويوصي ان نصلح الأمور مع الآخرين قبل ان نُدعى للمثول أمام الله. هذه هي جِدّة الإنجيل.

26الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس.

تشير عبارة ” فَلْس ” في النص اليوناني الأصلي κοδράντην معناها ” رُبع آس” إلى عملة رومانية يُشترى بها عصفوران (متى 10: 29)؛ اما عبارة “لن تَخرُجَ مِنه” فتشير الى ان المرء لا يخرج من الظلمة البرانية حيث لا يقدر أن يفي العدل الإلهي حقّه. فإذا حدث غضب وتهور وانتقام، المصالحة مع الآخرين خيرٌ من تطور الأمور حتى السجن. فمن الأفضل أن تصالح أخاك ههنا وأنت في حياتك على الأرض، قبل أن تُلقى بسبب ذلك في سجن الظلمة البرانية الذي لن تخرج منه.

27 ((سَمِعْتُم أَنَّه قيل: ((لا تَزْنِ)).

تشير عبارة ” لا تَزْنِ” الى الخطأ في ممارسة الجنس مع أي شخص غير شريك الحياة كعلاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة المرأة بالرجل، وهي الوصية السابعة من الوصايا العشر (خروج 20: 14). وبعابرة أخرى الزنى هو تعاطي زواجي مع امرأة رجل آخر.

28أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ بِشَهْوَة، زَنى بِها في قَلبِه.

تشير عبارة ” مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ” الى نظرة شهوانية التي فيها رغبة شديدة وميل إلى فِعْل الملذّات الجسدية. ويعلق القديس اوغسطينوس “يجب أن نلاحظ أنه لم يقل “من اشتهى امرأة”، بل “من ينظر إلى امرأة ليشتهيها” أي ينظر إليها بهذه النيّة، فهذه النظرة ليست إثارة للذّة الجسديّة بل تنفيذًا لها، لأنه بالرغم من ضبطها فستتم لو سمحت الظروف بذلك”؛ أمَّا عبارة ” بِشَهْوَة ” فتشير الى الشهوة التي تحاول استلاب المرأة من زوجها. النظرة بما فيها من شهوة هي زنى، وهو يبدأ بالعين، ويتوصل في القلب. ويعلق القديس اكليمنضوس الاسكندري “الزنى هو ثمرة الشهوة الذي جذورها الشرّير”. اما عبارة ” في قَلبِه ” فتشير الى مركز الخطيئة. ان العمل الشرير هو نتيجة القلب الشرير. تعالج الشريعة الموسوية الاعمال الخارجية بينما يسوع يُركز على البواعث الداخلية. إن اشتهاء ممارسة الجنس مع أي شخص آخر غير شريك الحياة هو زنى فكري، وبذلك فهو خطيئة. الأمانة مع شريك الحياة بالجسد ولكن دون الأمانة بالفكر هي خيانة للثقة الزواج السليم. إن الله يحكم على قلوبنا كما على افعالنا، لان الولاء الحقيقي يكمن في القلب. فعلينا ان نكون ابرارا في مواقفنا التي يراها الناس، كما في افعالنا التي يراها الجميع.

29فإِذا كانت عينُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقلَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضْوٌ مِن أَعضائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يُلقى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم.

تشير عبارة “عينُكَ اليُمنى” الى صيغة المفرد وتشكل مثلا على طريقة عملية لممارسة الوصية العامة وهي “لا تزن”؛ والعين تدلّ على وسيلة إغواء بالنظر بلذة وشهوة إلى منظر محبوب؛ ويعلق القديس أوغسطينوس “يقصد يسوع بالعين شيئًا محبوبًا، فلقد اعتاد الراغب في التعبير عن محبّته لآخر أن يقول: “إنّني أحبّه كعينيّ أو حتى أكثر من عينيّ” ليس هناك تفسير للعين اليُمنى أكثر ملاءمة من أن يقصد بها الصديق المحبوب حبًا شديدًا، الذي تصبح علاقته كعلاقة العضو بالجسد”؛ اما عبارة ” حَجَرَ عَثْرَةٍ ” فلا تشير إلى قدوة سيئة بل الى عائق او فخ (مزمور 124: 7) سبب سقوط (اشعيا 8: 14-15). وأسباب هذه العثرة كثيرة، ومنها: قد يكون يسوع حجرة عثرة بسبب صليبه كما أعلن يسوع “طوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة”(متى 11: 6) وأكّد ذلك بولس الرسول “إِنَّنا نُبَشِّرُ بِمَسيحٍ مَصْلوب، عِثارٍ لِليَهود وحَماقةٍ لِلوَثنِيِّين” (1 قورنتس 1: 23)، ثم الناس الذين يرفضون السير وراء يسوع كما حدث مع بطرس فقال له يسوع “إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر” (متى 5: 29) والعالم قد يكون حجرة عثرة (متى 13: 41) والاضطهاد (متى 12: 21)؛ اما عبارة ” فاقلَعْها” فلا تشير الى المعنى الحرفي ولكن الى ضرورة الاخذ بالوسائل الكبيرة لمقاومة الخطيئة والتخلُّص من اية شهوة خاطئة باي ثمن؛ اما عبارة ” أَلْقِها عنك” فتشير الى ان أعضاء الجسم هي أدوات في خدمة الخطيئة واما الخير والشر هما في قلب الانسان أي في عمق أعماق الانسان كما جاء في قول يسوع ” فَمِن فَيضِ القَلْبِ يتكلَّمُ اللِّسان”(متى 12: 34). ولكن يبقى للأعضاء دورها. لهذا حين يصير العضو أداة خطيئة نستغني عنه. ان لغة هذه الآية هي لغة مجازية استعارية ويجب الاّ نخذها بالمعنى الحرفي. فالمطلوب هو التخلص من عاداتنا ة السيئة وعدم السماح للخطيئة ان تجلب علينا عقابا او دينونة.

30وإِذا كانت يَدُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقطَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضوٌ مِن أَعضائِكَ خَيرٌ لكَ مِن أَن يَذهَبَ جسدُكَ كُلُّه إِلى جَهنَّم.

تشير ” يَدُكَ اليُمنى ” الى العمل وتنفيذ ما اشتهاه الإنسان. اما عبارة ” فاقطَعْها وأَلْقِها عنك” فتشير الى لغة مجازية استعارية تخلص من اية شهوة خاطئة باي ثمن، ويجب الا نخذها بالمعنى الحرفي. لا يقصد السيد المسيح قطع اليد أو قلع العين فعلًا، لكن المقصود أن نضبط نظراتنا وشهواتنا وأفعالنا، ونحيا كأموات أمام الخطيئة وهذا ما قاله بولس الرسول “أحسَبوا أَنتُم أَنَّكم أَمواتٌ عنِ الخَطيئَة أَحْياءٌ للهِ في يسوعَ المسيح”(رومه 11:6) وأيضًا ” أَميتوا إِذًا أَعضاءَكمُ الَّتي في الأَرض بما فيها مِن زِنًى وفَحْشاءَ وهَوىً وشَهوةٍ فاسِدَةٍ وطَمَعٍ وهو عِبادَةُ الأَوْثان” (قولسي 5:3). وعليه فان الدين المسيحي لا يدعو الى احتقار الجسد، لكن الجسد يُشكل مصدر تجربة فعلينا ضبط شهواته. وفي هذا الصدد يقول بولسي الرسول ” الجَسَدَ يَشتَهي ما يُخالِفُ الرُّوح، والرُّوحَ يَشتَهي ما يُخالِفُ الجَسَد: كِلاهُما يُقاوِمُ الآخَرَ حتَّى إِنَّكم تَعمَلونَ ما لا تُريدون ” (غلاطية 5: 17).

31 ((وقد قيل: ((مَن طلَّقَ امرأَتَه، فلْيُعْطِها كِتابَ طَلاق)).

تشير عبارة ” كِتابَ طَلاق ” الى شهادة بطهارة الزوجة المطلقة حتى لا ترجم؛ وبهذه الشهادة يُمكنها أن تتزوج رجلًا أخر. ولذلك يكون كتاب الطلاق وسيلة لتهدئة مشاعر الزوج ورجوعه عن الطلاق، إذ يشعر الرجل حين يكتب هذا الكتاب إن امرأته ستصير لآخر فيرجع عن نيته بطلاقها. وكتاب الطلاق خلاصة الوصايا المدوّنة في سفر تثنية الاشتراع “إذا اتَخَذَ رَجُلٌ اَمرَأَةً وتَزَوَّجَها، ثُمَّ لم تَنَلْ حُظْوَةً في عَينَيه، لأَمرٍ غَيرِ لائِق وجَدَه فيها، فلْيَكتبْ لَها كِتابَ طَلاقٍ وُيسَلِّمْها إِيّاه ولَصرِفْها مِن بَيته ” (تثنية اشتراع 24: 1). ان الشريعة الموسوي تكيّفت مع طبيعة الانسان الفاسدة. وبما ان يسوع جاء يعالج هذه الطبيعة الشريرة رفض هذا التكييف واستعاد المستوى الأصلي فحرّم الرب الطلاق بتاتاً. الطلاق امر ضار ومدمر الآن كما كان في أيام يسوع المسيح، فقد قصد الله ان يكون الزواج التزاما يستمر طيلة العمر “يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرانِ جَسَدًا واحِدًا”(التكوين 2: 24). وفي الواقع كان الطلاق مكروهًا لدى اليهود كما يقول ملاخي النبي “لا تَغدُرْ بِامرَأَةِ صِباك لِأَنَّه إِذا طَلَّقَ أَحَدٌ عن بُغْض، قالَ الربُّ إِلهُ إِسْرائيل. غَطَّى لِباسَه عُنفاً ” (ملاخي 2: 15-16). ومن أمثال الربيين “يفيض المذبح دموعًا عندما يطلق إنسان امرأة شبابه”.

32أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن طلَّقَ امرأَتَه، إِلاَّ في حالةِ الفَحْشاء عرَّضَها لِلزِّنى، ومَن تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فقَد زَنى.

تشير عبارة ” حالةِ الفَحْشاء ” في اللغة اليونانية πορνεία الى ثلاثة معاني: المعنى الأول الى عيب او امر مشين (تثنية الاشتراع 24: 1) وفي هذه الحالة يُحلل نص التثنية صرف المرأة لأسباب شتّى ولكل علة. والمعنى الثاني تشير الى الزنى أي خيانة المرأة لزوجها، والمعنى الثالث هو الجماع بالحرام وليس الزنى أي عدم الأمانة من جانب امرأة قبل الزواج. فاذا اكتشف هذا الامر عقب الزواج تُلزم كلمات الرب الزوج ان يطلق المرأة لأنه في نظر الله لم يحصل الزواج (احبار 18: 6-8). وقد اختلفت مدارس التفسير اليهوديّة في تقديم الأسباب التي تبيح الطلاق. فمدرسة شمعي تميل إلى التضييق، فلا تسمح بالطلاق إلا في حالة فقدان العفّة. أمّا مدرسة هليل فكانت متحرّرة للغاية. يمكن للرجل أن يطلق امرأته لأي سبب مهما كان تافهًا مثل إفسادها الطعام أو خروجها برأس عارية، بل ويستطيع أن يطلقها بلا سبب إن جذبته إنسانة أخرى.تقوم أهمية هذه الآية على التذكير بعدم انفساخيه الاتحاد الزوجي، علما بان التقليد الارثوذكسي يجد فيه أساس للتحقّق في حالة الزنى من وجود طلاق.

33 ((سَمِعتُم أَيضاً أَنَّه قِيلَ لِلأَوَّلين: ((لا تَحْنَثْ، بل أَوفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمانِكَ))،

تشير عبارة ” لا تَحْنَثْ ” الى امر الشريعة القديمة وهي “لا تَحلِفوا بِاَسْمي كَذِباً” (أحبار 19: 12)، فكانت الشريعة القديمة تحرص على ان يقول الانسان الصدق دائما، لذا كانت تمنع شهادة الزور، أي اتخاذ الله شاهداً على أشياء كاذبة؛ أما عبارة ” أَوفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمانِكَ ” فتشير الى ان الرب أحيانًا كان يأمر اليهود أن يقسموا به ليس لأنه يودّ القسم، وإنما علامة تعبّدهم له وحده دون الآلهة الغريبة، بهذا كان يمنعهم من القسم بآلهة الأمم المحيطين به (خروج 20: 7).

34أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تَحلِفوا أَبداً، لا بِالسَّماءِ فهِيَ عَرشُ الله،

تشير عبارة ” لا تَحلِفوا أَبداً ” الى عدم القسم اليمين إطلاقا. بل الاكتفاء الكلام وحده بدون قسم كما جاء في تعليم بعقوب الرسول “وقَبْلَ كُلِّ شَيء، يا إِخوَتي، لا تَحلِفوا بِالسَّماءِ ولا بِالأَرضِ ولا يَمينًا أُخرى. لِتَكُنْ نَعَمُكم نَعَم ولاؤُكم لا، لِئَلاَّ تَقَعوا تَحتَ وَطأَةِ الدَّينونة”(يعقوب 5: 12). كلام الانسان إذا كان صادقا له قيمة في حد ذاته. فالحقيقة الموضوعية المتضمنة في كلامه هي التي تشهد على كلامه. لكن الشريعة الموسوية سمحت بالحلف كحماية من عدم امانة القلب البشري. قد جاء الرب يعالج القلب البشري، لذا فان الحلف لم يبق له ضرورة، وهو قادر ان يعيد المستوى الأصلي كما اوصى يعقوب الرسول “وقَبْلَ كُلِّ شَيء، يا إِخوَتي، لا تَحلِفوا بِالسَّماءِ ولا بِالأَرضِ ولا يَمينًا أُخرى. لِتَكُنْ نَعَمُكم نَعَم ولاؤُكم لا، لِئَلاَّ تَقَعوا تَحتَ وَطأَةِ الدَّينونة” (يعقوب 5: 12)؛ اما عبارة “لا بِالسَّماءِ” فتشير الى اقتباس من اشعيا النبي (66: 1). يؤكد يسوع هنا أهمية الصدق. إذا كنا نقول الصدق دائما، فإننا لا نشعر بالحاجة الى تأييد كلامنا بقسم او وعد. ويندد يسوع بعقلية خاطئة تهتم بمراعاة الشريعة مراعاة شكلية وهي عدم الحلفان اليهود باسم الله، لكن كانوا يحلفون بالسماء، وبالأرض ـ وبأورشليم.

35ولا بِالأَرضِ فهيَ مَوْطِئُ قدَمَيْه، ولا بِأُورَشليم فهيَ مَدينةُ المَلِكِ العَظيم.

تشير عبارة “ولا بِالأَرضِ” الى اقتباس من اشعيا (66: 1)؛ اما عبارة ” ولا بِأُورَشليم” فتشير الى العاصمة في هذا الانجيل؛ اما عبارة ” مَدينةُ المَلِكِ العَظيم ” فتشير الى اقتباس من يفر المزامير (مزمور 48: 2). لقد ظلت اورشليم محتفظة بهذا الامتياز الى موت المسيح وقيامته. اما الآن فتوجد اورشليم الجديدة (غلاطية 4: 26).

36ولا تَحلِفْ بِرأسِكَ فأَنتَ لا تَقدِرُ أَن تَجعَلَ شَعرةً واحِدَةً مِنه بَيضاءَ أَو سَوداء.

سمح الكتبة والفريسيُّون بالقسم بالسماء وبالأرض وبأورشليم وبرأس الإنسان واعتبروا أن هذه الأشياء لا علاقة لها بالله. ولكن السيد المسيح هنا يعلمنا أن كل خليقة الله لها علاقة بالله. فلا داعي إذًا لأن يقسم أحد بالله، خصوصًا أن اسم الله أسمى من أن نتعامل به في الأمور المادية، بل يُذكر اسم الله في العبادة فقط. ويعتبر القديس يوحنا الذهبي الفم أن عدم الحلف هو العلامة التي تميّز المسيحي ولغته الخاصة فيقول “لنتقبّل هذا كختم من السماء، فيُنظر إلينا في كل موضع أننا قطيع الملك. ليتنا نعرف من نحن خلال فَمنا ولغتنا”.

37فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ على ذلك كانَ مِنَ الشِّرِّير

تشير عبارة “فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا ” الى ان نكون مثل يسوع، ويسوع “لم يَكنْ نَعَم ولا، بل ((نَعَم)) هو الَّذي تمَّ فيه” (2 قورنتس 1: 19) بل كان كله “نعم” لمجد الله كما أعلن بولس الرسول؛ اما عبارة “كانَ مِنَ الشِّرِّير” فتشير الى ان ضرورة الحلف نجمت عن طبيعة الانسان الشريرة التي كانت الشريعة عاجزة عن معالجتها كما صرّح بولس الرسول “فالَّذي لم تَستَطِعْهُ الشَّريعة، والجَسَدُ قد أَعيْاها، حَقَّقَه اللهُ بإِرسالِ ابِنه في جَسَدٍ يُشْبِهُ جَسَدنا الخاطِئ، كَفَّارةً لِلخَطِيئَة. فَحَكَمَ على الخَطيئَةِ في الجَسَد” (رومة 8: 3). والمسيحي له سمة مميزة، هي أنه لا يُقسم بل يكون كلامه الصدق فقط، لان الكذب هو من إبليس ” فَإِذا تكَلَّمَ بِالكَذِب تَكَلَّمَ بِما عِندَه لأَنَّه كذَّابٌ وأَبو الكَذِب ” (يوحنا 44:8).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 5: 13-16)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 5: 13-16)، نستنتج انه يتمحور حول الشريعة خاصة الوصايا العشر وموقف يسوع منها الشريعة. ومن هنا نتساءل ما هو مفهوم الشريعة في الكتاب المقدس؟ ما هو موقف يسوع من الشريعة الموسوية (اليهودية)؟ وما هي ميزات الشريعة الإنجيلية (المسيحية)؟

1) ما هو مفهوم الشريعة في الكاب المقدس؟

هناك الشريعة الطبيعية والشريعة الدينية. للوثنيين شريعة طبيعية، تظهر لهم عن طريق ضميرهم كما جاء في تعليم بولس الرسول “فالوَثنِيُّونَ الَّذينَ بِلا شَريعة، إذا عَمِلوا بِحَسَبِ الطَّبيعَةِ ما تَأمُرُ بِه الشَّريعة، كانوا شَريعةً لأَنْفُسِهم، همُ الَّذينَ لا شَريعةَ لَهم، فَيدُلُّونَ على أَنَّ ما تَأمُرُ بِه الشَّريعةُ مِنَ الأَعمالِ مَكتوبٌ في قُلوبِهِم، وتَشهَدُ لَهم ضَمائِرُهم وأَفكارُهم، فهي تارةً تَشكوهُم وتارةً تُدافع ُعنهُم” (رومة 2: 14-15). وتدعى هذه الشريعة طبيعية لان العقل الذي يأمر بها من خصائص الطبيعة البشرية. ويعلق القديس توما الاكويني “نور العقل الذي وضعه الله فينا؛ بها نعلم ما يجب عمله وما يجب تجنبه. والله هو الذي أعطى الخليقة هذا النور أو تلك الشريعة”.
“والشريعة الطبيعية تعلن الوصايا الاولى والاساسية التي تهيمن على الحياة الاخلاقية. ومحورها التوق الى الله والخضوع له، هو مصدر كل خير وديَّانة، وكذلك الاحساس بالآخر مساويا للذات”. (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1955).

اما الشريعة الدينية، شريعة العهد القديم في التعبير العبري הַתּוֹרָה “توراه” وفي التعبير اليونانَي νόμος “ناموس” الذي يحمل مدلول قانوني تعني “تعليماً” أعطاه الله للبشر لتنظيم سلوكهم. وينطبق هذا التعليم على المجموعة التشريعية التي ينسبها تقليد العهد القديم إلى موسى النبي. فالشريعة تشمل الوصايا العشر (خروج 2: 2-17)، وهي توصيات خلقية تذكِّر بمطالب الضمير البشري الاساسيّة، فتشكل أوامر مباشرة، بها يعرّف الله مشيئته لشعبه ولها صبغة إلزامية باسم الله نفسه. وهي تَنْهَى عمّا هو مخالف لمحبة الله والقريب، وتأمر بما هو اساسيٌّ لها” التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1962).

وبالإضافة للوصايا العشر تشمل الشريعة ايضا قواعد قانونية تنظم الشؤون المدنية: الاسرية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية، وأخيرا تشمل الشريعة قوانين خاصة بالعبادة: طقوسها، وخدامها وشروطها وخاصة قواعد التطهير. ولذا أطلقت على الشريعة في العهد القديم تسميات مختلفة: تعليم (توراة)، وشهادة، وأمر، ووصية. وحكم أو قضاء، وكلمة، ومشيئة، وطريق الله (مزمور 19: 8-11: 119)، وحكمة (يشوع بن سيراخ 24: 23).

فالوصايا هي متطلبات تدرِّب شعب الله على السير في طريق القداسة التي دعوهم الله اليها. وإن الوصايا العشر (خروج 20: 1-17) وكتاب العهد (خروج 20: 22-23:33) أعاد جمعها كتاب تثنية الاشتراع مع التوسع حتى تتلاءم وضرورات الزمن ومتطلباته (تثنية الاشتراع 5: 2-21، 12-28).

وأما المؤتمنون على الشريعة والمتخصصون في شرحها فهم الكهنة، بحكم وظيفتهم، (هوشع 5: ا إرميا 18: 18، حزقيال 7: 26): ويجب عليهم أن يعلَموا الشعب أحكام الله وأوامره (تثنية 33: 10). ولذا عنهم تصدر مجموعة الأحكام التشريعية، وتحت إشرافهم يتم التوسع في التوراة.

أما المدافعون عن الشريعة فهم الأنبياء. فكان الانبياء يعترفون بسلطة هذه التوراة، ويوبّخون الكهنة عن إهمالها (هوشع 4: 6، حزقيال 22: 26)، وقد ندد النبي هوشع بمخالفات للوصايا العشر (هوشع 4: 1-2)، ووعظ ارميا النبي بإطاعة كلمات العهد (ارميا 11: 1-12) وعدّد حزقيال النبي بعض الخطايا المأخوذة من كتاب القداسة (حزقيال 22: 1-16). والشريعة مرتبطة بالعهد. فالعهد يتطلب في الواقع التزاما بحفظ الشريعة الإلهية (خروج 19: 7-8). فالشريعة عنصر أساسي في وعد الشعب الإسرائيلي في مجيء المخلص إذ تُهيئ للإنجيل وتُعد الشعب المختار وكل مسيحي للتوبة وللإيمان بالله المخلص. وهذه الشريعة بحسب التقليد المسيحي مقدسة (رومة (7:12) وروحية (رومة 7:14) وصالحة (رومة (7: 16) ولكنها ناقصة، لا تعطي بذاتها القوة ولا نعمة الروح القدس.

وأما العهد الجديد فيُطلق اسم “الشريعة” على النظام تمييزا عن تدبير النعمة الذي أسسه يسوع “وقَد جاءَتِ الشَّريعةُ لِتَكثُرَ الزَّلَّة، ولكِن حَيثُ كَثُرَتِ الخَطيئَةُ فاضَتِ النِّعمَة” (رومة 5: 20). ففي حين يتمسك الصدّوقيون بالتوراة المكتوبة وفي نظرهم الكهنة وحدهم هم مفسّرو الشريعة الشرعيون؛ فإنَ الفريسيين يعترفون بالتوراة المكتوبة وبالتوراة الشفوية أي بتقليد الأجداد.

2) ما هو موقف يسوع من الشريعة القديمة الموسوية (اليهودية)؟

إذا لم يكن المسيح قد جاء لينقض الشريعة ((لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل. (متى 5: 17)، فهل يعني انه ينبغي الآن تطبيق كل شرائع العهد القديم؟

كانت الشريعة في العهد القديم مقسّمة الى ثلاثة أقسام: قسم طقسي، وقسم مدني، وقسم أدبي.
(1) كانت الشريعة الطقسية ترتبط خاصة بعبادة بني إسرائيل (الاحبار 1، 2، 3) وكان الهدف الأساسي منها الإشارة والتلميح الى سيدنا يسوع المسيح، فلم تعد هذه الشرائع لازمة بعد موت المسيح وقيامته، ولكن بينما نحن غير مقيّدين بالشرائع الطقسية، فإن المبادئ التي وراءها، أي ان نعبد الله القدوس ونحبه، ما زالت سارية. وقد حاول القديس بولس الرسول ان يدافع عن حرية الوثنيين المهتدين تجاه الترتيبات التي تأمر بها الشريعة الطقسية (غلاطية 2: 14-21). ويعرف صاحب الرسالة الى العبرانيين أن الشريعة الطقسية لم تستطع بلوغ الهدف الذي كانت ترمي إليه، ألا وهو تقديس البشر (العبرانيين 7: 19). فهي لم تشتمل في الواقع إلا على ظل الخيرات المستقبلة (العبرانيين 10: 1)، فهي رمز ناقص لذبيحة يسوع. وأما نظام يسوع الجديد أي الشريعة الانجيلية فتحتوي حقيقة على هذه الخيرات (عبرانيين 10: 1). فرائض الذبائح والختان كانت رمزًا لشيء سيحدث وبحدوثه انتهت هذه الفرائض، لأنه بمجيء المسيح ظهر معنى الطقوس والفرائض. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول ” إِذا اختَتَنتُمِ، فلَن يُفيدَكُمُ المسيحُ شَيئًا… ففي المسيحِ يسوعَ لا قِيمةَ لِلخِتانِ ولا لِلقَلَف، وإِنَّما القِيمةُ لِلإِيمانِ العامِلِ بِالمَحبَّة”(غلاطية 5: 2، 6).

(2) كان الشريعة المدنية تطبيقا لشريعة الله على الحياة اليومية في اسرائيل (تثنية الاشتراع 24: 10-11)، ولان المجتمع العصري والثقافة الحديثة يختلفان اختلافا جذريا، فلا يمكن تطبيق كل هذه التوجيهات بحرفيتها، ولكن المبادئ وراء هذه الوصايا، هي لكل الأزمنة، ويجب ان تقود سلوكنا وقد تمَّمها يسوع كمثال لنا.

(3) الشريعة الأدبية تختصرها الوصايا العشر هي امر مباشر من الله يلزم طاعته طاعة كاملة (خروج 20: 13)، فقد اطاع يسوع المسيح الشريعة الأدبية تماما، فهي تعلن طبيعة الله ومشيئته، وهي ما زالت ملزمة حتى اليوم. إن موقف يسوع من الشريعة القديمة واضح. فقد قاوم الشريعة الشفوية ولم يبطل الشريعة المكتوبة بل أكملها.

(ا) قاوم يسوع الشريعة الشفوية
في حين يتمسك الصدّوقيون بالتوراة المكتوبة وفي نظرهم الكهنة وحدهم هم مفسّرو الشريعة الشرعيون؛ فإنَ الفريسيين يعترفون بالتوراة المكتوبة وبالتوراة الشفوية أي بتقليد الأجداد. قاوم يسوع بعنف تقليدّ الشيوخ الذي يتمسك به الكتبة والفريسيون، لان التقليد يقود الناس إلى مخالفة الشريعة وإبطال كلمة الله (مرقس 12: 28-34).
أمّا التشريعات الخارجية الطقسية المادية الكثيرة التي طلبتها الشريعة الموسوية وزاد عليها معلمو الشريعة من عشر وصايا إلى 613، فما أبطلها يسوع بل أخذ معناها ومغزاها وروحها. فقد ألغي يسوع التشريعات الخارجية الطقسية المادّية الموسوية اليهودية التلمودية التي كانت تفصل – وما تزال-اليهود عن غير اليهود، من ختان ووضوء وتنظيمات في المأكل وذبح الحيوانات والطهارة النسائية والذكورية وسواها كما جاء في تعليم بولس الرسول “أَلغى شَريعةَ الوَصايا وما فيها مِن أَحكام لِيَخلُقَ في شَخْصِه مِن هاتَينِ الجَماعتَين، بَعدَما أَحَلَّ السَّلامَ بَينَهما، إِنسانًا جَديدًا واحِدًا “(أفسس 2: 15)
كل تلك التشريعات الخارجية الطقسية نابعة عن أمر الطهارة في العقيدة وفي الأخلاق. أخذ يسوع هذه الطهارة هدفًا وترك للكنيسة وللعقل السليم وللعادات والتقاليد المحلية تعيين الظروف والشروط الحياتية المادية التي تختلف من مكان إلى آخر.
وقاوم يسوع ايضا نقطة الضعف عند الفريسيين وعلماء الشريعة الذين اكتفوا بطاعة للشريعة ظاهريا دون ان يسمحوا لها تغيير قلوبهم او اتجاهاتهم، لذلك قال السيد المسيح إن نوعية بِرُّنا يلزم ان يكون أفضل مما عند الفريسيين. “فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات” (متى 5: 20). ويعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم “مع أن الكتبة والفريسيين لم يكمِّلوا الناموس، إلا أنهم كانوا يتطلّعون إليه بضمير حيّ عظيم. وبينما كانوا يفسخونه كل يوم بأعمالهم، لكنهم يحافظون على حروفه لتبقى كما هي بلا تغيير، ولا يضيف عليه أحد شيئًا. لكنهم بالحقيقة أضافوا هم ورؤساؤهم إليه لا ما هو أفضل بل ما هو أردأ، إذ اعتادوا أن يتركوا التكريم اللائق بالوالدين جانبًا بإضافات من عندهم”. أمّا السيّد المسيح فقد جاء ليكمّل الناموس والأنبياء.

(ب) لم يبطل يسوع الشريعة المكتوبة
“لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل” (متى 5: 17). والحال أنّ الشريعة، في ملكوت الله، لا ينبغي أن تُلغى، بل أن تتمم حتى آخر ياء أو نقطة (متى 5: 17-19)، ويسوع نفسه حفظها كما جاء في قوله للأبرص “إِيَّاكَ أَن تُخبِرَ أَحداً بِالأَمْر، بلِ اذْهَبْ إِلى الكاهِنِ فَأَرِهِ نَفسَكَ، ثُمَّ قَرِّبْ ما أَمَرَ بِه موسى مِن قُرْبان، شَهادَةً لَدَيهِم” (متى8: 4). ولذا فإن الكتبة ما داموا أمناء على تعاليم موسى، ينبغي الاعتراف بسلطتهم وإن كان لا ينبغي الاقتداء بسيرتهم ” إِنَّ الكَتَبَةَ والفِرِّيسيِّينَ على كُرسِيِّ موسى جالِسون، فَافعَلوا ما يَقولونَ لَكم واحفَظوه. ولكِن أَفعالَهم لا تَفعَلوا، لأَنَّهم يَقولونَ ولا يَفعَلون:” (متى 23: 2-3). وقد أكمل السيّد المسيح الناموس بخضوعه لوصايا دون أن يكسر وصيّة واحدة. ألم يقل ليوحنا المعمدان: ” يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ”(متى 3: 15). وألم يقل لليهود: ” مَن مِنكم يُثبِتُ عَليَّ خَطيئة؟” (يوحنا 8: 46).

(ج) أكمل يسوع الشريعة المكتوبة
افتتح يسوع أنجيل الملكوت وبالتالي نظاما دينيا جديدا فأكمل الشريعة. “لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل” (متى 5: 17). فالشريعة والأنبياء أمر أنتهى مع يوحنا المعمدانّ كما صرّح يسوع “دامَ عَهْدُ الشَّريعَةِ والأَنبِياءِ حتَّى يوحَنَّا، ومِن ذلكَ الحِينِ يُبَشَّرُ بِمَلكوتِ الله، وكُلُّ امْرِئٍ مُلزَمٌ بِدُخوِله”(لوقا 16: 16)، وخمر الإنجيل لا يمكن صبها في آنية عتيقة خاصة في الشريعة الموسوية “ما مِن أَحَدٍ يَجعَلُ الخَمرَةَ الجَديدَةَ في زِقاقٍ عَتيقة، لِئَلاَّ تَشُقَّ الخَمرُ الزِّقاقَ، فَتتلَفَ الخَمرُ والزِّقاقُ معاً. ولكِن لِلخَمرَةِ الجَديدة زِقاقٌ جَديدة” (مرقس2: 22).

وضع الشريعة الموسوية كل الوصايا الدينية والأخلاقية والمدنية والعبادية على قدم المساواة، دون جعل ترتيب دقيق بينها يشير إلى أيّ منها يجب أن يعتبر دائماً المحور بالنسبة للباقية (تثنية الاشتراع 6: 4 -13). وقد تحوّلت الشريعة إلى قواعد متروكة لتفسيرات المُحلِّلين، مما يثقّل العبء على البشر بنير لا يطاق كما أعلن بطرس الرسول في مجمع اورشليم “فلِماذا تُجَرِّبونَ اللهَ الآنَ بِأَن تَجعَلوا على أَعناق التَّلاميذِ نِيرًا لم يَقْوَ آباؤُنا ولا نَحنُ قَوِينا على حَملِه؟”(أعمال 15: 10). اما يسوع فقد أكمل الشريعة بوضع نظاما جديداً في نظام ملكوت وذلك بترتيب الوصايا وفق سلم الأولويات لتكون في وضعها الصحيح. فالتجديد هنا هو وضع محبة القريب قبل عبادة مقدّمة لله، لا بل تقوم عبادة الله على محبة القريب كما جاء في تعليم يسوع “فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً، فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك” (متى 5: 23-24). في مفهوم يسوع، المصالحة بين الإخوة هي الذبيحة الحقيقية.

ويختلف ترتيب يسوع عن جدول القيم الذي حدَّده الكتبة والفريسيون، وقد أهملوا فيه ما هو أساسي: العدل والرحمة والنيَة الصالحة، ليهتموا بما هو ثانوي كما وبّخهم السيد المسيح “الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَع والشُّمْرَةِ والكَمُّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في الشَّريعة: العَدلَ والرَّحمَةَ والأَمانة. فهذا ما كانَ يَجِبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك” (متى 23: 23).

بالإضافة الى ذلك، ألغي يسوع النقائص التي كانت لاصقة بالشريعة القديمة “بسبب قساوة القلوب” كما جاء في تعليمه “مِن أَجْلِ قساوَةِ قُلوبِكم رَخَّصَ لَكم موسى في طَلاقِ نِسائكم، ولَم يَكُنِ الأَمرُ مُنذُ البَدءِ هكذا” (متى19: 8). فالنقائص لم يعد لها مكان في الملكوت السماوي. فقاعدة السلوك الواجب اتباعها في هذا الملكوت هي شريعة الكمال، اقتداء بكمال الله. عندما أعلن يسوع بوضوح “سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم (متى 5: 21-21)، لم يكن ينقض الشريعة او يضيف اليها آراءه الشخصية، بل كان يقدّم مفهوما أكمل لغرض الله منها، ومثال على ذلك في الوصايا التالية:

” لا تقتل”
“سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: ((لا تَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء)). أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، (متى 5: 21-22). عندما تكلم موسى النبي عن القتل أوضح يسوع أنه لا يكفي ان نتجنب القتل إلاّ في حالة الدفاع عن النفس (لوقا 22: 36)، بل يجب ان نتجنب الغضب والحقد، وهو لب القضية، ويعلق القديس أوغسطينوس” من يعلّمنا عن عدم الغضب لا ينقض الوصيّة الخاصة بعدم القتل، بل بالأحرى يكمّلها، إذ في عدم الغضب نتنقّى، من الداخل في قلوبنا، ومن الخارج أيضًا بعدم القتل”. يقدّم لنا الرب يسوع الجانب السلبي بالامتناع عن الشرّ، لا في التصرّفات الظاهرة فحسب، وإنما باقتلاع الشر من القلب في الداخل. ونزع الخطيئة من جذورها قبل أن تظهر كفعل في الخارج. فالغضب يشير الى شعور بالمرارة ضد أحد الناس، وهو شعور خطير يؤدي الى الشتائم والمخاصمات التي تفسد العلاقات البشرية وتُسمِّمها وتؤدي في آخر المطاف الى القتل والعنف وغير ذلك من النتائج المدمرة. وبذلك يكون المرء قد أرتكب القتل في قلبه (متى 5: 21-22). ويعلق القديس يوحنا كاسيان” تأمرنا كلمة الإنجيل باستئصال جذور سقطاتنا، وليس نزع ثمارها، فعند إزالة جميع الدوافع بلا شك لن تقوم من جديد”. وبعبارة أخرى، لم يكتفِ الشيد المسيح بوصية ” لا تقتل” بل منع جذور القتل وأسبابه أي الغضب والحقد، بل طوّب الودعاء ” طوبى الودعاء “طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض” (متى 5: 4).

ولكن الجدير بالذكر هو الإشارة الى غضب حميد قال عنه بولس الرسول ” اِغضَبوا، ولَكن لا تَخطَأُوا” (أفسس 4: 26)، انه يليق بالأب أن يغضب على ابنه، والمعلّم على تلميذه، ليس غضب الانتقام، بل غضب التأديب النابع عن الحب كما يقول القديس يوحنا الذهب الفم ” فإن رأيت إنسانًا يرتكب خطأ قاتلًا ابسط يدك لتعينه”.

وعندما طلب تقديم الذبائح بانتظام، أوضح يسوع انه لا يكفي ان نقدم الذبائح بانتظام بل يجب ان نكون على علاقة صحيحة مع الله ومع الآخرين (متى 5: 23-26). فمن الرياء ان نقول إننا في شركة سليمة مع الله، بينما شركتنا مع الآخرين ليست على ما يرام، فشركتنا مع الآخرين تعكس شركتنا مع الله “إِذا قالَ أَحَد: ((إِنِّي أُحِبُّ الله)) وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِبًا لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه” (1 يوحنا 4: 20). ومن هنا جاءت تطويبة يسوع ” طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون.” (متى 5: 9).

“لا تزن”
“سَمِعْتُم أَنَّه قيل: ((لا تَزْنِ)). أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ بِشَهْوَة، زَنى بِها في قَلبِه. (متى 5: 27-28). عندما قال موسى في الشريعة عن الزنى، أوضح يسوع انه لا يكفي الابتعاد عن الزنى بل يجب ان نحفظ قلوبنا من الشهوة ونكون أمناء. هنا اكّد يسوع أنه إذ ا كان فعل الزنى خطيئة، فالنية أيضا خطيئة. (متى 5: 27-30). ويعلق القديس أوغسطينوس “إن الخطيّئة تتم على ثلاث مراحل: إثارتها، التلذّذ بها، ثم إرضائها” إن كان الناموس قد حرّم إرضاء الخطيئة أي تنفيذها، فإن السيّد المسيح جاء ليقتلع جذورها بمنع الخطيئة، وهي في مرحلتها الأولى. إن كانت الخطيئة تبدأ بالإثارة خلال النظرة الشرّيرة، ليتقبّلها الفكر ويتلذذ بها ثم تدخل إلى الإرضاء بالتنفيذ العملي، فإنه يسهل على المؤمن أن يواجهها في مرحلتها الأولى قبل أن يكون لها موضع في الذهن أو لذّة خلال الممارسة للخطأ. ليس الجسد هو الذي يلوّث الإنسان بل الافكار والشهوات. بذلك يُدخل يسوع الى العالم قيمة جديدة، وهي احترام الذات، واحترام الجنس وقدسية الحب. وما هو هام في العلاقات الزوجية بحسب نظر يسوع هو الموقف الباطني الذي يستدعي التسامي وضبط الذات والحواس وصفاء النيّة وليس مجرّد الامتناع عن أعمال الزني. يسوع يقدّم علاقة جديد وهي أن نفهم أن الآخر هو جزء منّا، وأننا نشكل معه جسداً واحداً، وبأنّنا شأن واحد. إن الآخر هو شخص وُجِد كي نحبّه. وبعبارة أخرى، لم يكتفى السيد المسيح بوصية ” لا تزنِ” بل منع جذور الزنى في النّظرة غير الطاهرة والنيّة غير السليمة من ناحية طوّب أطهار القلوب ” طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله ” (متى 5: 4).

الطلاق:
وقد قيل: ((مَن طلَّقَ امرأَتَه، فلْيُعْطِها كِتابَ طَلاق)). أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن طلَّقَ امرأَتَه، إِلاَّ في حالةِ الفَحْشاء عرَّضَها لِلزِّنى، ومَن تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فقَد زَنى. (متى 5: 32-33). عندما قال موسى في شريعة الطلاق، أوضح يسوع انه لا يكفي ان نتزوج زواجا شرعيا بل يجب ان نحيا بمقتضى التزامات الزواج (متى 5: 31-32). كان سفر تثنية الاشتراع يجيز الطلاق (24: 1) لكن يسوع عارض هذا القانون واستبدله بقانون زواج غير قابل للانحلال، كما أراده الله منذ البداية “لذلِكَ يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرانِ جَسَدًا واحِدًا”(تكوين 2: 24). فيسوع لا يجيز الطلاق الا في حالة الفحشاء يعني حالة الذي يعيش مع أمرأ’ من غير زواج رسمي. وفي هذه الحالة، يجوز ابطال الزواج لأنه ليس ثمة عقد زواج قائم.

لا تَحْنَثْ
“سَمِعتُم أَيضاً أَنَّه قِيلَ لِلأَوَّلين: ((لا تَحْنَثْ، بل أَوفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمانِكَ))، 34 أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تَحلِفوا أَبداً، لا بِالسَّماءِ فهِيَ عَرشُ الله، 35 ولا بِالأَرضِ فهيَ مَوْطِئُ قدَمَيْه، ولا بِأُورَشليم فهيَ مَدينةُ المَلِكِ العَظيم. 36 ولا تَحلِفْ بِرأسِكَ فأَنتَ لا تَقدِرُ أَن تَجعَلَ شَعرةً واحِدَةً مِنه بَيضاءَ أَو سَوداء. 37 فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ على ذلك كانَ مِنَ الشِّرِّير. (متى 5: 33-37). عندما تكلم موسى عن النذور، أوضح يسوع بانه لا يكفي بان ننذر، بل يجب ان نتجنب التعهد بطريقة متسرعة وغير مسؤولة امام الله (متى 5: 33-37).
وخلاصة القول، يعلمنا يسوع كيف نفهم الشريعة ونطيها، اما أولئك الذين لا يطيعون الشريعة ويقلّلون من شأنها ويشككون فيها، فلا يقللون من شأنها فحسب بل من شأن الإنسان، وبذلك من شأن الله نفسه.

3) ما هي ميزات الشريعة الجديدة الإنجيلية؟

توقّع اليهود بأنّ الربّ الإله سوف يعطي شريعة جديدة عن طريق المسّيا (يلكوت شمعوني 2، 296). الشريعة الجديدة ما هي الاّ الشريعة الإنجيلية التي هي كمال الشريعة الطبيعية – الإلهية الموحى بها الى موسى النبي.
لم يكمل يسوع الشريعة بالتشديد فقط على الوجهة الباطنية وما في قلوبنا بل ركز أيضا على كمال الشريعة وقوتها بالروح القدس واولوية العمل والحرية والمحبة.

(ا) شريعة الكمال: الشريعة الانجيلية لا تلغي قيمة الفرائض الاخلاقية الموجودة في الشريعة القديمة، بل تظهر كل حقيقتها الالهية والانسانية. وتذهب إلى حد اصلاح أصل الاعمال، أي القلب، حيث يختار الانسان بين ما هو طاهر وما هو دنس كما جاء في تعليم يسوع المسيح ” مِنَ القَلْبِ تَنْبَعِثُ المقَاصِدُ السَّيِّئَة والقَتْلُ والزِّنى والفُحْشُ والسَّرِقَةُ وشَهادةُ الزُّورِ والشَّتائم ” (متى 15: 19). يقود الانجيل الشريعة هكذا إلى كمالها بالاقتداء بكمال الاب السماوي تلبية للرب يسوع “كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل. (متى 5: 48)، والمغفرة للأعداء، والصلاة لأجل المضطهدين، كما وصّنا يسوع المسيح ” أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم ” (متى 5: 44).
(ب) شريعة الروح القدس : بما ان شريعة يسوع هي شريعة الكمال، وهو هدف صعب المنال بوضع الإنسان الحاضر (متى19: 10)، فإنَ يسوع قدَّم مع هذه الشريعة نفسه مثالاً جذاباً ومنح قوة باطنية سوف تساعد على حفظ الشريعة، وهي قوة الروح “لكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَنزِلُ علَيكم فتَنَالون قُدرَةً وتكونونَ لي شُهودًا في أُورَشَليمَ وكُلِّ اليهودِيَّةِ والسَّامِرَة، حتَّى أَقاصي الأَرض” (أعمال 1: 8)؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “ما لم يستطع الناموس أن يتمّمه بالحروف تحقّق بالإيمان، لهذا يقول السيد المسيح “لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل”. وقد صرّح بولس الرسول ” فغايَةُ الشَّريعةِ هي المسيح، لِتَبْرير ِكُلِّ مُؤمِن” (رومة 10: 4).
أوضح لنا يسوع اننا بحاجة الى نوع من البر يختلف تماما عن صلاح الفريسيين “فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات. (متى 5: 20) وكيف يكون ذلك: فان حفظ الوصايا (برّنا) يجب ان يكون نتيجة لما يفعله الله فينا، وليس ما نستطيع نحن ان نفعله من أنفسنا. وان يكون مركز حفظ الوصايا (برنا) الله وليس الذات، وهدف حفظ الوصايا هي مخافة والله وطاعته وليس استحسان الناس. وان يكون حفظ الوصايا ليس مجرد حفظ الشريعة، بل حبّا في المبادئ التي وراءها وهو الله. الشريعة الإنجيلية توجّه صدقتنا وصلاتنا ووصومنا نحو الآب السماوي ” إِيَّاُكم أَن تَعمَلوا بِرَّكم بِمَرأًى مِنَ النَّاس لِكَي يَنظُروا إِليكم، …لِتكونَ صَدَقَتُكَ (صلاتك، وصومك) في الخُفْيَة، وأَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفْيَةِ يُجازيك” (متى 6: 1-6)
(ج) شريعة العمل: ظن الفريسيون وعلماء الشريعة ان تعليم الآخرين هو الهدف الأسمى في الحياة. لكن السيد المسيح أوضح ان الطاعة لله هي أعظم هدف، فمن السهل ان تتعلّم شريعة الله وتطلب من الآخرين ان يطيعوها، دون ان تمارسها بنفسك، لذا قال يسوع ” فمَن خالفَ وَصِيَّةً مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا وعَلَّمَ النَّاسَ أَن يَفعَلوا مِثْلَه، عُدَّ الصَّغيرَ في مَلَكوتِ السَّمَوات “(متى 5: 19). فشريعة النظام الجديد هي شريعة الحرية الكاملة “وأَمَّا الَّذي أَكَبَّ على الشَّريعَةِ الكامِلَة، شَريعَةِ الحُرِّيَّة، ولَزِمَها، لا شَأْنَ مَن يَسمعُ ثُمَّ يَنْسى، بل شأنَ مَن يَعمَل، فذاكَ الَّذي سيَكونُ سَعيدًا في عَمَلِه”(يعقوب 1: 25).
والشريعة الإنجيلية هي شريعة عمل لأنها تقتضي ممارسة كلام الرب ” لَيسَ مَن يَقولُ لي ((يا ربّ، يا ربّ)) ي َدخُلُ مَلكوتَ السَّمَوات، بل مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات. (متى 7: 21) كما تقتضي هذه الشريعة اختيار حاسم بين الطريقين “أُدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّق. فإِنَّ البابَ رَحْبٌ والطَّريقَ المُؤَدِّيَ إِلى الهَلاكِ واسِع، والَّذينَ يَسلُكونَه كَثيرون. ما أَضْيَقَ البابَ وأَحرَجَ الطَّريقَ المُؤَدِّيَ إِلى الحَياة، والَّذينَ يَهتَدونَ إِليهِ قَليلون” (متى 7: 13-14). وتختصر الشريعة الانجيلية بالقاعدة الذهبية “فكُلُّ ما أَرَدْتُم أَن يَفْعَلَ النَّاسُ لكُم، اِفعَلوهُ أَنتُم لَهم: هذِه هيَ الشَّريعَةُ والأَنبِياء. “(متى 7: 12).
(د) شريعة الحرية لأنها تحررنا مما في الشريعة القديمة من رسوم طقوسية وقانونية، وتميل بنا إلى التصرف تلقائيا بدافع المحبة” كما جاء في تعليم يعقوب الرسول “تَكلَّموا واعمَلوا مِثْلَ مَن سَيُدانُ بِشَريعَةِ الحُرِّيَّة” (يعقوب 2: 12) من ناحية، ومن ناحية أخرة لان الشريعة الانجيلية تجعلنا ننتقل من حالة العبد إلى حالة صديق المسيح كما أكّد الرب يسوع “لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم لِأَنَّ الخادِمَ لا يَعلَمُ ما يَعمَلُ سَيِّدُه. فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي” (يوحنا 15: 15)، وإلى حالة الابن الوارث أيضا كما جاء في تعلم بولس الرسول “الدَّليلُ على كَونِكُم أَبناء أَنَّ اللهَ أَرسَلَ رُوحَ ابنِه إِلى قُلوبِنا، الرُّوحَ الَّذي يُنادي: ((أَبَّا ))، (( يا أَبتِ )) 7 فلَستَ بَعدُ عَبْدًا بلِ ابنٌ ، وإِذا كُنتَ ابنًا فأَنتَ وارِثٌ بِفَضْلِ اللّه”( غلاطية 4: 6- 7).
(ه) شريعة الحب: أكمل المسيح الشريعة أنه كشف روح الحب في وصيته الجديدة “أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً” (يوحنا 13: 34). تدعى الشريعة الانجيلية شريعة محبة لأنها تحمل على التصرف بفعل المحبة التي يبثها الروح القدس على التصرف بالخوف؛ فالرب يسوع أعطانا أن نتجاوب مع وصايا الشريعة ونتممها عن حب، وذلك بسكب روح المحبة في قلوبنا بالروح القدس كما جاء في تعليم بولس الرسول ” لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا ” (رومة 5:5)، فجعلنا نطيع الشريعة ليس خوفًا من عقاب بل حبًا فيها. الروح القدس الممنوح لنا في العهد الجديد بسكبه روح المحبة في قلوبنا تجعلنا نحفظ الوصية عن حب وليس عن فرض كما جاء في تعليم الرب يسوع “مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي.” (يوحنا 21:14)، وبهذا كمّل يسوع الناموس فينا، إذ أن هدف الناموس أن نحيا حياة البر.
والشريعة الإنجيلية هي شريعة محبة، لأنها تحتوي على المشورات الإنجيلية التي غايتها اقصاء ما يمكنه ان يُعيق نمو المحبة كما يقول العلامة توما الاكويني. والمشورات الانجيلية تتضمن العفة في حياة العزوبة لأجل ملكوت الله، والفقر والطاعة، وهي معروضة على كل واحد من تلاميذ المسيح المدعو لتكريس حياته في كمال المحبة.
وأخيراً فإنَ شريعة الملكوت تلخَص في الوصية المزدوجة، التي تلزم الإنسان بأن يحب الله، وأن يحبّ القريب كنفسه” فأَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قلبِكَ وكُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ ذِهِنكَ وكُلِّ قُوَّتِكَ. والثَّانِيَةُ هي: أَحبِبْ قريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ ” (مرقس12: 30-31). ويوكّد بولس الرسول أهمية المحبة الأخوية بقوله “لا يَكوَننَّ علَيكم لأَحَدٍ دَيْنٌ إلاَّ حُبُّ بَعضِكُم لِبَعْض، فمَن أَحَبَّ غَيرَه أَتَمَّ الشَّريعة، 9 فإِنَّ الوَصايا الَّتي تَقول: ((لا تَزْنِ، لا تَقتُلْ، لا تَسْرِقْ، لا تَشتَهِ)) وسِواها مِنَ الوَصايا، مُجتَمِعةٌ في هذِه الكَلِمَة: ((أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ)). فالمَحبَّةُ لا تُنزِلُ بِالقَريبِ شرًّا، فالمَحبَّةُ إِذًا كَمالُ الشَّريعة ” (رومة 13، 8-10).

وكل الأمور تنظَم من حول هذه الوصية، وكلها تشتق منها. وفي علاقات البشر بعضهم ببعض، هذه الوصية هي القاعدة الذهبية المثلى وتحوي كل الشريعة والأنبياء” فكُلُّ ما أَرَدْتُم أَن يَفْعَلَ النَّاسُ لكُم، اِفعَلوهُ أَنتُم لَهم: هذِه هيَ الشَّريعَةُ والأَنبِياء” (متى 7: 12). والتي قمّتها شريعة المحبة “فإِذا عَمِلتُم بِالشَّريعَةِ السَّامِيَةِ الَّني نَصَّ عَلَيها الكِتاب، وهي: ((أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ))، تُحسِنونَ عَمَلاً “(يعقوب 2: 8). وحفظ الوصايا هو علامة الحب الحقيقي كما صرّح يسوع ” مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي”(يوحنا 14: 21) ومن بين هذه الوصايا هي وصية المحبة الاخوية ” أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً”(يوحنا 13: 34) وهذه الوصية منبثقة من محبة الله ” إِلَيكُمُ الوَصِيَّةَ الَّتي أَخَذْناها عنه: مَن أَحَبَّ اللهَ فلْيُحِبَّ أَخاه أَيضًا”(1 يوحنا 4: 21). وهكذا ولدت شريعة جديدة ترتبط بيسوع، وهي شريعة جديدة تبقى مدى الدهر قاعدة للحياة المسيحية.

الخلاصة
لم يأتي يسوع كي يبطل او يهدم بل ان يبني ويواصل العمل الشريعة التي أعطاها الله. والعهد الجديد خير شاهد على التجديد الجذري مع التمسّك بجوهر العهد القديم، وهو يُعد استمرارية ً للعهد القديم، وعليه فإن الدين المسيحي يشكّل في آن واحد استمرار للعهد القديم وتجديدًاً له كما جاء في رسالة العبرانيين ” إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين”(عبرانيين 1: 1).

هكذا يحقق الانجيل العهد القديم ويُكمِّله، لا بل إن ظهور يسوع ينير مراحل العهد القديم. ليس يسوع مؤسس لديانة جديد بل هو كلمة الله النهائية، وهو الذي يكشف في النهاية عن إرادة الله الآب التي هي ليست “شريعة” بقدر ما هي مطلب حب. فإذا كان الانسان محبوبا، شعر بمطلب باطني للتشبه بالذي يحبّه. وعلق أحد المفسّرين على شريعة يسوع بقوله ” في صُلب كل عمل نيّة دينية، وفي صلب كل عمل ديني محبة، وفي صلب كل فعل محبة كائن مطلق”؛ فبشريعته يدعونا يسوع نحن أحباء الله الآب، ان نعيش تحت نظر الله والدخول في علاقة الابن مع الآب، وان ننظر الى الآخر نظرة الآب نفسه، وأن نحبه بالاحترام نفسه والرغبة نفسها فنكون كامِلين، كما أَنَّ أَبانا السَّماويَّ كامِل (متى 5: 48).

دعاء
“أيّها الآب السماوي، يا من أرسلت أبنك الحبيب يسوع المسيح ليكمل الشريعة فرفعها الى مستوى الكمال الإنجيلي، امنحنا النعمة ان نقرا الكتاب المقدس في ضوء يسوع وبمفهومه حياته وموته وقيامته، فنطابق حياتنا مع متطلّبات الإنجيل بمحبة وحريّة ومجانية، ونُصبح أبناء الله وورثة الملكوت وشهود لله خاصة في محبّة الآخر بذات قلب الربّ يسوع المسيح آمين”.