Liturgical Logo

شريعة الكمال الانجيلية: عدم الانتقام ومحبة الأعداء

الأب لويس حزبون

(متى 5: 38-48)

يصف انجيل متى شريعة كمال المحبة التي جاء بها سيدنا يسوع المسيح (متى 5: 38-48). وتحثُّ هذه الشريعة المسيحيين ان يكونوا كاملين كما أَنَّ أَباهم السَّماويَّ كامِل خاصة بتجنب الانتقام والعمل بوصية محبة الأعداء؛ فعالمنا المعاصر بأمس الحاجة الى شريعة كمال المحبة: كم من مدينة تمّ تدميرها في وقتنا الحالي بسبب الاعمال الانتقامية؟ كم من صراعات عرقيــة ودوليــــــة واجتماعية يُطبّق عليهــا مبدأ التصعيد ” الأقوى هو الذي يرُدّ الضربات”. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي ((متى 5: 38-48)
38 ((سَمِعتُم أَنَّه قيل: ((العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ))
تشير عبارة ” العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ “إلى شريعة الانتقام المأخوذة من سفر الخروج، وهي “وإِن تأَتَّى ضَرَر، تَدفَعُ نَفْساً بِنَفْس، وعَيناً بِعَين وسِنّاً بِسِنّ وَيداً بِيَد ورِجْلاً بِرِجْل” (خروج 21: 24). لم يكن هذا القانون قاعدة للانتقام الشخصي (خروج 21: 23-25)، إنما أعطي للحد من الانتقام ومعاونة المحكمة على تحديد القصاص الذي لا يغالي في الصرامة او في اللين بحيث يكون القصاص بقدر الجريمة. فان هذا القانون يخفّف من حدة الانتقام (التكوين 4: 15-24). إذا أصيب الإنسان بظلم فيجب ان لا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يجب ان يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن، ولكن بعض الناس استخدموا هذا القانون لتبادل بالمثل “اعاملك كما تعاملني “، في حين يسوع يطلب من تلاميذه ” كَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم ” (لوقا 6: 31). ويعتبر هذه المبدأ القاعدة الذهبية التي تلخّص الشريعة والأنبياء (متى 7: 12).
39أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير، بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر.
تشير عبارة ” تقاوموا” في اليونانية ἀντιστῆνα الى الوقوف في حرب ضد من يقاومك مجاهدًا أن تنتصر عليه؛ اما عبارة “لا تُقاوِموا” فتشير الى عدم الرد أو مقابلة الضربة بالضربة، إمَّا بصورة شخصية وفورية، وإمَّا بهجوم معاكس في المحكمة كما أوضح يسوع كلامه مع تلاميذه ” فسَأُوتيكم أَنا مِنَ الكَلامِ والحِكمَةِ ما يَعجِزُ جَميعُ خُصومِكم عَن مُقاوَمَتِه أَوِ الرَّدِّ علَيه ” (لوقا 21: 15). لا يريد يسوع ان نردّ على الضربة بالضربة، وعلى الشر بالشر. بل ننتظر حكم المحكمة. بينما الدفاع عن النفس بالعنف لا يدلّ دوما على القوة، وعدم الدفاع لا يعني الخنوع، او الجُبن او فقدان للكرامة بل تحدّيًا للشّرير وإحراجًا له وترفّعًا عن النزول إلى مستواه المتدنّي. فيسوع دافع عن نفسه حين لُطم واحِدٌ مِنَ الحَرَسِ كانَ بِجانِبِه في دار رئيس الكهنة ولامَه. ولكنّه لم يردّ على الصفعة بالصفعة، ولا على الإهانة بالإهانة، بل ناقشه وحاوره قائلا: ((إِن كُنتُ أَسَأْتُ في الكَلام، فبَيِّنِ الإِساءَة. وإِن كُنتُ أَحسَنتُ في الكَلام، فلِماذا تَضرِبُني؟ “(يوحنا 18: 22)؛ وهكذا يقصد السيّد المسيح أن نتحدّى بحِلمنا المعتدين ونخجلهم ونحرجهم، ونفحمهم بلطفنا ونبلنا وشهامتنا وشجاعتنا وضبط أنفسنا. اما عبارة “الشِّرِّير ” فتشير الى الشر عامة. ويتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لمحاربة نفسه قبل محاربة الناس واحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا. وما يساعده على تنفيذها هو حصوله على النعمة التي أفيضت في قلوبنا بالروح القدس “لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا” (رومة 5: 5)؛ اما عبارة “خَدِّكَ الأَيْمَن” فتشير الى الكرامة الشخصية، وهكذا عندما تأتي الصفعة على الخد الأيمن للإنسان تهدف الى احتقاره واستهانته والاستهتار به، إذ يلطم المُعتدي براحة يده، وإذا لطمه من الخلف بمؤخّرة يده فتدل على الغدر والجبن، واما عبارة “الخد الآخر” فتشير الى التنازل عن سبب الخلاف والمسامحة وتحمل ضعف الآخرين لأجل المسيح. وليس المفهوم عدم دفاع المسيحي عن نفسه، بل أن يحتمل الآخر قــــدر استطاعته وبمحبة لكي يربحه للمسيح. والمسيح يضع هنا حكمة ذهبية “كَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم ” (لوقا 6: 31)؛ فالمطلوب ان لا نرد على إخوتنا بمثل ما يفعلون بنا من شر، بل بحسب ما نحب أن يفعلوا هم بنا. وأوصى يسوع بعدم المقاومة للشر، لأنه هو نفسه استنفذ كل عقوبة، وقوّم كل خطأ، وقاسى كل ثأر بأخذ بالثأر وكل عقاب وكل تخليص حق او عِوض بفضل موته على الصليب. وبالتالي الثأر يكون نكران عمل المسيح وتعليمه، لذا يجب ان نحسن الى من يسيئون الينا، وان نحب وان نغفر لهم وان نصلي لآجلهم.
40ومَن أَرادَ أَن يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَميصَكَ، فاترُكْ لَه رِداءَكَ أَيضاً.
تشير عبارة ” قَميصَكَ” الى الثوب وهو اشد الثياب ضرورة. ولا ينتزع القميص إلاَّ عند الذي يُباع كعبد كما حدث مع يوسف الذين ” نَزَعوا عنه قَميصَه، القَميصَ المُوَشَّى الَّذي علَيه” ليبيعوا يوسف للتجار (التكوين 37: 23). ولذلك فإن ما يطالب به الخصم باهظ الثمن؛ اما عبارة ” رِداءَكَ ” فتشير الى الثوب الفوقاني المستعمل غطاء في الليل والذي لا تجيز الشريعة احتجازه بسب ذلك، إلا نهارا واحدا ” إِذا اَستَرهَنتَ رِداءَ قَريبِكَ، فعِندَ مَغيبِ الشَّمْسِ رُدَّه إِليه، لأَنَّه سِترُه الوَحيد وكِساءُ جِلدِه، ففيمَ يَنام؟” (خروج 22: 25 -26)؛ ومع ذلك يطلب يسوع ان تسير الأمور الى النهاية وأن يُعطى ” الرداء” أيضا، ويؤكّد على أنّه، في اللحظة الّذي ينتزع الآخر شيئاً ما منّا، فنحن مدعوّون إلى أن نعطيه إيّاه. كما حدث مع يسوع ” ما مِن أَحَدٍ يَنتزِعُها مِنَّي بل إنّني أَبذِلُها بِرِضايَ” (يوحنّا، 10، 18). فالشرّ الّذي يرتكبه الآخر يُصبح مجالاً لحبّنا المجاني له. طلب يسوع ليس فقط احتمال الألم، وإنما ان نكون مستعدين في الداخل لتقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل بنا، فإن اغتصب ثوبنا تترك له الرداء، وإن سخّرنا ميلًا نسير معه ميلين.
41ومَن سَخَّرَكَ أَن تَسيرَ معه ميلاً واحِداً. فسِرْ معَه ميلَيْن.
تشير عبارة ” ميلاً ” الى قياس روماني يساوي 1500 متر على الوجه التقريب؛ وأما عبارة ” َسخَّرَكَ ” فتشير الى عادة رومانية حيث كان اليهودي تحت الحكم الروماني -مهدّدًا في أية لحظة أن يسخره جندي روماني ليذهب حاملًا رسالة معيّنة على مسافة بعيدة بناء على النظام البريدي المتبع في ذلك الحين، أو يسخره بالقيام بعمل معين، كما فعل الجند مع سمعان القيريني “بَينَما هُم خارِجون، صادَفوا رَجُلاً قيرينيّاً اسمُهُ سِمعان، فسَخَّروه أَن يَحمِلَ صَليبَ يسوع” (متى 27: 32). فالمبدأ هو ان لا نقاوم الشرير الذي يسئ إلينا، حيث ان العنف يولد العنف، والمحبة هي الرابحة في النهاية. ولكل إنسان خطيئة وعيوب قليلة كانت او كثيرة، فماذا نربح إذا كنّا لا نغض النظر ولا نتنازل عنها ولا نغفر زلات بعضنا؟ ألا تسوء العاقبة؟ ويعلق البابا بولس السادس: “إن لم تقضِ البشريّة على الحرب، فلسوف تقضي الحرب على البشريّة” وإن لم تقضِ البشريّة على العنف، سيقضي العنف على البشريّة!”. اما عبارة ” ميلَيْن” فتشير الى الميل الثاني وهو علامة قوّة الروح وانفتاح القلب بالحب، فلا يعمل الإنسان ما يطلب منه عن مضض، وإنما يقدّم أكثر ممّا يطلب منه بحرية لكي يربح نفسه ويربحهم بحبّه. ويعلق القديس أوغسطينوس ” بالتأكيد إن الرب لا يقصد كثيرًا تنفيذ هذه الوصيّة بالسير على الأقدام، بقدر ما يعني إعداد الذهن لتنفيذ الوصيّة”.
42مَن سأَلَكَ فأَعطِه، ومَنِ استَقرَضَكَ فلا تُعرِضْ عنه.
تشير عبارة “من سأَلَكَ فأَعطِه” الى طبيعة العطاء بسخاء وهو موقف ايجابي. لن يستطيع الإنسان القيام بهذا العمل الا ّ إذا اعتبر كل شيء نفاية على غرار بولس الرسول ” أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ “(فيلبي 8:3). اما عبارة ” ومَنِ استَقرَضَكَ فلا تُعرِضْ عنه ” فيشير الى فإن البعض في عزّة نفس لا يقدر أن يستعطي فيطلب قرضًا، فلا تطلب ردّه منعًا من إحراجه. أعتبر اليهود اقوال يسوع الواردة أعلاه (متى 5: 39-42) متطرفة في ذلك الوقت من الاحتلال الروماني، لأنهم كانوا معتادون على حب الانتقام والبغض لأعدائهم. فاقترح يسوع أسلوبا جديد لمقابلة الظلم، فبدلا من المطالبة بالحقوق، يطلب يسوع التسليم بها، ويعني ذلك ان صنع العدالة والرحمة اهم من المطالبة بهما.

43 ((سَمِعتُم أَنَّه قِيل: ((أَحْبِبْ قَريبَك وأَبْغِضْ عَدُوَّك)).
تشير عبارة “أَحْبِبْ قَريبَك” الى ما ورد في العهد القديم في محبة القريب ” وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ: أَنا الرَّبّ”(الاحبار 19: 18)، ومحبة القريب كانت محصورة على قريب الدم والدين والقومية. وقد جاء في قانون الأسِّينيِّين في قمران: على أبناء النور من اهل قمران ان يُحبّوا المنتسبين الى جماعتهم، ان يكرهوا أبناء الظلام من غيرهم ” (1: 9-10)؛ فالقريب في نظر اليهود هو اليهودي، اما في نظر يسوع المسيح فهو السامري الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة (لوقا 10: 37)؛ أما عبارة “عَدُوَّك” فتشير إلى عدو جماعة المؤمنين ” عبَادَ أَوثانِ الباطِل أَبغَضتَ” (مزمور 31: 7)؛ أما عبارة “أَبْغِضْ ” فتشير الى تعليم الكتبة، اما الناموس لم يأمر ببغض الأعداء بل احبب قريبك “. ويشير البغض الى المستوى الديني وليس الشخصي “ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلزَمَ أَحَدَهُما ويَزدَرِيَ الآخَر. لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال” (متى 6: 24). لقد ألزمت الشريعة بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية. لكن سمحت الشريعة نفسها محبّة الأعداء على الصعيد الفردي، فقيل: وإذا رَأَيتَ حِمَارَ مُبغِضِكَ ساقِطاً تَحتَ حِملِه، فكُفَّ عن تَجَنُّبِه، بل أَنهِضْه معَه (خروج 23: 5). وقيل أيضًا: لا تَكرَهِ الأَدومِيَّ، لأَنَّه أَخوكَ، ولا تَكرَهِ المِصرِيَّ، لأَنَّكَ كُنتَ نَزيلاً في أَرضِه” (تثنية الاشتراع 23: 8)، بالرغم من أن الادوميين والمصريّين كان من ألد أعدائهم.
44أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم،
تشير عبارة “أَحِبُّوا أَعداءَكم” الى المحبة التي تصل الى الأعداء، ومحبة الأعداء هي في قلب تعليم يسوع. فقد كان يسوع أول شخص أحب أعداءه، وصلى من أجل الذين حكموا عليه وعذبوه “يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون ” (لوقا 23: 34). فوصية المحبة نقضت جميع الحواجز كما جاء في تعليم بولس الرسول “فلَيسَ هُناكَ يَهودِيٌّ ولا يونانِيّ، ولَيسَ هُناكَ عَبْدٌ أَو حُرّ، ولَيسَ هُناكَ ذَكَرٌ وأُنْثى، لأَنَّكم جَميعًا واحِدٌ في المسيحِ يسوع”(غلاطية 3: 28)؛ فالمحبة مطلوبة على مستوى الجميع دون اي تمييز، محبة تحطّم الحواجز والحدود وتدعو الى نبذ ما يتشبث به الناس من مبررات للكراهية والبغضاء كما جاء في تعليم مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37) والمحبة مطلوبة على المستوي الاجتماعي بدون مراعاة للأشخاص كما جاء في توصيات يعقوب الرسول “لا تَجمَعوا بَينَ مُراعاةِ الأَشخاصِ والإِيمانِ بِرَبِّنا يسوعَ المسيح، لَه المَجْد (يعقوب 2: 1)، والمحبة مطلوبة على المستوي الشخصي أيضا كما يؤكد القديس بولس الرسول “لا يَكوَننَّ علَيكم لأَحَدٍ دَيْنٌ إلاَّ حُبُّ بَعضِكُم لِبَعْض، فمَن أَحَبَّ غَيرَه أَتَمَّ الشَّريعة (رومة 13: 8-10). ومن ليست له محبة لكل إنسان حتى أعداءه فهو ميت روحيًا ” نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا انتَقَلْنا مِنَ المَوت إِلى الحَياة لأَنَّنا نُحِبُّ إِخوَتَنا. مَن لا يُحِبُّ بَقِيَ رَهْنَ المَوت”(1يوحنا 3: 14). في نظر يسوع لا غرباء او أعداء بعد اليوم، بل يتوجب علينا ان نحبَّهم جميعاً وبدون استثناء وان نزيل الحدود ونهدم الجدران التي تفصلنا عن بعضنا البعض؛ هذه ليست في قدرة الإنسان العادي، بل المحبة هي هبة من الله يعطيها الله لنا بالنعمة التي يشير اليها بولس الرسول: أما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟” (1 قورنتس 3، 16). وفي هذه المهمّة الصعبة المتمثّلة في أن نُحبّ الأعداء ويُعزّينا وجود الروح القدس، روح المحبّة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “جاء المسيح بهذا الهدف حتى يغرس هذه الأمور في ذهننا ويجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا”؛ اما عبارة ” وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم،” فتشير الى ان صلاتنا من أجل مُضطَهِدينا تجعلنا نشبه الله في محبّته للبشر، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “ان صلواتنا ضدّ افتراءات أعدائنا حتى تموت، أما هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّنا نفقده كعدوّ ولكن نخسره كصديق أيضًا. وأما إذا ماتت افتراءاته فإننا نفقده كعدوّ وفي نفس الوقت نكسبه كصديق.”. وهنا يطلب يسوع منا ان نحتمل الظلم أكثر ممّا يودّه الظالم دون أن نحمل في داخلنا كراهيّة نحوه بل يتحول حبنا للأعداء إلى صلاة ” وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم “، فنقابل الشرّ بعمل خير.
45لِتَصيروا بني أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَوات، لأَنَّه يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار.
تشير عبارة “بني أَبيكُمُ” الى نكون مشابهين في المحبة لله أبينا لان غاية حياتنــا الروحيّة هي ان نصير شركاء له في الطبيعة الإلهيّة من خلال شركة الروح القدس فننعم بأبوّته لنا. وليست البنوّة الالهيّة واقعًا سننتظره في نهاية الأزمنة. إنّها تعطى لنا يوم نحب أعداءنا حبُّا حقيقيًّا. والأخوة العالمية تصدر عن حقيقة الأبوة العالمية؛ اما عبارة “ِتَصيروا ” فتشير الى الانتقال إلى حالة جديدة تؤثر في الكيان كله؛ اما عبارة ” يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار” فتشير الى موقف يسوع المغاير الى موقف اليهود، فلا أعداء له بل يعتبر كل واحد قريبه كما ورد في مثل السامري الرحيم (لوقا 10: 25-37) مقتديا بالآب السماوي الذي لا يُميّز بين الأشخاص، بين الاخيار والاشرار حين يُشرق شمسه او مطره بل يُحبّ الجميع. وفي هذا الصدد يقول بولس الر سول “اسلُكُوا سَبِيلَ الرّوحِ” (غلاطية 5: 16)، ومن يسلك سبيل الروح يسمو فوق الشر، فلا يرى فقط شرّ الإنسان، بل صلاح الله وحكمته اللامتناهية، ونعمته على الإنسان.
46فإِن أَحْبَبْتُم مَن يُحِبُّكُم، فأَيُّ أَجْرٍ لكم؟ أَوَلَيسَ الجُباةُ يفعَلونَ ذلك؟
تشير عبارة “أَحْبَبْتُم” الى جوهر الملكوت والصفة المميزة للملكوت هي المحبة؛ أما عبارة “مَن يُحِبُّكُم” فتشير الى والدينا واصدقائنا ومحيطنا وبيئتنا وبلدنا وعرقنا وديننا وحزبنا السياسي؛ اما عبارة ” أَجْرٍ ” في اللفظ اليوناني μισθός (ومعناه الأجرة) فتشير الى ما هو مستحق من الناحية القانونية، في حين أن لوقا الإنجيلي يركز على النعمة ” فإِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكم، فأَيُّ فَضْلٍ χάρις لَكُم؟ لأَنَّ الخَاطِئينَ أَنفُسَهُم يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُم ” (لوقا 6: 32). وفي الفصلين 5 و6 في انجيل متى يركز الكلام على التعارض بين أجر الناس وأجر الله. ويبيّن يسوع ان أجر الله مُطلق ولا يعود إلاّ لعطائه المجاني (متى 20: 15)؛ أما عبارة ” الجُباةُ ” فتشير الى العشارين (لوقا 3: 12) وهم جباة الضرائب المحليين الذين كانوا يضعون تحت المزاد ضرائب بعض اقسام البلاد. وكان الفائزون بدورهم يؤجّرون جمع الضرائب لجباة محليِّين كانوا يبتزّون كل ما يستطيعون من الشعب، وكان اليهود يعتبرون هؤلاء الجباة خونة وعرضة لاحتقار المجتمع، لأنهم كانوا في خدمة الرومانيين المحتلين وكانوا يمارسون غالبا مهنتم باختلاس الأموال كما أعلن ذلك زَكَّا العشار فقال لِلرَّبّ: ((يا ربّ، ها إِنِّي أُعْطي الفُقَراءَ نِصفَ أَموْالي، وإِذا كُنتُ ظَلَمتُ أَحداً شَيئاً، أَرُدُّه علَيهِ أَربَعَةَ أَضْعاف”(لوقا 19: 8)، وغالبا ما كانوا يُعدّون خاطئين. فلا عجب ان لوقا الإنجيلي تحدث عن الخاطئين بدل العشارين ” فإِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ لأَنَّ الخَاطِئينَ أَنفُسَهُم يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُم” (لوقا 6: 32). ينادي الرب يسوع بحبّ بلا حدود، بحب عاشه هو نفسه، حب يشبه حب الله لجميع البشر حتى الذين لا يحبونه، ويوزّع خيراته ويطلع شمسه ويُنزل غيثه على الجميع. فالله هو المرجع الأخير والوحيد: يجب ان نطابق عقليتنا عقلية الله، وان نتشبه به تعالى كي نصبح فعلا أبناءه. والاّ بماذا يفترق المؤمن المسيحي عن الوثني؟
47وإِن سلَّمتُم على إِخواِنكم وَحدَهم، فأَيَّ زِيادةٍ فعَلتُم؟ أَوَلَيسَ الوَثَنِيُّونَ يَفعَلونَ ذلك؟
تشير عبارة ” زِيادةٍ ” الى سر الخُلق المسيحي. فالمحبة تعمل أكثر مما يطلب منها، اما عبارة ” الوَثَنِيُّونَ ” فتشير الى الأمم الذين هم خارج العهد، الذين ما كان يُنتظر منهم ان يعرفوا أكثر من ذلك. في هذه الآية يعطي يسوع مثلا عن الذي يُحيّي من يحيّيه. والاّ بماذا يفترق المؤمن المسيحي عن الوثني؟
48فكونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل
تشير عبارة “كامِلين” الى القداسة الوارد ذكرها في التوراة ” كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا الرَّبَّ إِلهَكم قُدُّوس “(الاحبار 19: 2)؛ فالمؤمن المسيحي ينبغي ان يقود حياته بمقتضى المقياس الأخلاقي الكامل للإنجيل حيث انه يجب على التلاميذ ان يطابقوا كمال الله الذي يشمل حبه ” الابرار والاشرار”، ولقد عبَّر لوقا عن ذلك تعبيراً جيّدا باستعمال كلمة “رحيم” ” كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم” (لوقا 6: 36). وكمال الله هو مثال رفيع يقدّمه يسوع لنا انجيل متى، الذي هو انجيل الكمال، اما انجيل لوقا فهو انجيل الرحمة. الكمال الذي يطلبه يسوع هو كمال في القداسة بان ننفصل عن قيم العالم الشريرة ونكرس نفوسنا لعمل مشيئة الله ونحمل رحمته للعالم، وهو والكمال في الأخلاق أيضا، وأخيرا الكمال في النضج كما جاء في تعليم يوحنا الرسول ” أَيُّها الأَحِبَّاء نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو” (1يوحنا 3: 2). وهنا يتحدّث يسوع عن درجات الكمال ويبلغ إلى قمّتها في محبة الجميع حتى الأعداء بلا مقابل شبيه بمحبة ألاب السماوي كما صرّح بولس الرسول ” إِقتَدوا إِذًا بِاللهِ شأنَ أَبْناءٍ أَحِبَّاء” (أفسس 5: 1). ويقول البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني: “إن أولئك الّذين يتبعون الدعوة إلى القداسة بأمانة يكتبون تاريخ الكنيسة في بُعدها الأكثر أهمّية، أي بعد العلاقة الحميمة مع الربّ”.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 5: 38-48)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 5: 38-48)، نستنتج انه يتمحور حول كمال الشريعة. الله يدعو شعبه إلى أن يكون في شركة معه في القداسة والمحبة. من هنا نبحث في مقومات الكمال في العهد القديم وفي العهد الجديد.
1) اهم مقومات الكمال في العهد القديم: القداسة
لا تتكلم اسفار العهد القديم عن كمال الله إنما تتكلم عن كمال أعماله وشريعته وطريقه. فعن كمال أعمال الله يقول الكتاب المقدس” جَميعَ سُبُلِه حَقّ. اللهُ أَمين لا ظُلمَ فيه هُو بارِّ مُستَقيم.” (تثنية الاشتراع 32: 4)، واما عن كمال شريعته فيترنم صاحب المزامير بقوله” شَريعَةُ الرَّبِّ كامِلَةٌ تُنعِشُ النَّفْسَ ” (مزمور 19: 8)، وأخيرا عن كمال طرقه يقول الكتاب ” الله عِزِّي وبَأسي يَجعلُ كامِلاً سَبيلي” (2 صموئيل 22: 31).
لا تتكلم أسفار العهد القديم عن كمال الله إنما تتكلم عن قداسة الله. وتقدم الله كمثال للقداسة ينبغي الاقتداء به “كونوا قِدِّيسينَ لأَنِّي أَنا قُدُّوس” (الأحبار11: 45)، إنه قدوس، عظيم، قدير، رهيب “لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكم هو إِلهُ الآلهَةِ ورَبُّ الأَرْباب، الإِلهُ العَظيمُ الجبَارُ الرَّهيبُ الَّذي لا يُحابي الوجوهَ ” (تثنية الاشتراع 10: 17)، وأنه صالح وأمين “الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء” (خروج 34: 6)، ويتدخل في التاريخ بعدالة سامية ما يترنم صاحب المزامير ” قَدير أنتَ المَلِكُ المُحِبُّ للِحَقّ فإِنَّكَ أَنتَ أَقَمتَ الاْستِقامة وأَجرَيتَ في يَعْقوبَ الحَقَّ والعَدل.”(مزمور 99: 4).
وإذا كان الله القدوس يطلب من شعبه ان يكون قدوسا، مكرسا لله، فيفرض عليه بذلك حتماً مطلب الكمال. فالمكرّس ينبغي أن يكون سليماً صحيحاً لا عيب فيه سواء في ذبائحه التي تقرب يقرّبها لله ” الأَعْمى والمَكْسورُ والمَبْتورُ والمُتَقَرِّحُ والأَجرَبُ ومن بِه القُوباء لا تُقَرِّبوها لِلرَّبّ، ولا تَجعلوا مِنها ذَبيحةً بِالنَّارِ على المَذبَحِ لِلرَّبّ” (الاحبار 22: 22)، وسليما في الكهنة “كُلُّ رَجُلٍ بِه عَيبٌ مِن نَسْل هارونَ الكاهِن لا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ الذَّبائِحَ بِالنَّارِ لِلرَّبّ: إِنَّه بِه عَيْب، فلا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ طَعامَ إِلهِه” (الاحبار 21: 21)،
وتطلب الشريعة ان لا يكون الشخص المكرس سليما في جسده فحسب، إنما أيضا سليما في نفسه. يجب على المكرس ان يخدم الله ” بقلب كامل “، وبكل إخلاص وأمانة كما أوصى سليمان الملك” فلتكُنْ قُلوبُكم بِكامِلِها لِلرَّبِّ إِلهِنا لِتَسيروا في فَرائِضِه” (1 ملوك 8: 61)، وأن هذه الخدمة هي بمثابة كفاح ضد الشر، ” فاقلعَ الشَّرَّ مِن وَسطِكَ ” (تثنية الاشتراع 7:17). ولذا فإن الانحرافات في المفهوم الديني كانت موضع محاربة شديدة من جانب الأنبياء (عاموس 4: 4، اشعيا 1:1-17)، مع تجنَب العنف والأنانية. لذا كان اليهود الأتقياء يمارسون الكمال في حفظ الشريعة “طوبى لِلكامِلينَ في سُلوكِهم لِلسَّائرينَ في شَريعةِ الرَّب” (مزمور 119: 1).
2) أهم مقومات الكمال في العهد الجديد: المحبة
إذا كان الكمال في العهد القديم يقوم على القداسة، فإن الكمال في العهد الجديد يقوم على المحبة. لقد كشف يسوع بأن الإله القدوس هو إله المحبة، فلم يعد الأمر يتعلق بالقداسة ينبغي المحافظة عليها بقدر ما يتعلق بالمحبة، ويقوم كمال المحبة على هبة حب الله الذي ينبغي قبولها ثم نشرها. ولقد عبَّر لوقا الإنجيلي عن عبارة متى انجيلي ” كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل” (متى 5: 48) باستعمال كلمة “رحيم” بدلاً من “كامل”، فقال ” كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم” (لوقا 6: 36).
والمحبة هي أكبر أماني الإنسان. فجاء يسوع “ليكمّل” في العمق ما هو مغروس في قلب كل إنسان. فدعا أبناء الله الى كمال المحبة كما جاء في تعليم بولس الرسول “البَسوا فَوقَ ذلِك كُلِّه ثَوبَ المَحبَّة فإنَّها رِباطُ الكَمال”(قولسـي 3: 14) “لا يَكوَننَّ علَيكم لأَحَدٍ دَيْنٌ إلاَّ حُبُّ بَعضِكُم لِبَعْض، فمَن أَحَبَّ غَيرَه أَتَمَّ الشَّريعة فإِنَّ الوَصايا الَّتي تَقول: ((لا تَزْنِ، لا تَقتُلْ، لا تَسْرِقْ، لا تَشتَهِ)) وسِواها مِنَ الوَصايا، مُجتَمِعةٌ في هذِه الكَلِمَة: ((أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ)). فالمَحبَّةُ لا تُنزِلُ بِالقَريبِ شرًّا، فالمَحبَّةُ إِذًا كَمالُ الشَّريعة”(رومة 13: 8-10). وأكمل يسوع الشريعة القديمة بتوجيه القلوب تجاه الحب من خلال عدم الانتقام ومحبة الأعداء.
(أ‌) تجنب الانتقام
الانتقام في لغتنا اليوم يعني ايقاع العقاب على المتعدي بالرد على الشر بالشرّ. والواجب يقضي بالانتقام للحق المهضوم. ومع ذلك فممارسة هذا الحق قد تطورت على مرّ التاريخ، قد سحبت من الفرد ليعهد بها إلى الجماعة، لا سيما وقد أظهر الله ذاته، تدريجياً، انه هو المنتقم الشرعي الوحيد للبرّ.
اما يسوع فقال: “سَمِعتُم أَنَّه قيل: العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ، أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير، بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر” (متى 5: 38-39). إن قانون “العين بالعين” سَنَّه الملك حمورابي البابلي في القرن الثامن عشر ق.م. هي شريعة الانتقام وذلك بمقابلة الإساءة بالإساءة مثلها للحدّ من الثأر الشخصي ومن انتشار العنف المفرط وتنظيما لنزوات الناس. وقد ورد هذا القانون على لسان موسى النبي في القرن الثالث عشر قبل الميلاد: “وإِن تأَتَّى ضَرَر، تَدفَعُ نَفْساً بِنَفْس، وعَيناً بِعَين وسِنّاً بِسِنّ وَيداً بِيَد ورِجْلاً بِرِجْل، وحَرْقاً بِحَرْق وجُرْحاً بِجُرْح ورَضَّاً بِرَضَّ” (خروج 21: 23-25)، وذلك تلافيا للتجاوز في مقابلة الإساءة بأعظم منها. وعليه فان هذا القانون يُحرّم الانتقام دون حدود، ذاك الذي ساد في الأزمنة الهمجية كما ورد في سفر التكوين “إنَّه يُنتَقَمُ لِقايِنَ سَبعَةَ أَضْعاف وأَمَّا لِلامَكَ فسَبْعَةً وسَبْعين” (تكوين 4: 24). ومنها نستنتج أنَّ شريعة ” العين بالعين” استهدفت طريق فرض عقاب مساوٍ للإهانة للحد من الانتقام والغريزة الطبيعية التي تطالب بعينين مقابل عين واحدة.
إن شريعة القداسة في العهد القديم تحرّم الأخذ بالثأر او الانتقام” لا تُبغِضْ أَخاكَ في قَلبِكَ، بل عاتِبْ قَريبَكَ عِتاباً، فلا تَحمِلَ خَطيئَةً بِسَبَبِه. لا تَنْتَقِمْ ولا تَحقِدْ على أَبْناءِ شَعبِكَ، وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ ” (الاحبار 19: 17-18). هناك بعض أمثلة مشهورة كصفح يوسف بن يعقوب (تكوين 45: 3-4) لكن واجب الصفح كان محصوراً في داثرة الأخوة في القومية. وأخذ واجب الصفح وجه شمولية مع الحكماء (سيراخ 28: 1-7).
وكان السبب الذي لأجله يُقلع البار تماماً عن الانتقام لنفسه هو ثقته بالله والاستغاثة به: “لا تَقُلْ: ((أُجازي بِالشَّرّ)) بلِ انتَظِرِ الرَّبَّ فيُخَلِّصَكَ” (أمثال 20: 22). إن البار لا ينتقم، بل يفوّض الله مهمة الأخذ بثأر العدل “لإِنْزالِ الِاْنتِقام بِالأُمَم والعِقابِ بِالشُّعوب” (مزمور 179: 7). على هذا النحو يتصرف إرميا في اضطهاده، عندما “يفوِّض دعواه لله” (إرميا 20: 12)، إن ما يرغب فيه ليس هو الشر، بل العدل، وهذا لا يمكن أن يعود إلى مجراه إلا بتصرف من الله وحده. ويعلق أيوب البار “إنّي لعالمٌ بأن فاديّ حيّ، وسيقوم آخراً على التراب”، ويحكم بالعدل (أيوب 19: 25).
في أسفار العهد القديم منع الله شعبه من مقاومة الشرّ بشرٍ أعظم، إنّما سمح له أن يقابل الشرّ بشر مساوٍ او بشر أقل أو بالصمت من أجل قسوة قلوبهم. أمّا وقد دخلنا العهد الجديد فقد ارتفع بنا يسوع المسيح إلى مقابلة الشرّ بشر مماثل أو أقل أو حتى بالصمت وإنما نقابله بالخير ناظرين إلى الشرّير كمريض يحتاج إلى علاج. فانتقل بنا يسوع إلى درجة الكمال المسيحي كأعلى درجات الحب التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان.
وبلك الامر، لم ينشئ يسوع المسيح شريعة جديدة تكمّل مبدأ العين بالعين فحسب، وإنما يوصي بعدم مقاومة الشرير (متى 5: 38-42). إنه لا يدين عدالة المحاكم البشرية، التي سيقول عنها بولس إنها مكلّفة بمباشرة تنفيذ الانتقام الإلهي ” إِنَّ السُّلْطَة لم تَتقلَدِ السَّيفَ عَبَثًا، لأَنَّها في خِدمَةِ اللهِ كَيما تَنتَقِمُ لِغَضَبِه مِن فــــاعِلِ الشَّرّ”. (رومة 13: 4)؛ ولكن يسوع يطالب تلميذه بالصفح عن الزلات وبحبة الأعداء.
فلا يكفي، مـــن الآن فصاعــــــداً، أن نفوِّض أمـــــــرنا للانتقام الإلهي، بل يجب أن ” نغلِبِ الشَّرَّ بِالخير” (رومة 12: 21)، وأن يطبّق حرفياً وصيّة الكتاب: لأَنَّكَ في عَمَلِكَ هـــــذا تَرْكُمُ علــــى هامَتِه جَمْرًا مُتَّقِدًا (رومة 12: 20). وليس في الأمر انتقاماً بل نضعه في موقف حرج جداً يؤدّي به إلى تحويل بغضه إلى حب. إذ قد تتحوّل هذه النار إلى حب إذا ما تقبل العدوّ ذلك. فالإنسان الذي يحب عدوّه، يستهدف تحويله إلى صديق، ويتخذ الوسائل المؤدية لذلك بحكمة. وقد سبقه الله نفسه في هذا المضمار، فإِن صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ َابِنه ونَحنُ أَعداؤُه، فما أَحرانا أَن نَنجُوَ بِحَياتِه ونَحنُ مُصالَحون” (رومة 5: 10).
ويُعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم “لا تُطفأ النار بنارٍ أخرى، وإنما بالماء. فإن هذا التصرّف ليس فقط يمنعهم عن الاندفاع أكثر، وإنما يعمل فيهم بالتوبة عما سبق أن ارتكبوه، فإنهم إذ يندهشون بهذا الاحتمال يرتدّون عما هم فيه. هذا يجعلهم يرتبطون بك بالأكثر، فلا يصيروا أصدقاءً لك فحسب، بل عبيدًا عِوض كونهم مبغضين وأعداء”.
بوصية تجنب الانتقام ” مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر”(متى 5: 38-39)، لا يريد يسوع تدمير مبادئ العدالة الاجتماعية المتعارف عليها، وضياع الحق العالم وظلم الأقوياء للضعفاء. هنالك ظروف يجب فيها الدفاع عن أنفسنا وعن الآخرين. يسوع نفسه لم يُعرض خدّه لخادم عظيم الأحبار عندما ضربه، بل توجّه اليه بعزة وكرامة سائلا: ((إِن كُنتُ أَسَأْتُ في الكَلام، فبَيِّنِ الإِساءَة. وإِن كُنتُ أَحسَنتُ في الكَلام، فلِماذا تَضرِبُني؟”(يوحنا 18: 22). ويعلق القديس أوغسطينوس “كثيرون تعلّموا كيف يقدّمون الخدّ الآخر، ولكنهم لم يتعلّموا كيف يحبّون ضاربهم. المسيح رب المجد، واضع الوصيّة ومنفّذها الأول، عندما لُطم على خدّه، لم يقدّم الخدّ الآخر، ومع ذلك فقد كان قلبه مستعدًا لخلاص الجميع لا بضرب خده الآخر فقط من ذلك العبد، بل وصلب جسده كله”.
كذلك ان وصية يسوع “لا تُقاوِموا الشِّرِّير” (متى 5: 39) ليس هي موقف صادر عن ضعف، بل عن قوة داخلية التي تنمّ عن التغلب على روح الانتقام التي فينا. لا يتم التغلب على الشر عندما نكيل الصاع صاعين؛ ان الشر الذي نعاني منه يبقى قوة خارجية عنا، ولكن عندما ننتقم ونكيل لخصمنا بالمثل فان ذلك يؤدي الى تغلغل الشر فينا والى تقويته. وهكذا نسمح للشرير ان يسكن فينا. يفتح المسيح طريقا جديد للبشرية: الانتصار على الشر بالخير والإجابة على البغض بالمحبة لا بالانتقام.
(ب‌) العمل بوصية محبة الأعداء
لم يوصِ يسوع تلاميذه الى السعي نحو الكمال بعدم الانتقام فحسب، إنما بمحبة الأعداء أيضا، فقال “أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم ” (متى 5: 44). تبرز هذه الوصية وسط مطالب يسوع الجديدة فهو نفسه تعرّض لأعداء ” أَمَّا أَعدائي أُولِئكَ الَّذينَ لم يُريدوني مَلِكاً علَيهم ” (لوقا 19: 27). وقد سلّموه للموت، وهو، من فوق صليبه قد غفر لهم “يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون”(لوقا 23: 34). ويعلق القديس أوغسطينوس “لا تفيد الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء! فإن صلينا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشارين، أما إن صلينا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبته للبشر. وهكذا ينبغي أن يصنع التلميذ”، اقتداء بمعلمه الذي ” شُتِمَ ولَم يَرُدَّ على الشَّتيمَةِ بِمِثلِها. تأَلَّمَ ولم يُهَدِّدْ أَحَدًا، بل أَسلَمَ أَمْرَه إِلى مَن يَحكُمُ بِالعَدْل”(1 بطرس 2: 23)، والسير أيضا على مثال الآب السماوي “لِتَصيروا بني أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَوات، لأَنَّه يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار”. (متى 5: 45)، الذي منه نستطيع الحصول على الغفران “وأَعْفِنا مِمَّا علَينا فَقَد أَعْفَينا نَحْنُ أَيْضاً مَن لنا عَلَيه “(متى 6: 12). إن أحببنا من لا يحبنا، تشبَّهنا بالله. وإن عملنا أعمال الله أي قابلنا الشر بالخير نكون قد قمنا بعمل إلهي، وهذا العمل لا ينبع من قدراتنا، إنّه طاقة مجّانيّة بفضل روح الآب القدّوس الّذي يحيا فينا. اما في الانتقام شيء من الطفولة والمراهقة وعدم ضبط الذات.
ولم يكتفي يسوع بالتحدث عن محبة الأعداء بين افراد العائلة او البلد بل عن محبة عالمية شاملة بدون حدود، عن حب يمتد ليشمل أيضاً العدو والمُضطهِدين. وان استثنيت أحداً من حبّنا فحبِّنا ليس كاملا. الانسان الذي لا نحبُّه، الله يُحبّه! يحب الله الجميع يحب اعداءه، يحب الله من لا يحبونه، فعلينا ان نحب ايضا أعداءنا كما يفعل الله.
وتتطلب محبة الأعداء من المسيحي أن يأخذ حذره من الشر “فإِذا كانت عينُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقلَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضْوٌ مِن أَعضائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يُلقى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم”(متى 5: 29). والحذر من الشر يتطلب تجنب ظروف الخطيئة بل الابتعاد عنها كما يقول بطرس الرسول ” فلا تَتبَعوا ما سَلَفَ مِن شَهَواتِكم في أَيَّامِ جاهِلِيَّتِكم. بل، كما أَنَّ الَّذي دَعاكم هَو قُدُّوَس، فكذلِكَ كُونوا أَنتم قِدِّيسينَ في سيرَتِكم كُلِّها لأَنَّه مَكتوب: ((كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا قُدُّوس ” (1 بطرس 1: 14-16)، إلا أنه لكي نتشبّه بأبينا السماوي (متى 5: 45)، يجب علينا في الوقت نفسه، أن نكون قلقين على الشرير على خطى الله ” أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنَّا خاطِئين” (رومة 5: 8)، وأن نحبه، فمهما كلّفه الأمر، ومن هنا المبدأ ” لا تَدَعِ الشَّرَّ يَغلِبُكَ، بلِ اغلِبِ الشَّرَّ بِالخير” (رومة 12: 21) المسيحي الحق لا يقابل الشر بالشر، ولا الشتيمة بالشتيمة، ولا العين بالعين، ليس تأييداً للظلم والطغيان بل كبحا للأنانية وانتصارا للمحبة ونيل البركة كما صرّح بطرس الرسول “لا ترُدُّوا الشَّرَّ بِالشَّرّ والشَّتيمَةَ بِالشَّتيمَةَ، بل بارِكوا، لأَنَّكم إِلى هذا دُعيتُم، لِتَرِثوا البَركة” ( 1 بطرس 3: 9). ولا يطلب يسوع فقط ان لا نقابل الشر بالشر بل ان نصلي من اجل اعدائنا (متّى 5، 44). الصلاة من أجلهم تعني أننا تعهد بهم إلى الربّ، وأن تتخلّى عن أي إدانتهم أو مطالبة في حقنا. فنحن نخسر كلّ شيء، لكن يُخلّص الآخر. ما الذي يدفعنا الى هذه المواقف؟ نجد الجواب في قول يسوع ربنا “فبِما تَكيلونَ يُكالُ لَكم وتُزادون” (مرقس 4: 24).
من الضروري أن نستجيب لوصية السيد المسيح بالسير نحو كمال المحبة ونتَّجه إلى الأمام ” كما صرّح بولس الرسول ” يَهُمُّني أَمرٌ واحِد وهو أَن أَنْسى ما ورائي وأَتَمطَّى إِلى الأَمام فأَسْعى إِلى الغاية، لِلحُصولِ على الجائِزَةِ الَّتي يَدْعونا اللّهُ إِلَيها مِن عَلُ لِنَنالَها في المسيحِ يسوع” (فيلبي 3: 13)، فنصل بأجمعنا إلى بناء ذلك الإنسان الكامل، وبلوغ القامة التي توافق سعة المسيح “ونَبلُغَ القامةَ الَّتي تُوافِقُ كَمالَ المسيح “(أفسس4: 13).
الخلاصة
نحن الآن لا نحيا بحسب الإنسان العتيق، فمثل هذا يحب من يحبه، ويعطى من يرجو منه خيراً أما إنسان العهد الجديد المملوء نعمة فهو قادر أن يحب حتى من يكرهونه ويعادونه. الحب هو كل شيء، الحب هو الله بالذات كما عرّفه يوحنا الرسول ” مَن لا يُحِبّ لم يَعرِفِ الله لأَنَّ اللّهَ مَحبَّة” (1 يوحنا 4: 8). يعلمنا يسوع بان نغلب الشر بالخير، بمحبة الأعداء والصلاة من أجلهم.
دعاء
أيها الآب السماوي، أعطنا نعمتك كي نسلك أمامك لا كمن يتصرفون خوفاً من العقاب وهم يشبهون العبيد،
ولا كمن يتصرفون حباً بالمكافأة وكأنهم أُجراء، بل كمن يحاولون إرضاءك كأبناء لك بفضل نعمة يسوع المسيح القادر أن يجعلنا كاملين” لأَنَّه بِقُرْبانٍ واحِدٍ جَعَلَ المُقَدَّسينَ كامِلينَ أَبَدَ الدُّهور ” (عبرانيين 10: 14)، فساعدنا يا رب كي نحب الذين لا نحبهم، وان نجب الذين يلحقون بي ضرر، دعنا نحب مثلك جميع الذين تحبهم، فنتمم وصيتك الإلهية “كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل”. أمين.

قصة وعبرة:
في أيام المسيح، كانت ارضنا الفلسطينية تحت الاحتلال الروماني. فألق جنود رومانيون القبض على شبان من اليهود زوراً وبهتاناً، ظلماً وجوراً. وأراد الشبان إثبات براءتهم، فاغتنموا فرصة قدوم الجنود لتناوب الحراسة، لكي يُعرّوا رقابهم، ويعرضوها على الجند الرومان. وتحدّوهم قائلين: “إضربوا أعناقنا، هيّا”. فأُحرج الجند وخجلوا من بغيهم وأطلقوا الشبّان.
وهكذا يقصد السيّد المسيح أن نتحدّى بحِلمنا المعتدين ونخجلهم ونحرجهم، ونفحمهم بلطفنا ونبلنا وشهامتنا وشجاعتنا وضبط أنفسنا “فيستحيي الخصم على دمه” كما تقول العامّة!