Liturgical Logo

أصخرة أم شيطان؟

الأب بيتر مدروس

نقل إلينا متّى البشير بإلهام من الله ووحي منه تعالى (16: 18 وتابع) أنّ سمعان بن يونا اعترف بيسوع مسيحاً وكلمة لله، وأنّ يسوع بدوره أعلن للصيّاد الجليليّ :”أنت صخر وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي”. وجعل المعلّم الالهيّ “كيفا” بتلسيمه المفاتيح، قيّماً على بيت الله “عمود الحقّ وركنه” (عن تيموثاوس الاولى 3: 15) بحيث “لن تقوى على الكنيسة أبواب الجحيم” أي قوى الشر والضلال والاضمحلال. ويبدو أنّ النّصّ الاراميّ الاصليّ الذي ما حصلنا عليه مباشرة، بل عن طريق النقل اليوناني والسرياني، حوى تلاعباً مُعجزاً بلفظة واحدة مذكّرة هي “كيفا” أي “صخر” التي نُقلت إلى اليونانية في صيغة المذكّر “بتروس” (بطرس)، كاسم علم ثمّ إلى اسم جنس في “على هذه الصخرة (بيترا)” والمقصود فيها بطرس نفسه – “سأبني كنيستي”.

بمحبّة يسعى سمعان بطرس إلى إقناع يسوع بالعدول عن الصليب، وبكلّ صِدق يصرخ: “حاشى أن يكون لك هذا المصير”، ولا شكّ في حسن نيّته وسلامة طويّته وعمق مودّته. وقد يستطيع القارىء الذي يعرف السريانية أن يخلط بينها وبين العربية – كما يحدث مراراً في شرقنا الأوسط – فيقول: “حاشَ لك من الحاش”، والحاش في السريانيّة هي الآلام.

ولكن يسوع على حبّ بطرس له ورغبته الخالصة في تخليص المعلّم الحبيب من الذلّ والعذاب والموت، ينتهر أمير الرسل بالقول السيديّ:”اذهب خلفي يا شيطان لانّ عندك أفكار البشر لا أفكار الله”.

تبدو المسألة صعبة معقّدة خصوصاً عند خصوم مار بطرس وخلفائه الباباوات على كرسي روما العظمى. ولكنّ الجواب بسيط ومأخوذ من كلمات السيّد نفسه له المجد :
سمعان بطرس كيفا “من لحم ودم”: بشر ضعفاء معرّضون للخطأ والخطيئة، ولكن بالوحي الالهي والمكاشفة الربانيّة يُلهَم سمعان بن يونا أنّ يسوع الناصري هو “المسيح ابن الله الحيّ”.
وبقوّة يسوع “صخرة الصخرة بطرس” يُصبح بطرس صخراً مع ضعفه.

يسوع صخر إلهي غير منظور وبطرس صخر بشري منظور. مرجعيّة منظورة لا بدّ منها وإلاّ “ضاعت الطّاسة”، كما يرى المرء عند جماعات لا تُعدّ ولا تُحصى.

عندما “يفكّر سمعان تفكير البشر”، أي بعقليّة دنيويّة أفقيّة، لا تخلو من عنصريّة وتوسعيّة وسيطرة عبريّة على العالم عن طريق المسيح الملك – عقليّة ترفض التواضع والذلّ والألم – يمسي بطرس كإنسان خاطىء ضعيف “شيطاناً” أي عدوّاً للمسيح الحقيقي.

ونحن يجب علينا أن نؤسّس إيماننا على المسيح الصخرة، ونؤدّي الولاء لرسله وخليفة رئيسهم الحبر الأعظم الروماني (وإن كانت المدينة المقدّسة مكانه الطبيعي، ولكنّ الظروف القاسية أجبرت بطرس وخلفاءه ليس فقط على أن يقصدوا “أرض الوثنيين” بل أن يبقوا فيها، وقد نالوا من الكرامة والتسامح ما لم يحظوا به بين أبناء الشعب العبري (حتى أيّامنا).

وإذا اعتنقنا مواقف الوثنيّة أو اليهوديّة المشيحانيّة الماديّة التوسّعيّة العنصريّة – بتنا “شياطين” يسيئون إلى الاسم المسيحيّ، وينسون دعوتهم أن يكونوا “ملح الأرض ونور العالم” ، بعد أن “نالوا قوّة من العلى وحلّ عليهم روح القدس”.