هوية يسوع ورئاسة بطرس للكنيسة (متى 16: 13-20)
الأب لويس حزبون
يُسلط إنجيل الاحد الأضواء على شهادة بطرس، باسم التلاميذ، بلاهوت المسيح فيقيمه يسوع رئيسا للكنيسة (متى 16: 13-20). ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 16: 13-20)
13ولَمَّا وصَلَ يسوعُ إِلى نواحي قَيصَرِيَّةِ فيلِبُّس سأَلَ تَلاميذَه: ((مَنِ ابنُ الإِنسانِ في قَولِ النَّاس؟ ))
تشير عبارة ” نواحي” باليونانية μέρη الى إقليم. اما عبارة “قَيصَرِيَّةِ فيلِبُّس” فتشير الى مدينة بُنيت عند ينابيع الأردن عند سفح جبل الشيخ على بعد 32 كم شمالي بحيرة طبرية قرب الحدود اللبنانية. وكان اسمها قديما بعل جاد (أي إله الحظ) ثم صار عند اليونان “بانيون” نسبة الى اسم إله من الهتهم يدعونه “بان” ومنه انبثق اسمها الحالي بانياس. وقد اعطى اوغسطس قيصر هذه المدينة الى هيرودس سنة 20 ق.م. فبنى فيها معبدا من الرخام الأبيض على اسم الإمبراطور قيصر، وكان يُدعى اوغسطس في هذا المكان ابن الاله. وقد غيّر هيرودس فيلبس اسم المدينة من قيصرية الى قيصرية فليبس لتمييزها عن قيصرية البحرية ( ستراتونيس) الواقعة على الشاطئ الغربي للبحر الأبيض المتوسط والتي كانت مركز الحكومة الرومانية (اعمال الرسل 23: 33). ثم أسمّها هيرودس أغريبا ” نيرونياس” اكراما للإمبراطور نيرون. وكانت قيصرية آخر المدن التي زارها المسيح في جهة الشمال في فلسطين (مرقس 8: 27). وكان هذا المكان مناسباً ليسأل يسوع تلاميذه “مَن أَنا في قَولِ النَّاس؟” حتى يُزيل من اذهانهم ان القيصر هو ابن ألاله ويكشف لهم عن حقيقة ذاته ورسالته انه “المسيح ابن الله” كما صرّح بطرس بقوله “بان يسوع هو ابن الله” (متى 16: 15). اما عبارة ” ابن الانسان” فتشير الى أنه إنسان مثل سائر الناس كما ورد في حزقيال “يا ابنَ الإِنسان ” (حزقيال 2: 1) او الى ذاك الآتي على سحاب السماء في اليوم الاخير ليدين الخاطئين ويُخلص الابرار (دانيال 7: 13). وقد ورد لُقب يسوع “ابن الانسان” في الانجيل فقط، وعلى لسان يسوع ما عاد مرتين أحدهما في سفر اعمال الرسل (7: 56) والأخرى في سفر الرؤيا (1: 13 و14: 14). إن الجماعة المسيحية الاولى، بإطلاق هذا اللقب على يسوع، ترينا يسوع يستبق الدينونة بسلطانه مخلصاً الخاطئين (متى 9: 6) وفاتحا الزمن المسيحاني (متى 12: 8) وهذا اللقب، بارتباطه بالوصف النبوي لعبد الله المتألم، فإنه يوحّد بين الصليب والمجد (مرقس 8: 31). اما عبارة “مَنِ ابنُ الإِنسانِ في قَولِ النَّاس؟” فتشير الى سؤال يسوع يستجوب فيه التلاميذ حول هويّته الشخصيّة مما يلمح الى اهتمام يسوع بما يقول الناس عن هويته.
14فقالوا: ((بَعْضُهم يقول: هو يوحَنَّا المَعمَدان، وبَعضُهمُ الآخَرُ يقول: هو إِيليَّا، وغيرُهم يقول: هو إِرْمِيا أَو أَحَدُ الأَنبِياء)).
تشير عبارة “يوحنا المعمدان” الى ذكره الذي ظل عالقا في القلوب في الكنيسة الأولى، لان بعض اليهود اعتقدوا ان إيليا عاد في شخص يوحنا المعمدان (مرقس 11: 13). واما هيرودس انتيباس ابن هيرودس الكبير كان يذكر يسوع انه هو ” يُوحنَّا المَعمَدان، إِنَّه قامَ مِن بَينِ الأَموات”(متى 13: 1)؛ وفي انجيل لوقا “وكانَ الشُّعبُ يَنتَظِر، وكُلٌّ يَسأَلُ نَفسَه عن يوحَنَّا هل هو الـمَسيح” (لوقا 3: 15)؛ اما عبارة ” إِيليَّا” فتشير الى ان ابن الانسان هو إيليا، لان إيليا النبي الذي رُفع الى السماء (2ملوك 2/11-13) سيعود في الأزمنة الاخيرة (ملاخي 3: 23) فالعالم اليهودي ينتظر مجيئه. اما عبارة ” إِرْمِيا” فتشير الى ربط اليهود ارميا بالنبي المتنبّأ عنه “يُقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثْلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتكَ، فلَه تَسْمَعون”(تثنية الاشتراع (18: 15). وعليه زاده متى الإنجيلي. اما عبارة ” أَحَدُ الأَنبِياء” الى اعتبار يسوع نبيا. كما يشهد على هذا الامر الاناجيل متى (21: 11) ومرقس (6: 15) ولوقا) 7: 16). لأن موسى تنبأ بأن نبيا مثله سيأتي لهم (تثنية الاشتراع 15:18). وبكلمة اعتبر الناس يسوع انه من عظماء الرجال. وهذا ما يقوله اليوم أيضا أناس كثيرون ان يسوع هو رجل نادر، لا مثيل له. ولكن كلمة نبي يأخذ كامل معناه في الايمان المسيحي. ان يسوع جاء في خط الأنبياء، ولكن ما يطلبه يفوق ما يطلبه الأنبياء. يطلب تعلقا بشخصه، لا بتعليمه فقط؛ فالنبي يحمل الكلمة، اما يسوع فهو الكلمة حيث أن الأنبياء يُعتبرون حلقة وصل يسير بها الله بالتاريخ الى كماله، ولكن المسيح هو من به نصل الى الكمال. وبكلمة وجيزة، عدَّد التلاميذ الآراء التي سبق ان نُقلت الى هيرودس (لوقا 9: 7-8).
15فقالَ لَهم: ((ومَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟ ))
تشير عبارة ” ومَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟ ” الى المرة الأولى حيث يتحدّى يسوع تلاميذه كي يعبّروا بوضوح عن آراءهم نحوه. وقد نقل يسوع السؤال من المستوى العام (مَنِ ابنُ الإِنسانِ في قَولِ النَّاس؟) الى المستوى الشخصي (مَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟)، ويعلق القديس كيرلس الكبير” إن يسوع كان يهيّئ تلاميذه لآلامه حتى لا يتشكّكوا فيه”.
16فأَجابَ سِمعانُ بُطرس: ((أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ)).
تشير عبارة “المسيح ” باليونانية Χριστὸς وفي العبرية הַמָּשִׁיחַ “المشيح” (المكرس بالمسحة) الى ذاك الذي أختاره الله ومسحه وارسله مخلصا، وقد تحدث عنه الأنبياء ومهّدوا له السبيل، ومنهم يوحنا المعمدان. المسيح هو الذي كان اليهود ينتظرونه مخلصًا. وكلمة المسيح تعني الممسوح من الله. وكانت المسحة في العهد القديم هي للملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء فقط. وفي انجيل مرقس ورد مرة واحدة أنَّ إنسانا اعترف بأن يسوع هو المشيح، وذلك الانسان هو بطرس. ولهذا اللقب رؤية دينية وطنية وسياسية، ولهذا لم يستعمله يسوع إلاّ أثناء محاكمته (مرقس 14: 61-62)؛ لأنه اعتبره خطراً لفهم رسالته. فيسوع هو ليس فقط المسيح المنتصر، بل أيضا المسيح المتألم الذي سفك دمه لخلاص النفوس. وقد روى لوقا ان يسوع قد أُعلن مسيحا على لسان الملائكة (لوقا 1: 32) وسمعان (لوقا 2: 26) والشياطين (لوقا 4: 41)، لكن بطرس هو التلميذ الذي أطلق على يسوع هذا اللقب. كان اليهود يضيفون على هذا اللقب معنى قومياً وسياسياً (لوقا 22: 67) وسيظل تلاميذ يوحنا المعمدان زمنا طويلا يتساءلون هل معلمهم هو المسيح (اعمال الرسل 13: 25). ان سمعان بطرس تحقق بألوهية المسيح واعترف بذلك جهاراً، وكان أول اعتراف بيسوع على انه المسيح، يفوه به سمعان بطرس، لكن الناس لم يكونوا بعد مستعدِّين لهذا الإعلان بسبب آرائهم المادية والسياسية عن الملكوت. اما عبارة ” ابنُ اللهِ الحَيّ ” فتشير الى عبارة متأصلة في العهد القديم “أَنَّا أَكونُ لَه أبًا وهو يَكون لِيَ ابنًا” (2صموئيل 7: 14 ومزمور 2: 7 و98: 27)، وقد قيلت في الملائكة والشعب اليهودي والمسيح. وهذه العبارة دلت عل علاقة خاصة مع الله ومبنيّة على اختياره من اجل مهمة يُكلف بها أبناءه. ولكن المسيحيون شدَّدوا من خلال هذا اللقب على ميزة فريدة وخاصة بشخص يسوع. فهو في علاقة بنوية مع الله لا مثيل لها، والذي يُعد اليه برسالة لا نظير لها في سبيل خلاص الناس (متى 1: 21 و2: 15). وهنا بعبّر بطرس عن حدس إيمانه وإيمان التلاميذ، فلا يكتفي بجواب غير وافي حول شخصية يسوع بل يكتشف أنه هو المسيح المخلص. اما عبارة ” الحَيّ” فتشير الى الله كما ورد في النص اليوناني ὁ υἱὸς τοῦ θεοῦ τοῦ ζῶντος، وتدل أيضا على المسيح ابن الله الحي حسب الآراميّة בֶּן־אֱלהִים חַיִּיםأي الله المتجسد بصورة إنسان (ابن الله) الذي سكن بيننا (الحي بيننا) (يوحنا 1: 14). لقد سبق نثنائيل وقال هذا قبل بطرس، ” راِّيي، أَنتَ ابنُ الله، أَنتَ مَلِكُ إِسرائيل ” (يوحنا 1: 49)، ولكن نثنائيل كان يقصدها بطريقة عامة كما يقولون إسرائيل ابن الله. ولذلك لم نسمع أن السيد طَّوَّب إيمان نثنائيل كما فعل مع بطرس. فقد أعلن بطرس ايمانه بيسوع في انجيل متى بقوله ” المسيح ابن الله الحي” إشارة للاهوته فهو الله المتجسد. واما القديس مرقس فد أعلن ان يسوع هو المسيح قائلا ” أَنتَ المسيح” (مرقس 8: 29)، المسيح أي الممسوح كرئيس كهنة سيقدم ذبيحة نفسه. وأخيرا في لوقا فقد أعلن بطرس ان يسوع هو “مسيحُ الله (لوقا 9: 20) أي مسيح النبوءات الموعود به في الكتاب المقدس والذي ينتظرونه.
17فأَجابَه يسوع: ((طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات.
تشير عبارة “طوبى لَكَ” الى تهنئة يسوع لبطرس لأجل اعترافه بالإيمان به بانه المسيح ابن الله، فهذا الإيمان هو اساس ملكوت المسيح. ويُعلق القديس هيلاروس أسقف بواتيه “طوبى لذاك الذي يُمدَح لإدراكه وفهمه الذي فوق الرؤيا بالعيون البشريّة، وصار مستحقًا أن يكون أول من اعترف بلاهوت المسيح”. اما عبارة “سِمعانَ بْنَ يونا ” فتشير الى اسم بطرس ابن يونا باليونانية Βαριωνᾶ مشتق من العبرية בַּר־יוֹנָה أي ابن يونان ويونان هي الصيغة السريانية والعربية، ولفظة يونا معناها حمامة، أي الروح القدس أو نعمة الله أي عطيّة الروح، لأنه اجبر على الذهاب الى حيث لا يريد. كما قال له يسوع المسيح “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لَمَّا كُنتَ شاباً، كُنتَ تَتَزَنَّرُ بِيَديكَ، وتَسيرُ إِلى حَيثُ تشاء، فإِذا شِخْتَ بَسَطتَ يَدَيكَ، وشَدَّ غَيرُكَ لكَ الزُّنَّار، ومَضى بِكَ إِلى حَيثُ لا تَشاء ” (يوحنا 21: 18). اما عبارة “فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ ” فتشير الى الانسان بكامله بصفته كائناً مفطورا على ضعف الطبيعة البشرية كما ورد في تعليم سيراخ “فكَماٍ أَنَّ أَوراقَ شَجَرهٍ كثيفةٍ تارةَ تَسقُطُ وتارةً تَنبُت كذلِكَ أَجْيالُ اللَّحْمِ والدَّم: بَعضُهم يَموتُ وبَعضهم يولَد” (يشوع بن سيراخ 14: 18). اما عبارة “كشَفا لكَ هذا” فتشير الى ان مصدر كلمات بطرس ليس بطرس نفسه إنما الوحي الإلهي (متى 11: 25-27)، اي إعلان إلهي يُشرق به الآب بروحه القدّوس على بطرس. وقد بيَّنت مواقف بطرس انه لم يدرك هذا الوحي في عمقه، لكنه سيفهمه ويفهمه الرسل فيما بعد على ضوء القيامة (متى 16: 22-23). فإن قول بطرس كلمة لا تأتي منه، فالإيمان ليس ثمرة براهين او ممارسة، بل ثمرة وحي. اما عبارة ” كشَف” في اليونانية ἀπεκάλυψέν معناها أظهر الحقيقة أي أوحى فتشير الى علاقة ثقة واختيار ولقاء: لا يكشف الإنسان شيئاُ مهماً سوى لأصدقائه الشخصيّين كما ورد في سفر النبي عاموس، ” لِأَنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لا يَفعَلُ شَيئاً ما لم يَكْشِفْ سِرَّه لِعَبيدِه الأَنْبِياء “(عاموس 3، 7). وقد أكد يسوع هذه الحقيقة بقوله لتلاميذه ” لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم لِأَنَّ الخادِمَ لا يَعلَمُ ما يَعمَلُ سَيِّدُه. فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي” (يوحنا 15: 15). اما عبارة “أَبي الَّذي في السَّمَوات ” فتشير الى الله الذي سمح لبطرس ان يسبر غور شخصية المسيح اللامتناهية. أن المسيح هنا يؤكد ناسوته، والآب يعلن لبطرس لاهوت المسيح وهذا هو إيمان الكنيسة أن ابن الله تجسد وتأنس، الله ظهر في الجسد كما ورد في تعليم بولس الرسول ” قد أُظهِرَ في الجَسَد وأُعلِنَ بارّاً في الرُّوح وتَراءَى لِلمَلائِكَة وبُشِّرَ به عِندَ الوَثَنِيِّين وأُومِنَ بِه في العالَم ورُفِعَ في المَجْد” (1 طيموتاوس 16:3).
18وأَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت.
تشير عبارة ” وأَنا أَقولُ لكَ ” في اليونانية “κἀγὼ δέ σοι λέγω الى تبادل مع قول بطرس أي كما قلتَ أنتَ كذلك “أنا أقول لك”؛ أمّا عبارة “صخر” في اليونانية بطرس Πέτρος وفي الآرامية כֵיפָא” كيفا” (صخر)،
المسيح استخدم مرّتين نفس الكلمة “كيفا” وهي مكّررة وتعني “صخر” بحيث يتّضح جليًّا أنّ المقصود هو سمعان بطرس نفسه بحسب النّصّ الآراميّ الأصليّ ” אנת הו כאפא ועל הדא כאפא אבניה לעדתי” وهي قريبة من التّرجمة” السّريانيّة البسيطة. وعليه تشير عبارة ” كيفا” (صخر) الى الاسم الذي أطلقه المسيح على سمعان، فأصبح اسم علم لسمعان بطرس (يوحنا 1: 42). في حين يُعلق القديس اوغسطينوس ” يسوع لم يقل له أنت صخرة Petra بل أنت بطرس Petrus، فإن الصخرة كانت المسيح (1 قورنتس 10: 4)، التي اعترف بها سمعان كما لو اعترفت الكنيسة كلها، لذلك دُعي “بطرس”. فقد أقام يسوع كنيسته التي هي ملكوته على الصخرة التي هي الإيمان به المعلن للقدّيس بطرس، والواقع أنّ بطرس هو الصخر ويسوع “صخرة الصّخرة” كما كتب مار أوغسطينوس، واما القديس ايرونيموس فيعلق “لقد أعطى لسمعان الذي آمن بالمسيح الصخرة أن يُدعى بطرس “الصخرة”. هذه الكلمة “صخر” لم تستعمل ابدا قبل ذلك كاسم علم، لا عند اليهود ولا عند اليونانيين، إنها فكرة ابتكرها يسوع. والاسم يحدد هوية الشخص عند الساميين. ومن هذا المنطلق فانَّ بطرس هو الحجر الاساسي للكنيسة وله اولوية بين الرسل كما يبدو من كلام بولس له ” بَعدَ ثَلاثِ سَنَوات صَعِدتُ إِلى أُوَرَشَليمَ لِلتَّعرُّفِ إِلى صَخْر، فأَقَمتُ عِندَه خَمْسةَ عَشَرَ يَومًا “(غلاطية 1: 18). وجاء في تعليم بطرس الرسول ان المؤمنين هم الكنيسة المبنية على أساس الرسل والانبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية “ِإقتَرِبوا مِنه فهو الحَجَرُ الحيُّ الَّذي رَذَلَه النَّاس”(1بطرس 2: 4). وانه صار أسقف رومة، وان اولويته هذه ورثها خلفاؤه الباباوات. اما عبارة “سَأَبني كَنيسَتي” الى عمل يسوع المسيح، فيها يقيم وفيها يعمل بروحه. فمشروع الكنيسة مشروعه. اما عبارة كنيستي” باليونانية ἐκκλησία ترجمة لكلمة “كاهال” קְהִלָּתִי العبرية كما ورد في السبعينية فتعني الجماعة. ولم ترد كلمة كنيسة في انجيل متى الا مرتين (متى 18: 17)؛ وقد عرّف المجمع الفاتيكاني الثاني الكنيسة بأنها ” شعب الله”. ويدل هذه اللفظ على الجماعة الجديدة التي أسَّسها يسوع على الرسل وصار بطرس صخرتها وقاعدتها. اما عبارة “فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت” فتشير الى قوى الشر التي لن تنتصر على كنيسة المسيح كما تشير أيضا ان الموت لن ينتصر على المؤمنين قط، لان جميع اعضاء الجماعة المسيحية سيقومون في النهاية، وإن هم ماتوا، فلن يقوى عليهم سلطان الموت، لأنهم يقومون مع المسيح. امَّا عبارة ” سُلْطانُ الموت ” باليونانية “πύλαι ἅ|δου ” فمعناها ابواب الجحيم او مثوى الأموات” (عدد 16: 33) . إنَّ كلمة “ἅ|δου ” تعني حرفيا القبر وفي العبرية שְׁאוֹל (شيول). والابواب تدل على السلطة والقدرة، فمن سيطر على أبواب المدينة سيطر على المدينة كلها. اما عبارة “سُلْطانُ الموت” فتشير الى قدرة مثوي الأموات (أيوب 38: 17)، لا تستطيع ان تحجز في الموت أعضاء الكنيسة التي أسسها يسوع. وإن هم ماتوا، فهي لا تحتفظ بهم، لأنهم يقومون مع المسيح. سلطان الموت. فعبارة “سلطان الموت ” تدل على قوى الشر وهذه لن تنتصر على الكنيسة، ولا الموت قادر أن يسود على المؤمنين، بل هم سيقومون من الموت في الأبدية. فالكنيسة أزليّة، مهما كانت الظروف والاضطهادات والهجرات والبدع ة والهرطقات والانقسامات وآفات العصر مثل الإجهاض، والمخدرات والزواج المثلي، والإرهاب، فالكنيسة باقية وموجودة ومنتشرة في أرجاء المسكونة كلها.
19وسأُعطيكَ مَفاتيحَ مَلَكوتِ السَّمَوات. فما رَبَطتَهُ في الأَرضِ رُبِطَ في السَّمَوات. وما حَلَلتَه في الأَرضِ حُلَّ في السَّمَوات)).
اما عبارة “مَفاتيحَ مَلَكوتِ السَّمَوات” فتشير في الدين اليهودي الى سلطة تفسير الشريعة. وهنا تقوم هذه السلطة على الاعتراف ان يسوع هو ابن لله. وتظهر هذه السلطة خاصة في مغفرة الخطايا، وتمكن من دخول ملكوت الله. فهذا الملكوت يرتبط الى حدٍ ما بالكنيسة. وبينما يقول آخرون ان المفاتيح هي سلطة إعلان مغفرة الخطايا (يوحنا 20/23)، ويقول البعض الآخر أن المفاتيح هي فرصة تمكن الناس من دخول ملكوت الله بتقديم رسالة الخلاص (اعمال الرسل 15: 7-9). وقد ورد تم ان الكتبة والفريسيين يظنون انهم يقبضون على مفاتيح الملكوت وحاولوا ان يمنعوا البعض من الدخول اليه كما جاء في توبيخ يسوع ” الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم تُقفِلونَ مَلكوتَ السَّمَواتِ في وُجوهِ النَّاس، فَلا أَنتُم تَدخُلون، ولا الَّذينَ يُريدونَ الدُّخولَ تَدَعونَهم يَدخُلون” (متى 23: 13-14). اما عبارة ” وسأُعطيكَ ” فتشير الى وعد يسوع لبطرس بإعطائه السلطة ويَعد بها، فيما بعد، كل الرسل ” الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما رَبطتُم في الأَرضِ رُبِطَ في السَّماء، وما حَلَلتُم في الأَرضِ حُلَّ في السَّماء “(متى 18: 18)، وهذه السلطة أعطيت أيضا للتلاميذ المجتمعين ” مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم “(يوحنا 20: 23). اما عبارة “فما رَبَطتَهُ في الأَرضِ رُبِطَ في السَّمَوات. وما حَلَلتَه في الأَرضِ حُلَّ في السَّمَوات” فتشير الى سلطان الربط والحل، اي التحريم والتحليل، المنع وإعلان السماح، والفصل من الجماعة الدينية او القبول فيها ثانية. وهذه الآية تحقق نبوءة اشعيا ” وأَجعَلُ مِفْتاحَ بَيتِ داُودَ على كَتِفِه يَفتَحُ فلا يُغلِقُ أَحَد ويُغلِقُ فلا يَفتَحُ أَحَد”(اشعيا 22: 22) التي تردد في سفر الرؤية “مَن عِندَه مِفْتاحُ داوُد، مَن يَفتَحُ فلا أَحَدَ يُغلِق، ويُغلِقُ فلا أَحَدَ يَفتَح” (رؤية 3: 7). المسيح يصادق على ما يُعمل باسمه على الأرض.
20ثُمَّ أَوصى تَلاميذَه بِأَلاَّ يُخبِروا أَحَداً بِأَنَّهُ المسيح.
لا تشير عبارة ” بِأَلاَّ يُخبِروا أَحَداً بِأَنَّهُ المسيح ” الى استنكار يسوع للقب “المسيح” بل حفظ السر في حوزة التلاميذ الى ما بعد قيامة الرب وتحذير افشائه قبل أوانه بسبب التباسات هذا اللقب في الأوساط اليهودية بان المسيح لم يكن قائدا عسكريا بل عبدا متألما، لأنه عندما اعترف التلاميذ بان يسوع هو المسيح، لم يكونوا على علمٍ بعد بكل ما يعنيه ذلك من آلام وموت. وعليه فان يسوع لم يرفض لقب المسيح، لكنه نهى بشدة ان يُخبر به (لوقا 9: 21). فسر المسيح لم يُكشف الاّ في الآلام (مرقس 14: 61-62). لذا بعد قيامة يسوع، يقرر التلاميذ ان يُعلنوا ان يسوع هو المسيح كما جاء فو عظة بطرس الأولى ” فَلْيَعْلَمْ يَقينًا بَيتُ إِسرائيلَ أَجمَع أَنَّ يَسوعَ هذا الَّذي صَلَبتُموه أَنتُم قد جَعَلَه اللهُ رَبًّا ومَسيحًا”(اعمال الرسل 2: 36). ومن هذا المنطلق يتوجب على المسيح ان يموت ويقوم كي تنكشف هويته. وتدل هذه الآية ان جميع التلاميذ اشتركوا جميعا في اعتراف بطرس بلاهوتية المسيح.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 16: 13-20)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 16: 13-20)، نستنتج انه يتمحور حول هوية يسوع ورئاسة بطرس على الكنيسة.
1) هوية يسوع
بعد أن حذّر السيّد المسيح التزام تلاميذه من رياء تعليم الفريسيين والصدوقيين (متى 16: 5-12) توجّه مع تلاميذه الى قيصرية فيلبس (بانياس اليوم). وهناك طرح عليهم سؤالين حول هويته: “مَنِ ابنُ الإِنسانِ في قَولِ النَّاس؟ ” (متى 16: 13) والسؤال الآخر “مَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟ ” (متى 16: 15). فيسوع هو ابن الانسان وهو ابن الله.
ا) يسوع ابن الانسان
طرح يسوع على تلاميذه “مَنِ ابنُ الإِنسانِ في قَولِ النَّاس؟ ” (متى 16: 13)، وبهذا السؤال أبرز جانبًا هامًا في إيماننا به بدعوته “ابن الإنسان” تأكيدًا لتأنُّسه. يطلق يسوع على نفسه عادة في الاناجيل لقب ابن الانسان. ومن المحتمل ان يكون قد اختار هذا اللقب بسبب التباسه. وقد وردت هذه العبارة في الاناجيل سبعين مرة. عبارة “ابن الانسان” باليونانية τὸν υἱὸν τοῦ ἀνθρώπου ترجمة للفظة العبرية والآرامية בַר אֱנָשׁ، أي ابن البشر، وتظهر في معظم الأحيان كمرادفة للإنسان كما جاء في المزامير ” لِتَكُن يَدُكَ على رَجُلِ يَمينكَ على ابن الإِنسانِ (בֶּן־אָדָם) الَّذي أَيَّدتَه لَكَ” (مزمور 80: 18). انها تشير الى عضو من أعضاء الجنس البشري” ابن آدم”.
اما دانيال النبي فقد لمح في عبارة “ابن الانسان” الى صورة ذلك الشخص السماوي الغامضة الذي يتولى السلطان الدينونة في آخر الازمنة. “فإِذا بِمِثلِ آبنِ إِنسان آتٍ على غَمامِ السَّماء فبَلَغَ إِلى قَديمِ الأَيَّام وقُرِّبَ إِلى أَمامِه. وأُوتِيَ سُلْطاناً ومَجداً ومُلكاً فجَميعُ الشُّعوبِ والأُمَمِ والأَلسِنَةِ يَعبُدونَه وسُلْطانُه سُلْطانٌ أَبَدِيّ لا يَزول ومُلكُه لا يَنقَرِض”(دانيال7: 13-14)،
اما التقليد الرؤيوي اليهودي اللاحق لسفر دانيال فعاد الى رمز “ابن الانسان” حيث رأى فيه كائناً عجيبا غامضاً، مقيماً بجوار الله، حائزاً على البر ومعلناً عن خيرات الخلاص المدخّرة لنهاية الأزمنة حيث يستوي على عرش مجده، كديّان للجميع ومخلص الابرار ومنتقم لهم، وهم سوف يحيون بالقرب منه بعد قيامتهم من بين الأموات.
ان يسوع ربط من خلال لقب “ابن الانسان” الصورة الاسكاتولوجيا (آخر الأزمنة) مع النظرة اليهودية الرؤيويه “تَرى ابنَ الإِنسانِ آتِياً على غَمامِ السَّماء في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال” (متى 24: 30) ” سَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِ” (متى 16: 27). ولكن قبل البلوغ الى هذه الحالة، يجب ان يمرَّ بحالة العبد المتألم من الاتضاع والالم حيث يصعب على الناس خلالها ان يتعرّفوا عليه حتى يؤمنوا به (يوحنا 9: 35).
ونستنتج ان يسوع ربط أيضا من خلال لقب “ابن الانسان ” دعوة عبد الرب المتألم. ان يسوع جاء ليحقق خلال حياته الأرضية دعوة عبد الرب الذي نبذه الناس وقرّروا بقتله، حتى ينال المجد من الله، ويخلص الجماهير. فهو بوصفه: ابن الانسان” تحمل كل ما تحّمله من أجلنا كما جاء في قول يسوع “إنَّ ابنَ الإِنسانِ سَيُسْلَمُ إِلى أَيدي النَّاس، فيَقتُلُونَه”(متى 17: 22-23). فلقب “ابن الانسان” حلّ محل لقب “المسيح”، لانَّ لقب المسيح سابق لأوانه (مرقس 8: 29-31) وكان يبرز المزيد من التطلعات الزمنية لرجاء إسرائيل. وعليه يشير لقب “ابن الانسان “في الاناجيل الى كلمات يسوع بالذات.
بالإضافة الى ذلك، فان لقب ابن الانسان يجسّد الابرار المضطهدين حيث جاءت القيامة تنصيبا ليسوع بصفته ابن الانسان، فحققت ما أنبا به يسوع مراراً ” أَنتُم الَّذينَ تَبِعوني، متى جلَسَ ابنُ الإِنسانِ على عَرشِ مَجدِه عِندما يُجَدَّدُ كُلُّ شَيء، تَجلِسونَ أَنتم أَيضاً على اثنَي عَشَرَ عَرْشاً، لِتَدينوا أَسباطَ إِسرائيلَ الاثَنيْ عَشَر.” (متى 19: 28) وفي موضع آخر يقول يسوع ” وتَظهَرُ عِندَئِذٍ في السَّماءِ آيةُ ابنِ الإِنسان. فتَنتَحِبُ جميعُ قبائِلِ الأَرض، وتَرى ابنَ الإِنسانِ آتِياً على غَمامِ السَّماء في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال.” (متى 24: 30). وعليه جاز ليسوع ان يكون تجسيداً لجميع المضطهدين وجميع الصغار والمساكين الذين أصبح واحدا منهم ” كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه “(متى 25: 40).
وفي بداية المسيحية نظر اليهود الى عمل يسوع انطلاقا من لقب “ابن الانسان” في سفر دانيال (7: 13-14)، وكانوا يرون في المصلوب ذلك الذي به تمّت دينونة البشر ” فتَأتِيَكُم مِن عِندِ الرَّبِّ أَيَّامُ الفَرَج ويُرسِلَ إِلَيكُمُ المسيحَ المُعَدَّ لَكم مِن قَبْلُ، أَي يسوع، ذاكَ الَّذي يَجِبُ أَن تَتَقبَّلَه السَّماءُ إِلى أَزمنَةِ تَجديدِ كُلِّ ما ذَكَره اللّهُ بِلِسانِ أَنبِيائِه الأَطهار في الزَّمَنِ القَديم” (اعمال الرسل 3: 20-21).
وبعد ذلك، خسر اللقب بُعده مع الجماعات المسيحية اليونانية (الهلنيَّة)، وحلت محله القاب مثل “ابن الله”، ولقد لعب بولس دورا كبيرا في هذا التطور. وبسبب السلطة الخارقة التي يطالب بها يسوع كإبن الانسان، انطلاقا من نصوص دانيال استطاع المسيحيون ان ينسبوا اليه لقب ابن الله. وهذا ما يستند اليه سلطانه أيضا ويمكنه ان يرسل تلاميذه الى العالم كله (متى 28: 16-20). .
ولمَّا جاء آباء الكنيسة وقد فهموا القب ابن الانسان حرفياً: فقالوا: أنه الانسان ممثل الإنسانية، ولكن، لم يكن هذا ما عناه المسيحيون الاولون في اورشليم، وما كان يهمهم هو الاصل السماوي لابن الانسان والعمل الإلهي التي يُتمّه.
ب) يسوع ابن الله
لم يكتف بطرس ان يعلن ان يسوع نبياً؛ أي ذاك الذي يحمل الكلمة بل هو الكلمة. ولم يكتف ان يعلنه “ابن الانسان” أي يسوع الناصري الانساني الذي يخلص البشر، بل هو المسيح ابن الله”. شهد بطرس باسم التلاميذ جميعاً انطلاقا من قوة إيمانه وبنعمة خاصة من الروح القدس أن يسوع هو ” المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ” (متى 16: 16). ان هذا الاعتراف صادر عن ايمان حق.
في العهد القديم قيلت عبارة “ابن الله” في الملائكة والشعب اليهودي والمسيح المنتظر (2 صموئيل 7: 14، مزمور 2: 7)، وتشير هذه العبارة الى علاقة خاصة مع الله واختياره من اجل الرسالة التي يعهد بها الله “أبنائه”. وانطلقت المسيحية من هذه المعطيات، فشدَّدت على المميزة الفريدة الخاصة بشخص يسوع. فهو الذي يقيم مع الله علاقة بنوية لا مثيل لها، والذي عُهد اليه برسالة لا نظير لها وهي خلاص الناس (متى 1: 21).
وتؤكد تطويبة يسوع لبطرس ” طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات (متى 16: 17) بأننا أمام وحي من الآب وهذا ما يؤكد على ما في العبارة من معنى قوي، فالإيمان مثل إيمان بطرس هو اساس ملكوت المسيح. بطرس لم يتعلق بتعاليم السيد المسيح فحسب انما بشخصه.
وإن في الجملة شهادة بطرس ” المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ” (متى 16: 16) من تفخيم واستعمال التعريف، بالإضافة الى تطويبه لبطرس، يحملنا على ان نرى فيها كمال الإيمان المسيحي. كما اكتشفه الرسل شيئا فشيئا بعد القيامة. وقد أعلن الآب بنفسه هوية ابنه” هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت” (متى 3: 17)
لكن هذا اللقب لن يكفل للمسيح مصير مجد ارضي، بل عليه كابن الانسان ان يموت حتى يصل الى مجده كما جاء في الانجيل ” وبَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث”(متى 16: 21). ان هذا اللقب لن يُكشف حقيقته إلاّ بالآلام والقيامة. فعند موت المسيح تبدّد كل التباس، فاعترف فيه قائد المائة ” كانَ هذا الرَّجُلُ ابنَ اللهِ حَقّاً!” (مرقس 15: 39). وفي مخاطبته الله الذي يدعوه ” أَبَّا، يا أَبَتِ” (مرقس 14: 36)، ظهرت ألفة عميقة بين الله والمسيح، وهذ الآلفة تتطلب “المعرفة” المتبادلة الكاملة والمشاركة الشاملة ” قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه “(متى 11: 25-27) وهكذا يعطي يسوع المعنى كاملا على التصريحات الالهية ” أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضيت ” (مرقس 1: 11).
بالإضافة الى ذلك فقد تحدّث يسوع بعبارات واضحة عن العلاقات بين الابن والآب: تقوم بينهما وحدة في العمل والمجد (يوحنا 5: 19، 23) يمنح الآب كل له لابنه لأنه يحبه “إِنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن فجَعَلَ كُلَّ شيءٍ في يَدِه. “(يوحنا 3: 35)، ويعطيه سلطة احياء الموتى “فكَما أَنَّ الآبَ يُقيمُ الموتى ويُحيِيهِم فكَذلِكَ الِابنُ يُحيِي مَن يَشاء.”(يوحنا 5: 21) وسلطة القضاء “لِأَنَّ الآبَ لا يَدينُ أحَداً بل أَولى القَضاءَ كُلَّه لِلاِبْن”(يوحنا 5: 22) وعندنا يرجع يسوع الى الله، ويُمجد الآب الابن لكي يمجده الابن كما جاء في صلاة يسوع الكهنوتية ” يا أَبتِ، قد أَتَتِ السَّاعة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ (يوحنا 17: 1).
واما في رسائل بولس الرسول فيصبح موضوع ابن الله نقطة انطلاق لاهوتي أكثر عمقاً” لَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ” (غلاطية 4: 4) لكي يتم بموته الصلح بيننا وبينه “فإِن صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ َابِنه ونَحنُ أَعداؤُه، فما أَحرانا أَن نَنجُوَ بِحَياتِه ونَحنُ مُصالَحون!” (رومة 5: 10). ان الحياة المسيحية هي حياة في الايمان بابن الله الذي احبنا وضحّى بنفسه من أجلنا كما صرّح بولس الرسول ” فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي” (غلاطية 2: 20).
وهكذا تتجلى عقيدة التجسد بكل ابعادها. فقد أرسل الله ابنه الواحد الى العالم ليخلص العالم ” ما ظَهَرَت بِه مَحبَّةُ اللهِ بَينَنا هو أَنَّ اللهَ أَرسَلَ ابنَه الوَحيدَ إِلى العالَم لِنَحْيا بِه” (1 يوحنا 4: 9). وهذا الابن الواحد هو الذي أخبر عن الله ” إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه”(يوحنا 1: 18) ويمنح البشر الحياة الابدية التي تأتي من الله “إنَّ اللهَ وَهَبَ لَنا الحَياةَ الأَبدِيَّة وأَنَّ هذهِ الحياةَ هي في ابنِه. مَن كانَ لَه الابنُ كانَت لَه الحَياة. مَن لم يَكُنْ لَه ابنُ الله لم تَكُنْ لَه الحَياة”(1 يوحنا 5: 11-12) والعمل المطلوب هو الايمان بالابن “عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَل” (يوحنا 6: 29) من يؤمن بالابن له الحياة الأبدية “أَنَّ كُلَّ مَن رأَى الِابنَ وآمَنَ بِه كانَت له الحياةُ الأَبَدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير” (يوحنا 6: 40) ومن لم يؤمن به يحكم عليه “مَن آمَنَ بِه لا يُدان ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد” (يوحنا 3: 8).
وأخيرا نستنتج بان لقب ” ابن الله ” يكتسب في انجيل متى معناً قوياً، لا مجرد مرادف للمسيح ابن داود، انما يضفي على سائر القاب يسوع كل معناها. فإذا كنا في حيرة، يجب ان نعلنه على مثال بطرس ” أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ ” (متى 16: 16). وعلينا ان نراه مع “قائدُ المِائةِ والرِّجالُ الَّذينَ كانوا معَهُ يَحرِسونَ يسوع، فإِنَّهم لَمَّا رَأَوا الزِلزالَ وما حَدَث، خافوا خَوفاً شديداً وقالوا: كان هذا ابنَ اللهِ حقّاً”(متى 27: 54).
2) رئاسة بطرس للكنيسة:
على أثر شهادة بطرس بإيمانه بان يسوع ” هو ابن الله الحي”، أقامه يسوع رئيسا للكنيسة كما تبيّن النقاط التالية:
فقد أطلق يسوع على ” سمعان” اسم “صخر”، “أَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ ” (متى 16: 18)، فإن التسمية تدل على مهمة جديدة كما في كل مرة يحصل تغيير اسم في العهد القديم. ويُذكّر اسم ” صخر” ب”حجر الأساس” الذي يدل على المسيح كما تنبأ عنه اشعيا (اشعيا 8: 14). فلقد حصل سمعان بطرس على مهمة تجعله أساس الجماعة، فعلى هذه الصخر سيبني يسوع “كنيسته”.
ولفظة كنيسة تذكر بكلمة “كاهال” קְהִלָּתִי العبرية كما ورد في السبعينية التي تعني الجماعة، وهي تعني جماعة الله، ولكن الجديد هنا هو استعمال ضمير المتكلم “ي” قال يسوع ” كنيستي. “أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي” (متى 16: 18)، وبذلك أضفى على الكلمة عمقا ومعنى جديداً، وعليه ستكون جماعة الله بعد اليوم الجماعة التي يدعوها يسوع المسيح، الجماعة التي يبنيها على الصخر وهو بطرس.
وبفضل النعمة المعلقة على اسمه الجديد “صخر” الذي يعبّر عن المهمّة المعينة له، يشترك سمعان بطرس في هذه الصفات التي ينسبها الكتاب المقدس الى الله ومسيحيه، الا وهي الصلابة التي تدوم والأمانة التي لا تتزعزع. وهذا ما يُبين مركزه الفريد. ولا يرجع اختيار بطرس الى شخصيته، إنما على الرسالة التي عهد المسيح إليه بها، والتي تمَّمها في الأمانة والحب (يوحنا 21: 15-17).
بالإضافة الى ذلك، قد سلّم يسوع الى بطرس المفاتيح، “سأُعطيكَ مَفاتيحَ مَلَكوتِ السَّمَوات. فما رَبَطتَهُ في الأَرضِ رُبِطَ في السَّمَوات. وما حَلَلتَه في الأَرضِ حُلَّ في السَّمَوات” (متى 16: 19)، جعل يسوع من بطرس رئيساً على الكنيسة على ما ورد في نبوءة اشعيا ” وأَجعَلُ مِفْتاحَ بَيتِ داُودَ على كَتِفِه يَفتَحُ فلا يُغلِقُ أَحَد ويُغلِقُ فلا يَفتَحُ أَحَد” (اشعيا 22: 22) وسلمه ذلك السلطان الذي تولاه بحسب ما ورد في رؤية يوحنا ” ما يَقولُ القُدُّوسُ الحَقّ، مَن عِندَه مِفْتاحُ داوُد، مَن يَفتَحُ فلا أَحَدَ يُغلِق، ويُغلِقُ فلا أَحَدَ يَفتَح” (رؤية 3: 7). والواقع إن عبارة “الربط والحل” تعبر في مفهوم الربانيين عن السلطة، إمَّا لوضع القوانين، وأما الفصل عن الجماعة والاعادة اليها عن طريق الإدانة والمعفرة. وعليه فان سلطان المفاتيح الذي سُلم الى بطرس، لا بل الى مجمل الجماعة أيضا (متى 18: 18)، هو سلطان روحي. وهو يستمد أهميته من الله هو الذي يصادق عليه.
وأخيرا، أن إعلان يسوع “أَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي” يؤكد دور بطرس الذي لعبه في الايام الاولى للكنيسة (متى 4/18، 17/1) وتستند الكنيسة الكاثوليكية الى هذا النص وتبني عليه تعليمها القائل بأن بطرس هو رئيس الكنيسة وان خلفاءه الباباوات يرثون رئاسته. ويكفي شهادات آباء الكنيسة. فقد سمى القديس اغناطيوس الانطاكي وتلميذ الرسل، كنيسة روما “الكنيسة التي ترأس جماعة المسيحية كلها”. وشهد القديس اريناوس، أسقف ليون في فرنسا، لكنيسة روما بقوله: “الى هذه الكنيسة يجب أن ترجع كل الكنائس بسبب سيادتها العليا ولأن تقليد الرسل حُفِظَ فيها”. اضافة الى أن ترتليانس الافريقي ظلَ يسمي أسقف روما “الحبر الاعظم” و”أسقف الاساقفة”. أما القديس كبريانس الافريقي فقد كان يسمي كنيسة روما “الكنيسة الرئيسية التي هي مصدر الاتحاد الكهنوتي”. أما القديس أوغسطينوس العلامة الافريقي فقد كان يقول ” روما تكلمت فقضي الأمر”. وحيث بطرس هناك الكنيسة. ويقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني “إنّ أسقف روما هو أسقف الكنيسة التي لا تزال موسومةً بشهادتيّ بطرس وبولس”.
وعليه فإن الأولوية والسلطان الأعظم هما للحبر الروماني”. فعلى بطرس وحده قد بنى السيّد المسيح كنيسته وإليه عهد برعاية خرافه، وإن يكن فوض بعد قيامته للرسل سلطاناً مثل الذي أعطاه لبطرس. ويكفل بطرس التوصل بين يسوع كما عاش على الأرض، والجماعة الكنسية التي أمن يسوع استمراريتها حتى قبل موته، صار بطرس وكيلا ونائبا عن المسيح على الكنيسة، فكان له سلطان شرعي لا ينفصل عن سلطان الاثني عشر (متى 18: 18)، لكن يفوقهم كافة.
وأما التقليد الارثوذكسي فيعتقد بان جميع الاساقفة المعترفين بالإيمان القويم هم خلفاء بطرس وخلفاء الرسل كما جاء في تعليم بولس الرسل “بُنيتُم على أَساسِ الرُّسُلِ والأَنبِياء، وحَجَرُ الزَّاوِيَةِ هو المسيحُ يسوعُ نَفْسُه” (أفسس 2: 20 4). اما مفسرو الاصلاح فلا ينكرون ما كان لبطرس من مكانة ودور مميّز في نشأة الكنيسة، لكنهم يرون ان يسوع لا يستهدف هنا الاّ شخص بطرس. وماذا ينتظر منا يسوع اليوم؟ يريد يسوع الايمان به والوحدة بيننا. يسوع هو ربنا ومسيحنا مقتدين بإيمان بطرس وحياته وآلامه واعترافه بالمسيح ربا والها.
الخلاصة
شهد بطرس بلاهوت المسيح ويسوع منحه مهمة رئيس كنيسته. لقد اقام المسيح بطرس صخرا أساسا لجماعته، كما ورد في نبوءة اشعيا ” إِسمَعوا لي أَيُّها المُتَّبِعونَ لِلبِرّ المُلتَمِسونَ لِلرَّبّ أُنظُروا إِلى الصَّخرِ الَّذي نُحِتُّم مِنه وإِلى المَقلعَ الَّذي آقتُلِعتُم مِنه” (اشعيا 51: 1) وكلفه برسالة ينبغي ان يفيد منها جميع الشعب.
والكنيسة المقامة على بطرس تضمن الانتصار على قوى الشر، التي هي سلطات الموت. وهكذا عهد الى بطرس، الذي اعترف بان يسوع هو ابن الله الحي رسالة تجميع بني لبشر في جماعة تمنح لها المساعدة والحياة الابدية. ولا بد لبطرس ان يكون حاضرا على الدوام من خلال خليفته من اجل توصيل حياة المسيح الى المؤمنين دون توقف. الكنيسة تعتمد على إيمان بطرس الذي يقوم بمهمة رئيسية في الكنيسة،
دعاء
أيها الاب القدوس، يا من اوحيت الى بطرس ان يعترف أبنك يسوع انه ” المسيح ابن الله الحي” فنال سلطة الرئاسة في الكنيسة، هبنا نعمة الايمان ان نعيش في حضن الكنيسة في الوحدة مع يسوع المسيح من خلال البابا فرنسيس خليفة القديس بطرس فلا تقوى علينا قوى الشر بل نبق في الأمان والسلام. آمين.