Liturgical Logo

أين نحن من حكمة المسيح؟ (حكمة 6: 13-17، متّى 25: 1-13)

الأب بيتر مدروس

سِفر الحكمة ليس من الأسفار “الزائدة” ولا “الأبوكريفا” بل من “الأسفار المحذوفة” كما يقول إخواننا الأقباط الأرثوذكس ايضًا. كان مع كتابات مقدّسة أخرى منها طوبيّا ويهوديت ويشوع بن سيراخ والمكابيين ونبوّة باروخ (ورسالة إرميا). حذفها اليهود في مجمع “يبنيه” سنة 90 م نكاية بالمسيحيين لئلاّ يكون بينهم وبين اليهود نفس الكتاب المقدّس في العهد القديم، وبذريعة كتابتها باليونانيّة بدل “لشون هقودش” أي “اللسان المقدّس” العبري – الآراميّ. وحذى حذو اليهود سنة 1520 م المحتجّ أندرياس بودشتاين المعروف باسم مدينته “كارلشتاد” – وأحسبه يهوديّ الأصل-في مؤلّفه باللاتينية: “في قانون الكتب المقدّسة” De canone Sacrarum Scripturarum. أمّا مارتين لوثير فما جسر أن يحذفها بل وضعها كملحق. وهذا ما تفعله اليوم “الترجمات المسكونيّة للكتاب المقدّس”.
على أيّ حال ، بصرف النظر عن هذه التفاصيل التاريخيّة عظيمة الشأن – التي تُفهم المسيحيين الفرق وأسبابه أو ذرائعه – يجد المرء في سِفر الحكمة روحانيّة وسموًّا أرفع من سِفر الأمثال – ويكاد المرء لا يحتاج إلى التلميح إلى “نشيد الاناشيد” الذي أوشك اليهود – في مجمع يبنيه نفسه – أن يلغوه لولا تدخّل “رابي عقيبا”.

الحكمة تجمع بين الحزم والرفق، بين وضوح الأفكار والاحترام للبشر، هي “شعاع من سناء العليّ” – هي رمز المسيح الكلمة الحكمة الذي “هو صورة جوهر الله” (عبرانيين 1: 2 وتابع).

البحث عن الحكمة (حك 6 : 13-17)
تعوّدنا منذ خمسة عقود على الأقلّ أن نسمع كلمة واحدة وفكرة واحدة “المحبّة”. صحيح أنّ “الله محبّة” ولكنّه تعالى أيضًا هو “الحقّ”. وبخلاف تعاليم المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، ساد الخلط بين احترام البشر والموافقة على كلّ مبادئهم ومذاهبهم وطوائفهم. وتعمّق “غباش الأفكار” والشّطّ عن العقيدة ، لا لشيء سوى “لاحترام كرامة الإنسان وإكبار الحرّيّة”. وقاد مسيحيين – لا المسلمين !- هذا “التسامحُ و “الانفتاحُ” إلى المطالبة بالاعتراف ب”زواج المثليين” وطلب المناولة للذين لا يعيشون في إطار الزواج المقدّس!

صحيح أيضًا أنّ الحكمة القصوى في بلادنا كان توصّلنا إلى العيش – حتّى السنوات الأخيرة- بوئام وانسجام مع مواطنينا من الديانات الأخرى، على ما قاسيناه من ظلم وتمييز وتهميش أحيانًا . وتأرجح مسيحيّونا بين العناد والمرونة، مميّزين بين الناس والأديان، مستشهدين بالنصوص غير المسيحيّة ،مكرمين لكلّ من حمانا واحترمنا ، منتقدين بلطف من جار علينا. وحقّقنا حضارات وبنينا بلادًا … إلى أن عصفت رياح “التطرّف” وأتت “من تحت الأرض” جماعات لا نعرف في الواقع مصدرها ولا مموّليها، ينسبونها تارةً إلى قوى غربيّة استعماريّة خصوصًا من أمريكا، وطورًا إلى تيّارات متشدّدة من الشرق… وعكّرت الحروب الأهليّة صفاء دول وشعوب ما كانت حياتنا فيها أو معها “شهر عسل” ولكن كان بإمكاننا العيش الكريم…

أين حكمتنا مع جسيم تضحياتنا ؟
من يضحّي مثلنا نحن المسيحيين، وبصراحة: نحن الإكليروس والراهبات؟ ربّما يسبقنا في التضحية حتّى الموت فقط معشر “الاستشهاديين” أو “الانتحاريين” ، ولكن ذلك التصرّف مخالف لعقليّة الرب يسوع – ولا يتطفّل المرء هنا على العالم الإسلاميّ لتفسير الظاهرة. ومع جزيل تضحياتنا في البتوليّة والفقر والطاعة ومع سعة علومنا، لا نحصل على الثمار الروحانيّة والأخلاقيّة من رعايانا ومدارسنا ومؤسّساتنا إلاّ قليلاً. وغيرنا لا يضحّي بشيء وعنده نصف ربع معلوماتنا و”مع ذلك يقصدهم شعبنا” أو نفر منه غير قليل! وأحيانًا يسكن بشر في إسكاناتنا، ويعلّمون أو يعملون في مدارسنا ومؤسساتنا – التي نحافظ عليها بالدمع والدم – ويذهبون إلى طوائف معادية للكنيسة لا تخلو من صهيونيّة! فأين عيوننا؟ ألسنا في بعض الأحيان بل غالبًا (!)، كما قال أحد الأدباء، “كَرْمًا نامت نواطيره؟”

أين حكمة عائلاتنا المسيحيّة في مصاريفها، خصوصًا في أفراحها وأحزانها، وطريقة عيشها ؟ ينفق كثيرون منّا على النوافل، وعند الضروريّات يشكون الفاقة، مثل الابن الضالّ المبذّر الذي “أنفق مال والده طيشًا”! نجد أو نقترض أموالاً في سبيل حفلات تخريج، ولا قرش أبيض عندنا لدفع الأقساط المدرسيّة طول السنة الأكاديميّة!
أين حكمتنا في تربية بناتنا ؟ وكيف “يفعط” أي “يطير” عدد منهنّ طيران الريشة في مهبّ الرّيح، بمجرّد ما فتحن لهنّ “حسابًا” على الفيسبوك، أو صدفت أحداهنّ شابًّا غير مسيحيّ “خدعها بقوله: حسناء!”

خاتمة
مَثَل العذارى الحكيمات درس لنا في العذريّة أي العفّة والفطنة، فلا عفّة من غير حكمة، ولا حكمة من غير طهارة. وكما قال سِفر الأمثال: “أنا الحكمة أساكن الدهاء” (8: 23)، لا الغباوة ولا البلاهة. وأمرنا السيّد له المجد: “كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام!” (متّى 10: 16).