إحياء لعازر في قرية العازرية
الأب لويس حزبون
يُسلط انجيل الاحد الخامس للصوم الاضواء على إحياء لعازر من القبر لإظهار مجد الله في يسوع المسيح ابنه وسلطانه على الموت مبيّنا انه “القيامة والحياة” (يوحنا 11: 1-45). فمن يؤمن بيسوع المسيح ينتقل هو أيضا من الموت الى الحياة؛ ويعلق القديس اوغسطينوس ” بين كل العجائب التي صنعها الرب يسوع المسيح احتلت إقامته لعازر من الموت المقام الأول في كرازة الانجيل، ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 11: 1-45)
1وكانَ رَجُلٌ مَريضٌ وهو لَعازَر مِن بَيتَ عَنيْا، مِن قَريَةِ مَريَمَ وأُختِها مَرْتا.
تشير عبارة “كانَ رَجُلٌ مَريضٌ” الى بداية الرواية بشكل مفاجئ؛ اما عبارة ” لَعازَر ” Λάζαρος -وهو مختصر للاسم العبري אֶלְעָזָר أليعازر ومعناه “الله يعين”-فتشير الى الشخص الذي كان يُحبه يسوع (يوحنا 11: 3، 5)، واسم لعازر كان شائعا في القرن الأول، وقد ورد في مَثل الغني ولَعازر (لوقا 16: 19-31)، وكان يسكن في بيت عنيا مع اختيه مريم ومرتا، والمسيح شهد عنه شهادة حسنة ولقد حضر لعازر العشاء الذي أقامه سمعان الابرص في بيت عنيا إكراما للمسيح ستة أيام قبل الفصح (متى 26: 6). وكان من نصيبه ان يقيمه من الأموات بأعجوبة (يوحنا 11: 1-44). ويروي التقليد أن لعازر هرب إلى جزيرة قبرص، وهناك مات مرة أخرى بعد ثلاثين سنة بعد وفاته الأولى، ودفن في لارنكا في قبرص. اما عبارة “بَيتَ عَنيْا” اسم آرامي עַנְיָה معناه “بيت البؤس أو العناء”فتشير الى قرية تقع على المنحدر الشرقي لجبل الزيتون، على بعد نحو ثلاثة كم شرقي يفصلها عن القدس جدار وهي على الطريق المؤدية الى اريحا (متى 21: 17)، والمعروفة اليوم بـ “العازرية” نسبة الى لعازر الذي أقامه يسوع من بين الاموات (يوحنا 11)، وهي غير بيت عنيا الواقعة على الضفة الشرقية لنهر الأردن (يوحنا 1: 28). كان يسوع يتردد اليها مراراً، ولا سيما في ايامه الأخيرة(يوحنا 12: 1)؛ أمّا عبارة “مريم” فهو اسم عبري מִרְיָם ومعناه عصيان وبحسب أصول سريانية معناه الملكة أو السلطانة أو السيدة، يشير الاسم هنا الى اخت لعازر وتلميذة المسيح التي جلست عند قدميه (يوحنا 10: 39)، “واختارت النَّصيبَ الأّفضَل، ولَن يُنزَعَ مِنها ” (لوقا 10: 41)، وهي التي “دهَنَت قَدَمَي يسوع ثُمَّ مَسَحَتْهما بِشَعرِها “(يوحنا 12: 1-3)، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “مريم هذه ليست التي كانت زانية المذكورة في انجيل لوقا (لوقا 7: 37-50)، أما هذه فكانت شريفة ثابتة في الفضيلة، اجتهدت في ضيافة السيد المسيح؛ وأما عبارة “مَرْتا” كلمة آرامية מַרְתָא ومعناها “ربة” فتشير الى الأخت الكبرى لمريم اخت لعازر، وهي ربة البيت، وكانت ذات حركة، ومع ذلك كانت أمينة وقد أحبها يسوع وكانت توجه أفكارها الى الامور الروحية والايمان بمخلصها (يوحنا 11: 21-32).
2ومَريَمُ هيَ الَّتي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِالطِّيب ومسَحَت قَدَمَيهِ بِشَعرِها. وكانَ المَريضُ أَخاها لَعازَر.3فأَرسَلَت أُختاهُ تقولانِ لِيَسوع: ((يا ربّ، إِنَّ الَّذي تُحِبُّه مَريض)).
تشير عبارة “مَريَمُ هيَ الَّتي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِالطِّيب ومسَحَت قَدَمَيهِ بِشَعرِها ” الى حادثة معروفة عند القُراء (متى 26: 6-13 ومرقس 14: 39 ولوقا 7: 36-50). اما عبارة “فأَرسَلَت أُختاهُ تقولانِ لِيَسوع” فتشير الى سعي مريم ومرتا الى الرب يسوع لطلب المعونة عندما مرض اخوهما مرضا شديداً وقد آمنتا بقدرته على شفائه لانهما عاينتا معجزاته؛ اما عبارة ” يا ربّ، إِنَّ الَّذي تُحِبُّه مَريض ” فتشير الى قوة العلاقات ومودتها بين لعازر وبين السيد المسيح والى ذكر المشكلة ليسوع دون ذكر الحل، وهي عبارة عن صلاة الاختين التي تذكرنا بصلاة مريم العذراء في قانا الجليل “لَيسَ عِندَهم خَمْر” (يوحنا 2: 3)، وهي صلاة ملؤها الثقة والمحبة والرصانة. ولم تطلب الأختان مجيئه إليهما، لكيلا يضعاه في خطورة على حياته، إنما اكتفتا بإبلاغه بأمر مرضه، وكانتا متأكدتين أنه حتماً سيفعل شيئًا. وتشير هذه العبارة أيضا الى واحدة من الملامح الإنسانية ليسوع، وهي محبة يسوع وصداقته مع لعازر (يوحنا 5: 11، 36). ويعلق القديس اوغسطينوس “يسوع ليس بالذي يحب وينسى”.
4فلمَّا سمِعَ يسوع قال: ((هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله)).
تشير عبارة “هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت” الى ان هذه المرض ليس للموت النهائي عن هذه الحياة أو نهايته الموت فلعازر سيقوم كما حدث، وإنما لموتٍ مؤقتٍ سُمح به لأجل مجد الله خلال إقامته من بين الأموات. فلن تكون الكلمة الأخيرة للموت، بل مناسبة لإظهار اندحار الموت وحضور الله وقدرته الساطعة وتجلَّى ابن الله (يوحنا 2: 11)، لان إقامة لعازر من الموت، سيكون السبب للحكم على يسوع بالموت (يوحنا 11: 45-54) الذي يقوده الى المجد على الصليب وبالصليب. ان الله قادر على ان يُخرج الخير من أي موقف. اما عبارة ” لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله” فتشير الى ان الموت لم يعَد نهاية، بل مرحلة تؤدي في آخر الامر الى القيامة، وبالتالي الى تجلّي مجد الله العظيم، وهو مجد المسيح أيضا (يوحنا 1: 14). أن المسيح يربط بين الله وبينه وما يمجد الله يمجده هو فهما واحد؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “انظروا كيف ذكر أن ليسوع ولأبيه أيضًا المجد الواحد، لأنه إذ قال: “لأجل مجد الله”، قال بعد ذلك ” لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله “. ان الله سيظهر مجده بواسطة المسيح، وألاب سيتمجّد به (يوحنا 13: 31) لان الآب يحُبُّ الابن (يوحنا 3: 35) وربط مجده بمجد ابنه (يوحنا 5: 23).
5وكانَ يسوعُ يُحِبُّ مَرْتا وأُختَها ولَعازَر، 6ومعَ ذلك فلمَّا سَمِعَ أَنَّه مريض، بَقِيَ في مَكانِه يَومَين.
تشير عبارة “كانَ يسوعُ يُحِبُّ مَرْتا وأُختَها ولَعازَر” الى “واحد مريض واثنتان في حزن، والكل محبوبون. لكن ذاك الذي أحبهم هو منقذ المرضى، بل بالأكثر هو مقيم الموتى، وهو معزي الحزانى” كما يعلق القديس اوغسطينوس. اما عبارة ” بَقِيَ في مَكانِه يَومَين ” فتشير الى تأخر يسوع لا ليمتحن إيمان مريم ومرتا بل لتنمو إرادة الله. وهذا الامر يدل على ان تحركات يسوع لا يُمليها عليه البشر، بل الآب السماوي. إن التوقيت الذي يختاره الله قد يجعلنا نظن انه لا يستجيب لنا، الا انه يسد كل احتياجاتنا حسب توقيته الزمني. إنه يعرف اللحظة المناسبة لكل عملٍ كما فعل في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 4). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” لماذا بَقِيَ في مَكانِه يَومَين؟ حتى يخرج النفس الأخير ويُدفن، فلا يقول أحدٌ أنه لم يكن ميتًا بل كان غارقًا في نومٍ عميق، أو أنه كان قد غشى عليه ولم يكن موتًا. لهذا السبب مكث يومين حتى يحدث الفساد، وتقولا مريم ومرتا: “قد أنتن”.
7ثُمَّ قالَ لِلتَّلاميذِ بَعدَ ذلِك: ((لِنَعُدْ إِلى اليَهودِيَّة)). 8فقالَ له تَلاميذُه: ((رابِّي، قَبلَ قليلٍ حاوَلَ اليَهودُ أَن يَرجُموكَ، أَفَتعودُ إِلى هُناك؟)).
تشير عبارة ” لِنَعُدْ إِلى اليَهودِيَّة ” الى إعلان يسوع لتلاميذه مقدمًا إلى أين هو ذاهب مع أنه لم يفعل ذلك في أي موضع آخر، وذلك كي يُحذِّرهم مقدمًا حتى لا يضطربوا أمام عنصر المفاجأة في آلامه وموته. وهنا يدل على خطر الموت الذي يواجهه يسوع بتمام الوعي والحرية (يوحنا 10: 18). اما عبارة “رابِّي” بالعبرية רַבֵּנוּ فتشير الى أعلى مراتب العلم والأستاذية ويعني العَالِم أو العلامة، اما عبارة “اليَهودُ” فتشير التي ترد 17 مرة في انجيل يوحنا فتشير الى رؤساء اليهود الذين كنّوا العداوة ليسوع (يوحنا 8: 48) ولا يريدوا ان يفهموه؛ اما عبارة ” يَرجُموكَ” الى نوع من أنواع العقاب الشديد التي فرضها الناموس (الاحبار 20: 2) وكان الرجم يتم خارج المدينة (الاحبار 24: 14). ويقول التقليد اليهودي ان المجرم كان يجرد من كل ملابسه الا ما يستر عورته ثم يطرحه أول شاهد الى الارض من ارتفاع عن الأرض بنحو (3) أمتار. اما الشاهد الثاني فكان يرجمه بالحجر الأول على صدره فوق القلب، فاذا لم يمت أكمل الواقفون عملية الرجم. والذين كان يحكم عليهم بالرجم هم المجرمون وعبدة الاصنام ومدنِّسو السبت ومرتكبو الزنى والمتمردون من البنين (الاحبار 20). وقد حاول اليهود ان يرجموا يسوع أكثر من مرة (يوحنا 8: 59، و10: 31و 11: 8). وهنا حاول اليهود الذين رفضوا يسوع ان يرجموه منذ أسابيع قليلة في الهيكل في عيد التجديد هيكل وتطهيره (يوحنا 10: 31)؛ كان فمجرد التفكير بالرجوع الى اليهودية يشوِّش التلاميذ، وكأن يسوع يسير نحو موته. ويعلق القديس أوغسطينوس “أراد التلاميذ بنصيحتهم أن يحفظوا الرب من الموت، ذاك الذي جاء ليموت ليخلصهم من الموت”.
9أَجابَ يسوع: ((أَلَيسَ النَّهارُ اثنَتَي عَشْرَةَ ساعَة؟ فمَن سارَ في النَّهار لا يَعثُر، لأَنَّه يَرى نورَ هذا العالَم.
تشير عبارة ” النَّهارُ اثنَتَي عَشْرَةَ ساعَة ” الى يوم العمل الممتد من طلوع الشمس الى غروبها، وهو يحتوي على اثنتي عشرة ساعة، وذلك بحسب تقسيم اليهود للنهار. فعلى الإنسان أن يعمل طالما كان هناك نهار؛ اما عبارة “النهار” فتشير الى وقت العمل والحركة وقد شبَّه يسوع حياة الانسان مسيرة يوم. وعلى يسوع ان يواصل تحقيق رسالته حتى الأجل الذي حدّده الآب، حتى ساعة الليل او ساعة الظلمات كما صرّح يسوع لتلاميذه ” إِصعَدوا أَنتُم إِلى العيد، فأَنا لا أَصعَدُ إِلى هذا العيد، لِأَنَّ وَقْتي لم يَحِنْ بَعْد” (يوحنا 7: 8). يقرر يسوع مبدا عاما وهو تتميم مخطط الله، إن لديه مهمة لينجزها وزمنها ليتممها (يوحنا 9: 4). فقد أعطانا الله ساعات النهار كفرصٍ ثمينةٍ للعمل. اما عبارة ” لأَنَّه يَرى نورَ هذا العالَم” فتشير الى ان يسوع أتى البشر بالنور الذي يُمكّنهم بالسير بأمان ” أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة”(يوحنا 8: 12). فمن يسير في نور المسيح أي بحسب وصاياه فهو لن يعثر. يسوع نور حياتنا يُنير كل خطواتنا (يوحنا 35:12) ولذلك علينا ألاَّ نخاف من العثرات طالما نوره فينا وينير بصيرتنا الداخلية. طريقنا مملوء بالعثرات، من يسلك في النور لن يعثر، أما من يبقى في الظلمة ويسير في الليل أي ليس بحسب مشيئة الله فيعثر.
10ومَن سارَ في اللَّيلِ يَعثُر: لأَنَّ النُّورَ لَيسَ فيه)).
تشير عبارة ” اللَّيلِ” الى الظلمات التي تضع حداً لعمل الله وهي ليلة آلامه (يوحنا 7: 8، 13: 30)، كما حدث مع يهوذا الإسخريوطي الذي أغلق قلبه أمام عمل الله ودعوته فدخل في الليل، وكان مصيره الهلاك كما يصفه يوحنا الإنجيلي “خرَجَ مِن وَقتِه، وكانَ قد أَظلَمَ اللَّيل” (يوحنا 13: 30)؛ اما عبارة “يَعثُر” فتشير الى من يسلك وراء شهواته فإنه يسلك في طريق خطر ونهايته الموت. اننا لا نستطيع ان نسير بدون نور يسوع في ليل هذا العالم دون ان نعثر. وفي أي حال لا يعرف النور الحقيقي الا أبناء النور (يوحنا 3: 19-21). فيسوع يقصد ان ساعته لم تأتِ بعد، لذلك يستطيع ان يذهب لرؤية عازر: ومتى جاء الليل، ساعة الظلمة يصبح الخطر فعلياً.
11وقالَ لَهم: بَعدَ ذلك: ((إِنَّ صَديقَنا لَعازَرَ راقِد، ولَكِنِّي ذاهِبٌ لأُوقِظَه)).
تشير عبارة “صَديقَنا” في اليونانية φίλος أي حبيبنا ولم يقل “حبيبي”، الى أنّ دخولنا في عهد مع الله يجعلنا أحباء ليس فقط له، بل ولكل تلاميذه، وعلاقة المحبة ما زالت قائمة بينه وبين المسيح وبين التلاميذ أيضاً حتى بعد الموت. اما عبارة ” راقِد” κεκοίμηται فتشير الى النوم الطويل كما ورد في القرآن ” وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ” (سورة الكهف 18). بدّل يسوع مفهوم الموت الى رقاد، فهو يُعدّ الموت رقاد النوم، وبالتالي الى الانتقال الى يقظة القيامة كما جاء في مفهوم بولس الرسول “تَنبَّهْ أَيُّها النَّائِم وقُم مِن بَينِ الأَمْوات يُضِئْ لَك المسيح” (أفسس 5: 14). وبهذا يُقدِّم يسوع المسيح مفهوما جديدا للموت. لقد دعا الموت رقاداً، فصار الموت شبيها للنوم في الليل، ونقوم بعده الى الحياة في النهار كما قال يسوع الى والد أحد الوجهاء الذي طلب من شفاء ابنته “الصَّبِيَّةُ لم تَمُت، وإِنَّما هِيَ نائِمَةَ” (متى 9: 24). ويعلق القديس ايرونيموس “الحقيقة لا يُقال عن القديسين أنهم أموات بل يُقال عنهم أنهم راقدون “.
12فقالَ له تَلاميذُه: ((يا ربّ، إِذا كانَ راقداً فسَيَنْجو)).13وكانَ يسوعُ يَتَكلَّمُ على مَوتِه، فظَنُّوا أَنَّهُ يَتَكلَّمُ على رُقادِ النَّوم.
تشير عبارة ” يا ربّ، إِذا كانَ راقداً فسَيَنْجو ” الى سوء فهم التلاميذ للرقاد نوما، والمسيح كان يعنى بالرقاد موتا. ان هذا النوع من سوء التفاهم هو من ميزات الانجيل الرابع (يوحنا 2: 20، 4: 15، 6: 27، 7: 33-36).
14فقالَ لهُم يسوعُ عِندَئِذٍ صَراحَةً: ((قد ماتَ لَعاَزر، 15ويَسُرُّني، مِن أَجْلِكُم كي تُؤمِنوا، أَنِّي لم أَكُنْ هُناك. فَلْنَمْضِ إِلَيه! ))
تشير عبارة ” ماتَ لَعاَزر ” الى تبديل يسوع الكلمة الأولى “راقد” بكلمة “مات”، لان تلاميذه لم يفهموا قصده؛ اما عبارة “يَسُرُّني” فتشير الى فرح المسيح ليس لأن لعازر قد مات، لكن لأن التلاميذ سيرون سلطانه على الموت فيُثبِّت بالمعجزة إيمانهم ولا يتشككون من أحداث الصليب. وهكذا كشف يسوع الهدف من تأخره على نداء مرتا ومريم. كان من الضروري ان يموت عازر لكي يظهر سلطان يسوع على الموت لتلاميذه وللآخرين.
16فقالَ توما الَّذي يُقالُ لَه التَّوأَمُ لِسائِرِ التَّلاميذ: فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه! )).
تشير عبارة ” توما ” وهو اسم آرامي תּוֹמָא ومعناه التوأم الى التلميذ المذكور في لوائح الاثني عشر، (يوحنا 21: 2)، والذي يقوم بدور على جانب من الأهمية في انجيل يوحنا، فهو الذي قال للرب في كلمة وداع يسوع “يا ربّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟ ” (يوحنا 14: 5)، وهو الذي شكَّ ولم يؤمن قبل ان يرى ويتحقَّق كما صرّح لزملائه التلاميذ “إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن ” (يوحنا 20: 25)، وهو أيضا أحد التلاميذ السبع الذين تراءى لهم يسوع بعد قيامته على شاطئ بحيرة طبرية (يوحنا 21: 2)، واما هنا نراه مستعداً للذهاب مع المسيح حتى الموت. اما عبارة ” لِنَموتَ معَه “فتشير الى مشاطرة التلاميذ مصير يسوع والموت معه تلبية لتعليمه “مَن أَحَبَّ حياتَهُ فقَدَها ومَن رَغِبَ عنها في هذا العالَم حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة” (يوحنا 12: 25). على التلميذ ان يوحّد حياته ويوجّهها، بالنظر الى الحياة الجديدة التي يكشفها له المعلم. اما عبارة ” فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه!” فتشير الى حب توما وغيرته ووفائه لسيده يسوع! اعتقد توما ان رحيلهم الى اليهودية سيعني الموت لهم جميعاً، وحثّ الآخرين على مرافقة يسوع لكي يموتوا معه. التلاميذ كانوا يعلمون أن الذهاب إلى أورشليم فيه خطورة على حياة المسيح وتلاميذه، فاتخذت الرحلة من عبر الأردن الى بيت عنيا طابع مسيرة الى الموت.
17فلَمَّا وَصَلَ يسوع وَجَدَ أَنَّهُ في القَبرِ مَنذُ أَربَعةِ أَيَّام.
تشير عبارة ” أَربَعةِ أَيَّام ” الى وجود عازر في القبر منذ أربعة أيام، إذ ان الدفن يتمُّ يوم الوفاة بالذات كما صرّحت مرتا ليسوع “لقَد أَنتَن، فهذا يَومُه الرَّابع ” (يوحنا 11: 39) وكما حدث في دفن حننيا وسفيرة زوجته (اعمال الرسل 5: 6، 10). أما عبارة ” مَنذُ أَربَعةِ أَيَّام” فتشير الى المدة من معرفة يسوع في خبر موت لعازر حتى مجيئه الى بيت عنيا. أذ كان يسوع في عبر الأردن (يوحنا و10: 40) وتبعد المسافة من عبر الأردن إلى بيت عنيا حوالي يوم. وعليه هناك يوم لسفر للمرسل من بيت عنيا إلى عبر الأردن وإضافة الى يومين مكث فيها المسيح في عبر الأردن، واضافة الى يوم سفر الرجوع إلى بيت عنيا. ويعلق القديس اوغسطينوس ” هناك اعتقاد لدى اليهود أن النفس تحوم حول الجسد بعد الموت لمدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع تفارقه بلا أمل قط للعودة إلى الجثمان”.
18وبَيتَ عَنيا قَريبَةٌ مِن أُورَشَليم، على نَحوِ خَمسَ عَشْرَةَ غَلَوة،
تشير عبارة “بَيتَ عَنيا قَريبَةٌ مِن أُورَشَليم ” الى معرفة يوحنا الإنجيلي الأماكن في القدس؛ اما عبارة ” خَمسَ عَشْرَةَ غَلَوة ” فتشير الى مسافة نحو 3كم حيث ان الغلوة مقياس يوناني الأصل σταδίων، ويبلغ 184 مترا او 145 خطوة. والغلوة عند العرب رمية سهم أبعد ما يقدر عليه (274-365 متر)، وجمعه “غلوات” أو “غلاء”. واستعمل الكتاب المقدس الغلوة في تقدير القياسات في أربع مناسبات: فقد رأى التلاميذ يسوع في بحيرة طبرية، وهو يسير إليهم في الماء، على بعد ثلاثين غلوة (نحو 6 كم) (يوحنا 6: 19)؛ وكانت عمواس تبعد عن القدس مسافة ستين غلوة (نحو 12 كم) (لوقا 24: 13) وخرج الدم من المعصرة في رؤيا يوحنا، إلى مسافة ألف وستمئة غلوة (نحو 320 كم) (رؤيا 14: 20).
19فكانَ كثيرٌ مِنَ اليَهودِ قد جاؤوا إِلى مَرْتا ومَريَم يُعَزُّونَهما عن أَخيهِما.
تشير عبارة “يُعَزُّونَهم” الى تعزية كبيرة تمتدّ على ثلاثة أيام، وتعزية أخرى تمتد على ثلاثين يوما. إذ كان الحزن عند اليهود يستمر لمدة حوالي شهر، يدعون الثلاثة أيام الأولى “أيام الحزن”، يليها سبعة أيام تُدعى “أيام المراثي”. وفي فترة الحزن لا يعمل أهل الميت شيئًا، وإن حياهم أحد فلا يردون السلام عليه. أما في أيام المراثي فلا يمارسون أعمالًا إلاَّ ما هو خاص: ينامون في فراش على الأرض، ولا يرتدون نعالهم، ولا يغتسلون أو يدهنون أنفسهم، يغطون رؤوسهم ولا يقرأون في الشريعة أو المشنأ أو التلمود، وفي بقية الثلاثين يومًا لا يحلقون شعرهم ولا يرتدون ثوبًا أبيضا أو ثوبًا جديدًا، ولا يخيطون أي تمزيق يحدث في الثياب أثناء الجنازة.
20فلَمَّا سَمِعَت مَرتا بِقُدومِ يسوع خَرجَت لاستِقبالِه، في حينِ أَنَّ مَريَمَ ظَلَّت جالِسَةً في البَيت.
تشير عبارة ” مَرتا …خَرجَت ” الى استقبالها للمسيح لأنها هي الأكبر سنًا وهي التي كانت تدير شؤون البيت (لوقا 10: 40). أما عبارة “مَريَمَ ظَلَّت جالِسَةً في البَيت” فتشير الى طبيعة مريم الهادئة وقد ظلت مع المُعزِّين في البيت. والجلوس يدل هنا على موقف استسلام، فمريم غير قادرة على فعل شيء تستسلم للوضع ويستولي عليها وخيبة الأمل بعكس اختها الحيوية النشيطة.
21فقالَت مَرْتا لِيَسوع: ((يا ربّ، لَو كُنتَ ههنا لَما ماتَ أَخي.
تشير عبارة ” لَو كُنتَ ههنا لَما ماتَ أَخي ” الى عتاب فيه مزيج من الايمان والرجاء؛ انها تؤمن بصداقة يسوع وبسلطانه على المرض، كان عندها إيمان ان يسوع كان قادرًا بحضوره أن يمنع الموت من أخيها، وإنه حتى الآن، عندها رجاء ان ليسوع القوة على أحياء لعازر من القبر. ولكننا نرى أن إيمان قائد المئة أقوى من إيمان مرتا، فهو قد آمن أن قدرة المسيح على الشفاء تتحدى المكان “يا رَبّ، لَستُ أَهْلاً لأَن تَدخُلَ تَحتَ سَقفِي، ولكِن يَكْفِي أَن تَقولَ كَلِمَةً فيَبرَأَ خادِمي ” (متى 8: 8). ويعلق القدّيس غريغوريوس النيصصيّ “لمّا كان يسوع الحياة غائبًا عن لعازر وشقيقتَيه، فعلَ الموت فِعله عبر المريض”.
22ولكِنِّي ما زِلتُ أَعلَمُ أَنَّ كُلَّ ما تَسأَلُ الله، فاللهُ يُعطيكَ إِيَّاه)). 23فقالَ لَها يسوع: ((سَيَقومُ أَخوكِ)).
تشير عبارة ” ما زِلتُ أَعلَمُ ” الى فعل إيمان أول من مرتا، وهو ان يسوع هو رجل الله، وما يطلبه من الله يُعطى له. وهكذا انفتحت قبل الأوان على ما يمكن ان يفعله الرب من أجل أخيها. أما عبارة “سَيَقومُ أَخوكِ” فتشير الى تأكيد يسوع لما يفعل، يكفي ان يقول لكي يتمّ فعلا ما قال.
24قالَت لَه مَرْتا: ((أَعلَمُ أَنَّه سيَقومُ في القِيامَةِ في اليَومِ الأَخير)).
تشير عبارة ” أَعلَمُ أَنَّه سيَقومُ في القِيامَةِ في اليَومِ الأَخير ” الى رجاء مرتا بالقيامة الأخيرة، وهذه العقيدة كانت منتشرة في البيئات اليهودية المتأثرة بالمذهب الفريسي (2مكابيين 7: 23). وقد جاءت الأسفار التي بعد السبي تفيض بالأحاديث عن القيامة (2 ملوك 7: 9؛ الحكمة 5: 1-7) ٦، ٧)، كما جاءت الكتابات اليهودية مثل يوسيفوس فلافيوس المؤرخ والترجوم تتحدث عنها. كان موضوع القيامة من الأموات قد استقر تمامًا في أذهان اليهود، ماعدا عند الصدوقيين الذين يرفضونه.
25فقالَ لَها يسوع: ((أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا
تشير عبارة ” أَنا القِيامةُ والحَياة ” الى ان القيامة لم تكن مجرد أمل بعيد، لكنها قوة حاضرة مجسّدة في يسوع، يسوع نفسه هو الحياة التي يحتاجها الانسان. لم يقل يسوع “أعِد” لكن قال “أنا هو”؛ يسوع ليس فقط الذي يأمر الموت، ويعطي الحياة، انه هو القيامة والحياة؛ والدخول في علاقة معه، هو الدخول مع الحياة بالذات. والاستماع اليه، والايمان به، هما منذ الآن، القيامة والحياة، إن للرب يسوع سلطانا على الحياة والموت لأنه خالق الحياة (يوحنا 14: 6). ولأنَّه “الحياة” ذاتها يقدر ان يُعيد الحياة ويُحيي الميت. كل من يتحد بالمسيح عن طريق الايمان والمعمودية والتوبة تكون له القيامة؛ اما عبارة ” مَن آمَنَ بي” فتشير الى ان يسوع يعطي الحياة للمؤمنين به بحيث لا يتغلب عليهم الموت كما يؤكده بولس الرسول “متَى لَبِسَ هذا الكائِنُ الفاسِدُ ما لَيسَ بِفاسِد، ولَبِسَ الخُلودَ هذا الكائِنُ الفاني، حينَئذٍ يَتِمُّ قَولُ الكِتاب: ((قدِ ابتَلَعَ النَّصْرُ المَوت، فأَينَ يا مَوتُ نَصْرُكَ؟ وأَينَ يا مَوتُ شَوكَتُكَ؟” (1 قورنتس 15: 54-57). اما عبارة “ماتَ” فتشير الى نهاية حياتنا، اما هنا فتدل على حياة انقطعت عن الله فغاب عنها الايمان؛ شدّد يوحنا الإنجيلي على إقامة لعازر كدليل ان يسوع هو الذي ينقلنا من الموت الى الحياة؛ اما عبارة ” وَإن ماتَ، فسَيَحْيا” فتشير الى ان يسوع له القدرة على النيل من الآب على إيصال البشر الذين يؤمنون به الى الحياة والقيامة الأخيرة (يوحنا 5: 26-29، 6: 39-40). اما الموت الذي يقصده يسوع هنا فهو الموت الجسدي أولا ثم الروحي. وهكذا يعلن يسوع نفسه مبدأ القيامة المقبلة للأجساد كما جاء في تعليم السيد المسيح “لا تَعجَبوا مِن هذا فتَأتي ساعةٌ فيها يَسمَعُ صوتَه جَميعُ الَّذينَ في القُبور” (يوحنا 5: 28)، ويعلن يسوع نفسه أيضا مبدا القيامة للحياة الأبدية ” مَن سَمِعَ كَلامي وآمَنَ بِمَن أَرسَلَني فلَه الحَياةَ الأَبَدِيَّة “(يوحنا 5: 24) والاّ فلا يُفهم معنى الآية ” مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا”. فمنذ الآن أصبح يسوع مبدأ الحياة التي لا تزول: فمن يؤمن به “ينتقل بفضل هذا الايمان مِنَ المَوتِ إِلى الحَياة” (يوحنا 5: 24) وينتصر على الموت ” لِتَكونَ بهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن”(يوحنا 3: 15). وهكذا فان قيامة الأجساد في اليوم الأخير ليست إلا إكمالا لإعطاء الحياة الأبدية التي توهب للمؤمنين منذ اليوم ” مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير “(يوحنا 6: 54). والحياة الأبدية التي يقصدها الرب هنا هي حياة المجد والفرح ورؤية الله وشركة المحبة مع القديسين.
26وكُلُّ مَن يَحْيا ويُؤمِنُ بي لن يَموتَ أَبَداً. أَتُؤمِنينَ بِهذا؟)).
تشير عبارة ” لن يَموتَ أَبَداً ” الى انه ليس للموت سلطان على المؤمن الذي حياته مستترة مع المسيح في الله كما جاء في تعليم بولس الرسول “قد مُتُّم وحَياتُكم مُحتَجِبةٌ معَ المسيحِ في الله. فإِذا ظَهَرَ المسيحُ الَّذي هو حَياتُكم، تَظَهَرونَ أَنتُم أَيضًا عِندَئِذٍ معَه في المَجْد” (قولسي 3: 3-4). سيبقى المؤمن حياّ بعد الموت بفضل هبة الحياة الأبدية التي هي له بالإيمان؛ اما عبارة ” أَتُؤمِنينَ بِهذا؟” فتشير الى سؤال يسوع طالبا إيمانا به الذي يتحدى الطبيعة والموت.
27قالَت له: ((نَعَم، يا ربّ، إِنِّي أَومِنُ بِأَنَّكَ المسيحُ ابنُ اللهِ الآتي إِلى العالَم)).
تشير عبارة “نَعَم، يا ربّ” الى إجابة مرتا في ثباتٍ وحزم بلا تردد على سؤال يسوع أنه ينبوع كل قيامة. اما عبارة “إِنِّي أَومِنُ بِأَنَّكَ المسيحُ ابنُ اللهِ الآتي إِلى العالَم ” فتشير الى اعلان أيمانها بيسوع بصفته المسيح المنتظر وبنوته الإلهية، واعترافها بانه مصدر كل قيامة؛ وهذا الإعلان هو ذات إعلان الإيمان الذي نطق به بطرس الرسول وامتدحه السيد المسيح (متى 16: 16-17). وبالرغم من ان مرتا اشتهرت بانشغالها الشديد (لوقا 10: 38-42)، الا أنَّها ذات إيمان عميق قوي؛ اما عبارة ” الآتي إِلى العالَم” فتشير الى نبي الأزمنة الأخيرة (يوحنا 1: 21) في حين ان اليهود يرون النبي الاتي هو الذي يرسله الله الى العالم ليتزعم حركة تحرير قومي ويقيم سلطان إسرائيل ” كانوا إِذًا مُجتَمِعين فسأَلوه: ((يا ربّ، أَفي هذا الزَّمَنِ تُعيدُ المُلْكَ إِلى إِسرائيل؟ ” (اعمال الرسل 1: 6).
28قالت ذلك ثُمَّ ذَهَبَت إِلى أُختِها مَريَمَ تَدعوها، فأَسَرَّت إِلَيها: ((المُعَلِّمُ ههُنا، وهو يَدعوكِ)).
تشير عبارة ” المُعَلِّمُ ” διδάσκαλος الى اللقب الذي كان معروفا به بين اهل المنزل. فمريم تلميذة ليسوع كما وصفها إنجيل لوقا “مَريم، جَلَسَت عِندَ قَدَمَي الرَّبِّ تَستَمِعُ إِلى كَلامِه” (لوقا 10 39). لا تقوم تعزيات يسوع المعلم على عواطف مجردة، وإنما مع الحب والحنو يقدم حقائق إيمانية فريدة؛ أما عبارة ” فأَسَرَّت إِلَيها ” دعت مرتا أختها مريم لتنال من مراحم الرب. وتتعزى بعيدًا عن صياح المعزين. فكل من يتعزى من المسيح يدعو الآخرين خاصة المتألمين لتعزية المسيح. اما عبارة “هو يَدعوكِ” فتشير الى ان يسوع يبحث عن مريم كما بحث الرب عن آدم في الجنة بعد الخطيئة. يدعو يسوع مريم لكي يهتم بها ويطلب سلامها ويقدّم تعزية لقلبها.
29وما إن سَمِعَت مَريَمُ ذلك حتَّى قامَت على عَجَلٍ وذَهَبَت إِلَيه. 30ولَم يَكُنْ يسوعُ قد وَصَلَ إِلى القَريَة، بل كانَ حَيثُ استَقَبَلَتهْ مَرْتا. 31فلَمَّا رأَى اليَهودُ الَّذينَ كانوا في البَيتِ مَعَ مَريمَ يُعزُّونَها أَنَّها قامَت على عَجَلٍ وخرَجَت، لَحِقوا بِها وهم يَظُنُّونَ أَنَّها ذاهِبَةٌ إِلى القَبرِ لِتَبكِيَ هُناك.
تشير عبارة ” قامَت على عَجَلٍ وذَهَبَت إِلَيه ” الى طبيعة مريم الانفعالية، أذ حيث أنها حالما تلقّنت النبأ، قامت مسرعة الى يسوع دليل محبتها الشديدة له. اما عبارة “اليَهودُ الَّذينَ كانوا في البَيتِ” فتشير الى ان مريم لم تأتِ وحدها، بل سحبت معها اليهود الذين كانوا معها في البيت؛ واما عبارة” يَظُنُّونَ أَنَّها ذاهِبَةٌ إِلى القَبرِ لِتَبكِيَ هُناك ” فتشير الى النظرة البشرية لدى اليهود. ظنّوا ان مريم ذاهبة الى القبر، الى حيث الموت. ولكنها ذهبت الى يسوع، الى حيث الحياة.
32فما إِن وَصَلَت مَريَمُ إِلى حَيثُ كانَ يسوع ورَأَته، حتَّى ارتَمَت على قَدَمَيه وقالَت له: ((يا ربّ، لو كُنتَ ههُنا لَما مات أَخي)).33فلَمَّا رآها يسوعُ تَبكي ويَبكي معَها اليَهودُ الَّذينَ رافَقوها، جاشَ صَدرُه وَاضطَرَبَت نَفْسُه
تشير عبارة ” لو كُنتَ ههُنا ” الى ترديد كلمات اختها مرتا”؛ واما عبارة ” ارتَمَت على قَدَمَيه” فتشير الى انسحاقها وتوسلها. اما عبارة ” تَبكي ” في اليونانية κλαίουσαν فتشير الى نحيب وعويل وبكاء بصوت مسموع للتعبير الظاهري عن الحزن؛ اما عبارة “جاشَ صَدرُه” باليونانية ἐνεβριμήσατο τῷ πνεύματι فتشير الى ارتعاش يسوع امام هذه الألم كما ارتعش أثناء العشاء الأخير لما تنبأ بخيانة يهوذا الإسخريوطي ” فقالَ يسوعُ هذا فاضطَرَبَت نَفْسُه (يوحنا 13: 21). ولكن بعض البحاثة يرونه في عبارة ” جاشَ صَدرُه” تذمر لتأثره واضطرابه العنيف أمام ذلك البكاء الذي هو في الواقع يعبّر عن العجز وعن قلة الرجاء تجاه الموت (يوحنا 11: 38) كما يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “البكاء الذي تطلقه النساء قرب الميت ينسي حقيقة القيامة”. والبعض الآخر يرى في هذه العبارة ” جاشَ صَدرُه” تعبيرا عن سخط شديد كان نوعا ناشئا عن الحزن الذي تسبّب من عدم أيمان اليهود وآثار الموت والخطيئة. وأيضا الى ما ستكلفه المعجزة التي كان مزمعا ان يجريها. اما عبارة “اضطَرَبَت نَفْسُه ” فتشير الى حزنه مما حدث للإنسان الذي خلقه على صورته، وقد وردت كلمة “اضطرب يسوع” ثلاث مرات لدى احياء لعازر، ولما تنبأ عن موته وقيامته (يوحنا 12: 27)، ولمَّا تكلم عن خيانة يهوذا الإسخريوطي (يوحنا 21:13).
34وقال: ((أَينَ وَضَعتُموه؟)) قالوا لَه: ((يا رَبّ، تَعالَ فانظُر)).
تشير عبارة “أَينَ وَضَعتُموه؟” الى سؤال يسوع شبيه بسؤال الله لآدم “أَينَ أَنْتَ؟ “(التكوين 3: 9). ان الله يهتم بنا بعكس مفهوم الاغريق الشائع في ذلك الزمان عن الله. فالإله عندهم بلا مشاعر ولا اندماج بالبشر. ويلمح هذا السؤال عن نية يسوع في عمل المعجزة، ويُنبِّه الجمهور للمعجزة الآتية فيتحول الجمهور لشهود عيان على المعجزة. اما عبارة” أنظر” فيعلق عليها القديس أوغسطينوس ” ماذا تعني “أنظر”؟ ترفق، فإن الرب ينظر حين يتحنن. لذلك قيل له: “أنظر إلى تواضعي وألمي، واغفر لي كل خطاياي”.
35فدَمعَت عَيْنا يسوع.
تشير عبارة “دَمعَت عَيْنا ” باليونانية ἐδάκρυσεν ومعناه دَمَع أي انسياب الدموع من عينيه بدون صوت، وقد ورد بكاء يسوع ثلاث مرات، بكى هنا لدى بكاء مريم اخت لعازر واليهود معها، ثم البكاء على أورشليم لِما أصاب البشر (لوقا 19: 41)، والبكاء في الجسمانية عن آلام الصليب كما جاء في رسالة العبرانيين (عبرانيين 5: 7). فهو يشاركنا أحزاننا ويحملها عنا كما تنبأ اشعيا النبي “لقَد حَمَلَ هو آلاَمَنا وآحتَمَلَ أَوجاعَنا ” (اشعيا 53: 4)؛ وهذه اللفظة تختلف عما ورد عن بكاء مريم κλαίουσαν وجمهور المحيطين بها، إذ لا يحمل العويل المرتفع مثلهم، بل إنها مجرد شهادة عملية لمشاعره العميقة ومشاركته للمتألمين. فقد كشف يسوع عن طبيعته الإنسانية وشارك المتألمين، وبكي مع الباكين. إنه “رَجُلُ أَوجاعٍ” (اشعيا 53: 3). دموع يسوع تلمح الى طبيعة يسوع الإنسانية على انه بشر مثلنا كما أكد ذلك صاحب الرسالة الى العبرانيين ” وهو الَّذي في أَيَّامِ حَياتِه البَشَرِيَّة رفعَ الدُّعاءَ والاِبتِهالَ بِصُراخٍ شَديدٍ ودُموعٍ ذَوارِف ” (عبرانيين 5: 7)، دمع يسوع من شدة انفعاله العاطفي كما بكى خارج اورشليم كما وصفه لوقا الإنجيلي ” لمَّا اقَتَربَ فَرأَى المَدينة بكى علَيها” (لوقا 19: 41). كان يسوع متعاطفا مع اهل لعازر في حزنهم؛ فبكي يسوع متأثرًا أمام موقف الموت الذي هو أعظم ألم للبشر، ويعلق القديس أوغسطينوس ” بكى الرب نفسه أيضًا من أجل لعازر نفسه الذي سيقيمه إلى الحياة، بلا شك لكي يسمح لنا بمثاله أن نبكي على موتانا، وإن كان لم يعطنا وصيته بذلك، هذا مع إيماننا بأنهم يقومون إلى الحياة الحقيقية. ليس اعتباطًا جاء في سفر يشوع بن سيراخ ” لِيَكُنْ بُكاؤُكَ مراً وأَكثِر مِن قَرعِ صَدرِكَ وأَقِمِ المَناحَةَ … ثُمَّ تَعز عنِ الحُزْن فإِنَّ الحُزنَ يؤدِّي إِلى المَوت وحُزنَ القَلبِ يُنهِكُ القِوى” (يشوع بن سيراخ 38: 17-19). ويُعلّق مار كيرلس الإسكندريّ “ظنّ اليهود أنّ عينَي يسوع دمعتا بسبب موت الطّبيعة الإنسانية. إنّه لم يبكِ لعازر فحسب، بل ما حدث للبشريّة كلّها التي صارت تحت الموت” وامام هذه الدموع الإنسانية، انقسم الشهود الى فئتين.
36فقالَ اليَهود: ((اُنظُروا أَيَّ مَحَبَّةٍ كانَ يُحِبُّه)). 37على أَنَّ بَعضَهم قالوا: ((أَما كانَ بإِمكانِ هذا الَّذي فَتَحَ عَينَيِ الأَعمى أَن يَرُدَّ المَوتَ عَنه؟))
تشير عبارة “اُنظُروا أَيَّ مَحَبَّةٍ كانَ يُحِبُّه” شهادة فئة من اليهود تأثرت لحزن يسوع ودمعه لموت عازر صديقه، وأقرّت بعمق محبة يسوع لعازر. نرى هنا مشاعر يسوع، الشفقة والحنان، والحزن والدموع. اما عبارة ” كانَ بإِمكانِ هذا الَّذي فَتَحَ عَينَيِ الأَعمى أَن يَرُدَّ المَوتَ عَنه؟” فتشير الى شهادة فئة من اليهود اتخذت موقف من يسوع شبيها بموقف مرتا، وهم يتساءلون عن حقيقة حزنه بما ان يسوع شفى الاعمى (يوحنا 9: 6)، فهو بوسعه ان يردّ الموت عن صديقه.
38فجاشَ صَدرُ يسوعَ ثانِيةً وذَهَبَ إلى القبر، وكانَ مغَارةً وُضِعَ على مَدخلِها حَجَر.
تشير عبارة “جاشَ صَدرُ يسوعَ” الى انزعاج يسوع من جديد بسبب الارتياب اليهود التهكمي وشكهم؛ وقد اضطرب يسوع أمام موت لعازر، كما اضطرب نفسه امام موته “الآنَ نَفْسي مُضطَرِبة، فماذا أَقول؟ ” (يوحنا 12: 27)؛ فقد أراد السيد المسيح أن يتّخذ طبيعتنا المعرضة للموت لكي يحررنا من سلطان الموت. اما عبارة “مغَارةً وُضِعَ على مَدخلِها حَجَر ” فتشير الى كهف او مغارة منحوتة في الحجر الجيري في منحدر جوانب الجبل، وكان بابها بمثابة حجر مستدير يسدّ مدخله (يوحنا 20: 1). وكان القبر واسعاً بحيث يسمح للناس السير داخله، وعادة ما كان يوضع داخل القبر الواحد اجسادا عديدين من الموتى، وبعد الدفن يدحرج حجر كبير امام القبر. ان قبر لعازر لا يزال موجود للآن، فهو منحوت في الصخر، وله مدخل علوه نحو متر وعرضه 61 سم وفيه 27 درجة تنتهي الى غرفة مساحتها 2.74 م 2 مربعة وداخلها أربعة نواويس.
39فقالَ يسوع: ((إِرفَعوا الحَجَر! ((قالَت لَه مَرْتا، أُختُ المَيْت:)) يا ربّ، لقَد أَنتَن، فهذا يَومُه الرَّابع)).
تشير عبارة ” ارفعوا الحَجَر! ” الى أمر يسوع برفع الحجر من مدخل القبر حتى يرى كل الواقفين أن الجسد ملقى في القبر ميتًا، ويشتمون الرائحة، فيتأكدون أنه أنتن، وعند خروجه من القبر لا يظنوا أنه خيال بل هو جسد حقيقي. فرفع حجر القبر يجعلهم شهود عيان؛ اما عبارة ” لقَد أَنتَن ” فتشير الى رد فعل مرتا بانه غير ضروري لرفع الحجر، لأنه أنتن أي أَصْبَحَتْ رائِحَتُهُ كَريهَةً.
40قالَ لَها يسوع: ((أَلَم أَقُلْ لَكِ إِنَّكِ إِن آمَنتِ تَرينَ مَجدَ الله؟)).
تشير عبارة ” أَلَم أَقُلْ لَكِ إِنَّكِ إِن آمَنتِ تَرينَ مَجدَ الله؟” الى توبيخ يسوع لمرتا بسبب عدم ايمانها برؤية مَجدَ الله. وكان قد سبق وقال لها سترى مجد الله في النصرة على الموت “هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله” (يوحنا 11: 4) وقال لها أيضا ” سَيَقومُ أَخوكِ ” (يوحنا 11: 23). الإنسان يريد أن يرى ليؤمن، وهذا ليس إيمان، فيسوع يطلب ان نؤمن لكي نرى كما جاء في تعليم صاحب الرسالة الى العبرانيين، ” الإِيمانُ قِوامُ الأُمورِ الّتي تُرْجى وبُرْهانُ الحَقائِقِ الَّتي لا تُرى ” (العبرانيين 11: 1). الإيمان هو بركة عظيمة، وبالإيمان يستطيع الناس أن يصنعوا أمورا عظيمة. ألم يقل المسيح: ” إِن كانَ لَكم مِنَ الإِيمانِ قَدْرُ حَبَّةِ خَردَل قُلتُم لِهذا الجَبَل: اِنتَقِلْ مِن هُنا إِلى هُناك، فيَنتَقِل” (متى 17: 20). وكل من آمن بالمسيح سيرى مجده ومجد القيامة.
41فرَفَعوا الحَجَر ورفَعَ يسوعُ عَينَيه وقال: ((شُكراً لَكَ، يا أَبَتِ على أَنَّكَ استَجَبتَ لي
تشير عبارة ” رفَعَ يسوعُ عَينَيه ” الى وضع صلاة تعتبر من ميزات التقليد الطقسي المسيحي (يوحنا 17: 1)، اما اليهود فيتوجّهون بأنظارهم نحو هيكل اورشليم. اما عبارة ” شُكراً لَكَ ” εὐχαριστῶ فتشير الى تعبير عن فرح المسيح بعودة الحياة للأموات، والمسيح لم يسأل الآب بل شكره لثقته في استجابة الآب له. ونفس المفهوم “تَهَلَّلَ بِدافِعٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس” حينما خضعت الشياطين لتلاميذه (لوقا 10: 20-21)، وبنفس المفهوم شكر يسوع عند تأسيس سر الافخارستيا الذي سيعطى حياة للبشر (لوقا 22: 19)؛ اما عبارة ” على أَنَّكَ استَجَبتَ لي” فتشير الى صلاة ثقةٍ تكشف عن اتحاد الابن بالآب الذي يستجيب في كل حين للابن، فالآب يسمع ويستجيب ليسوع دائما. ويعلق القديس أمبروسيوس” يصلي يسوع كابن الإنسان، ويأمر كابن الله”.
42وقَد عَلِمتُ أَنَّكَ تَستَجيبُ لي دائِماً أَبَداً ولكِنِّي قُلتُ هذا مِن أَجْلِ الجَمْعِ المُحيطِ بي لِكَي يُؤمِنوا أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني)).
تشير عبارة “عَلِمتُ أَنَّكَ تَستَجيبُ لي دائِماً أَبَداً” الى ان العلاقة بين الآب والابن لا تستلزم مثل هذه الصلاة، لكن من أجل الحاضرين لكي يثقوا أنه على علاقة بالسماء، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” قد وضع السبب الصادق لصلاته، لكيلا يظنوا أن يسوع المسيح ضد الله، ولا يقولوا إنه ليس من الله”؛ اما عبارة ” لِكَي يُؤمِنوا أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني” فتشير الى هدف الصلاة، وهي ليرى الجَمع العلاقة التي بين يسوع وبين الله فلا يقولوا “إِنَّ هذا لا يَطرُدُ الشَّياطينَ إِلاَّ بِبَعلَ زَبولَ سيِّدِ الشَّياطين “(متى 12 : 24)، بل يؤمنوا بمعجزة إحياء لعازر كآية لإقناع الذين سيشهدون رسالة يسوع، ويؤمنوا أنّه مرسل من الآب ويتمجَّد الآب بواسطة ابنه يسوع (يوحنا 11: 40). ويعلق القديس هيلاريون أسقف بواتييه “لم يكن يسوع بحاجة إلى الصلاة (لإقامة لعازر)، بل من أجل الجمع المحدق به. صلاته لم تنفعه بل نفعت إيماننا”.
43قالَ هذا ثُمَّ صاحَ بِأَعلى صَوتِه: ((يا لَعازَر، هَلُمَّ فاخرُجْ)).
تشير عبارة “صاحَ بِأَعلى صَوتِه” الى تعامل يسوع باقتدار عظيم وقوة وجلال كما ورد في المزامير ” صَوتُ الرَّبِّ بِالقوة صَوتُ الرَّبِّ بِالبَهاء ” (مزمور 29: 4) اما عبارة ” يا لَعازَر” فتشير الى مناداة يسوع له باسمه كعلامة اهتمامه به شخصيًا، فعادت روحه لجسده. ويعلق ابوليناريوس اللاذقيّ “يدعو يسوع بالاسم صديقه الأحبّ، لكي يكون رمزًا لقيامة أحبّائه الذين سيُدعَون بأسمائهم”؛ أما عبارة هَلُمَّ فاخرُجْ” فتشير الى كلام الله الفعّال الذي أعاد الميت الى الحياة فخرج لعازر من القبر مع انه مشدود اليدين كما تنبا اشعيا النبي ” فكذلك تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغة بل تُتِمُّ ما شِئتُ وتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَه ” (اشعيا 55: 11). خرج لعازر بأمر يسوع من القبر، ولم يُخرجه باسم أحد بل بسلطانه. لقد اتت الساعة التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، ويقومون الى الحياة (يوحنا 5: 25) وكان لعازر من السامعين. فكانت ساعة مجد ليسوع، التي أكّدت ما إعلانه أنه ” انا القيامة والحياة”. ويعلق هيسيخيوس الاورشليمي” حثّ الصّوت لعازر على الإسراع، فأصعدته الدّعوة من التّراب وحرّرته بأجنحتها من القيود”.
44فخرَجَ المَيتُ مَشدودَ اليَدَينِ والرِّجلَينِ بالعَصائِب، مَلفوفَ الوَجهِ في مِنْديل. فقالَ لَهم يسوع: ((حُلُّوهُ ودَعوهُ يَذهَب)).
تشير عبارة “خرَجَ المَيتُ مَشدودَ اليَدَينِ والرِّجلَينِ بالعَصائِب” الى خروجه مربوطًا مما يبدو أنه ليس بأقل عجبًا من قيامته؛ اما عبارة ” العَصائِب ” فتشير الى ما يٌعصب به كالمنديل والكفن المصنوع من كتّان. كان الكلام عن قيامة عازر مقتضب، لكن يفوق في قوته رؤيا حزقيال حول العظام اليابسة، قالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِهذه العِظام: هاءَنَذا أُدخِل فيكِ روحًا فتَحيَين” (حزقيال 37: 1-10). وقد اقام الرب يسوع آخرين من الموت: ابنة يائيرس (متى 9: 18-26)، ابن ارملة نائين (لوقا 7: 11-17). يرى القديس أوغسطينوس “أن هذه الأعمال تحمل معانٍ تمس خلاصنا. فإن كان قد أقام هذه الأجساد إنما ليشير إلى قيامة نفوسنا. اما عبارة “مَلفوفَ الوَجهِ في مِنْديل” فتشير الى وضع منديل على رأس الميت حيث يُلَف الوجه كما حدث مع السيد المسيح بعد موته يوحنا 20: 7)؛ اما عبارة ” حُلُّوهُ ودَعوهُ يَذهَب” فيشير الى طلب يسوع من الحاضرين ان يلمسوا جسد لعازر يقتربوا منه يعرفون بالحقيقة أنه هو ذاك الميت فعاش. ويعلق القديس أوغسطينوس إن إقامة لعازر من الأموات ليس موضوع دهشتنا بل موضوع فرحنا. فليس من المدهش أن ذاك الذي يخلق بقوته أناسًا يأتي بهم إلى العالم أن يقيم ميتًا، لكنه أمر مفرح أنه يهبنا القيامة ويمتعنا بالخلاص”. وقد حدثت هذه المعجزة قبل الأسبوع الأخير من حياة يسوع على الأرض في يوم السبت السابق لدخوله أورشليم ولذا دُعي سبت عازر بحسب التقليد.
45فآمَنَ بِه كثيرٌ مِنَ اليَهودِ الذينَ جاؤوا إِلى مَريَم ورَأَوا ما صَنَع.
تشير عبارة “فآمَنَ بِه كثيرٌ مِنَ اليَهودِ ” الى رد فعل إيمانية عند الكثيرين من اليهود، فهؤلاء سمعوا صوت المسيح وآمنوا فصارت لهم حياة. ويليق بنا أن نقول بذهن أمين: ” آمنتُ، فشَدِّدْ إِيمانيَ الضَّعيف!” (مرقس 24:9). فنحن بحاجة ان نقول مثل الرسل “يا رب زِدْنا إِيماناً (لوقا 17: 5). وهناك ايضا رد فعل معاكس من الاحبار والفريسيين الذين رفضوا الايمان ورفضوا شهود العيان، لان قيامة لعازر معناها ضياع هيبتهم ويهدد نفوذهم الديني والاستقرار السياسي في البلاد لأنه يأتي بآيات كثيرة ويخشون حركة مسيحانية تجلب نقمة الرومان (يوحنا 19: 12)، فتأمرا على قتله.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 11: 1-45)، نستنتج انه يتمحور حول معجزة احياء لعازر، فقد انتقل عازر من المرض (يوحنا 11: 1) الموت (يوحنا 11: 15) الى الحياة بفضل سلطان سيدنا يسوع المسيح (يوحنا 11: 44). ومن هنا نطرح ثلاثة أسئلة: ما هو مفهوم المرض والموت وكيف ننتقل من الموت الى الحياة؟
1) ما هو مفهوم المرض في الكتاب المقدس؟ (يوحنا 11: 5-9)
وقعت قصة احياء عازر في عيد التجديد (يوحنا 10: 22) الذي يقع في أيام الشتاء حيث كان يُحتفل بتذكار تطهير الهيكل الذي دنّسه انطيوخس ابيفانوس (1 مكابين 4: 36-59، 2 مكابين 2: 16: 16-19). وفي جو هذا العيد أحاط رؤساء اليهود بيسوع واحرجوه ليكشف عن نفسه، إذا كان هو المسيح (يوحنا 10: 24). وعلى أثر جوابه الذي عُدَّ تجديفاً، رأى يسوع نفسه مُجبرا على الانسحاب من اليهودية، والرجوع الى عبر الأردن (يوحنا 10: 25-42) وهناك بلغوه مرض عازر. وكانَ يسوعُ يُحِبُّ لَعازَر، (يوحنا 11: 6-7).
المرض هي مشكلة للبشر في كل وقت؛ وهو قبل كل شيء حالة ضعف وهزال كما وصفه صاحب المزامير “يَخفِقُ قَلْبي وقوّتي تفارِقُني وحتَّى نُور عَينَيَّ لم يَبقَ معي” (مزمور 38: 11). وقد ترك الكتاب المقدس الناحية العلمية للمشكلة، وتمسك فقط بالمعنى الديني للمرض، فالمرض يُظهر مسبقاً سلطان الموت على الإنسان ” فيكُم كَثيرٌ مِنَ الضُّعَفاءِ والمَرْضى وكَثيرٌ مِنكُم ماتوا ” (1 قورنتس 11: 30).
لكن خلق الله الإنسان للسعادة (تكوين 2) فمن اين جاء المرض؟ لم يدخل المرض العالم إلا كنتيجة للخطيئة (تكوين 3: 16-19). فهو إحدى علامات غضب الله على العالم الخاطئ (خروج9: 1-12) وعلى شعب الله الخائن (تثنية 28: 21-22). لذا طلب الشفاء في مزامير التضرّع يكون مصحوباً دائماً بإقرار بالخطايا “يا رَبِّ مِن غَضَبِكَ لا صِحَّةَ في جَسَدي ومِن خَطيئَتي لا سَلامَة في عِظامي” (مزمور 38: 2-6). يربط شعور الإنسان الديني بين المرض والخطيئة. وقد يرى يسوع المسيح في المرض شراً يعانيه البشر، كنتيجة للخطيئة، ودليلاً على تسلّط الشيطان عليهم كما صرّح في شفاء المرأة المنحنية: “هذِه ابنَةُ إِبراهيمَ قد رَبطَها الشَّيطانُ مُنذُ ثَمانيَ عَشرَةَ سَنَة؟ (لوقا 13: 16).
ولكن عندما يصيب المرض أبراراً، على مثال أيوب وطوبيا، فيمكن أن يعتبر المرض محنة من قبل العناية الإلهية، هدفها إظهار أمانتهم كما أعلن الملاك رافائيل רפאל ومعناه “الله يشفي ” لطوبيا: “وحينَما لم تَتَوانَ في القِيامِ وتَرْكِ المائِدةِ والذَّهابِ لِدَفْنِ المَيْت، أُرسِلْتُ حينَئِذٍ اليكَ لِأَمتَحِنَكَ” (طوبيا 12: 13).
أما في حالة ” المسيح “، وهو البار المتألم، يأخذ المرض قيمة تكفيرية عن معاصي الخطأة “لقَد حَمَلَ هو آلاَمَنا وآحتَمَلَ أَوجاعَنا فحَسِبْناه مُصاباً مَضْروباً مِنَ اللهِ ومُذَلَّلاً” (إشعيا 53: 4).
واما في حالة عازر فالمرض كان طريقا الى موته، فحياته ليست في نهاية الأمر سوى صراع ضد قوى الموت. وموته كان طريقا لإظهار مجد الله الآب في المسيح يسوع الذي أخرجه من القبر وأقامه من القبر. ويظهر الشفاء قدرة المسيح (لوقا 6: 19)، ألم يصرّح يسوع لدى سماعه عن مرض عازر: “هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله” (يوحنا 11: 4) كما يُظهر الشفاء من المرض انتصار يسوع على الشيطان وظهور القوة الإلهية التي تهزمه وإقامة ملكوت الله (متى 11: 5). ولهذا، فأمام كل المرضى الذين يولونه ثقتهم (مرقس 1: 40)، او من يطلبون الشفاء للمرضى على مثال مريم ومرتا لا يطلب يسوع إلا شرطاً واحداً: أن يؤمنوا، لأن كل شيء ممكن بالإيمان (متى 9: 28)، لأن إيمانهم يقتضي الإيمان بملكوت الله. وهذا هو الإيمان الذي يخلصهم (متى 9: 22). الم يقل يسوع المسيح لمرتا ” أَتُؤمِنينَ بِهذا؟ (يوحنا 11: 26). وعليه فان معجزات الشفاء تعبّر مسبقاً عن حالة الكمال التي ستعود إليها الإنسانيّة أخيراً في ملكوت الله.
2) ما هو مفهوم الموت في الكتاب المقدس؟ (يوحنا 11: 10-33)
الموت جزء من واقع الحياة فهو علامة توقف وجود الانسان في الظروف الجسدية. الموت ينقسم الى ما يصيب الجسد فقط دون النفس والى ما يصيبهما معا “لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسد ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْس، بل خافوا الَّذي يَقدِرُ على أَن يُهلِكَ النَّفْسَ والجَسدَ جَميعاً في جَهنَّم.” (متى 10: 28) وتدعى حالة الاستلام للخطيئة موتا “أَنتُم، وقَد كُنتُم أَمواتًا بِزَلاَّتِكم وخَطاياكُمُ” (أفسس 2: 1) ويدعى أيضا هلاك النفس موتا “فاعلَموا أَنَّ مَن رَدَّ خاطِئًا عن طريقِ ضلالِه خَلَّصَ نَفْسَه مِنَ المَوت وسَتَرَ كَثيرًا مِنَ الخَطايا”(يعقوب 5: 20)
تروي قصة إحياء عازر خبرات مريم ومرتا ويسوع في الموت. وتبدأ بمواجهة خبرة موت عازر، موت اخ مريم ومرتا وموت صديق ليسوع. إن لعازر الميت “لم يعد له وجود بعد” (مزمور 39: 14). وما يجري بعد الموت يخفى عن أعين الأحياء. فبينما يوضع الجسد في حفرة تحت الأرض، يظل شيء ما من المتوفى وهو القبر بمثابة أثر له باق على شكل حفرة فاغرة، وكأنه موضع صمت كما يقول صاحب المزامير ” لَيسَ الأَمْواتُ يُسَبِّحونَ الرَّبّ ولا جَميعُ الهابِطينَ إلى الصَّمت ” (مزمور 115: 17)، وموضع ظلمات ونسيان كما يصرّح صاحب المزامير “أَفي القبر ِيُحَدَّثُ بِرَحمَتِكَ وفي الهاوِيَةِ بِأَمانَتِكَ؟ أَفي الظُّلمَةِ نُعرَفُ عَجائِبُكَ وفي أَرضِ النِّسْيانِ بِرّكَ؟ (مزمور 88: 12-13)، يسلم الانسان إلى التراب (أيوب 17: 16)، والدود (إشعيا 14: 11،)، بحيث لم يعد وجوده إلا سبات بحيث يتوسل صاحب المزامير من الله ان ينقذه منه ” أُنظُرْ واْستَجِبْ لي أَيُّها الرَّبّ إِلهي وأَنِرْ عَيَنيَّ لِئَلاَّ أَنامَ نَومةَ المَوت” (مزمور 13: 4).
إن حتمية الموت هو واقع مشترك لجميع الناس كما صرّح الملك داود يوم وفاته “أَنا ذاهِبٌ في طَريقِ أَهلِ الأَرضَ كُلِّهم” (1 ملوك 2: 2). فيُشكل الموت نهاية لحياة كل انسان، لان الانسان من التراب فإلى التراب يعود كما قال الرب لآدم بعد خطيئته “لأَنَّكَ تُرابٌ وإِلى التُّرابِ تعود “(تكوين 3: 19). ولكن لا يمكن حصر الموت في مجرد ظاهرة طبيعية، خالية من المعنى. وفي الواقع، لم يصدر حكم الموت ضد البشر، إلا بعد خطيئة آدم، أبينا الأول “وأَمَّا شَجَرَةُ مَعرِفَةِ الخَيرِ والشَّرّ فلا تَأكُلْ مِنها، فإنَّكَ يَومَ تأكُلُ مِنها تَموتُ مَوتًا ” (تكوين 2: 17)، فلقد خلق الإنسان، لعدم الفساد، والموت كما نختبره لم يدخل العالم إلا بحسد إبليس (حكمة 2: 23-24). فيحمل إذاً الموت سلطانه علينا قيمة الرمز: إنه يُعلن واقع الخطيئة في الحياة الدنيا.
مع بداية التاريخ البشري بمعصية الإنسان دخلت الخطيئة العالم، وبالخطيئة الموت كما جاء في تعليم بولس الرسول ” فكَما أَنَّ الخَطيئَةَ دَخَلَت في العالَمِ عَن يَدِ إِنسانٍ واحِد، وبِالخَطيئَةِ دَخَلَ المَوت، وهكذا سَرى المَوتُ إِلى جَميعِ النَّاسِ لأَنَّهُم جَميعاً خَطِئوا” (رومة 5: 12). فالخطيئة هي ” شَوكَةَ المَوتِ ” (1 قورنتس 15: 56)، لأن الموت هو ثمرتها وعاقبتها وأجرتها (رومة 6: 16)؛ ومنذ ذلك الحين، يموت الجميع في آدم (رومة 15: 22)، حتى إن الموت ساد على العالم (رومة 5: 14). فهناك رباط بين الخطيئة والموت، فالخطيئة شر، لا لأنها تناقض طبيعتنا وتخالف الإرادة الإلهية فحسب، وانما ايضا لأنها تشكل طريقاً إلى الموت. كما جاء في تعليم الحكماء ” ومَنِ اتَبعً الشَرّ فلِمَوته” (أمثاله11: 19)، وعليه، فالموت، بالنسبة إلى الخطأة، لا يشكّل قدراً طبيعياً، إنه حرمان من أعز خير منحه الله للإنسان، ألا وهو الحياة. وبالتالي فهو يتخذ طابع اللعنة.
وليس بمقدرة الإنسان أن يخلَص نفسه من الموت. إذ تلزمه لذلك نعمة الله الذي هو وحده الحي بحكم طبيعته. وحتى مجيء المسيح كان الموت سائداً على العالم. ولما جاء يسوع على ارضنا وانتصر بموته على الموت، تغير معنى الموت منذ تلك اللحظة بالنسبة للبشرية المتجدَدة التي تموت مع المسيح لتحيا معه إلى الأبد. الم يقل السيد المسيح الى مرتا “أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا” وكُلُّ مَن يَحْيا ويُؤمِنُ بي لن يَموتَ أَبَداً.” (يوحنا 11: 25-26).
الموت أذاً هو جزء من واقع الحياة، وعلامة توقف وجود الانسان في الظروف الجسدية. وبالتالي فهو يضع حداً لجهده في السعي في الزمن نحو الكمال. واما فيما يتعلق بالمؤمن فزمن الموت هو زمن الاتحاد الكامل مع الله. فينبغي على كل إنسان أن يكون مستعداً لمواجهة الموت، ما دام هو أيضاً “سيرى الموت” كما يصرح صاحب المزامير ” أَيُّ إِنْسانٍ يَحْيا ولا يَرى الممات؟ (مزمور 89: 49). ومن هنا نتساءل كيف ننتقل من الموت الى الحياة؟
3) كيف ننتقل من الموت الى الحياة؟
أثبت يسوع نفسه لتلاميذه والشعب انه هو القيامة والحياة عن طرق إحياء لعازر. فمنذ حياة يسوع على الأرض كانت تبدو علامات انتصار يسوع على الموت، فقد أعاد الحياة الى لعازر (يوحنا 11: 10-33) واقام آخرين من الموت: ابنة يائيرس (متى 9: 18-26)، ابن ارملة نائين (لوقا 7: 11-17). وفي ملكوت الله الذي أنشأه، كان الموت يتقهقر أمام من كان ” القيامة والحياة ” (يوحنا 11: 25). فعودة لعازر الى الحياة تؤيد ما قاله يسوع ” انا القيامة والحياة”. ويعلق علامة الكنيسة القديس بطرس خريزولوغُس ” لقد سمح سيدنا يسوع المسيح بأن يذوق لعازر طعم الموت لأنّه أراد أن يقيم الميت فيظهر مجده، ولقد سمح بأن ينزل صديقه إلى مثوى الأموات حتّى يظهر الله، ويعيد الإنسان من الجحيم”.
وأخيراً واجهه يسوع الموت التي كانت البشرية غارقة في ظلاله ” فقَد ظَهَرَ لِلمُقِيمينَ في الظُّلمَةِ وَظِلالِ الـمَوت لِيُسَدِّدَ خُطانا لِسَبيلِ السَّلام (لو 1: 79)، إذ إتّخذ طبيعتنا المعرضة للموت. ارتعشت نفسه أمام قبر لعازر (يوحنا 11: 33 و38)، واضطرب أمام الموت “لآنَ نَفْسي مُضطَرِبة، فماذا أَقول؟ يا أَبَتِ نَجِّني مِن تِلكَ السَّاعة. وما أَتَيتُ إِلَّا لِتلكَ السَّاعة” (يوحنا 12: 27)، وقبل كأس الموت المرة كما صرّح امام تلميذه بطرس ” أَفَلا أَشرَبُ الكَأسَ الَّتي ناوَلَني أَبي إِيَّاها” (يوحنا 18: 11) وصار مطيعاً حتى الموت ” (فيلبي 2: 8) لكي يعمل إرادة الأب (مرقس 14: 36)، لأنه كان يجب عليه أن “يتمم ” الكتب ” (متى 26: 54). وعليه فان اتحاد بموت المسيح وننتقل من الموت الى الحياة. ويتغير معنى الموت وكيف يكون ذلك؟
أ) الإيمان في المسيح:
من يسمع كلام المسيح ينتقل من الموت إلى الحياة ” مَن سَمِعَ كَلامي وآمَنَ بِمَن أَرسَلَني فلَه الحَياةَ الأَبَدِيَّة” (يوحنا 5: 24)، ومن يؤمن به فلا يخشى شيئاً، وإن مات فسيحيا “أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا (يوحنا 11: 25). هذا هو ربح الإيمان. إنَّ مَن هو “الحياة” قادر أن يُعيد الحياة ويُحيي الميت. للمسيح القدرة على هبة الحياة لكل مؤمن يعترف كما اعترفت مرتا اخت لعازر ” نَعَم، يا ربّ، إِنِّي أَومِنُ بِأَنَّكَ المسيحُ ابنُ اللهِ الآتي إِلى العالَم”(يوحنا 11: 27). اعلنت مرتا إيمانها بالمسيح ومريم سجدت قبل إحيائه اخيهما لعازر.
قام لعازر من الموت وظل حيًا لعدة سنوات ثم مات. أمّا من يؤمن بالمسيح فله حياة أبدية ويقوم في اليوم الأخير كما جاء في بشارة يوحنا “يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه” (يوحنا 20: 31). والإيمان بالمسيح يعطي حياة وإنجيل يوحنا يقدم لنا هذه الحياة الآن بشرط الإيمان (يو24:5، 25). وهو الذي سيعطي القيامة في اليوم الأخير (يوحنا 28:5-29). الايمان هو الثقة بالرب والتعاون معه للخروج من قبورنا وإخراج الآخرين من قبورهم، لتحريرنا وتحريرهم. وهناك شرط آخر لنوال الحياة يقدمه إنجيل يوحنا وهو التناول من جسد الرب ودمه ” مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير ” (يوحنا 54:6).
في حين أن الذي لا يؤمن سوف يموت في خطاياه ” فإذا لم تُؤمِنوا بِأَنِّي أَنا هو تَموتون في خَطاياكم (يوحنا 8: 24). وهكذا تتكرر مأساة الإنسانية في صراعها مع الموت، في حياة كل واحدٍ منا، وترتبط خاتمتها بالنسبة إلينا بموقفنا إزاء المسيح والإنجيل. فهي الحياة الأبدية لمن يحفظ كلام الرب حيث لا يرى الموت إلى الأبد. وهي للآخرين أهوال ” الموت الثاني (رؤيا 2: 11).
ب) الاتحاد بموت المسيح
بالاتحاد بموت المسيح يأخذ الموت الجسدي معنى جديداً. لم يعد فقط قدراً حتمياً نستسلم له أو قضاء إلهياً نقبله أو حكماً تستوجبه الخطيئة. إنما “يموت المسيحي من أجل الرب”، كما أنه كان يحيا من أجله “فما مِن أَحَدٍ مِنَّا يَحْيا لِنَفْسِه وما مِن أَحدٍ يَموتُ لِنَفْسِه، فإِذا حَيِينا فلِلرَّبِّ نَحْيا، وإِذا مُتْنا فلِلرَّبِّ نَموت: سَواءٌ حَيِينا أَم مُتْنا فإِنَّنا لِلرَّبّ. (رومة 14: 7-8) وإذا مات شهيداً من أجل المسيح، فإنّ موته يشكل إراقة تتخذ قمة الذبيحة في نظر الله (فيلبي 2: 17). إن هذا الموت الذي به “يمجّد الله” (يوحنا 21: 19) يستحق له إكليل الحياة (رؤيا 2: 10).
وبعد أن كان الموت مصيراً مقلقاً، أضحى إذاً موضوع تطويب ” طوبى مُنذُ الآنَ لِلأَمْواتِ الَّذينَ يَموتونَ في الرَّبّ! فلْيَستَريحوا مِن جُهودِهم، لأَنَّ أَعْمالَهم تَتبَعُهم ” (رؤيا 14: 13). إن موت الأبرار هو دخول في السلام (حكمة 3: 3)، في الراحة الأبدية، وفي النور الذي لا نهاية له. إن أمل الخلود والقيامة الذي كنا نستشفه في العهد القديم قد وجد في سر المسيح أساسه الثابت، فالاتحاد بموته ليس فقط يجعلنا نعيش حالياً حياة جديدة، ولكنه يمنحنا أيضاً الضمان بأن ” فالَّذي أَقامَ يسوعَ المسيحَ مِن بَينِ الأَموات يُحْيي أَيضًا أَجسادَكُمُ الفانِيةَ بِرُوحِه الحالِّ فيكُم” (رومة 8: 11). فحينئذٍ بالقيامة سندخل في عالم جديد حيث ” لِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ” (رؤيا 21: 4)، ولن يرى المختارون القائمون مع المسيح “الموت الثاني” (رؤيا 20: 6) بل سيكون نصيب المرذولين وإبليس والموت والجحيم (رؤيا 21: 8،). ولهذا، في نهاية الأمر، يرى المسيحي في الموت ربحاً ما دام المسيح هو حياته كما صرّح بولس الرسول ” فالحَياةُ عِندي هي المسيح، والمَوتُ رِبْح” (فيلبي 1: 21). إن وضعه الحاضر الذي يقيَده بجسده الفاني يسبب له إرهاقاً، فهو يؤثر هجره لكي يقيم في جوار الرب (2 قورنتس 5: 8)، إنه يتعجل ارتداء لباس المجد المعد للقائمين، حتى تبتلع الحياة ما هو زائل فينا (2 قورنتس 5: 1-4). إنه يرغب في أن ينطلق ليكون مع المسيح (فيلبي 1: 23).
الخلاصة
تضع الكنيسة معجزة قيامة لعازر في بداية أسبوع الآلام الذي سينتهي بقيامة الرب يسوع المسيح، فهي تظهر أن القيامة في سلطان المسيح. وتبيّن المعجزة ان يسوع هو الانسان الحق الذي بكى لعازر صديقه الميت، وهو الاله الحق الذي بعَثَ لعازر من القبر حيّاً. فهو الله ظهر في الجسد “قد أُظهِرَ في الجَسَد وأُعلِنَ بارّاً في الرُّوح وتَراءَى لِلمَلائِكَة وبُشِّرَ به عِندَ الوَثَنِيِّين وأُومِنَ بِه في العالَم ورُفِعَ في المَجْد “(طيموتاوس 16:3). ويعلق القديس أوغسطينوس “يُجري الرب هنا واحدة من أعظم معجزاته، فكونه الخالق، ها هو يقيم الآن خليقته”.
وقيامة لعازر تؤكد سلطة يسوع على الموت، وانه ينبوع القيامة والحياة فهو قادر بأن يُقيم الّذين قد ماتوا في المسيح إلى الحياة الأبديّة. فمن يؤمن به ينتقل من الموت الى الحياة. هذا هو محبة الله لنا بالمسيح يسوع ربّنا. فهو الحي الذي وإن مات سيقوم ويقيمنا معه. وما صلاتنا في قانون الايمان الا إقرار لإيماننا بالإله الآب والابن والروح القدس وقيامة الموتى في اليوم الآخر وفي الحياة الأبديّة. هذا هو إيماننا ورجاؤنا.
دعاء
لنرفع دعاءنا مع بطرس كيرسولوغوس :
“صلّوا، يا إخوتي، كي ننعم نحن الّذين تجرّعوا القيامة مع لعازر، مقدّمين الكأس عند عودة المسيح، ونستحقّ شرب كأس القيامة العامّة”. آمين!
