Liturgical Logo

إدّاء الجزية لقيصر والمواطنة (متى 22: 15 -21)

الأب لويس حزبون

يُسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على دفع الجزية الى قيصر (متى 22: 15 -21). لقد حاول رؤساء اليهود في اورشليم أن يوجّهوا للسيد المسيح اسئلة خطيرة حول قيامة الأموات (متى 22: 23-33)، الوصية الكبرى (متى 22: 34-40)، ابن داود (متى 22: 41-46) ليوقعوه في مصيدة، ويجدوا ما يشكون به للسلطة الرومانية للقبض عليه. ومن هذه الاسئلة دفع الجزية لقيصر: أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟ (متى 22: 17)؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (متى 22: 15 -21)
15 “فذَهبَ الفِرِّيسيُّونَ وعَقَدوا مَجلِسَ شورى لِيَصطادوه بِكَلِمَة
تشير عبارة “الفريسيون ” الى حزبٍ يهوديٍ دينيٍ يشددّ أعضاؤه على الناموس وعلى التقوى الشخصية والدين، وكانوا يقامون الاحتلال الروماني ويؤدون الجزية كرها لا طوعا، وكانوا يعارضون حزب الهيرودوسيين الموالي للرومانيين. وأُطلق عليهم هذا الاسم “فريسيون” نسبة لكلمة عبرية הַפְּרוּשִׁים معناها منفصل أو مفروز او منعزل ومنها فرِّيسي ولُقّبوا كذلك لتزمّتهم ودقّتهم في تفسير “الشّريعة” وترفّعهم عن عامّة الشّعب. اما عبارة “لِيَصطادوه بِكَلِمَة ” فتشير الى رياء الفريسيين. وكان المسيح يهاجمهم بسبب ريائهم. فيوحنا المعمدان دعاهم “أولاد الأفاعي” كما وبخهم السيد المسيح بشدة على ريائهم وادعائهم البرّ كذباً وتحميلهم الناس أثقال العرضيات دون الاكتراث لجوهر الناموس (متى 5: 20، 16: 6). لقد كان الفريسيون مستعدون ان يتحالفوا مع قيصر لكي يُهلكوا يسوع، وهذا ما حدث فعلا في محكمة يسوع امام بيلاطس البنطي ” فصاحوا: ((أَعدِمْه! أَعدِمْه! اِصْلِبْهُ! ” (يوحنا 19: 15).
16ثُمَّ أَرسَلوا إِليه تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ يقولونَ له: “يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس.”
تشير عبارة ” تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ ” الى مجموعتين متناقضتين تماماً في مواجهة مع الرب يسوع: كان تلاميذ الفريسيين متدينين ووطنيين، أما الهيرودسيِّين فقد كانوا متحررين ومتحالفين مع روما، وتحالفوا وتكاتفوا معًا على مقاومة يسوع بكل طريقة والقضاء عليه. اما عبارة ” الهيرودُسِيِّينَ ” فتشير الى حزبٍ يهوديٍ سياسيٍ وموالي لأسرة هيرودس المالكة، وأعضاؤه يؤيدون هيرودس انتيباس والحكم الروماني ودفع الجزية للقيصر طواعية وذلك لينالوا مأربهم، وبالتالي فهم معارضون للفريسيين؛ ومن هنا نرى مداهنة نفاقيه بين الحزبين بتحالفهم على السيد المسيح. ليصطادوه بكلمة. اما عبارة ” صادق ” فتشير الى لقب أطلقه تلاميذ الفريسيين والهيرودسيِّون على السيد المسيح، ويدل هذا اللقب على ان صاحبه يتكلم بالحق ومخلص في الحكم ولا يتأثر فيما يقوله الناس. لكنه في الوقت نفسه ينمُّ على تملقٍ وتزلّفٍ ومديح ليُفقد يسوع حذره منهم لكي يتكلم بكلّ صراحة فيخطئ في كلامه. اما عبارة “تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ” ὁδὸν τοῦ θεοῦ فتشير الى الطريق الذي رسمه الله او الطريق الذي يقود الى الله. (اعمال الرسل 9: 2)؛ وتعني الطريقة عادة كيفية العيش والعمل، أي السلوك بكل معنى الكلمة ” هذا هو الطَّريق فآسلُكوه إذا يامَنتُم وإذا ياسَرتُم “(اشعيا 30: 21). وقد سُمي الايمان المسيحي في البداية “الطريق ” (اعمال الرسل 9: 2) لأنهم يتبعون طريقة الرب، طريقة الله كما ورد في حياة بولس الرسول ” وطَلَبَ (شاول –بولس) مِنه رَسائِلَ إِلى مَجامِعِ دِمَشق، حتَّى إِذا وَجَدَ أُناسًا على هذِه الطَّريقَة، رِجالاً ونِساء، ساقَهم موثَقينَ إِلى أُورَشَليم. ” (اعمال الرسل 18: 25) وطريق الخلاص كما جاء في سبرة بولس الرسول ” فأَخَذَت تَسيرُ في إِثْرِ بولُسَ وإِثرِنا، وهِيَ تَصيح: ((هؤلاءِ الرِّجالُ عَبيدُ اللهِ العَلِيّ، يُبَشِّرونَكُم بِطَريقِ الخَلاص “(اعمال الرسل 16: 17). اما عبارة ” لا تُبالي بِأَحَد ” فتشير الى عدم تحيّز او محاباة للبعض فتغير الحق إرضاء لهم (لوقا 20: 21). اما عبارة ” لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس ” باليونانية οὐ γὰρβλέπεις εἰς πρόσωπον ἀνθρώπων. ومعناها الحرفي لا تنظر الى وجه الناس فتشير الى عدم الاخذ بعين الاعتبار “الوجاهة” بينهم والزّعامة والجاهة بين الأشخاص فتفضل واحداً على آخر مخالفا احكام الشريعة الموسوية ” لا تَجوروا في الحُكْم، ولا تُحابِ وَجهَ الفقير ولا تُكرِمْ وَجهَ العَظيم، بَل بِالعَدْلِ تَحكُمُ لِقَريبِكَ”(احبار 19: 15). صاغ الفريسيون والهيرودسيون سؤال مصيدة في قالب من الإطراء والمديح وتملق ممقوت بهدف اصطياد يسوع بكلمة. وبالرغم من كل ذلك نجد في هذه الآية فضائل يسوع التي أقرّها خصومه: انه رجل نزيه لا يُشْتَرى، ولا يتورط في غش او خداع او تحكيم، ولا يتذلل امام قوى العصر الغاشمة، رجل سديد الرأي. وهذه الصفات النادرة تؤهل الانسان ليمارس السياسة ممارسة مسيحية.
17″فقُلْ لَنا ما رأيُكَ: أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟”:
تشير عبارة “فقُلْ لَنا ما رأيُكَ” الى إيقاع يسوع السميح في ورطة ومأزق حرج. فاذا قال “نعم” فكان يُمكن ان يُشهر به امام الشعب كخائن لوطنه؛ وإذا قال “لا” فيُشتكى عليه كمحرض للفتنة ضد السلطات الرومانية. اما عبارة ” الجِزيَةِ” باليونانية κῆνσον مشتقة من اللاتينية census ومعناها الإحصاء فلا تشير الى المعني العربي القرآني اي ما يعطيه اهل الذمة من المال انما تشير الى ضريبة الى جانب التكاليف غير المباشرة (من رسوم وجمارك ورسوم لا تُحصى)، كانت الاقاليم تؤدي للإمبراطورية الرومانية “الجزية” وكانت هذه واحدة لجميع اليهود، ولم يكن يُعفى منها إلاّ الاولاد والشيوخ. وكانت الجزية تُعد علامة خضوع الشعب لروما. وكان اليهود يكرهون الجزية، لان الاموال كانت تذهب مباشرة الى خزانة قيصر، حيث يذهب جزء منها للصرف على المعابد الوثنية والحياة المترفة للأرستقراطية الرومانية. كما أنَّ صورة قيصر على العملة تذكر اليهود بخضوعهم لروما. فالجزية علامة الخضوع المشين لروما. وكان الغيورون ينهون أنصارهم عن تأديتها. ويرفضون دفع الجزية، وبسبب هذا قامت ثورات مثل ثورة ثودَس ويهوذا الجليلي وقد قتلهم الرومان في فترة قريبة وأنهوا ثوراتهم كما جاء في تاريخ الكنيسة الأولى “فقَد قامَ ثودَسُ قَبلَ هذهِ الأَيَّام، وادَّعى أَنَّه رَجُلٌ عَظيم، فشايَعَه نَحوُ أَربَعِمِائةِ رَجُل، فقُتِلَ وتَبَدَّدَ جَميعُ الَّذينَ انقادوا لَه، ولَم يَبْقَ لَهم أَثَر. وبَعدَ ذلك قامَ يَهوذا الجَليليُّ أَيَّامَ الإِحصاء، فَاستَدرَجَ قَومًا إِلى اتِّباعِه، فَهَلَكَ هو أَيضًا وتَشَّتَتَ جَميعُ الَّذينَ انقادوا لَه” (اعمال الرسل 5: 36-37). اما عبارة “أَيحِلُّ دَفعُ δοῦναι الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا” فتشير الى سؤالٍ فيه إحراج ليسوع عن دفع الجزية للرومان لإيقاعه في مأزق. فإن قال “يجوز دفع الجزية لقيصر”، لقال الفريسيّون إنه يقاوم الله الملك الوحيد الذي به نعترف، واتَّهموه بأنه مخالف للشريعة التي لا تجيز دفع جزية للغرباء ويُشهر به أمام الشعب كخائن لوطنه فيخسر مصداقيته لدى اليهود. وإن قال “لا يجوز دفع الجزية”، اتهموه الهيرودسيون بتهمة تحريض على التمرد لدى السلطات الرومانية كخائن لروما. وهنا نتذكر “شهود الزور” الذين قالوا: “وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ يَفتِنُ أُمَّتَنا، ويَنهى عَن دَفْعِ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر” (لوقا 23/2). فهو في الحالتين في مأزق حيث نصب الخصوم فخا ليسوع يعرّضه لخطر الملاحقة من قبل السلطة الرومانية. أمَّا عبارة “قيصر” فتشير الى الامبراطور الروماني ورأس الدولة الرومانية. وكان “قيصر” الاسم العائلي ليوليوس قيصر، وهو أول رجل أبتغى الحكم المطلق وخلفه فيه ابنه بالتبني الذي صار بعدئذ الامبراطور اوغسطس. وسريعا صار يُعتبر لقباً. وكان القيصر في ذلك الوقت هو طيباريوس الذي اشتهر بالقسوة. وكانت الجزية مفروضة على كل رأس علامة الخضوع لقيصر. فالسؤال بكل بساطة يدور هل يسوع عميل مع الرومان المحتل الذي يعبد قيصر، أم أنه إسرائيلي صحيح يعبد الله؟
“18فشعَرَ يسوع بِخُبْثِهم فقال: لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي، أَيُّها المُراؤُون!”:
تشير عبارة ” خُبْثِهم ” (باليونانية πονηρίαν حرفيا شرهم) الى رياء ومكرخصومه من الفريسين والهرودسيين ودوافعهم الانانية، اذ لم يكن ما يُحرِّك الفريسيين محبتهم لشرائع الله، كما لم يكن ما يُحرِّك الهيرودوسيين محبتهم للعدالة الرومانية. أطلق يسوع على خبثهم خمير “تَبَصَّروا واحذَروا خَميرَ الفِرِّيسِيِّين وخَميرَ هيرودُس!” (مرقس 8: 15)، يُحذِّرنا السيد المسيح ان نحترس من التملك والمديح بل نكتشفه لنتجنب الوقوع فيه. اما عبارة “لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي ” فتشير الى رفض يسوع الدخول في منطق سائليه، لأنهم ” يَنصُبونَ له المَكايِدَ لِيَصطادوا مِن فَمِه كَلِمَة.” (لوقا 11: 54). اما عبارة “المُراؤُون!” فتشير الى الفريسيين بنوع خاص الذين يُبطنون غير ما يظهرون. ولكن يسوع كشف رياءهم، لأنه لا يُخفى عليه شيء. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “لقد دعاهم مُرائين حتى متى عرفوا أنه قارئ قلوب البشر لا يتجاسروا بعد أن يتمّموا خططهم”.
19 أَروني نَقْدَ الجِزيَة. فَأَتَوهُ بِدينار. 20فقالَ لَهم: لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابة؟:
تشير عبارة ” نَقْدَ” باليونانية νόμισμα الى عملة نقود. اما عبارة “الجِزيَة” فتشير الى الدينار الذي عليه صورة القيصر. وكانت تدفع الجزية وعليها صورة قيصر والجزية لا تدفع إلاّ بالنقد الروماني لتذهب حالا الى مركز السلطة. وكون أن اليهود يقدمون لقيصر الدينار الروماني، فهذا اعتراف منهم أنهم تحت حكم قيصر؛ فالعملة الجارية تُظهر نظام الحكم والسلطة القائمة ويدفع منها الجزية. وعليه فإن للمعاملات المدنية يستخدم نقذ الجزية، ومع ذلك يتعاملون مع مثل هذا النقد! ان استعمال خصوم يسوع هذه العملة، وهي رمز السلطة الرومانية، برهان على أنهم يقبلون الاستفادة من نظام سياسي معيّن. وإذا أرادوا ان يرفضوا دفع الجزية، وجب عليهم ان يعترضوا على جميع أشكال الوجود الروماني، الامر الذي لا يعملونه. وبما ان اليهود يرفضون الصور والتماثيل، لذا كان لهم عملة الشاقل بلا صورة تمامًا يستخدمونها للمعاملات الدينية. اما عبارة “دينار” فتشير الى أصل لاتيني denarius ومعناها عشرة لان هذه العملة تساوي أصلا عشرة أسات رومانية، وكان الدينار عملة رومانية من الفضة، وهي أجرة يوم العامل في ذلك الوقت كما جاء في انجيل متى ” فاتَّفقَ رب البيت معَ العَمَلةِ على دينارٍ في اليَوم وأَرسَلهم إِلى كَرْمِه” (متى20: 2). وكان على اليهود ان يتعاملون بهذه العملة عندما يدقعون الجزية لروما. وقد نُقش على الدينار الذي كان متداولا في ايام السيد المسيح صورة طيباريوس قيصر واسمه وألقابه. امّا ” الصُّورَةُ هذه والكِتابة ” فتشير الى صورة طيباريوس قيصر (14-37)، الامبراطور الروماني الثاني (متى 22: 13) ومن حولها كُتب “طيباريوس قيصر، أوغسطس الإلهي ابن أوغسطس”، وعلى الوجه الآخر صورة الهة جالسة على العرش وحاملة غصن زيتون في يدها اليسرى وصولجان طويل في يدها اليمنى وحولها كتب “الكاهن الأعظم للأمّة الرومانيّة. وهذه الصورة كما تذكِّر اليهود صورة القيصر على الدينار، بما عليهم له، يجب أن تذكّرهم صورة الربّ التي خُلق فيها الإنسان، بما عليهم للربّ.
21″قالوا: لِقَيصَر. فقالَ لَهم: أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله.
تشير عبارة ” أَدُّوا ” باليونانية Ἀπόδοτε (أي سددوا) فتشير الى ان الجزية واجبة وليس هبة لان قيصر يدافع ويحمي ويمهِّد الطرق. فغيّر يسوع سؤال الفريسيين من دَفعُ δοῦναι الجزية اي إعطاء الجزية كهدية الى فعل أدّى ” Ἀπόδοτε أي سدِّدوا كدين وواجب. فقول يسوع” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله” تعني سددوا ما هو مطلوب قانونيا، ادفعوا الدين. فالجزية لم تكن هبة بل دينا، لقد اعطاهم قيصر ميّزة وهي حكومة مستقرة، فهل يأخذون هذه ويرفضون ان يدفعوا شيئا في مقابل صيانتها. اما عبارة ” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله ” فتشير الى جواب يسوع التي تُظهر حكمته وكماله اللذين يمكن ان يقاوما، وأصبح جوابه حكمة على كل لسان على مر الزَّمان. وهذه حكمة تلمّح الى ما ورد في سفر الامثال ” يا بُنَيَّ اتَقِ الرَّبَّ والمَلِك” (أمثال 24: 21). اما عبارة ” لِقَيصَرَ ما لِقَيصر ” فتشير الى صورة قيصر التي صُكت على النقود، فله الجزية نقودا، فيطلب يسوع ” أعطوه إياها، فأنها ليست لكم، فإن قيصر يطلب منكم ما هو له وما هو من حقه. وعليه جاء قول بولس الرسول “لِيَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بأَيدِيها الأَمْر، أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّه: الضَّريبَةَ φόρον لِمَن لَه الضَّرِيبة، والخَراجَ لِمَن لَه الخَراج τέλος، والمَهابةَ لِمَن لَه المَهابَة، والإِكرامَ لِمَن لَه الإِكرام.” (رومة 13/ 1-2، 7). إنَّ إطاعة السلطة المدنية واجب، ليس لا خَوفًا مِنَ العقوبة المحتومة على نتائج العصيان وحسب، وإنما مُراعاةً لِلضَّميرِ أَيضًا (رومة 13/5). علينا ان نعطي للحكام المدنيين كل ما هو واجب لهم، طالما ان ذلك لا يتدخّل في الكرامة التي هي لله. اما عبارة “، للهِ ما لله ” فتشير الى صورة الله قد صُكت على القلوب، فله الجزية عبادة وسجودا. فأعطوا الله ما هو لله وأعملوا بحسب شريعته ووصاياه. والله أيضاً يطلب منكم أن تقدموا له ما هو من حقه. فقد طالبهم يسوع بدفع ما كان مطلوب قانوناً. فحقوق الله وحقوق الدولة لا ينفي الواحد منهما الآخر بل يتكاملان. هذا العبارة التي أصبحت مثلا مأثورا لا يعني بمطالبة المسيحيين بالصدق غير المشروط تجاه الدولة. لا واجبات مطلقة الا لله، وعلى ضوء الواجبات تجاه الله تأتي سائر الواجبات البشرية. ومع كل الحكمة في إجابة المسيح هذه، وأنه لم يخطئ في حق قيصر قد اتهموه شهود زورٍ أنه يفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر قائلًا إنه ملك ” وأَخذوا يَتَّهِمونَه قالوا: ((وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ يَفتِنُ أُمَّتَنا، ويَنهى عَن دَفْعِ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر، ويَقولُ إِنَّه المسيحُ المَلِك ” (لوقا 23: 2). وهذه العبارة تذكرنا بأن لله حقوق علينا -فإننا نقدم لله ما هو لله لأن منه وإليه. فالله يستحق منا الشكر والحمد والتسبيح والسجود والعبادة. وباختصار، يفصل يسوع بين الدين والدولة، معتبراً أن لكل منهما وجهاً ودوراً يلتقيان في خدمة الانسان.
22فلمَّا سَمِعوا هذا الكَلامَ تَعَجَّبوا وتَركوهُ وانصَرَفوا”
تشير عبارة “وتَركوهُ وانصَرَفوا” الى عدم مخالفة يسوع للناموس بل وضَّحه واكد علي معناه الحقيقي ووضح انهم ايضا يخضعوا لقيصر لأنهم يتعاملوا بعملة قيصر ولم يقدروا ان يقولوا انه مخالف لقيصر مثير للفتنه، ومع كل الحكمة في إجابة المسيح هذه، وأنه لم يخطئ في حق قيصر إتهموه بأنه يفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر قائلاً أنه ملك (لوقا 23: 2).
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 22: 15 -21)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 22: 15 -21)، نستنتج انه يتمحور حول موقف يسوع من دفع الجزية من تيارات زمنه الدينية المختلفة الفريسية والهيرودسية. ومن هنا نتساءل ما هي الجزية في مفهوم الكتاب المقدس؟ ما هو موقف يسوع من دفع الجزية؟ وكيف نعيش كلمة يسوع في هذا المجال؟
1) ما هو مفهم الجزية في الكتاب المقدس؟
طرح رؤساء الشعب اليهودي على يسوع أسئلة خطيرة، ومنها: الجزية لقيصر (متى 22: 15022)، إقامة الأموات (متى 22: 23-33)، الوصية الكبرى (متى 22: 34-40)، ابن داود (متى 22: 41-46). واليوم نتناول الموضوع دفع الجزية في العهد القديم والعهد الجديد.
في فلسطين هناك ضريبتان: الضريبة المدنية والضريبة الدينية. والضريبة المدينة كان تدفع للملوك اليهود ومثل سليمان وللوثنيين مثل الفرس واليونانيين والرومانيين.
وفي أيام المسيح كان الشعب يدفع نوعين من الضرائب المدنيَّة: ضرائب مباشرة، وأخرى غير مباشرة، اما الضرائب المباشرة فتُدفع على اساس المدخول الإنتاجي كلٌّ بحسب امكانياته المادِّية، والضرائب غير المباشرة هي بمثابة رسوم جمركية تُدفع مقابل العبور على الطرق ومداخل المدن. ” وقد سأل الفريسيون يسوع عن شرعية كلتا الضريبتين ” أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟”(متى 22: 17). ويتم تحصيل الرسوم الضريبة عن طريق جباه الضرائب، إذ يتفق شخص او مجموعة أشخاص مع الدولة على دفع مبلغ معيّن كل سنة، ولمدة خمس سنوات. فعلى سبيل المثال زكا على مدخل اريحا، ومتى اللاوي على مدخل كفرناحوم.
وفي أيام يسوع كان أنواع كثيرة من العملة، منها من المعادن الثمينة كالذهب والفضة، ومنها المعادن العادية كالبرونز والنحاس. وسُميت العملة بأسماء متنوعة منها الدينار والدرهم والاستار، وكان من عادة كل حاكم ان يسك عملة خاصة به، وتُدفع الضرائب لروما بعملة قيصر التي تحمل صورته.
اما النوع الثاني من الضرائب، فهو الضريبة الدينية، وتنقسم تلك الضريبة الى قسمين: القسم الأول يُخصص للهيكل من اجل ترميمه ولإعالة الكهنة الذين يخدمون فيه؛ يدفعها كلُّ إسرائيلي بلغ عمره أكثر من ثلاث عشرة سنة. وكان الضريبة في ايام يسوع درهمين “لَمَّا وَصَلُوا إِلى كَفَرناحوم، دنَا جُباةُ الدِّرهَمَينِ إِلى بُطرس وقالوا له: أَما يُؤَدِّي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرهَمَين؟ ” (متى 17: 24).
والقسم الثاني من الضريبة هو الاعشار، على كل إنسان ان يدفع عشر ما تتجه ارضه، عرفان شكر للرب الذي وهبها له، وكانت الاعشار توزع على الكهنة والفقراء “لوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَع والشُّمْرَةِ والكَمُّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في الشَّريعة: العَدلَ والرَّحمَةَ والأَمانة. فهذا ما كانَ يَجِبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك”(متى 23: 23).
الجزية في العهد القديم
للدلالة على الجزية استعمل العهد القديم لفظة מְנֻחָה التي تعني هديّة، تقدمة، والتي دلّت على عدد من الذبائح. فالجزية هي مال أو بضاعة أو خدمة تقدم من أمة أو من فرد لأمة أو الملك علامة الخضوع وقياماً بالنفقة (تكوين 49: 15 وقضاة 1: 28)، او ضريبة تُفرض على المغلوب، أو تُدفع لملك غريب دلالة على التبعيّة. ويمكن ان نميّز ثلاثة مستويات من الجزية: جزية يدفعها افراد إسرائيل الى الله او الملك، وجزية يدفعها الملوك لبني إسرائيل، وجزية يدفعها ببني اسرائيل للملوك.
المستوى الأول: جزية يدفعها افراد إسرائيل الى الله او الملك. الجزية حسب الشريعة الموسوية هي عبارة عن درهمين كانت تفرض على كل نفس فوق سن العشرين ومقدارها نصف شاقل ينفق في سبيل خدمة خيمة الاجتماع ” هذا ما يُعْطيه كُلُّ مَن كانَ خاضِعاً لِلإحْصاء: نِصْفُ مِثْقالٍ بِحَسَبِ مِثْقالِ القُدْس-المِثقالُ بِعِشرْينَ دانَقاً-نِصْفُ المِثْقالِ يَكونُ تَقدِمةً لِلرَّبّ ” (خروج 30: 13)، وقد جعل الملك سليمان على الشعب جزية ثقيلة (1 ملوك 12: 4). ثم في أيام نحميا كان كل اسرائيلي يدفع جزية اختيارياً هو (ثلث) شاقل لنفقة الخدمة في الهيكل كما جاء في محضر العهد الذي قطعته الجماعة “نُؤَدِّيَ عن أَنفُسِنا ثُلثَ مِثْقالٍ في السَّنَةِ لِخِدمَةِ بَيتِ إِلهِنا (نحميا 10: 32 و33) ثم صار فيما بعد نصف شاقل كضريبة سنوية تجمع من كل يهودي جاوز العشرين من عمره في كل أنحاء العالم.
المستوى الثاني فقد ذكر الكتاب المقدس الجزية الباهظة التي دفعتها الأمم لملوك بني اسرائيل مع بعض المبالغة. مثلاً قيل إن سليمان تسلّم الجزية من كل الممالك بين الفرات وأرض الفلسطينيين (1ملوك 5 :1) جزية سنوية (1ملوك 10 :25). ونشير أيضًا إلى الجزية التي دفعها موآب وأرام لداود الملك (2صموئيل 8 :2، 6)، وميشع، ملك موآب لآخاب (2ملوك 3 :4)، والفلسطينيون ليوشافاط (2أخبار 17 :11)، والعمونيون لعزّيا (2أخبار 26 :8). والعالم كله يدفع الجزية للمك داود 0 كمل جاء في سفر المزامير ” مُلوكُ تَرْشيشَ والجُزُرِ الجِزيَةَ يؤدُّون ومُلوكُ شَبَأَ وسبَأَ الهَدايا يقَدِّمون. جَميعُ المُلوكِ لَه يَسجُدون كلّ الأمَمِ لَه يَخدُمون. (مزمور 72: 10-11).
والمستوى الثالث فقد ذكر الكتاب المقدس الجِزًى دفعها بنو اسرائيل لعجلون الموآبي (قضاة 3 :15-18)، والملك هوشع لشلمنأصر (2ملوك 17 :3-4)، والملك يوآش للأراميين (2أخبار 24 :27). كما حُمل عجل بيت ايل إلى أشورية كجزية للملك العظيم (هوشع 10 :6)، وفرض السلوقيون الجزية (1ملوك 3 :29). أما ديمتريوس الأول فعفا منها اليهود (1ملوك 10 :29-33). وإن أنطيوخس الرابع دفع للرومان جزية فرضوها عليه في معاهدة أفامية (188 ق.م.).
الجزية في العهد الجديد
استعمل إنجيل متى كلمة لاتينية κῆνσον (متى 22: 17 ومرقس 12: 14) للدلالة على ” الجِزيَةِ، والجزية هي الدينار الروماني. وعلى الدينار منقوش صورة وكتابة. وهذه النقوش لا توافق مبادئ الشعب اليهودي الذي ترفض الصور خاصة صورة الإمبراطور نفسه التي جعل نفسه الها وحاول ان يجعل رايته في هيكل اورشليم. لم يجادل يسوع رفض الصور، إنما ترك للناس حرية خيارهم السياسي إلا ان إكرام الله له الأولوية على كل شيء.
واما أنجيل لوقا استخدم لفظ φόρος (الضريبة) (لوقا 20 :22) في الجدال حول الجزية التي تُدفع لقيصر؛ وتّهم يسوع بأنه يمنع اليهود من دفع الجزية φόρος (لوقا 23 :2). وأما محاورة المسيح وبطرس في أمر الجزية التي دفعها المسيح في كفرناحوم فكان المقصود بها أن يوضِّح المسيح لبطرس أنه كان ممكناً أن يعفي (المسيح) من دفع الجزية لو شاء، لأنه ابن الله الذي كانت تدفع تلك الضرائب لخدمة بيته لكنه دفع الاستار لكيلا يعثِّر الشعب (متى 17: 24-27).
والى جانب التكاليف غير المباشرة (من رسوم وجمارك ورسوم لا تُحصى)، كانت الاقاليم تؤدي للإمبراطورية الرومانية “الجزية”، وكانت هذه واحدة لجميع اليهود، ولم يكن يُعفى منها إلاّ الاولاد والشيوخ. وكانت الجزية تُعد علامة خضوع الشعب لروما. وكان اليهود يكرهون الجزية، لان الاموال كانت تذهب مباشرة الى خزانة قيصر، حيث يذهب جزء منها للصرف على المعابد الوثنية والحياة المنحطة التي تتسم بها الأرستقراطية الرومانية. كما أنَّ صورة قيصر على العملة تذكر اليهود بخضوعهم لروما. وكان الغيورون ينهون أنصارهم عن تأديتها.
حث بولس الرسول المؤمنين على دفع الضرائب (رومة 13 :7). ويقول يوسيفوس المؤرخ أنه بعد خراب أورشليم ألزم الامبراطور فاسبسيان جميع اليهود في أنحاء الامبراطورية أن يدفعوا لهيكل جوبيتر في روما، الدرهمين اللذين كانوا يدفعونهما سابقاً للهيكل. في هذه النصوص كما عند يوسيفوس (الحرب 12 :158) دلّت φόρος (الجزية) على ضريبة تُدفع للإمبراطور، فتميّزت عن سائر الضرائب مثل “تالوس” مثلاً التي قد تفرضها سلطات البلد كما يفرضها البلد المحتلّ.
اما في المفهوم الإسلامي فالجزية تختلف معناها كليا هي ما يعطيه اهل الذمة من المال، والجمع الجزى، وهي فعل من الجزاء كأنها جزت عن قتله.
2) ما هو موقف يسوع من دفع الجزية؟
يمكن ان نطبق جواب يسوع لدفع الجزية ((أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله)) ثلاثة تطبيقات من الناحية اللاهوتية والاخلاقية والمواطنة.
(ا) الوجهة اللاهوتية:
اظهر لنا يسوع من خلال مبدئه ” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله” (متى 22: 21) ان لنا انتماء مزدوجاً: انتماؤنا للدولة يقتضيننا دفع الأموال للخدمات والمنافع التي نتمتع بها، وانتماؤنا لله يقتضيا ان نقدم لله، ولاء نفوسنا وطاعتها. فالمؤمن الذي يعطي لله ما لله يضع الله في المقام اللائق به: المقام الأول. الله الذي لا يقارن بأحد ولا بأي شيء آخر لأنه فوق الجميع وفوق كل شيء. وكل الخليقة يجب أن تؤدي لله ما هو لله أولاً وكل شيءٍ آخر يتبع. كما طالبنا سيدنا يسوع السميح ” اطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه” (متى 6: 66)؛ ويؤكد ذلك بطرس الرسول ” اِتَّقوا الله، أَكرِموا المَلِك” (1 بطرس 2: 17)، ولذا يطلب بولس الرسول من أتباعه ان يصلوا لأصحاب السلطة ” فأَسأَلُ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ أَن يُقامَ الدُّعاءُ والصَّلاةُ والاِبتِهالُ والشُّكرُ مِن أَجْلِ جَميعِ النَّاس ومِن أَجْلِ المُلوكِ وسائِرِ ذَوي السُّلْطَة، لِنَحْيا حَياةً سالِمةً مُطمَئِنَّة بِكُلِّ تَقْوى ورَصانة” (1 طيموتاوس 2: 1-2).
لكن جواب يسوعُ ” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله” (متى 22: 21) راح إلى أبعدِ من ذلك، مُشيراً إلى ما هو محور الموضوع وجوهره: ” اعطوا لله ما هو أصلاً له”، فكما ان القطعة النقدية الرومانية تحملُ صورة القيصر، هكذا يحملُ قلب كل كائن بشري صورة الله، لقد خلقنا الله على صورتهِ كمثاله، إذا نحنُ له وإليه يجبُ ان نعود، وحده يستحق جزية ذاتنا الكاملة، يستحق منا الشكر والحمد والتسبيح والسجود والعبادة. أن ندفع الجزية للقيصر هو أمرٌ مهم ولكن الأهم هو أن نُعطي الله حياتنا وقلبنا كأبنائه الاحرار. ليست هنا ثنائيّة بين عطاء قيصر حقّه وعطاء الله حقّه، فإن كليهما ينبعان عن قلبٍ واحدٍ يؤمن بالشهادة لله خلال الأمانة في التزامه نحو الآخرين ونحو الله.
الواجبات تجاه الله غير الواجبات تجاه القيصر. إذ يشير مبدأ المسيح ” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله” في الدرجة الأولى الى الاعتراف بسيادة الله وابنه يسوع المسيح على العالم وعلى التاريخ “صارَ مُلكُ العالَمينَ لِرَبِّنا ولِمَسيحِه. فسَيَملِكُ أَبَدَ الدُّهور ” (رؤيا 11: 15)؛ ويشير ايضا الى الاعتراف بانه لا يجوز للإنسان ان يخضع حريته الشخصية، اخضاعا مطلقا، لأي سلطان ارضي، بل للآب وحده، وللرب يسوع المسيح “الله أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس” (اعمال الرسل 5: 29). والكنيسة “تؤمن أنَّ مفتاح تاريخ البشر، ومركزه، وغايته هي في ربها ومعلمها “(التعليم المسيحي الكاثوليكي، 450)، وليس في “قيصر” فقيصر ليس “الرب”.
ان حق الله فوق كل حق. وحدها الطاعة لله لها طابع مطلق ونهائي. فاذا كانت الوجبات تجاه البشر لا تعارض واجباتنا تجاه الله نقوم بها كما جاء في تعليم بولس الرسول ” لِيَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بأَيدِيها الأَمْر، فلا سُلْطَةَ إِلاَّ مِن عِندِ اللّه، والسُّلُطاتُ القائِمة هو الَّذي أَقامَها”(رومة 13: 1). لذا يتوجب علينا ان نعطي للحكام المدنيين كل ما هو واجب لهم، طالما ان ذلك لا يتنافى مع واجبات تجاه الله. هل نعطي لله كل ما هو له؟ نحن نحمل صورته. فكما يطلب قيصر صورته على عملته هكذا يطلب المسيح صورته فينا.
(ب) الوجهة الاخلاقية،
يقتضي مبدأ المسيح “أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله” (متى 22: 21) وجها أخلاقيا، لموقف المسيحي حيال الحكومة. جواب يسوع له الأثر العميق على مجرى الفكر المسيحي في المشاكل الادبية لموقف المسيحي حيال الحكومة؛ فواجبنا نحو الله لا يتعارض مع واجبنا نحو الحكومة، فنحن مدينون لكليهما. ومن الممكن ان نكون مسيحيين حقيقيين ومواطنين موالين في الوقت نفسه. وهذا ما جعل اتباع يسوع يتبعون هذه الوصية. فقال القديس بطرس: “إتَّقوا الله، أَكرِموا المَلِك” (1 بطرس 2: 17)؛ اما القديس بولس فقال: “أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّه: الضَّريبَةَ لِمَن لَه الضَّرِيبة، والخَراجَ لِمَن لَه الخَراج، والمَهابةَ لِمَن لَه المَهابَة، والإِكرامَ لِمَن لَه الإِكرام” (رومة 13: 7).
وعليه فإن يسوع يطالب المسيحيين ان يؤدوّا واجباتهم تجاه السلطة السياسية، وان يميّزوا ما هو لله وما هو لقيصر، دون ان يقاوم الواحد الآخر، وان نتعاون بإخلاص، من أجل صالح الدولة العام. وان نكون دوما أمناء تجاه الله كما نحن أمناء تجاه السلطات المدنية. وبهذا المعنى قال بولس الرسول ” يَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بأَيدِيها الأَمْر، فلا سُلْطَةَ إِلاَّ مِن عِندِ اللّه، والسُّلُطاتُ القائِمة هو الَّذي أَقامَها ” (رومة 13: 1). هي بمثابة تعليمات على الانسان ان يلتزم بها.
فعلينا ان نعطي الحكام المدنيين كل ما هو واجب لهم، طالما ان ذلك لا يتدخّل في الكرامة التي هي لله. لكن على المواطن واجب ضمير بأن لا يخضع لأوامر السلطات المدنية عندما تفرض ما يتعارض ومقتضيات النظام الخلقي، والحقوق الاساسية للأشخاص وتعاليم الانجيل والضمير المستقيم. وهذا الرفض يجد تبريره في التمييز بين خدمة الله وخدمة الجماعة السياسية ” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله”، وهذا كان رد فعل بطرس والرسل امام مجلس اليهود “الله أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس” (اعمال الرسل 5: 29).
ومن هنا جاء تعليم الكنيسة “يحق للمسيحيين ان يدافعوا عن حقوقهم وحقوق مواطنيهم، ويقاوموا تجاوزات هذه السلطة، على ان يراعوا الحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعية والشريعة الانجيلية” (وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني، ك ع 74). للمؤمنين التزامات قانونية تجاه كل من الله والحكومة. لكن المهم ان نحفظ اولوياتنا سليمة، فعندما يتصارع الواجبان، فدائما ما يأتي واجبنا نحو الله أولا.
(ج) الوجهة السياسية او المواطنة
لم يقسم يسوع من خلال المبدأ “أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله” (متى 22: 21) مجالات العمل بين الله وقيصر، بين السياسة والدين. فحين نُعطي ما لنا لله فإننا نعطيه كل شيء، نسلمه حياتنا كلها مع التزاماتنا الشخصية والسياسية ايضا. داخل ما نعطيه لله هناك التزاماتنا الدينية تجاه قيصر، تجاه المسؤولين عن حياة الجماعة وبأهميةِ الدولة ومؤسساتها، والمواطنة. كلام يسوع يدفعنا الى خدمة قيصر حين يكون قيصر في خدمة جماعة يؤمّن لها المساعدة، ويدفعنا الى معارضته حين يقود الى شقاء شعبه ولا سيما الضعفاء والفقراء او الابتعاد عن عبادة الله الحق كما حدث مع رجال الله مثل دانيال شَدرَكَ وميشَكَ وعَبدَ نَجو الذين كانوا خاضعين لنَبوكد نصَّرفيما عدا ما يخالف وصايا الرب (دانيال 2: 49). فيتوجب على المسيحيين ان يقوموا بدورهم في حياة الجماعة السياسية كما أكدت تعليم الكنيسة. (التعليم المسيحي الكاثوليكي، 2231). فهناك احترام الكنيسة لقيصر، فلا تتدخل في السياسة بل تعطيه حقّه في تدبير أموره، لكن ليس على حساب حق الله وشهادتها له.
ويرشدنا النص الإنجيلي (متى 22: 15 -21) التعامل مع السياسة. ففيه نجد أولا فضائل يسوع المطلوبة للتعامل في السياسة وقد أقرّها خصومه” يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس” (متى 22: 16). انه رجل نزيه لا يُشْتَرى، ولا يتورط في غش او خداع او تحكيم، ولا يتذلل امام قوى العصر الغاشمة، إنه رجل سديد الرأي. وهذه الصفات النادرة تؤهل الانسان ليمارس السياسة ممارسة مسيحية.
وقبل الخوض في قرارات سياسية يتوجب على الانسان ان يدرس السؤال ويدقّق فيه، وأن يفكر فيه ويُحلله، كما عليه ان يتفحص الامر قبل ان يصدر حكمه وألاّ يتصرّف على هواه لكيلا يقع في فخ السياسة. لذا قال يسوع للفريسيين والهيرودسيين ” أَروني نَقْدَ الجِزيَة. فَأَتَوهُ بِدينار” (متى 22: 19)؛ ومن هنا يتوجب علينا ان نطرح الأسئلة أيضا على الاخرين وان نتباحث ونتدارس الامر معاً كما فعل يسوع “فقالَ لَهم: لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابة؟ (متى 22: 20).
وبعد ذلك ادلى برأيه مصرّحا ان في العالم سلطة مدنية ” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله “. فجاءت عبارته حكمة على كل لسان كدستور يقضي بالتعايش بين السلطتين الدينية والمدنية. ويسوع يريدنا ان نؤدي لكل صاحب صورة عندنا حقه، فصورة القيصر قد صُكت عندنا على النقود، فله الجزية نقوداً واما صورة الله قد صُكت عندنا على القلوب، فله الجزية عبادة وسجودا. يعلق القديس أوغسطينوس “كما يطلب قيصر صورته على العملة هكذا يطلب الله صورته فينا”
وأما انتماؤنا للدولة فيقتضي دفع الاموال للخدمات التي نتمتع بها والمشاركة في المسؤولية عن الخير العام بما فيه تسديد الضرائب، وممارسة حق الاقتراع، والدفاع عن البلد. وقد أوضّح ذلك القديس بولس الرسول ” أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّه: الضَّريبَةَ لِمَن لَه الضَّرِيبة، والخَراجَ لِمَن لَه الخَراج، والمَهابةَ لِمَن لَه المَهابَة، والإِكرامَ لِمَن لَه الإِكرام. (رومة 13: 7). نريد أن تُؤمِّن لنا الدولة كل أنواع الخدمات مثل المياه والكهرباء والمجاري والطرق والمدارس والمواصلات والشرطة لحمايتنا، ولكنّنا لا نريد أن نعطي الدولة حقها حتى تستطيع أن تؤدي تلك الخدمات. فواجب المسيحيين كمواطنين ان يساهموا مع السلطات المدنية لخير المجتمع بروح الحقيقة والعدالة والتضامن والحرية.
الموطن الحقيقي هو الامين للمسئوليتين الدينية والمدنية، والملتزم بكل الواجبات الوطنية، لا يهرب من عمل صالح، ولا من خدمة الآخرين، ولا من مسئوليات وظيفته، ولا من واجبه الوطني المدني والعسكري، ولا من أداء الضرائب، ولا من دوره في بناء المجتمع من خلال الأحزاب والنقابات والجمعيات واتحادات الطلاب وكافة مؤسسات المجتمع المدني. فواجبنا نحو الله لا يتعارض مع واجبنا نحو الحكومة، فنحن مدينون لكليهما. ومن الممكن حقا ان نكون مسيحيين حقيقيين ومواطنين موالين في الوقت نفسه (رومة 13: 1-7). فحقوق الله وحقوق الدولة لا ينفي الواحد منهما الآخر. يكرر البابا والأساقفة القول ” لا يحق لأي مسيحي ان يظل خارج الطوق، وبعيداً عن هذا الإطار.
3) كيف يمكننا ان نعيش واجباتنا السياسية او المواطنة؟
السؤال الصعب الذي أمامنا اليوم: هل ندفع الضرائب للدولة الحاكمة أم لا؟ خاصة في الحالات الصعبة، أي في حالة كانت الدولة معادية للإنجيل، أو كانت دولة محتلة أو دولة ظالمة؟
أن الواجبات للدولة مقدسة وضمن الواجب الديني. علينا أن نطيع القوانين ما دامت هذه القوانين لا تطلب منا ما يخالف إيماننا وضمائرنا وولاءنا الرئيسي للربّ.

نعيش واجباتنا السياسية ليس بإقامة مملكة روحية بعيدة عن واقعنا، مملكة مثالية، بعيدا عن عبء الحياة، لكن بقدر ما نحافظ على كرامتنا وكرامة الانسان الذي “خلقه اللهُ على صُورَتِه ومثاله (التكوين 1: 26)، ولا نسمح لأي شخص او شيء، او قوة تقضي عليها.
نعيش واجباتنا السياسية والمواطنة بالتحلي بروح المسؤولية والالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من التعصب والتحيز، وباهتمامنا بالخير العام، وباحترامنا القوانين والنظام العام والانتماء والعطاء وحب الوطن والتضحية من اجله والدفاع عنه.
نعيش واجباتنا السياسية بدفع “الضريبة” حيث نكون مساهمينً في تمويل خزينة الدولة التي تعود وتوزع المداخيل على شكل تقديمات اجتماعية ضمن إطار السياسات الاجتماعية من صحة وتعليم وسكن لائق وغيرها الهادفة الى ترقي المواطن وصولاً الى مجتمع الرفاه.
نعيش واجباتنا السياسية والمواطنة بالعمل على حماية الحياة والدفاع عنها، واحترام حقوق الانسان والتسامح وقبول الاخر وحرية التعبير وبالحرص على الممتلكات العامة من طُرقات ومبان ووسائل نقل.
نعيش واجباتنا السياسية عندما نتخلى عن مواقفنا السلبية ونشارك بفاعليةٍ بتطوير بلدتنا ووطنناً، ونقدم الأفكار والاقتراحات بحس نقدي بنَّاء، وننخرط في النسيج الاجتماعي من خلال الجماعات والمؤسسات التطوعية التي تربط المواطنين بحياة مجتمعاتهم.
نعيش واجباتنا السياسية عندما نتطوعُ بالتزامٍ لخدمةِ المجالات الصحية والاجتماعية والمدنية، وعندما نتقنُ عملنا ونساهم في خلق مجتمع أفضل. باختصار عندما نقوم بكل عملٍ بكفاءةٍ ومحبة، لأننا هكذا نخدمُ يسوع في الآخرين ونساهم كي نجعل الدولة والمجتمع في خدمة الإنسان، فيستجيبان لمشروع الله على البشرية. التزام المسيحي بالطاعة لقيصر أو للرؤساء وتقديم حقوق الوطن عليه من ضرائب والتزامات أخرى أدبيّة وماديّة فيها شهادة حق لحساب الله نفسه. إذن ليست هنا ثنائيّة بين عطاء قيصر حقّه وعطاء الله حقّه، فإن كليهما ينبعان عن قلبٍ واحدٍ يؤمن بالشهادة لله خلال الأمانة في التزامه نحو المواطنين الآخرين ونحو الله.

الخلاصة
يعلمنا مبدأ “أَدُّوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ إِلى قَيْصَرَ ومَا للهِ إِلى الله”. أنّ هناك نوعين من السلطة: أحدهما أرضي وإنساني والآخر سماويّ وإلهي. وعليه فإنّنا مُلزَمون بطاعة مزدوجة: طاعة شريعة البشر وطاعة شريعة السماء. علينا أن ندفع لقيصر النقود التي تحمل صورته وكتابته، وأن نُعيد إلى الله كلّ ما يحمل صورته ومثاله فينا ” لقد خُلِقنا على صورة الله كَمِثالِه (تكوين1: 26). إنّنا إنسان، نحمل صورة وكتابة الله، الملك السماوي. إنّ “نور وجهك، يا ربّ” قد ترك خَتمَكَ علينا (مزمور4: 7).
هذا يعني أنّه يجب علينا أن نؤدّي لكلّ واحدٍ ما يخصّه. إن كنّا نريد أن نكون حقًّا صورة لله، علينا أن نتشبّه بالمسيح لأنّه يُمثّلُ صورة الله “وهو صُورةُ جَوهَرِه” (عبرانيين 1: 3). والله “قَضى بأَن يَكونوا على مِثالِ صُورَةِ ابنِه” (روم8: 29). فلِمَ لا نؤدّي إذًا لله ما هو له وما لقيصر ما هو لقيصر؟”.

دعاء

أيها الآب السماوي، نطلب اليك ان تمنحنا النعمة بان نعرف كلمة ابنك يسوع ” أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله فنؤدي كل واجباتنا، ونمارس ادوارنا في خدمة الله والوطن على أكمل وجه، فنحب الجميع، ولا نحصر أنفسنا في مجال جماعة معينة، بل نوسع أفقنا إلى الوطن الواسع، بل حتى إلى البشرية جمعاء! فنكن حقا مواطنين في الأرض وأعضاء في ملكوت السماوات.