إرشادات يسوع في التواضع والضيافة (لوقا 14: 1، 7-14)
الأب لويس حزبون
يتناول أنجيل يوم الاحد (لوقا 14: 1، 7-14) إرشادات يسوع في التواضع والضيافة عندما رأى المدعوين يَتَخَيَّرونَ المَقاعِدَ الأُولى. وكم تعتبر هذه الارشادات هامة في حياتنا المعاصرة التي هي سباق على المراكز الأولى وتنافس على أماكن الصدارة، وصراع على مراتب الشرف والمناصب وحب التجارة والربح. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 14: 1، 7-14)
1ودَخَلَ يَومَ السَّبتِ بَيتَ أَحَدِ رُؤَساءِ الفِرِّيسِيِّينَ لِيَتَناوَلَ الطَّعام، وكانوا يُراقِبونَه.
تشير عبارة “دَخَلَ بَيتَ أَحَدِ رُؤَساءِ الفِرِّيسِيِّينَ ” الى ان يسوع قَبِل دعوة الفريسي مُبيّنا ان كرازته تقوم أولًا على علاقات الصداقة والحب. فإنه لم يأتِ لينافسه على كرسيه، بل ليفتح قلبّهُ بالحب ليكسبه صديقا في ملكوته. وهذه هي المرة الثالثة التي يقبل يسوع فيها الدعوة لتناول الطعام في بيت أحد رؤساء الفرِّيسيِّين. في المرة الأولى دعا يسوع الفرِّيسيِّين للتوبة من خلال الحب (لوقا 7: 36-50)؛ وفي المرة الثانية طلب نقاوته الداخليَّة (لوقا 11: 37)؛ وفي المرة الثالثة يكشف عن المفهوم الحقيقي لحرمة السبت وهي العبادة الروحية وعمل الخير في يوم الرب؛ اما عبارة ” يَومَ السَّبتِ ” فتشير الى ان لوقا الإنجيلي ذكر خمس معجزات حصلت يوم السبت: شفاء رجل فيه روح شيطان (لوقا 4: 31)، وشفاء رجل يده اليمنى شلاّء (لوقا 6: 6)، وشفاء المرأة المنحنية الظهر (لوقا 13: 14)، وشفاء رجل مُصاب بالاستسقاء (لوقا 14: 1). فكلمة سبت معناها الراحة. والراحة الحقيقية هي في نبذ الشر وعمل الخير. وان السبت في خدمة الانسان وليس الانسان في خدمة السبت ونظمه وفرائضه؛ فلا نحفظ السبت من اجل السبت، وإنما نحفظه بطريقة روحيَّة لننعم بالراحة الأبديَّة؛ أمَّا عبارة “الفِرِّيسِيِّينَ” فتشير الى نظرة لوقا الإنجيلي إليهم نظرته الى أناس يُمثّلون فكر إسرائيل. فقد حصروا الصلاح في طاعة الناموس فجاءت ديانتهم ظاهرية وليست قلبية داخلية. واشتهر معظمهم بالرياء والعجب. وتحميلهم الناس أثقال العرضيات دون الاهتمام لجوهر الشريعة فأنذر يسوع الفريسيين بقوله “الوَيلُ لكم أَيُّها الفِرِّيسِيُّونَ، فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعنَعِ والسَّذابِ وسائِرِ البُقول، وتُهمِلونَ العَدلَ ومحبَّةَ الله. فهذا ما كانَ يَجبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك”(لوقا 11: 42)؛ أمَّا عبارة “ِيَتَناوَلَ الطَّعام” فتشير الى أنّ الفريسيين يؤيدون يسوع حتى إنهم يدعونه الى مائدتهم أكثر من مرة (لوقا 7/ 36 و11/ 37 و14/1)، بعكس متى الإنجيلي الذي يعتبر الفريسيين خصم يسوع؛ اما عبارة “كانوا يُراقِبونَه” فتشير الى ان دعوة الفريسي ليسوع كانت فرصة للبعض لاصطياده في خطأ في كلامه او في عمل محرم له في السبت ليشكوه، لكن يسوع لم يخفْ من مواجهة الفريسيين. .
7وَضَرَبَ لِلمَدعُوِّينَ مَثَلاً، وقد رأى كيفَ يَتَخَيَّرونَ المَقاعِدَ الأُولى، قال لَهُم:
تشير عبارة “يَتَخَيَّرونَ المَقاعِدَ الأُولى ” الى قواعد التشريفات التي كانت سائدة في العالم اليهودي حيث انَّ كل مدعو يحق له ان يختار في بداية الوليمة مكانه المُخصص له حسب رتبته او مركزه بالمقارنة مع سائر المدعوين؛ فقد جعل أهل قمران في دستورهم تفصيلا دقيقا لتوزيع المقاعد على الناس، في الأعياد والمناسبات. لكن يسوع يُحذِّرنا من هذا السلوك “إِيَّاكُم والكَتَبَة، فإِنَّهم يَرغَبونَ في المَشْيِ بِالجُبَب، ويُحِبُّونَ تَلَقِّيَ التَّحيَّاتِ في السَّاحات، وصُدورَ المَجالِسِ في المَجامِع، والمقاعِدَ الأُولى في المآدِب” (لوقا 20 46). قد كُتب: ” كُلَّ بَشَرٍ كالعُشْب وكُلَّ مَجْدٍ لَه كزَهْرِ العُشْب: العُشْبُ يَيبَسُ والزَّهْرُ يَسقُط ” (1 بطرس 1: 24). فكما أن العشب الذي ينبت بدون جذر عميق ثابت فيجف سريعًا، هكذا من يهتم بالمقاعد الأولى والمناصب، بعد أن يصير ظاهرًا كالزهرة يسقط ويصير كلا شيء.
8((إِذا دُعيتَ إِلى عُرْس، فلا تَجلِسْ في المَقعَدِ الأوّل، فَلرُبَّما دُعِيَ مَن هو أَكرَمُ مِنكَ،
تشير عبارة ” فلا تَجلِسْ في المَقعَدِ الأوّل ” الى عدم الاهتمام في الأولويات والتشريفات، انما الاهتمام بالتواضع وبخدمة الآخرين وذلك بأخذ المقام الأخير؛ “إِن لم تَرجِعوا فتَصيروا مِثلَ الأَطفال، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّمَوات” (متى 18: 3). فالمتكبر يتسارع في إثبات نفسه بجلوسه في المقعد الاول، غير مُدرك أن الناس تسخر منه، وهو لا يشعر لعماه. وعماه سببه كبرياؤه.
9فَيَأتي الَّذي دَعاكَ ودَعاه فيقولُ لَكَ: أَخْلِ المَوضِعَ لِهذا. فتَقومُ خَجِلاً وتتَّخِذُ المَوضِعَ الأَخير.
تشير عبارة “أَخْلِ المَوضِعَ لِهذا ” تشير الى آية من سفر الأمثال ” لا تَفتَخِرْ أَمامَ المَلِك وفي مَكانِ العُظماءِ لا تَقِفْ، فإِنَّه خَيرٌ أن يُقالَ لَكَ: ((اِصعَدْ إِلى هنا)) مِن أَن تُحَطَّ أَمامَ الأَمير” (أمثال 25: 6-7)
10ولكِن إِذا دُعيتَ فامَضِ إِلى المَقعَدِ الأَخير، واجلِسْ فيه، حتَّى إِذا جاءَ الَّذي دَعاكَ، قالَ لكَ: قُمْ إِلى فَوق، يا أَخي. فيَعظُمُ شَأنُكَ في نَظَرِ جَميعِ جُلَسائِكَ على الطَّعام.
تشير عبارة ” المَقعَدِ الأَخير ” الى المشاكل المشابهة بين الرسل؛ إذ “وَقَعَ بَينَهم جِدالٌ في مَن يُعَدُّ أَكبَرَهم. فقالَ يسوع لَهم” أَمَّا أَنتُم فلَيسَ الأًمْرُ فيكُم كذَلِكَ، بل لِيَكُنِ الأَكبَرُ فيكم كأَنَّه الأَصغَر، والمُتَرَئِّسُ كأَنَّه الخادم (لوقا 22: 24-26)؛ اما القديس بوحنا الذهبي الفم فيعلق “رفض طلب الأماكن المرموقة، وإنما البحث عن الأماكن المتضعة”. فالمقعد الأخير هو رمز نعمة من يعرف المركز هو خدمة. وقد واجهت الجماعة المسيحية الأولى أيضا مشكلة ” المقاعد الأولى” كما جاء في تعليق يعقوب الرسول “إذا دَخَلَ مَجمَعَكم رَجُلٌ بِإِصبَعِه خاتَمٌ مِن ذَهَبٍ وعلَيهِ ثِيابٌ بَهِيَّة، ودَخَلَ أَيضًا فَقيرٌ علَيه ثِيابٌ وَسِخَة، فالتَفتُّم إِلى صاحِبِ الثِّيابِ البَهِيَّة وقُلتُم له: ((اِجلِسْ أَنتَ ههُنا في الصَّدْر))، وقُلتُم لِلفَقير: ((أَنتَ قِفْ)) أَو ((اِجلِسْ عِندَ مَوطِئِ قَدَمَيَّ” (يعقوب 2: 1-3)؛ أمَّا عبارة ” قُمْ إِلى فَوق، يا أَخي” فتشير إلى الوصول إلى المقاعد الأولى مرورا بالمعقد الأخير.
11فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع)).
تشير عبارة “مَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع” الى مبدأ أساسي تكرر في الكتاب المقدس (لوقا 11: 43، 18: 14). وينص هذا المبدأ أنَّ الله يجازي مَن يمعن في الكبرياء جزاءً وفيراً كما يقول صاحب المزامير “الرَّبّ يَحرُسُ المُؤمِنين وُيبالغُ في جَزاءِ المُتَكَبرين” (مزمور 31: 24). إنهم “يَتَبَدَّدُون كدُخانٍ في الهَواء (حكمة 5: 14)، فارتفاعهم ما هو إلا مقدّمة لدمارهم كما ورد في سفر الامثال “قَبلَ التَّحَطّمِ الكِبرِياء وقَبلَ السُّقوطِ تَرَفعٌّ الرُّوح (أمثال 16: 18). فكبرياء الإنسان تنخفض وغطرسته تحتقر ويتعالى شأن الرب وحده! كما جاء في نبوءات اشعيا (اشعيا 2: 6-22)، لذا ينصح الحكيم يشوع بن سيراخ ” لا تَرتَفع لِئَلاَّ تَسقُطَ فتَجلُبَ على نَفسِكَ الهَوان ” (يشوع ابن سيراخ 1: 30)؛ ويعلن صاحب سفر الامثال الأمر نفسه بطريقة تشبيهية “مَن يُعْلِ بابَه يَلتَمِسِ التَّحَطُّم” (أمثال 17: 19). وخير مثال على ذلك هو الشيطان نفسه” قد قُلتَ في قَلبِكَ: … أَصعَدُ فَوقَ أَعالي الغُيوم وأَكونُ شَبيهاً بِالعَلِيّ. بَل تُهبَطُ إِلى مَثْوى الأَمْوات إِلى أَقاصي الجُبّ ” (أشعيا 13:14-15)؛ وبناء على هذا المبدأ أدان يسوع ما عند الفريسيين من ثقة بالنفس متشامخة كما هو الحال في مثل الفريسي والعشار (18: 14). ان البر الذي يدَّعي الفريسي الحصول عليه بأعماله، هو عطية لا يستطيع أحد ان يهبها إلاّ الله كما يوضّح ذلك بولس الرسول “أَكونَ فيه (المسيح)، ولا يَكونَ بِرِّي ذلك الَّذي يأتي مِنَ الشَّريعة، بلِ البِرُّ الَّذي يُنالُ بِالإِيمانِ بالمسيح، أَيِ البِرُّ الَّذي يأتي مِنَ الله ويَعتَمِدُ على الإِيمان” (فيلبي 3: 9)؛ اما عبارة ” ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع ” فتشير الى مبدأ التواضع. وهو مقتبس من حزقيال النبي “يُرفَعُ الوضيعُ ويُوضَعُ الرَّفيع”(حزقيال 21: 31). وخير مثال على ذلك ما حدث مع المسيح نفسه “تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب. لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء” (فيلبي 7:2-9). وقد فسّر يسوع هذا المبدأ بصورة عملية بقوله ” فمَن وضَعَ نفسَه وصارَ مِثلَ هذا الطِّفل، فذاك هو الأَكبرُ في مَلَكوتِ السَّموات”(متى 18: 4). واستنادا على هذا المبدأ أيضا أدان يسوع كل أدعاء وكبرياء. واكّدته مريم البتول بنشيدها (تـعظّم) “حَطَّ الأَقوِياءَ عنِ العُروش ورفَعَ الوُضَعاء ” (لوقا 1: 52). وفي الواقع سيظهر المتواضعون في يوم الرب، والمتواضعون وحدهم، شبيهون بالله، الذي هم أبناؤه ” أَيُّها الأَحِبَّاء نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو “(1 يوحنا 3: 2).
12وقالَ أَيضاً لِلَّذي دَعاه: ((إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً، فلا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ولا إِخوَتكَ ولا أَقرِباءَكَ ولا الجيرانَ الأَغنِياء، لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ المُكافأَةَ على صنيعِكَ.
تشير عبارة ” دَعاه ” الى دعوة الفريسي ليسوع لتناول الطعام على مائدته؛ اما عبارة “لا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ” فتشير الى حلقة من الأشخاص حوله امتدادا لنفسه. في حين أنَّ دعوة الانجيل تحملنا الى ابعد من هذه الحلقة من أَصدِقائنا وإِخوَتنا وأَقرِبائنا وجيرانَنا الأَغنِياء فهي دعوة الى الفقراء والمنبوذين؛ فأكّد يسوع ذلك بقوله “إِن أَحسَنتُم إِلى مَن يُحسِنُ إِليكُم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ ” (لوقا 6: 33). اما عبارة “لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ المُكافأَةَ على صنيعِكَ ” فتشير الى ان يسوع انتهز فرصة للدعوة الى السخاء تجاه الفقراء والنزاهة في عمل الخير فننال الجزاء من الله، والا ننال الجزاء من الانسان “الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياء فقَد نِلتُم عَزاءَكُم “(لوقا 6: 24). لذا علينا أن نبتعد عن القول القديم: “أعطي الآخر اليوم ليُعطيك غداً”. ولنبتعد عن المقايضة والمتاجرة، بل نعش في المجانية لوجه الله، لإن المجانية توجّه الحياة نحو المكافأة من الله وليس من الانسان ” أَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفْيَةِ يُجازيك”؛ وهذه المكافأة هي القيامة “فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار” (لوقا 14: 14).
13ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان.
تشير عبارة “الفُقَراءَ” الى المحتاجين لخيرات هذه الدنيا. وموضوع الشفقة على الفقراء ليست غريبة عن لوقا الإنجيلي (لوقا 14: 13 و16: 19-26 و19: 8). وقد عبّر يسوع معزّته الخاصة الى الفقراء (مرقس 10: 21 و21: 43)، وهي دليل على وجود الله المطلق، ودعوة انتظار كل شيء من نعمته؛ أمَّا عبارة ” الكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان ” فتشير الى مختلف فئات الفقراء والمحتاجين غير القادرين رد الدعوة؛ واما عبارة “فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان ” فتشير الى نصيحة يسوع التي تعارض العادات المألوفة، وهي ان الأغنياء ينتقون جلساءهم من نفس الطبقة الاجتماعية والمادية؛ أذ كان المجتمع ينبذ الفقراء ويمنع بعضهم من المشاركة في شعائر العبادة. والواقع فإن نصوص التلمود المتأخرة تنص في قواعدها على استبعاد عن جماعة الله الفقراء والمساكين والكسحان والعرجان والعميان والبرص، وتخرجهم شريعة موسى من الخدمة الكهنوتية. فدعوة الانجيل هي الانفتاح نحو الجميع، دون تمييز في المستوى الاجتماعي (لوقا 14: 12-14)، ودون تمييز في العِرق كما جاء في تعليم بولس الرسول ” فَلا فَرْقَ بَينَ اليَهودِيِّ واليُونانِيّ، فالرَّبُّ رَبُّهم جَميعًا يَجودُ على جَميعِ الَّذينَ يَدعونَه ” (رومة 10: 12)، ودون استثناء الخطأة (لوقا 7: 36-50). أما العلامة اوريجين فيأخذ بالتفسير الرمزي لهذه الآية فيرى في الوليمة، المائدة الروحيَّة حيث يليق بنا أن نطرد عنا المجد الباطل ونستضيف الفقراء أو المساكين أي الجهلاء الذين تعوزهم الحكمة، لكي يجدوا في مائدتنا السيِّد المسيح الذي يغني الكل. ونستضيف الضعفاء الذين يقاومون الضمير الداخلي لكي يُبْرئوا داخليًا. كما نستضيف العرج، أي الذين ضلّوا عن السلوك في الحق لكي يجدوا الطرق المستقيمة في الرب؛ ونستضيف العُميان الذين ليس لهم بصيرة روحيَّة لإدراك الحق لكي يتمتعوا بالنور الحقيقي. هؤلاء ليس لهم ما يكافؤننا به إذ لا يجدوا ما يُجيبون به علينا أمام الكرازة المملوءة حبًا!”.
14فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار)).
تشير عبارة ” لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ ” الى دعوة يسوع للنزاهة في عمل الخير كما أوضحه يسوع “فإِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ لأَنَّ الخَاطِئينَ أَنفُسَهُم يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُم. وإِن أَحسَنتُم إِلى مَن يُحسِنُ إِليكُم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ لأَنَّ الخاطِئينَ أَنفُسَهُم يَفعَلونَ ذلك. وإِن أَقرَضتُم مَن تَرجُونَ أَن تَستَوفوا مِنه، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ فهُناكَ خاطِئونَ يُقرِضونَ خاطِئينَ لِيَستَوفوا مِثلَ قَرْضِهم.”(لوقا 6: 32 -34). وهي دعوة يسوع أيضا الى العطاء بمجَّانية دون مقابل؛ أما عبارة ” فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار” فتشير الى انتظار المكافأة ليس من البشر بل من الله لذا علينا ان نعطي من اجل الله. اما عبارة ” قِيامَةِ الأَبرار” فتشير الى قيامة الابرار فقط كما كان سائداّ في بعض جماعات من الدين اليهودي، لكن لوقا الإنجيلي يعترف أيضا بقيامة الخاطئين “راجِيًا مِنَ اللهِ ما يَرجونَه هُم أَيضًا وهو أَنَّ الأَبرارَ والفُجَّارَ سيَقومون”(اعمال الرسل 24: 15).
ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 14: 1، 7-14)
انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 14: 1، 7-14)، نستنتج انه يتمحور حول موضوع إرشادات يسوع في التواضع والضيافة. ومن هنا نتساءل ما هو مفهوم يسوع للتواضع وكيف نعيش التواضع من خلال الضيافة
1) ما معنى التواضع في مفهوم يسوع المسيح؟
قدّم سيدنا يسوع المسيح مبدأ في التواضع للفريسي الذي دعاه لتناول الطعام ” مَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع)). (لوقا 14: 11). فالتواضع هو الاعتدال، عكس الزهو وحب الظهور. إن الإنسان المعتدل البعيد عن الادّعاءات الكاذبة، لا يتكل على حُكْمه الذاتي كما يقول صاحب سفر الامثال” لا تَكُنْ حَكيمًا في عَينَي نَفسِكَ إِتَّقِ الرَّبَّ وجانِبِ الشَّرّ”(أمثال 3: 7). فالمتواضع في اللغة اليونانية ταπεινός هو الذي لا يرتفع كثيرا عن الأرض. اما الوديع في اليونانية πραΰς فهو المتواضع الذي يجعل خضوعه لله صبوراً ووديعاً كما جاء في تعليم يسوع “اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب” (متى 11: 29). ومن هنا التواضع هو فهم الذات عن طريق رؤية أنفسنا كما يرانا الربّ كما يؤكده صاحب المزامير “يا رَبِّ قد سَبَرْتَني فَعَرَفتني، عَرَفْتَ جُلوسي وقِيَامي. فَطِنتَ مِن بَعيدٍ لأَفْكاري، قَدَّرتَ حَرَكاتي وسَكَناتي وأَلِفتَ جَميعَ طرقي. قَبلَ أَن يَكونَ الكَلامُ على لِساني أنتَ يا رَبُّ عَرَفتَه كلَه (مزمور 139، 1-4). وعليه فان المتواضع يُقيّم ذاته تقييماً واقعياً دون الادّعاء أنه ليس ما هو عليه. فهو ليس تحقيراً للذات لكنّه إثبات للواقع.
اما التواضع على الصعيد اللاهوتي فهو عكس الكبرياء، وهو موقف الخليقة الخاطئة أمام الله الكلي القداسة؛ فالمتواضع يعترف أن ما لديه قد ناله من الله، وهنا يسأل بولس الرسول “فمَنِ الَّذي يُمَيِّزُكَ؟ وأَيُّ شَيءٍ لَكَ لم تَنَلْه؟ فإِن كُنتَ قد نِلْتَه، فلِمَ تَفتَخِرُ كأَنَّكَ لم تَنَلْه؟ (1 قورنتس 4: 7)، وما المتواضع إلاّ عبد ضعيف (لوقا 7: 10)، وهو بذاته عَدَمٌ “فإِن ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّه شَيءٌ، مع أَنَّه لَيسَ بِشَيء، فقَد خَدَعَ نَفْسَه” (غلاطية 6: 3)، أو خاطئ كما اعترف بطرس الرسول امام الرب “يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ” (لوقا 5: 8). ومثل هذا المتواضع الذي ينفتح لنعمة الله، يمجده الله وقد قيل في الكتاب المقدس “الرَّبّ يُفقِرُ ويُغْنى يَضَعُ ويَرفَع” (1 صموئيل 2: 7).
اما الكبرياء فهو عكس التواضع، وله انماط منها متباينة فهناك المعجب بنفسه، الذي يطالب بمراتب الشرف كما كان يعمل الكتبة والفريسيون “يُحِبُّونَ المَقعَدَ الأَوَّلَ في المآدِب، وصُدورَ المَجالِسِ في المَجامع، وتَلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ في السَّاحات، وأَن يَدعُوَهُمُ النَّاسُ رابي” (متى 23: 6-7)، وهناك الذي يحسد الآخرين (غلاطية 5: 26). وهناك الوقح الساخر المترفع العينين كما يصفه صاحب الامثال ” ذو التَّكبُرِ والاْنتِفاخِ يُسَمىَّ ساخِرًا لأَنَّه يَعمَلُ بتَكبُرٍ زائِد ” (أمثال 21: 24)، وهناك أيضا المتكبر المرائي الذي يصنع كل ما يصنع ليظهر للناس، وكله غارق في الرذيلة كما كان يفعل الفريسيون “جَميعُ أَعمالِهم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم: يُعَرِّضونَ عَصائبَهم ويُطِّولونَ أَهدابَهم”(متى 23: 5). وهناك المتكبر الفريسي الذي يثق ببرّه المزعوم ويحتقر الآخرين كما ورد في مثل الفريسي والعشار (لوقا 18: 9-14). وهناك المتكبر المتعجرف ذاك الذي يرفض كل تبعيّة، ويزعم أنه ند لله كما حدث في تجربة آدم وحواء ” فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ ” (تكوين 3: 5)، وأخيراً هناك المتكبر الساخر لا يقبل التوبيخ ” السّاخِر لا يحِبّ أَن يُوَبَّخ وإِلى الحُكَماءِ لا يَذهَب”(أمثال 15: 12).
“التَّواضُعُ قَبيحٌ عِندَ المُتَكَبِّر” (يشوع بن سيراخ 13: 20)، فالمتكبّر يتعدى على الوصايا بلا حياء (عدد 15: 30-31)، ويسخر بعبيد الله وبوعوده كما صرّح بطرس الرسول ” سيَأتي في آخِرِ الأَيَّام قَومٌ مُستَهزِئُونَ كُلَّ الاستِهزاء، تَقودُهم أَهواؤُهَم فيَقولونَ: ((أَينَ مَوعِدُ مَجيئِه؟ ماتَ آباؤُنا ولا يَزالُ كُلُّ شَيءٍ مُنذُ بَدءِ الخَليقَةِ على حالِه ” (2 بطرس 3: 3-4). ومَن تنجّسه الكبرياء يكون مُغلقاً للنعمة” لذا يوصي بطرس الرسول بالتواضع “البَسوا جَميعًا ثَوبَ التَّواضُعِ في مُعامَلةِ بَعضِكم لِبَعْض، لأَنَّ اللهَ يُكابِرُ المُتَكبِّرين وُينعِمُ على المُتَواضِعين”(1بطرس 5: 5)، كما يكون المتكبر أيضا مغلقا للإيمان كما يوضّح ليسوع لليهود بسؤاله “كَيْفَ لَكُم أَن تُؤمِنوا وأَنتَم تَتَلَقَّونَ المَجدَ بَعَضُكم مِن بَعض وأَمَّا المَجدُ الَّذي يأتي مِنَ اللهِ وَحدَه فَلا تَطلُبون؟ ” (يوحنا 5: 44). فالمتكبر أعمى بذنبه كما أكد ذلك يسوع للفريسيين “إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون (يوحنا 9: 39-41).
اما يسوع المسيح فهو خير نموذج للتواضع. يسوع هو المسيح المتواضع الذي تنبأ عنه زكريا ” هُوَذا مَلِكُكِ آتياً إِلَيكِ وَديعاً راكِباً على أَتان وجَحْشٍ ابنِ دابَّة “(متى 21: 5). إنه مسيح المتواضعين، كما جاء في التطويبات “طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض”(متى 5: 4). التواضع في الخدمة أهمّ من المركز والجاه في عيون يسوع.
فيسوع ليس إنساناً فحسب، بل هو أيضاً الرب الذي جاء ليُخلِّص الخطأة، متخذاً جسداً يشبه جسدهم (رومة 38). إنه أبعد ما يكون عن البحث عن مجده (يوحنا 8: 5)، حتى يبلغ به التواضع إلى حدّ غسل أرجل تلاميذه (يوحنا 13: 14-16)، وهو الذي مع مساواته لله، يتجرد من ذاته حتى الموت، الموت على الصليب ليخلصنا (فيلبى 2: 6-8). ففي يسوع تظهر ليس فقط القدرة الإلهية التي من دونها لما كُنَّا في الوجود، بل فيه تظهر أيضا المحبة الإلهية، التي من دونها لكنا قد هلكنا جميعاً (لوقا 19: 10)؛ فإن “كلمة الله” صار بشراً، ليقود الإنسان إلى أوج التواضع، الذي يقوم في خدمة الله وخدمة البشر في سبيل مجد الله خلاص البشر.
ويريدنا يسوع كنموذج لنا في التواضع أن نحمل هذه السمة حتى نقدر أن نلتقي معه، ويُرمز الى التواضع هنا في عدم تخيُّر المقاعد الأولى بل المقعد الأخير؛ فاختيارنا هذا المقعد لا إذلالا ولا شعور بالنقص انما حباً وتشبّهاً به هو الذي اختار المقعد الأخير.
ويمكن للإنسان ان يمارس التواضع حتى في الجلوس في المقاعد الأولى اذا كان مستحقا لذلك، لكنه لا يطلب ذلك لنفسه بل يترك للآخرين ما يليق به، إذ يسمع الآخر يقول له” قُمْ إِلى فَوق” (لوقا 14: 10). هذا التواضع “علامة المسيح” كما يقول القديس أوغسطينوس. هو تواضع ابن الله، تواضع المحبة. “حيث التواضع هناك هو المحبة” يقول أوغسطينوس. ولا بد من إّتباع طرق هذا التواضع “الجديد” لكي نمارس وصية المحبة الجديدة كما جاء في تعليم بولس الرسول “”أُناشِدُكم إِذًا، أَنا السَّجينَ في الرَّبّ، أَن تَسيروا سيرةً تَليقُ بِالدَّعوَةِ الَّتي دُعيتُم إِلَيها، سيرةً مِلؤُها التَّواضُعُ والوَداعَةُ والصَّبْر، مُحتَمِلينَ بَعضُكُم بَعضًا في المَحبَّة (أفسس 4: 2). فليكن المقعد الأول الذي نسعى اليه هو مكان الذي نخدم فيه ولا مكان نبحي فيه عن المظاهر والكبرياء.
فالتواضع هو من أنجع الطرق لمن يرغبون السير في درب القداسة، فقال بولس ” وأَنتُمُ الَّذينَ اختارَهمُ اللهُ فقَدَّسَهم وأَحبَّهم، اِلبَسوا عَواطِفَ الحَنانِ واللُّطْفِ والتَّواضُع والوَداعةِ والصَّبْ ” (قولسي 3: 12). وإذا تصرَّفَ أحدٌ بتواضعٍ فإنَّه يقتلعُ الخطايا من أصولهِا. يشهدُ على ذلك العشّارُ الذي لم يقدِرْ أن يذكرَ بعضَ الحسَناتِ له، فقدَّمَ التواضعَ بدلَ كلِّ شيءٍ، وأزالَ بذلك عن مَنكِبَيْهِ حِمْلَ الخطايا الثقيل. وقد مدح يعقوب الرسول ذلك، إذ كتب هكذا: ” لِيَفتَخِرِ الأَخُ الوَضيعُ بِرِفعَتِه والغَنِيُّ بِضَعَتِه” (يعقوب 1: 9-10). فالرب يرفع المتواضع ” الذَّبيحةُ للهِ روحٌ مُنكَسِر القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزْدَريه يا أَلله.” (مزمور 51: 19).
وعليه فإن الذين “يتحلَّوْن بثوب التواضع في علاقاتهم المتبادلة” (1 بطرس 5: 5)، يبحثون عن منفعة الآخرين، ويجلسون في المقعد الأخير كما جاء في تعليم بولس الرسول “لا تَفعَلوا شَيئًا بِدافِعِ المُنافَسةِ أَوِ العُجْب، بل على كُلٍّ مِنكم أَن يَتواضَعَ ويَعُدَّ غَيرَه أَفضَلَ مِنه” (فيلبي 2: 3-4). وعليه فإن الله ينظر إلى المتواضعين ويحنو عليهم كما يقول صاحب المزامير “الرَّبُّ تَعالى نَظَرَ إِلى المُتَواضِع، أَمَّا المُتَكَبّر فيَعرِفُه مِن بَعيد” (مزمور 138: 6).
وما أعظم تواضع يوحنا المعمدان الذي يرسله الرب، ليُعدّ له الطريق! فلا يطلب إلاّ أن يكون نسياً منسياً ذاكَ الذي قال عن نفسه “ذاكَ الآتي بَعدِي، مَن لَستُ أَهلاً لأَن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه” (يوحنا 1: 27). وما أعظم تواضع مريم عذراء التي اختارها الله أُمّاً لابنه سيدنا يسوع المسيح ومع ذلك لم تودّ أن تكون سوى أمة له كما أعلنت للملاك جبرائيل ” أَنا أَمَةُ الرَّبّ ” (لوقا 1: 38) إنه ينتصر بواسطة عذراء متواضعة “لأَنَّه نَظَرَ إِلى أَمَتِه الوَضيعة. سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال ” (لوقا 1: 48). وما أعظم تواضعنا إذا عرفنا أن التواضع هي خدمة ” كما يقول السيد المسيح هو خدمة “أَمَّا وقد عَلِمتُم هذا فطوبى لَكُم إِذا عَمِلتُم بِه ” (يوحنا 13: 13).
2) الضيافة كفعل رحمة وشهادة إيمان
بعدما طلب يسوع المسيح من الفرِّيسيِّين والكتبة أن يسلكوا بروح التواضع ويتحرَّروا من محبَّة المجد الباطل وألا يطلبوا المقاعد الأولى، يطلب منهم أيضا محبَّة الفقراء، “فلا يستضيفوا في ولائمهم الأغنياء لطلب المديح وحب الظهور، بل المحتاجين والمعوقين والمتألَّمين” كما يعلق القديس كيرلس الكبير). ومن هنا نبحث في الضيافة كفعل رحمة وشهادة إيمان.
ا) الضيافة فعل رحمة:
يذكّر الضيف في الكتاب المقدس الغريب المستعبد كما ورد في اعمال الرسل “سيَنزِلُ نَسْلُه في أَرضٍ غَريبة، فتُستَعبَدُ وتُعامَلُ بِالسُّوءِ مُدَّةَ أَربَعِمِائةِ سَنة (أعمال 7: 6)، وصفه أيضا كعابر سبيل على الأرض كما جاء في رسالة العبرانيين” في الإِيمانِ ماتَ أُولئِكَ جَميعًا ولَم يحصُلوا على المَواعِد، بل رَأَوها وحَيَّوها عن بُعْد، واعتَرفوا بِأَنَّهم غُرَباءُ نُزَلاءُ في الأَرض” (عبرانيين 11: 13). هذا الضيف في حاجة إذاً لقبوله، ومعاملته بمحبة، باسم الله الذي يُحبُّه كما قيل في الكتاب المقدس “منصِف اليَتيم والأرمَلة ومُحِبُّ النَّزيل، يُعْطيه طَعامًا وكسوَةً. فأَحِبُّوا النَّزيل، فإِنَّكم كُنتُم نُزَلاءَ في أَرضِ مِصْر” (تثنية 10: 18-19).
ولا يجوز التردّد في إزعاج الأصدقاء، عندما لا تتوفر لدينا الوسيلة اللازمة لسدّ احتياجات ضيف غير متوقع (لوقا 11: 5-6). إن الترحيب بالضيف يدلّ على المحبة الأخوية التي على المسيحي أن يمارسها نحو الجميع كما يوصي بولس الرسول “كُونوا لِلقِدِّيسينَ في حاجاتِهِم مُشارِكين وإِلى ضِيافةِ الغُرَباءِ مُبادِرين”(رومة 12: 13). ” فمَن يَرحَمِ الفَقير َيُقرِضِ الرَّبّ فهُو يُجازيه على صَنيعِه” (أمثال 19: 17). إنه يعرف القرض ويعد بالوفاء به (متى 18: 23).
ب) الضيافة شهادة إيمان:
ليست الضيافة فعل رحمة تجاه الآخرين بل هي أيضا شهادة إيمان. وفي قائمة ثمار الروح، يضع بولس التواضع إلى جانب الإيمان “أَمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف “(غلاطية 5: 22-23). فإن هاتين الفضيلتين مرتبطتان إحداهما بالأخرى، من حيث إن كليهما تعبّران عن استعداد للانفتاح نحو الله. وخضوع كله ثقة لنعمته وكلمته،
لذلك في ساعة الدينونة الأخيرة يعلن المسيح، أمام الجميع، انه من خلال الضيف وفي الضيف، المسيح نفسه هو الذي نقبله بالايمان “لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني” (متى 25: 35)، أو نرفضه “كُنتُ غَريباً فما آوَيتُموني، وعُرياناً فما كَسوتُموني، ومَريضاً وسَجيناً فما زُرتُموني” (متى 25: 43)، إنه المسيح الذي نعترف به أو ننكره، كما حدث في زمن مجيئه على ارضنا بين خاصته: فهو ليس فقط عند ميلاده، لم يكن له موضع في الفندق (لوقا 2: 7)، بل حتى في آخر حياته، العالم لم يعترف به، وذووه لم يقبلوه (يوحنا 1: 9 -11). أما الذين يؤمنون به، فيقبلون “باسمه “، المرسلين من قِبله ” مَن قَبِلَ الَّذي أُرسِلُه قَبِلَني أَنا ومَن قَبِلَني قبِلَ الَّذي أَرسَلَني” (يوحنا 13: 20). فبدلاً من معاملة الضيف كمدين (سيراخ 29: 24-28)، أو كمزعج لا نوليه ثقة (سيراخ 11: 34). ونتذمّر عليه (1 بطرس 4: 9)، علينا أَن نؤثر استقبال هؤلاء الذين لن يتمكنوا من مكافأتنا عما نقدّمه لهم من خدمات كما أوصى يسوع “إذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان” (لوقا 14: 13).
إن كل مسيحي (1 طيموتاوس 5: 10). ولاسيما “الأسقف” (1 طيموتاوس 3: 2)، ينبغي أن يرى في من يقرع بابه (رؤيا 3: 20)، ابن الله الذي يأتي بصحبة أبيه ليغمره بالنعم، وليجعل له عنده مقاماً كما وعد يسوع “إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً”(يوحنا 14: 23). فالمسيح يضع نفسه مكان المسكين والفقير والمريض والمحتاج (متى 31:25-46). ويستقبل يسوع كل مسيحي حاول استقباله في الضيف الفقير والمحتاج، ويُدخله عندئذ لا كضيف بل كابن الى ملكوته “في بَيتِ أَبي مَنازِلُ كثيرة ولَو لم تَكُنْ، أَتُراني قُلتُ لَكم إِنِّي ذاهِبٌ لأُعِدَّ لَكُم مُقاماً؟” (يوحنا 14: 2-3) ويكشف يسوع عن سر الضيافة. إذ يقوم هو نفسه بالخدمة على المائدة “طوبى لأُولِئكَ الخَدَم الَّذينَ إِذا جاءَ سَيِّدُهم وَجَدَهم ساهِرين. الحَقَّ. أَقولُ لكم إِنَّه يَشُدُّ وَسَطَه ويُجلِسُهُم لِلطَّعام، ويَدورُ علَيهم يَخدُمُهم”(لوقا 12: 37)، وهو نفسه الذي يجعلهم يشاركونه في مائدته كما قيل في الكتاب “هاءَنَذَا واقِفٌ على البابِ أَقرَعُه، فإِن سَمِعَ أَحَدٌ صَوتي وفَتَحَ الباب، دَخَلتُ إِلَيه وتَعَشَّيتُ معه وتَعَشَّى معي” (رؤيا 3: 20). لنتخرَّج إذاً في مدرسة المسيح المعلم “وديعٌ مُتواضِعُ القَلْب” (متى 11: 29).
العبرة
لاحظ سيدنا يسوع المسيح أن المدعوين لبيت الفريسي يختارون الأماكن الأولى. فدعانا لنسلك بالاتضاع بعضنا مع بعض، حتى ترتاح نفوسنا، وننال الكرامة الحقيقية. ومن خلال حديثه للفريسي الذي دعاه، حيث لاحظ أنه أشرك في وليمته الأقرباء والأغنياء، علمنا أن الفقير والمسكين والمحتاج هو الأولى بالاهتمام، إذا كنا نرجو المكافأة في الحياة الأبدية، وليس في هذه الأرض. لأن المحتاج ليس له ما يعطينا إياه عوض ما قدمناه له، فيكون أجرنا مخزونًا في قيامة الأبرار. ” ما كانَ في العالَمِ مِن حَماقة فذاكَ ما اختارَه اللهُ لِيُخزِيَ الحُكَماء، وما كانَ في العالَمِ مِن ضُعْف فذاكَ ما اختارَه اللهُ ليُخزِيَ ما كانَ قَوِيًّا، وما كانَ في العالَمِ مِن غَيرِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وكان مُحتَقَراً فذاكَ ما اختارَهُ الله: اِختارَ غَيرَ المَوجودِ لِيُزيلَ المَوجود، حتَّى لا يَفتَخِرَ بَشَرٌ أَمامَ الله” (1 قورنتس 1، 27-29).
الخلاصة
يبدو لأول وهلة أن يسوع يهتم في آداب الولائم واللباقة الاجتماعية كما ورد في سفر الامثال (أمثال 25: 6-7) لكن نصيحته تنتهي بعبرة في التواضع تتعارض مع اهتمامات الكتبة والفريسيين بالمراتب والمقامات والمراكز والمناصب. وعليه فإن يسوع يعلمنا أولا الا نسعى لاختيار أماكن الصدارة. فالخدمة أهم من المركز والجاه في ملكوت الله. ثانيا: ان لا نقتصر دعوتنا على من هم قادرون ان يقابلوننا بالمثل، بل أن نقدّم خدمتنا لكل انسان وخاصة لمن لا يقدر على رد الدعوة كما جاء في تعليم المسيح “طوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار” (لوقا 14: 14).
دعاء
علّمنا، أيّها الربّ يسوع، ان نقاوم جميع أشكال الكبرياء والمجد الباطل، وعرّفنا نقاط ضعفنا وفقرنا الروحي، وساعدننا كي نصبح على مثالك بان نأخذ المقعد الأخير، وأن نكرّم حضورك في المتواضعين. يا مريم أمّي، يا أمة الربّ المتواضعة، أعطينا قلباً متواضعاً، فنتبع ابنك يسوع في طريق التواضع الحقيقي من خلال خدمة الآخرين. آمين”.
قصة
كان الشاعر الإنجليزي توماس هاردي (1840 – 1928) ذا شهرة كبيرة وأصبح ملكا لمؤسسة التراث القومي بحيث كانت اية صحيفة مستعدة أن تدفع مبالغ هائلة مقابل نشر قصائده. ومع ذلك كان معتاد أن يُرسل قصيدته الشعريّة بالبريد ومع القصيدة كان يُرسل دائماً مغلّفاً مختوماً ومُعنوناً من أجل إعادة كتاباته في حالة رفضها. بالرغم من كلّ عظمته فقد كان متواضعاً بما يكفي كي يفكّر بإمكانيّة رفض عمله. “إِزْدَد تَواضُعًا كلما ازدَدتَ عَظَمَةً فتَنالَ حُظوَةً لَدى الرَّب” (سيراخ 3، 18).