إعطاء السيد المسيح لتلاميذه الروح القدس لمغفرة الخطايا

الأب لويس حزبون

نحتفل في عيد العنصرة المجيدة، وهو خاتمة الأعياد الفصحية. إنه الروح القدس الذي وعد به المسيح يأتي بناره ونوره وقوته ليثبّت الرسل ويمنحهم سلطان غفران الخطايا تمهيدا لحلوله على الكنيسة جمعاء المتمثلة بالسيّدة العذراء أم الكنيسة والرّسل الأطهار والتّلاميذ الأبرار، مع النّسوة القدّيسات يوم العنصرة في اليوم الخمسين بعد قيامة يسوع من الموت (أعمال الرسل 2: 1)؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 20: 19-23)

19 “وفي مَساءِ ذلك اليَومِ، يومِ الأحد، كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغْلِقَتْ أَبوابُها خَوفاً مِنَ اليَهود، فجاءَ يسوعُ ووَقَفَ بَينَهم وقالَ لَهم: السَّلامُ علَيكم!”

تشير عبارة ” ذلك اليَومِ، يومِ الأحد” الى اول الأسبوع، وذكر يوحنا الإنجيلي اجتماع الرسل يوم الاحد مرتين. ان الانجيل يشدّد على وحدة الزمن. فظهور يسوع لتلاميذه حصل في نفس اليوم الذي ظهر فيه لمريم المجدلية (يوحنا 20: 1)، وقد ظهر للنسوة في ذات اليوم (متى 28: 9)، كما ظهر لتلميذي عمواس (لوقا 24: 13). يشعر التلاميذ المجتمعون أنَّ يسوع بينهم حاضرٌ في مساء يوم الاحد. وهكذا كان يجتمع المؤمنون وما زالوا. والكنيسة استبدلت السبت بالأحد لتذكر قيامة الرب. أمَّا عبارة “أُغْلِقَتْ أَبوابُها” فتشير الى علامة رعب التلاميذ الذين أحكموا إغلاق الأبواب بالمتاريس. وهذه الأبواب المغلقة ستُفتح يوم العنصرة بحلول الروح القدس. ظهور السيد المسيح في وسطهم والأبواب مغلقه لم يكن بعملٍ معجزي، لأن هذه هي طبيعة الجسم القائم من الأموات، إنما ما أراد تأكيده فهو أن المسيح قام بذات الجسم، لكنه جسم ممجَّد. إنه يعلو على الزمان والمكان والحدود المادية. انه الجسد هو بذاته لابسٌ عدم الفساد كما جاء في رسالة بولس الرسول ” فلا بُدَّ لِهذا الكائِنِ الفاسِدِ أَن يَلبَسَ ما لَيسَ بِفاسِد، ولِهذا الكائِنِ الفاني أَن يَلبَسَ الخُلود ” (1 قورنتس 15: 53)؛ ويعلق القديس أوغسطينوس حول “طبيعة الجسد المُقام” بقوله “على أي حال، أيا كانت طبيعة الجسد الروحاني، ومهما كانت عظمة نعمته، أخشى أن أتحدث في هذا، لأننا لا زلنا لا نحمل أية خبرة بخصوص هذه الحقيقة”. اما عبارة “أبوابُها” فتشير الى أكثر من باب، ولعله كان للعلية أكثر من باب، أو ربما يقصد أن باب البيت كان مغلقا كما كان باب العلية، إذ كان التلاميذ في رعبٍ، فلم يكتفوا بغلق باب الدار الخارجي. أما عبارة “خَوفاً مِنَ اليَهود” فتشير الى رؤساء اليهود كما لاحقوا يسوع فهم يلاحقون تلاميذه ايضاً. والتلاميذ كانوا مختبئين في اورشليم وقد ظنوا أنه بعد صلب السيد ودفنه يأتي الدور عليهم. مع أن رؤساء اليهود لم يقتربوا إليهم منذ قال لهم يسوع لدى القبض عليه في بستان الجسمانية: “دَعُوا هؤلاءِ يَذهَبون ” (يوحنا 18: 8). اما عبارة “جاءَ يسوعُ” فتشير الى ان جسم المسيح لم يُعد خاضعاً لنفس قوانين الطبيعة كما كان قبل موته، فكان يخترق الجدران والحواجز (يوحنا 20: 26). وهو غير مقيّد بحدود الزمان والمكان، وغير مقيّد بالحاجات الماديّة والبيولوجيّة، ولا بقوانين الطبيعة كالجاذبيّة الأرضيّة؛ بل أصبح ممكناً له الدخول، والأبواب مغلقة. إلاَّ أنه لم يكن شبحا او خيالا بل ” جِسْمًا رُوحِيًّا” كما دعاه بولس الرسول (1 قورنتس 15: 44). والجسم يُطلقُ على البدن الذي فيه حياةٌ وروحٌ وحركة. وأما الجسدُ فيطلق على التمثالِ الجامد، أو بدن الإنسان بعدَ وفاته وخروجِ روحه. ويتردد يسوع الحي القائم بالمجيء أكثر من مرة بين تلاميذه والرجوع إليهم ليقودهم ويرافقهم كما يرافق الراعي خرافه (يوحنا 14: 3-18). لكن التلاميذ لم يستطيعوا ان يعرفوا يسوع إلاّ بعد ان أدخلهم عن طريق الكتب المقدسة في سر موته وقيامته (لوقا 24: 25-27). عاد يسوع الا انه من عالم آخر غير خاضع لقوانين علمنا وإذا به يدخل والابواب مغلقة، وفجأة وقف في وسطهم. هو يبادر فيأتي اولاً الينا، ونحن نذهب الى لقائه، ومجيئه يملأ القلوب تعزية ًوشجاعة. أما فعل “وقف” فمعناه الرمزي وقفة القيامة. يشرح لنا يوحنا الإنجيلي كيف يُدخل يسوع الاثني عشر في ملء رسالة الفصح. اما عبارة ” بَينَهم ” في اليونانية μέσος أي وسطهم فتشير الى ان يسوع القائم قريب للكل بنفس الدرجة؛ وأما عبارة “السَّلامُ علَيكم!” فتشير الى بركة غير عادية تحمل قوة لطرد الخوف؛ وهي تحية سلام يحتاجون اليها بعد خوف يوم الجمعة العظيمة. هذا السلام الذي وعدهم به، والذي يبدد كل اضطراب أحدثه رحيله عنهم كما قل لهم يسوع ” لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم. إنَّكم تُؤمِنونَ بِاللهِ فآمِنوا بي أَيضاً” (يوحنا 14: 1). وهذا السلام هو ثمر القيامة، سلام داخلي مع الله، ومع الإنسان نفسه كما مع إخوته؛ وهو اتمام وعود يسوع في كلامه الاخير “سَلامي أُعْطيكم” (يوحنا 14: 27). هذا السلام يختلف عن أي سلام أرضي يتفاوض عليه البشر، هو السلام الذي نرجوه عندما نطلب في كل صلاة “السلام الذي من العلى”. “المسيح هو سلامنا” (أفسس 2 :14). وعَّرف بولس الرسول هذا السلام بقوله: ” سلامَ اللهِ الَّذي يَفوقُ كُلَّ إِدراكٍ يَحفَظُ قُلوبَكم وأَذْهانَكم في المسيحِ يسوع” (فيلبي4 :7). ” وقَد حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِه ” (كولسي 1 :20).

20 “قالَ ذلك، وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه ففَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ”:

تشير عبارة “أَراهم يَدَيهِ وجَنبَه” الى جسد المسيح على الصليب هو ذات جسد المسيح في القيامة؛ كان جسدا ميتًا ويحمل ذات جراحات الصليب، لكنه الآن جسما حيا ممجداً. يتغلب يسوع على قلة إيمان الاثني عشر بإعطائهم علامات على حقيقة قيامته (اعمال الرسل 1: 3). فآثار الجراحات شهادة حيَّة لقيامته حيث يُشدِّد يوحنا الإنجيلي هنا على الصلة القائمة بين يسوع الذي تألم، يسوع الناصري التاريخي، “قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلَين” (عبرانيين 2: 18) ويسوع القائم من بين الاموات، يسوع الايمان الذي معهم للأبد كما قال لتلاميذه قبل صعود الى السماء “هاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم ” (متى 28: 20). واراد يوحنا الإنجيلي أيضا إقامة صلة بين حادثة الطعن بالحربة وحدث العلية، انه الحمل الفصحي الذبيح على الجلجلة الذي يعود الى ذويه حاملا ثمار ذبيحته. وفي سفر الرؤيا يبدوا الحمل ذبيحاً أي حاملا في جسمه آثار ذبيحته من اجل خلاص البشر كما يصفه يوحنا الإنجيلي ” حَمَلاً قائِمًا كأَنَّه ذَبيح ” (رؤيا 5: 6). اما عبارة ” فَرِحَ التَّلاميذُ ” فتشير الى إتمام مواعيد يسوع التي قطعها لتلاميذه في أحاديثه النهائية معه ” قلتُ لَكم هذهِ الأشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً “(يوحنا 15: 11). والفرح ناتج عن اختبار ورؤيةّ يسوع؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “ما قاله يسوع قبل الصلب: ” سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح” (يوحنا 16: 22) قد تحقق الآن عمليًا. هذا كله دفعهم إلى الإيمان الصادق”؛ اما عبارة: مُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ” فتشير الى لقاء المسيح القائم من الموت كمصدر فرح للتلاميذ الذي هو تتميم لوعده “لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً” (يوحنا 15: 11).

21 “فقالَ لَهم ثانِيَةً: السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً”:

تشير عبارة “ثانِيَةً ” الى تأكيد عطية السلام لتلاميذه لكي يشهدوا للعالم بالحياة المُقامة التي يمارسونها في الروح القدس. اما عبارة “السَّلامُ علَيكم!” فتشير إلى سلام ثمرة القيامة. السلام هنا ليس لتبديد خوف التلاميذ، بل لإعدادهم كي يتشجعوا وتشديديهم في مهام المستقبل فيرسلهم للكرازة ولحمل انجيل الخلاص للعالم؛ إنه سلام ابن الله المنتصر على العالم والموت. انه السلام الذي لا يستطيع العالم ان يمنحه ” السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم” (يوحنا 14: 27). أمَّا عبارة ” كما ” باليونانية καθὼς فتشير الى العلاقة الخاصة بالآب والابن وعلاقة الآب بنا، من ناحية، وتبيّن طريقة اشراك الابن لتلاميذه في تلك الالفة الحميمية القائمة في حياة الله من ناحية أخرى. اما عبارة “كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً” فتشير الى الرسالة التي اوكلها يسوع الى تلاميذه. وما هي هذه الاّ رسالة الابن الذي ارسله الآب الى العالم ليخلصه. ويُعلق أحد مفسّري الكتاب المقدس ” لا يوجد إلاّ رسالة واحدة من السماء الى الارض، وهي رسالة يسوع. ورسالة التلاميذ هي متضمنة في رسالة يسوع، ومكمّلها لها”. ان رسالة التلاميذ قد نشأت عن حدث الفصح، وهي رسالة متأصلة في رسالة يسوع كما يظهر في صلاته الكهنوتية: “كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم” (يوحنا 17: 18). فيسوع يُخبر تلاميذه باي سلطان قد أتمَّ عمله، ويُوكل إليهم نشر خبر الخلاص في كل العالم. يُحدَّد يسوع مهمة الرسل ليكونوا شهودا لقيامته. يوكل يسوع عمله الى تلاميذه لنشر أخبار الخلاص السارة في كل العالم. ويعلق أحد مفسري الكتاب المقدس ” ان المسيح يطلب من تلاميذه: اخرجوا مني كخروج الشعاع من الشمس، وكخروج النهر من النبع، وكما انني أذيع اسم الاب كذلك أذيعوا أنتم اسمي”.

22 “قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس”:

تشير عبارة “قالَ هذا” الى عمل هام هُيِّأ له فيما سبق مباشرة؛ اما عبارة “نَفَخَ فيهم” باليونانية ἐμφυσάω فتشير الى خلق الانسان في البدء (تكوين 2/7)، ويُوحي بخلق جديد أمام قيامة حقيقية ” اللهِ الَّذي يُحيِي الأَموات ويَدعو إِلى الوُجودِ غَيرَ المَوجود” (رومة 4: 17). وكما نفخ الرب الحياة في الخلق الاول، هكذا ينفخ في الخلق الثاني أي القيامة. كما في الخلق الاول نفخ الله في الانسان نسمة الحياة، هكذا بنفخة نسمة المسيح ينال الانسان من الله الحياة الابدية. وهنا نفخ في تلاميذه ليعطيهم سلطان الحل والربط (متى 16: 19). إنه تدشين الخلق الجديد؛ واما عبارة “خُذوا الرُّوحَ القُدُس” فتشير الى ان الروح القدس قوة الخلاص لغفران الخطايا والذي يمكّن التلاميذ من ان يشهدوا للمسيح: “مَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي وأَنتُم أَيضاً تَشهَدون لأَنَّكُم مَعي مُنذُ البَدْء” (يوحنا 15: 26-27). وكان هذا العطاء الخاص للتلاميذ للامتلاء من الروح القدس عربون لِمَا سيختبره المؤمنون في يوم العنصرة (اعمال الرسل 2). اما عبارة ” الرُّوحَ القُدُس” فتشير الى روح الله، الاقنوم الثالث في الثالوث. وقد سمِّي روحا، لأنّه مبدع الحياة، ودُعي قدوساً، لان من ضمن عمله تقديس المؤمنين، وهو يحيي المائتين بالخطايا والآثام ويقدسهم ويُطهِّرهم، وهكذا يؤهلهم لتمجيد الله والتمتع به الى الابد كما اختبره بولس الرسول ” شَريعةَ الرُّوحِ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ في يسوعَ المسيح قد حَرَّرَتْني مِن شَريعَةِ الخَطيئَةِ والمَوت” (رومة 8: 2).

23 “مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم”:

تشير هذه الآية الى إعطاء الرب موهبة الكهنوت لتلاميذه بسلطان الروح القدس بصورة مميَّزة عن حلول الروح القدس في يوم العنصرة، وهذه الموهبة هي لسلطان مغفرة الخطايا. تشير عبارة ” مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم ” الى أن طلب الشخص التائب الحِل للغفران من الكاهن، سيعطيه الحِل؛ ويعلق البابا فرنسيس “ليست مغفرة خطايانا أمرًا يمكننا أن نعطيه لأنفسنا، لأن المغفرة تُطلب من آخر ونحن في الاعتراف نطلب المغفرة من يسوع، مغفرة خطايانا ليست ثمرة جهودنا، إنما هي عطيّة من الرّوح القدس الذي يملأ من فيض الرّحمة والنّعمة المتدفّق من قلب المسيح المصلوب والقائم من الموت”، اما عبارة ” مَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم ” فتشير الى الغفران ليس لكل واحد، بل الأمر يتوقف على اختباره هل هو تائب؟ أم غير تائب؟ ينبع سرّ التوبة والمصالحة أو كما ندعوه أيضًا الاعتراف مباشرة من السرّ الفصحيّ. ان الاختلاف في تفسير هذه الآية لا يدور حول طبيعة السلطان الذي يمنحه يسوع لتلاميذه (متى 16: 19) بقدر ما يدور حول تحديد الذين يمارسون هذه السلطان. فالسلطة الممنوحة هي اعلان المغفرة على اساس موت المسيح الذي حمل الخطايا كما ورد في انجيل متى “ما رَبطتُم في الأَرضِ رُبِطَ في السَّماء، وما حَلَلتُم في الأَرضِ حُلَّ في السَّماء”(متى 18: 18)؛ اما فيما يتعلق فيمن يمارسون هذه السلطة فالتقليد الكاثوليكي يعتقد ان المقصود هم الكهنة. وقد مُنحوا السلطة بفضل شركتهم الوثيقة معه ان يتصرفوا باسمه، كوكلاء في غفران الخطايا او امساكها. واما التقليد البروتسنتي فيقتعد بان المقصود “الذي هو أداة الروح القدس” وذلك بحسب ما جاء في قول بطرس الرسول “بِأَنَّ كُلَّ مَن آمَنَ به يَنالُ بِاسمِه غُفرانَ الخَطايا” (اعمال الرسل 10: 43). يعلن الرب يسوع للتلاميذ عن سلطانهم لمغفرة خطايا الناس. ولا يمكن للإنسان ان ينال رسالة الغفران الى ان يقبل معطي الغفران، أي يسوع المسيح. فالكاهن في سر الاعتراف او المصالحة لا يمثّل المسيح فقط وإنما يمثّل أيضًا الجماعة بأسرها (الكنيسة) التي تجد نفسها في ضعف كلّ فردٍ من أفرادها، تصغي إلى توبته وتتصالح معه، تشجّعه وترافقه في مسيرة التوبة والنضوج الإنساني والمسيحي. بالاعتراف ألله يغمرنا ويفرح بعودتنا كما فرح الاب في ابنه الضال (لوقا 15: 11-32) لِنسِرْ إذًا على هذه الدرب!

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 20: 19-23)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول الروح القدس في رسالة الرسل وسلطتهم لمغفرة الخطايا
1) الروح القدس للرسالة

الرسالة التي اوكلها يسوع الى تلاميذه، ليست أقل من رسالة الابن الذي ارسله الآب الى العالم ليخلصه. كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً (يوحنا 20: 21)؛ أعطى يسوع تلاميذه مهمة بالذهاب إلى العالم ونقلِ كلمةِ الله وخبر القيامة، وكلّفهم بداية جديدة لعالم جديد، فهم مُرسَلوه تماما كما انه هو مُرسَل الآب.

لا يوجد إلاّ رسالة واحدة من السماء الى الارض، وهي رسالة يسوع. وما رسالة التلاميذ الا هي رسالة يسوع نفسها وتكمّلها؛ وقد نشأت عن حدث الفصح، وهي متأصلة في رسالة يسوع كما يظهر في صلاته الكهنوتية: “كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم” (يوحنا 17: 18). ويعلق أحد الباحثين في الكتاب المقدس “المسيح يطلب من تلاميذه: اخرجوا مني كخروج الشعاع من الشمس، وكخروج النهر من النبع، وكم انني أذيع اسم الاب كذلك أذيعوا أنتم اسمي”.

وكيف السبيل الى القيام برسالة المسيح التي تفوق القدرة البشرية، بدون قوة الروح القدس؟ للقيام برسالتهم، لم يعتمد الرسل على قواهم البشرية وحدها وإنما على ما يقومون بتأديته من مهمات كمرسلين بقوة الر وح القدس. إنه المؤيّد والمدافع والمحامي والمعزّي والشفيع، إنه علامة حلول الأزمنة الجديدة ويقود كل شيء نحو كماله.
فمنذ ظهور يسوع المسيح الأوّل لتلاميذه يوم قيامته منحهم الروح القدس، وكما عَمِلَ يسوع بقوة الروح، فهو يمنحُ الآن الذين أرسلهم قوة الروح عينه لكي يبشروا به ” نَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس” (يوحنا 20: 22). ان عطاء الروح هنا يستبق العنصرة.
أعطى يسوع الروح القدس الى تلاميذه بالنفخ وليس بوضع الايدي (اعمال الرسل 8: 17)؛ وتشير هذه الحركة الى نسمة الحياة التي نفخها الله في انف الانسان الأول في بدء الخليقة (التكوين 2: 7)، كما تلمح هذه الحركة الى نبوءة حزقيال عن عطاء روح الله، من اجل خلق شعبٍ مُطهّرٍ من خطاياه، ومُتجدِّداً في القداسة. وقد تحقَّقت هذه النبوءة في يوم الفصح. فقد نفخ يسوع في تلاميذه، الروح القدس الذي سيكون مبدا الحياة لخلق جديد. والجدير بالذكر ان يوحنا بدأ إنجيله بالكلام عن الخليقة الأولى (يوحنا 1: 1-17)، وينهيه بالإشارة إلى الخليقة الجديدة التي صارت بآلام يسوع وموته وقيامته.
وهب يسوع تلاميذه نفخة الروح القدس ليقيم فيهم الإنسان الجديد فيتمتعوا بعطية الروح العامل فيهم ، وبهذا الروح يستطيعون القيام بالخدمة والعمل الرسولي. إنها إرسالية غايتها أن يعمل التلاميذ بالروح القدس ليتمتع العالم بالخليقة الجديدة أو الحياة الجديدة التي نالها لنا يسوع بقيامته. والفصح هو نقطة انطلاق لعالم جديد. باختصار، الروح القدس يعضد ضعفنا ويحضّنا على عيش أسرار المصالحة والغفران.

2) الروح القدس لمغفرة الخطايا

كما أرسل الآب ابنه يسوع وملأه من روحه، كذلك يرسل المسيح بدوره تلاميذه ويمنحهم الروح القدس، قدرة الآب وسلطانه الإلهي على منح الحياة الإلهية للناس بمغفرة خطاياهم ومصالحتهم مع الله، ارسلهم” ليعلنوا بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم ” (لوقا 47:24). وأعطاهم الروح القدس، والمفعول الأول لعطية الروح هو غفران الخطايا. “خُذوا الرُّوحَ القُدُس مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم” (يوحنا 20: 21-22).

وقد قدّم يسوع المسيح ذاته لأبيه من اجل خطايانا (عبرانيين 10: 5-10)، “إِنَّه كَفَّارةٌ لِخَطايانا لا لِخَطايانا وحْدَها بل لِخَطايا العالَمِ أَجمعَ” (1 يوحنا 2: 2)، ورأى فيه يوحنا المعمدان وكشف انه ” حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم.” (يوحنا 1: 29)؛ فبدمه نتطّهر ونغتسل من خطايانا (1 يوجنا 1: 7) ويؤكد بولس الرسول ذلك بقوله ” لنا فيه الفِداءُ وغُفْرانُ الخَطايا ” (1 قورنتس 1: 14).

إنّ سلطان مغفرة الخطايا هو سلطان إلهي. وهذا السلطان قد مارسه يسوع في حياته (متى 9: 1-8)، لأنّ روح الربّ كان عليه. فالآن، كما أرسله الآب وملأه من روحه، يرسل بدوره تلاميذه ويمنحهم الروح القدس، قدرة الآب وسلطانه الإلهي على منح الحياة الإلهية للناس بمغفرة خطاياهم ومصالحتهم مع الله. فالروح يمنح نعمة التبرير في سر التوبة.

بقوة هذا الروح، اعطى يسوع الى تلاميذه سلطانا يفوق السلطان البشري، انه سلطان غفران الخطايا، ويظهر ذلك من قوله لتلاميذه بعد القيامة: “خُذوا الرُّوحَ القُدُس” مكملًا قوله: “”مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم”(يوحنا 20: 22-23). يحوّل الرُّوحُ القدس التلاميذ إلى مبشّرين بعظائم الله خاصة غفران الخطايا؛ وخير مثال على ذلك هو بطرس الرسول الذي طلب من مستمعيه التوبة لمغفرة الخطايا “توبوا، وَلْيَعتَمِدْ كُلٌّ مِنكُم بِاسمِ يسوعَ المَسيح، لِغُفْرانِ خَطاياكم، فتَنالوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُس” (اعمال الرسل 2: 38). وقد باشر القديس بولس الرسول في زمانه هذه السلطة التي قلده إيّاها المسيح في حضن كنيسة قورنتس ذلك الخاطئ الزاني بامرأة أخيه نفسه (2 قورنتس 2: 10).

ويقول القديس أمبروسيوس ” ليس عند الله محاباة، فلقد وعد برحمته جميع البشر، وقلَّد رسله سلطان المغفرة، دون أي استثناء (في التوبة 1/3:10). ومن هنا جاءت مناشدة القديس قبريانوس “أطلب إليكم أيها الأحباء أن تعترفوا بخطاياكم ما دمتم في الحياة الحاضرة حيث صفح الخطايا الممنوح من الكهنة مقبول ومرضي عند الله أيضا” (في الساقطين 29).

عمل الكاهن في الكنيسة في خدمة مغفرة الخطايا هو عطية الروح القدس، وحقه أن يغفر الخطيئة بالروح القدس وأن يمسكها؛ لان لسلطان مغفرة الخطايا مفعول مزدوج وهو الحل والربط. ” خُذوا الرُّوحَ القُدُس مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم ” (يوحنا 20: 22-23). ويُعلق القديس أمبروسيوس “انظروا كيف أن الخطايا تغفر بالروح القدس، أما البشر فيستخدمون سلطانهم لغفران الخطايا، إنهم لا يمارسون حقًا خاصًا بسلطانٍ من ذواتهم. إذ هم لا يغفرون الخطايا باسمهم بل باسم الآب والابن والروح القدس. يسألون اللاهوت أن يهب؛ فالخدمة من جانب الإنسان والعطية من سلطان العليّ”.
لا يعترف طالب الاعتراف لشخص الكاهن بل يعترف لله أمام الكاهن الذي يمثّل الكنيسة وينوب عنها كشاهد على عودة الخاطئ إلى الله والناس، ويتضرّع باسم الكنيسة من أجل التائب العائد ليقبل الله عودته إلى شركته، عبر قبول الكنيسة له مجددًا في شركتها. والكاهن يمنح الشخص المعترف الحلّ من الخطايا التي اعترف بها باسم الثالوث الأقدس، وبقوّة السلطان المعطى للكنيسة من يسوع المسيح بالروح القدس. والحل لا يقوم بمجرد الإعلان بان الخطايا قد غفرت كما يقول البروتستانت، انما للكاهن السلطان في مغفرة الخطايا. والقديس يوحنا الذهبي الفم يوضح ذلك في مقارنته بين كهنوت العهد القديم وكهنوت العهد الجديد “كان لكهنة اليهود السلطان لا بتطهير المبتلين بالبرص الجسمي، بل إعلان عن تطهيرهم. اما كهنتنا فقد نالوا السلطان لا بإعلان حالة الطهارة بل بالتطهير كاملا” (في الكهنوت 3: 6).

وقد اخذ الرسل يكرزون بمغفرة الخطايا كما جاء في كلام بطرس والرسل ” وهو الَّذي رَفعَه اللهُ بِيَمينِه وجَعَلَه سَيِّدًا ومُخَلِّصًا لِيَهَبَ لإِسْرائيلَ التَّوبَةَ وغُفرانَ الخَطايا، ” (اعمال الرسل 5: 31) ، كذلك بولس الرسول وعظ الناس بمغفرة الخطايا بقوله “اعلَموا، أَيُّها الإِخوَة، أَنَّكم عن يَدِه تُبَشَّرونَ بِغُفرانِ الخَطايا(اعمال الرسل 13: 38)، لكنهم لا ينظرون الى الناحية الشرعية في الغفران بقدر ما يركّزون على المحبة الإلهية التي بواسطتها يسوع يخلصنا ويقدّسنا ” إِنَّنا نَفتَخِرُ بِالله، بِرَبِّنا يسوعَ المسيحِ الَّذي بِه نِلْنا الآنَ المُصالَحة. ” (رومة 5: 11).

ونستنتج مما سبق أن الرّوح القدس يحقق وحدة الإنسان الداخليّة، فلا يعود الإنسان منقسماً بين ما يريد وما يفعل، بين قناعاته وتصرّفاته، بين أقواله وأعماله، بل يصبح كائناً موحدّاً داخلياً، غير منقسم، إنسان يسعى بكلّ مكوّناته الى أن يكون وفيّاً للدعوة التي دعي إليها. لان الانسان يحصل على مغفرة خطاياه بقوة الروح القدس فيحرّره الرّوح من سلاسل الحقد والانغلاق على الذّات، عبوديّة الخطيئة في داخله فيتصالح مع ذاته، ومع الآخر، ومع الله، وتصبح حياته نشيد شكرٍ لله بواسطة الرّوح الساكن فيه.

الخلاصة:

رسالة الكنيسة هي تحقيق رسالة المسيح نفسها الموكلة اليه من الآب، كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً (يوحنا 20: 21) لذلك اعطي يسوع الروح القدس للرسل من اجل خلق جديد يتحقق فيه غفران الخطايا والسلام. فزمن العنصرة هو زمن الكنيسة المبشّرة التي تكمل في التاريخ عمل مؤسسها وسيّدها الخلاصيّ، زمن الرُسل المرسلين ليعلنوا إنجيل الرّب القائم، ويدعوا الكون للتوبة والعودة الى الرّب، لأنّ الساعة قد اقتربت. يقول القديس ايريناوس: “كما أنّ الله قد نفخ روحه في الجسد الذي كوّنه، منح الحياة لكل أعضاء الجسد، هكذا أعطى الروح للكنيسة. وهذا الروح الذي تسلّمته الكنيسة وأعطي لها ونُفخ فيها، هو المبدأ الحي للاتحاد الصميم بالمسيح: هو ثبات إيماننا، والسلّم الذي به نرتقي إلى الآب. وهو أخيرًا، وعلى الأخصّ، عربون وبذار لعدم الفساد حتى اللانهاية، حيث نُعتَق إلى الأبد من أصل الموت وجموده. فحيث الكنيسة هناك أيضاً روح الله، وحيث الله هناك الكنيسة وكلّ نعمة والروح هو حق: لذلك فانّ من لا يشترك في الروح لا يستقي من جوف أمّه غذاء الحياة، لا ينال شيئًا من الينبوع الصافي الذي يتدفّق من جسد المسيح” (ضد الهراطقة 3: 24، 1).

دعاء
أيها الروح القدّس، يا من اضرمت قلوب الرسل من نار حبّك. جدّد وجه الكنيسة التي اعطيتها سلطان المغفرة لكي تعضد ضعفنا وتحرِّرنا من عبودية الخطيئة وروح البلبلة والتشتّت، أخلق فينا قلبا جديدا وروحا مستقيما وقدّسنا لكيلا نعود نتكلّم سوى لغة حبّك وغفرانك ونكون وجه الرب الرحيم. لك المجد إلى الأبد أمين.
قصة واقعية حول سلطة مغفرة الخطايا

بلغت الساعة الحادية عشرة ليلاً وما زال الأب أومالي ينظر من النافذة: يا للعاصفة الهوجاء! كم يحلو له أن يُنزل عن كاهله هموم النهار ويستعد للنوم في هدأة بيت الرعية. غير أنه كان يجهل أن الله يهيئ لخادمه، ذلك المساء، مشروعاً آخر.

رن جرس الهاتف. انه مستشفى أوابون، وصوت الممرضة يقول: ” أنا الممرضة بتي. تعال بسرعة يا أبتِ. هناك رجل يحتاج الى كاهن، حالته تسوء وقد لا يعيش لطلوع الفجر، الأمر طارئ!”
يعرف الأب أومالي أن العواصف الشديدة على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة لا ترحم. وتنبّه الإذاعة عن خطر فيضان. في الواقع أنه ينبغي اجتياز نحو 30 ميلا ليلاً!! انها مجازفة حقيقية. وفي الغد يبدو برنامج الرعية حافلاً. فرد الاب أومالي على مضض: ” سوف اذهب حالما أستطيع ذلك “

ولكن نداء النفس كان أقوى، وها هو الأب أومالي على الطريق متحديا الأمطار الغزيرة التي لا تنفك تهدد الطريق أمامه. بعد 4 ساعات وصل المستشفى، فقادته الممرضة الى غرفة المريض توم: الرجل يحتضر.
جمع الأب أومالي كل الرقة والنعومة اللتين وضعهما المسيح فيه خلال سنوات كهنوته. لقد تعلم احترام قيمة النفس اللامحدودة، لا سيما في ساعتها الأخيرة. فلما التقى بالمريض قال له ” قيل لي إنك تود لقاء كاهن.

فتح الرجل عينيه: وقال ” دعني وشأني! لا أود رؤيتك”. بدأ اللقاء بشكل سيء للغاية وبدأ الأب أومالي حزينا ولكن بدون أن تخمد عزيمته، جلس قرب المريض واستغرق بالصلاة. ترك الوقت يمضي. وبعد ساعة قام الاب أومالي بمحاولة جديدة قائلا للمريض:” هل ترغب في الكلام قليلاً؟ كرر الرجل ردة فعله العنيفة ذاتها وألحقها هذه المرة بإنذار وجوب الانسحاب. أما الكاهن فاحتفظ بطول أناته وواصل بهدوء ادعيته بالرحمة للرجل. وأخذ النهار يطلع هل ستذهب هذه النفس الغالية محرومة من سلام الله؟

بدأ الكاهن من جديد مشدود الى السرير وقال للمريض “أنا متأكد أنك ترغب بالكلام. أليس صحيحا؟! –فأجاب المريض: آه! في جميع الأحوال لا أملك الوقت الكافي لأقول الكثير. إني مُدمن على الكحول وأعيش وحدي منذ مدة طويلة. عندما كنت شابا كانت لي مكانتي بين عمَّال سكة الحديد. كنت ميكانيكياً. ومنذ أكثر من 30 سنة هبَّت عاصفة هوجاء ولجأت مع جميع رفاقي في الخدمة الى كوخ صغير وشربنا حتى السكر. وما كاد القطار يصل في وقت خدمتي حتى أسرعت لأحوّله على الخطوط الصحيحة. غير أنى كنت تحت تأثير الكحول المفرطة فبدلت الرافعة في الاتجاه الخطأ. ووقعت المصيبة: اصطدم القطار بسيارة كانت تجتاز الممر المفتوح. قتلت عائلة بأسرها: الأب، الأم وابنتاهما. حدث ذلك بُعيد عيد الميلاد ولم أستطع أن أغفر لنفسي هذا الأمر على الإطلاق ولن أغفر لها أبداً! ولن يستطيع الله أن يغفر لي ذلك. عندئذ غادرت وهجرت الى الجبال أعيش متوحداً. وأخذ توم ينتحب. ألقى مأساته في قلب هذا الكاهن الغريب المجهول.

كان التأثر يبدو جليا على الكاهن ولكنه تماسك، فالوقت غير مناسب للانجراف وراء العاطفة، فالمريض قد يموت في أية لحظة. وبصوت مرتجف طلب الكاهن من المريض أن يودع بجميع خطاياه الى الله وأن يقبل الحل والمغفرة. وها هي الدموع تسقط من عينيّ الكاهن كونه هو أيضاً استعاد في ذاكرته المأساة الرهيبة: – فقال للمريض: “تعلم يا توم، في تلك السيارة في ذاك المساء من عيد الميلاد، كان الأب والأم قد أخذا معهما ابنتيهما. إنما كان لهما أيضا صبي صغير بقي في المنزل. وهذا الصبي الصغير. هذا الصبي الصغير. هو انا! حاول المريض أن ينهض مذهولا ولكن لم يستطع أن يتلفظ بحرفٍ واحد. فهمس الكاهن كما يُهمس سر حميم للمريض:” اغفر لك يا توم، إني أغفر لك! عندها رقد الرجل ميتا، عند طلوع شمس ذاك النهار، لم يكن يشعر بالخوف من الله. فلقد أفهمه الرب مدى سعة رحمته في مغفرة ما لا يُغتفر!