Liturgical Logo

إنسانية الإله القادر ورحمة السّامريّ “الكافر” !

الأب بيتر مدروس

(قولسّي 1 : 15-20، لوقا 10: 25-37)

ممكن أن يلخّص المرء بالعنوان الوارد أعلاه القراءتين من الرسالة والإنجيل الطاهر.
المسيح: “صورة الإله غير المنظور” (قول 1 : 15 أ)
يقول بعض الباحثين أنّ مار بولس يستشهد هنا بنشيد معروف في الكنيسة الأولى. لا بأس، ولكن لا شيء يمنع أن تكون عبقرية رسول الأمم الإناء المختار قد أنتجت هذه التحفة الأدبية الروحانية من نبوغه الفكري وعمقه الروحي وسموّه الوجداني في حبّ المسيح “حياته”. ويرى المرء هذه العبقرية وهذا الإلهام الشّعريّ الأثيل الأصيل – يسنده الوحي الرباني- في نشيده للمحبة في 1 قور 13: 1 -13.
المسيح الإنسان هو “صورة” (في اليونانية εικων”ايقون”) للإله غير المنظور. تكفي هذه الآية للجواب النهائي على الاعتراض اليهوديّ الرافض للصور المقدسة والإيقونات والتماثيل في الكنائس والمؤسسات ومنازل المؤمنين. الاعتراض والتوسل بنصّ خروج 20: 4 ” لا تصنع لك صورة ولا تمثالاً … لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ”- نابع عن العقلية العبريّة الطفوليّة وهاجس موسى كليم الله واليهود و”تسرسب” قومه وأتباعهم من الأصنام وخوفهم أن يحذو اليهود حذو ال “جوييم” الوثنيين المساخيط بصناعة أوثان. ولكنّ تلك المرحلة البدائية ولّت بما أنّ المسيحية بقوة المسيح الحيّ قضت في الشرق والغرب على الوثنية، بأسلم الطرق، بحيث يؤكد المؤرخون النزهاء أنّ ما من أثر بقي للوثنية بعد القرن الخامس الميلادي في الشرق الأوسط والأقسام المعروفة من أوروبا وإفريقيا . وما من أحد في عصرنا “مهدّد” أن يعبد صورة أو تمثالاً!
مهما يكن من أمر – إذ ممكن أن يخالف كثيرون هذه النتيجة ويقولوا بوجود وثنية حتى نهاية العصور الوسطى – ها إنّ تجسّد الكلمة يقضي على الاعتراض: المسيح هو هو “صورة”، إيقونة منظورة للإله غير المنظور. فلا بأس في أن يرى المرء الإله وأن يلمسه: “ما رأته أعيننا، ما لمسته ايدينا من كلمة الحياة، به إيّاكم نبشّر” ( يوحنا الأولى 1: 1). وهنالك نصوص أخرى من العهد القديم نفسه – من أسفار الخروج والعدد وصموئيل والملوك – يأمر فيها الإله نفسه موسى ذاته وسليمان بصناعة صور وتماثيل حتى في بيت الله (ترجى مراجعة “الجواب من الكتاب” وملخّصه للمدارس “من وحي الكتاب المقدس”، مطبعة البطريركية اللاتينية، والبولسية جونيه لبنان).
يتطرق كتاب التعليم المسيحي الفلسطيني المسكوني إلى هذا الاعتراض ويجيب عليه باختصار واقتضاب. ومن المفيد أن يتعمق المربّون في الإجابة بآيات من الكتاب المقدس، مثلاً بحادثة الحية النحاسية التي أمر الله فيها كليمه موسى أن يصنعها ويرفعها على سارية “وكلّ لديغ ينظر إليها يحيا” وجعل منها الرب يسوع إشارة إليه وهو مصلوب وإلى صليبه الكريم المحيي الخلاصيّ، يوحنا 3 : 14 مقابل سِفر العدد 21: 8 وتابع. هذا على سبيل المثال لا الحصر، فهذه حية وهذه نحاسة يأمر الله بصناعتها ورفعها: ليست صنما ولا وثنا، بل تساعد في العيادة وتعطي الشفاء.

“وبكر كلّ خلق” ( قول 1: 15 ب)
مع الأسف هنالك عدم دقّة في النّقل، فالكلمة اليونانية “كتيسيس” تعني “خلق”. أمّا “خليقة” فترد في رؤيا “بداية خلائق الله” ولكن اللفظة اليونانية الاصليّة هي αρχη”أرخيه” أي “مبدأ، أصل”: فالمسيح كلمة الله الخالقة أصل الخليقة. ويوضح ميغيل كابان أنّ المسيح “ليس أول خليقة” – لو فرضنا أنه مخلوق فقد أتى قرونًا طويلة بعد ابوينا الأولين آدم وحوّاء… وإن كان معنويًّا بداية الإنسانية الجديدة التي تعود إلى الإنسان الأوّل “على صورة الله في البِرّ وقداسة الحقّ” (عن أفسس 4: 24) كما في البدء قبل السقوط في الخطيئة.

المَثَل القنبلة : السّامريّ الرّحيم (لوقا 10: 25-37)
أراد أحد علماء الشّريعة العبريّة أن “يبرّر نفسه” ولعب دور البراءة والسّذاجة: وكم مرّة نريد نحن أيضًا أن نبرّر أغلاطنا أو نخفّفها – ونضخّم أغلاط الآخرين! يفاجئه يسوع بمَثَل “لا على البال ولا على الخاطر”. سؤال الفقيه غير البريء كان: “من قريبي؟” وجواب يسوع سيفوقه ذكاء ودهاء. كان متوقّعًا من المعلّم الناصريّ أن يجيب ما تعلّمه التّوراة وما تعوّد عليه معشر اليهود: ال “رعيه” (بتسكين الراء) أي الزّميل، القريب (في الآراميّة “قريب” بتسكين القاف) هو أصلاً من “رُعيه” أي “الرّاعي” بمعنى “الزّميل في الرعاية”. والقريب هو اليهودي الآخر بمعنى اليهودي أخو اليهودي. ولأسباب عمليّة أضاف العبرانيون إلى اليهود الجيران غير اليهود القاطنين في أراضي العبرانيين، ال “جيريم” (من فعل “جار” اي “سكن”) وذلك لأسباب عملية تتلخص بما معناه: “جارك القريب ولا أخوك البعيد”.
يباغت يسوع مخاطبه بروايته لمَثَل خياليّ بليغ مخيف: يهوديّ وقع بين أيدي قطّاع الطّرق ومرّ به كاهن يهودي ولاويّ وتركاه يتضرج بدمائه ويصارع الموت. “مرّ سامريّ مسافر فأشفق عليه!” يطلق يسوع قنبلة “هيدروجينية” رهيبة: السامريون كانوا في نظر اليهود أنجاسًا وأبناء حرام اختلطت دماؤهم اليهودية بدماء بابليين أرجاس، إخوة مزيّفين كُفّارًا زنادقة منشقّين هراطقة خوارج! كهنوتهم فاسد منشقّ منحلّ منذ صارت هنالك مصاهرة بزواج منسى ابن الكاهن الأعظم في أوروشالم ببنت الحاكم البابلي “سنبلاّط” وطرد نحميا لمنسّى! نعم: مع أنّ “كهنوت” السامريين منشقّ وتوراتهم ناقصة، فها إنّ أحدهم (أي السامري الشفيق)أفضل من أفضل كهنة اليهود “على رتبة هارون”! وها إنّ “الكافر” أمثل من “المؤمنين الموحّدين” وال”نجس” أطهر من “الأنقياء” و”الخارج” أحسن من “أهل البيت”!
يخلص يسوع إلى النّتيجة: المحكّ والمقياس ليس الأصل ولا الانتماء الخارجيّ ولا “الإيمان” النظريّ بل “الإيمان العامل بالمحبّة”، إذ تعني عند يسوع “أحبب قريبك” “أحبب كل إنسان”.
خاتمة: القرابة الجديدة، قرابة “الدّم” في المسيح
لخّص لنا مار بولس القرابة الروحانيّة بيننا بهذه الآية المؤثّرة: “أنتم الذين كانوا حينًا أباعد، قد صرتم أقارب بدم المسيح” (أفسس 2: 13). ويفسّر لنا الرسول الحبيب يوحنا اساس قرابتنا أي تبنّي الله لنا وبنوّتنا نحن والأخوّة بيننا: “أمّا كلّ الذين قبلوا (يسوع) فقد أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله” (يو 1: 12).وفي سنة الرّحمة هذه، لنذكرنّ أن “نقتدي بالله كأبناء أحبّاء ونسير في المحبّة كما أحبنا المسيح” (عن أفسس 5: 1-2) فنكون مثل السامري الصالح نوعًا ما “رحماء كما أنّ أبانا السّماويّ رحيم” (لوقا 6: 31).