Liturgical Logo

إيمانك خلّصك” (لوقا ١٧: ١٩)

البطريرك بيتسابالا

يروي سفر اللاويين في الفصل الرابع عشر وبشكل مفصّل الطقوس التي يترتب على الأبرص اتباعها ليُطهَّر من بلواه. هنالك لا يقل عن ٣١ آية تصف ما يجب على الكاهن القيام به ليُطَهّر الأبرص: طقوس طويلة ومهيبة، يقوم خلالها بمجموعة من الخطوات ليصل الكاهن إلى الجزء الرئيسي من الشعائر ألا وهو تقديم حمل ذبيحة لله.
بمجرد الانتهاء من هذه الطقوس، يمكن اعتبار الأبرص طاهراً (لأن الأبرص ينجِّس كل من يلمسه)، وبالتالي يستطيع العودة إلى المحلّة والعيش مع الآخرين في المجتمع.
تحتوي الذبائح في العهد القديم على معان غنيّة ومعقّدة؛ ولكن من أجل تبسيط الأمور، يمكننا القول أن أساس الذبيحة، بالإضافة إلى التطهير والكفارة، قائم دائماً على فكرة “العطاء“؛ إعطاء شيء لله كعلامة امتنان، وتقدمة وإشارة إلى العهد الذي تجدّد.
ما نقرأه في إنجيل اليوم يُرجِعنا بالتحديد إلى هذا المقطع من سفر اللاويين: يلتقي يسوع بعشرة برص يستغيثون به من بعيد، ذلك لأنّه حسب الشريعة، كان يحظر على الأبرص أن يدنو من الأصحاء. في هذا المقطع يدعوهم يسوع إلى الذهاب إلى الكهنة في القدس لكي يُطهّروهم حسب الطقوس التي ذكرت في سفر اللاويين. وبينما هم ذاهبون طهروا. “فلمّا رأى واحد منهم أنه شُفي” (لوقا ١٧: ١٥) رجع حيثما كان ولم يُكمل طريقه مع الآخرين. فهم أنه ليس من الضروري الذهاب إلى الكهنة حسب ما تطلبه الشريعة القديمة. أدرك أن المكان الصحيح لرفع الشكر ليس هناك. كرّ راجعًا مسبحا الله بأعلى صوته وارتمى عند أقدام يسوع ليشكره.
يشيد يسوع بهذا الإيمان – كما في مقاطع أخرى في الإنجيل عندما أشاد بإيمان الغرباء – ويخبره أن إيمانه خلّصه. لكن أي إيمان؟ الإيمان الذي من خلاله فهم الأبرص الغريب أنه منذ اللحظة التي يتدخل فيها الله مباشرة في حياة الإنسان من خلال يسوع، لم يعد من الداعي تقديم أية ذبيحة.
عندما يجيء ملكوت الله بيننا (يسوع يقول في الآية ٢١ أنّه بعيد بعض الشيء) لن يكون من الضروري الذهاب ورؤيّة كهنة الهيكل ولا الخضوع إلى كل الطقوس التي تفرضها الشريعة.
لا يحتاج الأبرص الذهاب إلى الهيكل أو تقديم الذبائح أو إعطاء أي شيء لله، ذلك لأن الله جاء بنفسه إليه وخلّصه.
باللجوء إلى يسوع، يقوم الأبرص بنوع آخر من التقدمة ألا وهي التمجيد (لوقا ١٧: ١٥) وتقديم الشكر (لوقا ١٧: ١٦). التقدمة أو الذبيحة هنا لا تتمثل بإعطاء شيء لله بل بالأحرى تقديم الشكر له لما يقدّمه لنا.
يستطيع الجميع القيام بهذه التقدمة: إن كلمة “غريب” التي استعملها يسوع كانت محفورة على مدخل الهيكل للفصل بين ساحة الوثنيين والساحة المخصصة لليهود. لم تكن الذبيحة السابقة متاحة إلا للقليل. أما الذبيحة الجديدة فهي بمتناول الجميع ولكل من يدرك أن الخلاص يأتي من الله ولكل من يشكره ويرجع إليه.
ليس من الضروري الآن الخضوع إلى طقوس خارجية للحصول على الطهارة بل يكفي التحلّي بالإيمان: “إيمانك خلّصك” (لوقا ١٧: ١٩). للحصول على ذلك لا يلزم إيمان كبير (الإيمان المتعلّق بالذبائح والإلتزام بالتعاليم) بل إيمانٌ صغير، صغير كحبة الخردل، كما رأينا في قراءة الأحد الماضي (لوقا ١٧: ٦): إيمانٌ قادرٌ على الاندهاش ورفع الشكر.
لكننا نعلم أن هذا الإيمان هو الأصعب: كما حصل مع نعمان قائد جيش ملك آرام في قراءة اليوم. وفي فقرة لم يتم قراءتها، ورد أن هذا الغريب كان مقتنعاً أنه من أجل أن يُشفى عليه أن يقوم بطقوس أو أن يدفع مبلغاً كبيراً من المال. فشعر بالإهانة عندما طلب منه اليشاع الذهاب إلى نهر الأردن للاغتسال. نعم، كان عليه فقط أن يغتسل في نهر الأردن. كان عليه فقط أن يؤمن، ليس إلا.
لكن هو أيضاً، بعد أن اختار الإيمان الصغير، رجع ليشكر النبي اليشاع الذي لا يطلب منه شيئاً في المقابل. بالعكس رفض أية تقدمة.
نرى أن الإيمان هو الذي يخلّص وليس الذبائح: الإيمان بالخلاص الذي يتحقق من خلال ذبيحة المسيح. ومن المؤثرفي هذا المقطع الإشارة التي قام بها لوقا في الآية 11 إلى أن يسوع كان ذاهبا إلى القدس. نستطيع القول أن الأبرص لم يجد نفسه مضطرا للذهاب إلى القدس لأن يسوع نفسه كان ذاهبا هناك. عندما صعد إلى المدينة المقدّسة، قدم يسوع الذبيحة آخذاً معه الإنسانيّة المجروحة والضائعة التي انتشلها من الطريق وأخذها معه إلى البيت.
بمجرّد وصوله إلى القدس، ستتمثل ذبيحته بتقديم حياته من أجل خير جميع من التقى بهم على الطريق، باتحاد كامل مع إرادة الله المٌحبّة.
إن الإيمان بهذه المحبة “يُقدّسنا” ويخلّصنا، كما جاء في الرسالة إلى العبرانيين: “ونحن بفضل هذه الإرادة تقدّسنا بجسد يسوع المسيح الذي قدّمه قُرباناً مرّة واحدة“. (العبرانيين ١٠: ١٠)
في الأناجيل، نجد رواية أخرى فيها يتوقف السير ولا تتم الذبيحة: ” إذا كنت تقدّم قربانك إلى المذبح وتذكّرت هناك أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك قربانك عند المذبح هناك، واذهب أولاً وصالح أخاك، ثم تعال وقدّم قربانك“. (متى ٥: ٢٣– ٢٤)
هنا أيضا كما هو الأمر في إنجيل النهار، لا يتطلب الامتنان الحقيقي للرب، ولا التقدمة الجديدة، أيّة ذبيحة أو طقوسا وفقًا للشريعة، بل قلباً فقيراً وشاكراً، وبالتالي، قادراً على ممارسة الرحمة.