ارسالية يسوع وتوصياته تجاها (لوقا 10: 1-17)
الأب لويس حزبون
بعد الإرساليَّة الأولى الخاصة بالاثني عشر تلميذًا التي تمثِّل تبشير اليهود (لوقا 10: لوقا 9: 1-6)، فإن إنجيل الاحد الرابع عشر من السنة يتناول الإرساليَّة الثانية الخاصة بالتلاميذ الاثنين والسبعين التي تمثِّل تبشير الأمم (لوقا 10: 1-17). فرسالة الانجيل ليست مقصورة على اليهود، انما هي موجّهة للأمم الوثنية أيضا، وهي صورة مسبقة للمرسلين في العالم اجمع. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 1-17)
1وبَعدَ ذلِكَ، أَقامَ الرَّبُّ اثنَينِ وسبعينَ تِلميذاً آخَرين، وأَرسَلَهمُ اثنَينِ اثنَينِ يتَقَدَّمونَه إِلى كُلِّ مَدينَةٍ أَو مَكانٍ أَوشَكَ هو أَن يَذهَبَ إِلَيه.
تشير عبارة “بَعدَ ذلِكَ” الى إنه بعدما ترك يسوع الجليل نهائيًا وبعد الارسالية الأولى لرسل الاثني عشر ( لوقا 9: 1- 50)؛ أمَّا عبارة “أَقامَ الرَّبُّ” فتشير الى ان الرب هو الذي يدعو للخدمة كما يؤكده صاحب الرسالة للعبرانيين “وما مِن أَحَدٍ يَتَوَلَّى بِنَفْسِه هذا المَقام، بل مَن دَعاهُ اللهُ” (عبرانيين 5: 4) ؛ اما عبارة ” اثنَينِ وسبعينَ” كما ورد في النص اليوناني و “سبعين” كما ورد في النص العبري فتشير الى عدد لائحة شعوب الأرض كلّها (التكوين 10)؛ وسبعين تلميذا يقابلون سبعين شيخًا الذين اِختارهم موسى (عدد 11: 16-25) أو سبعين عضوًا في المجمع اليهودي الأعلى السنهدريم. واما لوقا الإنجيلي فاقتبس النص اليوناني (72). الذي يضيف إسميين للدلالة على أن شعوب الأرض كانت اثنين وسبعين. وما يهمّنا نحن في هذا النّص، ليس الاختلاف بين مخطوطات الكتاب المقدّس، انما معنى العدد، وهو ان الرب اختار هؤلاء التلاميذ ليمثلوا شعوب الأرض كلّها، ويحملوا بشرى الخلاص الى الكون بأسره دون تمييز بين يهوديّ أو يونانيّ (وثني)علماً ان الرسالة الى الوثنيين لم تبدأ إلا بعد الفصح والعنصرة كما جاء في وصايا يسوع الأخيرة “تُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم، اِبتِداءً مِن أُورَشَليم” (لوقا 24: 47). لكن لوقا الإنجيلي أراد أن يرسم صورة مسبقة رمزية لإرسالية لشعوب الارض. أما عبارة “اثنَينِ اثنَينِ ” فتشير الى ما فعل يسوع مع الرسل (لوقا 9: 1-6) وهذا ما ستفعله الكنيسة الأولى (اعمال الرسل 113: 2) ليشدِّدا بعضهم بعضا. إذ كما جاء قول صاحب الحكمة ” إِثْنانِ خَيرٌ مِن واحِد لأَنَّ لَهما خَيرَ جَزاءً عن تَعَبِهما. إِذا سَقَطَ أحَدُهما أَنهَضَه صاحِبُه والوَيلُ لِمَن هو وَحدَه فسَقَط إذ لَيسَ هُناكَ آخر يُنهِضُه” (جامعة 4: 9-10)؛ أمَّا عبارة يتَقَدَّمونَه” في اليونانية πρὸ προσώπου فتعني حرفيا ” امام وجهه” وذلك ليكونوا ممهَّدين الطريق أمام المسيح، فيصبحوا مثل يوحنّا المعمدان، صوتاً نبويّاً؛ وتفيد العبارة أيضا معنى مقدسا لقدوم الرب يسوع المسيح؛ اما عبارة “إِلى كُلِّ مَدينَةٍ” فتشير الى ان الرسالة الانجيلية غير محصورة في شعب معيَّن أو أُمَّة خاصة بل هي مفتوحة لجميع الشعوب. اما عبارة ” أَوشَكَ هو أَن يَذهَبَ إِلَيه” فتشير الى ان التلاميذ عليهم ان يسبقوا يسوع نفسه ويعلنوا ان الملكوت قريب في شخص يسوع.
2وقالَ لَهم: ((الحَصادُ كثيرٌ ولكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون، فاسأَلوا رَبَّ الحَصَاد أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه.
تشير عبارة “الحَصادُ” الى استعارة مألوفة لدينونة الله الأخيرة (متى 3: 12) كما وصفه أنبياء العهد القديم “الحِصادَ قد بَلغَ وهَلُمُّوا دوسوا فإِنًّ المَعصَرَةَ مَلأَى والدِّنانَ فائِضَة لِأَنَّ شَرَّهم قد كَثُر”(يوئيل 4: 13، اشعيا (41: 15) وارميا (51: 33). يرتبط الحصاد بيوم الدينونة وبمجيء الرّب وسط شعبه (أشعيا 63، 1-6)، وجعل يوحنا المعمدان من الحصاد “عمل “الأقوى “أَنا أُعَمِّدُكم بِالماء، ولكِن يأتي مَن هُو أَقوى مِنِّي” (لوقا 3: 16-17 اما عبارة ” فاسأَلوا رَبَّ الحَصَاد ” فتشير أنّ اختيار المدعوين يأتي بالصلاة أولا لان الرب نفسه هو الذي يُبذر، وهو أيضًا الذي يحصد، فبدونه يحسبون كلا شيء… إذ يقول: ” بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً” (يوحنا 15: 5) ويُشرك يسوع تلاميذه بالصلاة ورسالة التبشير في الحصاد (الدينونة) (متى 9: 37). فالصلاة ضرورية ليرسل الرب عملة الى حصاده. والدينونة تطبق هنا على زمن يسوع. لان ملكوت الله قد أتى (متى 3: 2) عن طريق الخدمة الرسولية التي قام بها يسوع وتلاميذه (متى 10: 15).
3اِذهَبوا! فهاءنَذا أُرسِلُكم كَالحُملانِ بَينَ الذِّئاب.
تشير عبارة “فهاءنَذا أُرسِلُكم ” الى انَّ يسوع هو المُرسِل، لذا هو المسئول عن المُرسَلين والمحامي عنهم والعامل فيهم الذي يحوِّل الذئاب لهم حملان؛ أمَّا عبارة “كَالحُملانِ بَينَ الذِّئاب” فتشير الى نبوءة يسوع بالاضطهادات التي يواجها التلاميذ المُرسَلين، وفقًا لشهادة بطرس ” فقَد تأَلَّمَ المسيحُ أَيضًا مِن أَجلِكم وترَكَ لَكم مِثالاً لِتقتَفوا آثارَه. .. شُتِمَ ولَم يَرُدَّ على الشَّتيمَةِ بِمِثلِها. تأَلَّمَ ولم يُهَدِّدْ أَحَدًا، بل أَسلَمَ أَمْرَه إِلى مَن يَحكُمُ بِالعَدْل” (1بطرس 2: 21-23). فمصير التلاميذ هو مصير يسوع، فإعلان الملكوت يعارض معارضة جذرية مصالح العظماء في العالم. لهذا تحل الاضطهادات بالمؤمنين الذين يشهدون للرب. المطلوب من المُرسلين ان يكونوا ودعاء كالحملان تجاه شراسة وعنف الذئاب، فيحوّلوا الذئاب الى حملان. ويُعلق القدّيس أمبروسيوس (نحو 340 -379)، أسقف ميلانو بقوله: “حين أرسل الرّب يسوع تلاميذه إلى الحصادِ …فانه لا يخشى على قطيعِه من الذئاب؛ أُرسِل أولئك التلاميذ لا ليكونوا فريسةً، بل لينشروا النعمةَ أينما حلّوا. إن عناية الراعي الصالح تقي الحملانَ من اعتداءاتِ الذئاب. إنّه يرسلهم لتتمّ نبوءة اشعيا: “الذئبُ والحملُ يرعيان معًا (اشعيا 65: 25).
4لا تَحمِلوا كِيسَ دَراهِم ولا مِزوَداً ولا حِذاءً ولا تُسَلِّموا في الطَّريقِ على أَحد.
تشير عبارة ” تَحمِلوا ” الى تخلِّي التلاميذ عن كل ما يُعيق مسيرتهم، اما عبارة ” كِيسَ دَراهِم” فتشير الى كيس لحمل النقود. وعليه فلا بد من التجرد من المال. فالكرازة ليست بحاجة الى المال؛ ويعلق القديس أوغسطينوس ” ماذا يعني” لا تحملوا كيسًا؟ ” أي لا تكونوا حكماء بذواتكم بل اقبلوا الروح القدس، فيكون فيكم ينبوعًا لا كيسًا، منه تُنفقون على الآخرين دون أن ينضب، وهكذا أيضًا بالنسبة للمزود”؛ وأما عبارة “ولا مِزوَداً” فتشير الى وعاء من جلد ونحوه يوضع فيه الزاد. ليس الكرازة بحاجة الى طعام يُتَّخَذُ للسفر، لآن العامل مستحق طعامه (1 قورنتس 9: 14). فالمرسل مرتبط بضيافة من يستقبله. والمقصود هنا أن الله هو الذي يُدبِّر كل احتياجاتهم، فيعتمدوا عليه وليس على الماديات. وقد سبق وقال يسوع ” لا يُهِمَّكُم لِلْعَيشِ ما تَأكُلون ولا لِلجَسَدِ ما تَلبَسونَ” (متى 6: 25)؛ اما عبارة “ولا حِذاءً” فتشير الى علامة السلطة والقدرة على إتّخاذ القرار دون إذن أحد، فالعبد لا يلبس حذاء، وبالحذاء كان الملك يطأ رأس عدّوه حين ينتصر عليه. واما عبارة “لا تُسَلِّموا في الطَّريقِ على أَحد” فتشير الى عدم ضياع الوقت بالسلامات والتحيات المطوَّلة والمجاملات الكثيرة بلا هدف روحي، والرب يحذر من إضاعة الوقت الثمين، لان ارساليتهم عاجلة وملحة كما ورد في العهد القديم على لسان اليشاع الذي أرسل خادمه لإنقاذ الطفل بقوله له “أشدُدْ حَقوَيكَ وخُذْ عَصايَ في يَدِكَ وآمْضِ، وإِن لَقيتَ أحَدًا فلا تُسَلِّمْ علَيه. وإِن سَلَّمَ علَيكَ أَحَدٌ، فلا تُجِبْه”(2ملوك 4: 29). ويُعلِّق القديس أمبروسيوس على هذه التوصيَّة بأن السيِّد لم يمنعنا من تحيَّة السلام، إنما من تقديمها في الطريق، بمعنى ألا تكون معطَّلة للعمل، وذلك كما أمر اليشاع النبي خادمه (2 ملوك 4: 29) لكي يُسرع ويتمِّم الأمر. السلام عادة جميلة، لكن إتمام الأعمال الإلهيَّة أجمل، وهي تستلزم عدم تأخيرها. فالمطلوب من المُرسلين ان يحفظوا قلوبهم وفكرهم منحصرين في الله. فملكوت السماوات قد اقترب، وإتمامه ملقى على عاتقهم.
5وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فقولوا أَوَّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت.
تشير عبارة ” أيَّ بَيتٍ ” الى سلوك التلاميذ في البيت؛ في حين في الآيات 8-11 تشير الى سلوك التلاميذ في المدينة. اما عبارة ” السَّلامُ “فتشير الى السلام المألوف في العهد القديم “وقولوا لَه: كُلُّ سَنَةٍ وأَنتَ سالِم، وبَيتُكَ كلُّ ما لَكَ سالِم” (1صموئيل 25: 6) وهو تمنّي الازدهار والعافية والهناء والبركة والخير كما يُقال في العبرية (שָׁלוֹם) وفي العربية (السلام عليكم، لكم)؛ والمقصود هنا ليس ذلك السلام الرخيص والخالي من المتطلبات، الذي وعد به الأنبياء الكذابون كما قال ميخا النبي “هكذا قالَ الرَّبُّ على الأَنبِياء الَّذينَ يُضِلُّونَ شَعْبي ويَعَضُّونَ بِأَسنانِهم ويُنادونَ بِالسَّلام ” (ميخا 3: 5) انما يقصد به “سلام” المسيح الذي يحمله الانجيل” كما جاء في نشيد زكريا أبو يوحنا المعمدان ” فقَد ظَهَرَ لِلمُقِيمينَ في الظُّلمَةِ وَظِلالِ الـمَوت لِيُسَدِّدَ خُطانا لِسَبيلِ السَّلام” (لوقا 1: 79). فالمُرسل او الرسول يعطي من عند الله سلاماً يملأ القلب، وهذا السلام فعَّال لمن يتلقاه بإيمان.
6فإن كانَ فيهِ ابنُ سَلام، فسَلامُكُم يَحِلُّ بِه، وإِلاَّ عادَ إِلَيكُم.
تشير عبارة ” ابنُ سَلام ” الى من يتقبل سلام الله الذي يُحمل اليه ويتجاوب معه وينتمي الى مُلكِه؛ وامَّا عبارة “إِلاَّ عادَ إِلَيكُم ” فتشير الى المُرسلين الذين لن يفقدوا سلامهم بسبب الذين رفضوهم ورفضوا سلامهم.
7وأَقيموا في ذلكَ البَيتِ تأَكُلونَ وتَشرَبونَ مِمَّا عِندَهم، لِأَنَّ العامِلَ يَستَحِقُّ أُجرَتَه، ولا تَنتَقلوا مِن بَيتٍ إِلى بَيت.
تشير عبارة ” العامِلَ يَستَحِقُّ أُجرَتَه ” الى حق الرابي في العيش من عطايا تلاميذه. وجعل بولس الرسول هذا الحق قانونا لخدمته التبشيرية، مع انه تخلّى عن الاستفادة منه لنفسه (1 قورنتس 9: 14-18)؛ ويلمّح اقتباس “إِنَّ العامِلَ يَستَحِقُّ أُجرتَه ” في نص رسالته الى تلميذه طيموتاوس (1 طيموتاوس 5: 18) الى أنَّ إنجيل لوقا نشر قبل كتابة الرسالة الى طيموتاوس. أما عبارة ” ولا تَنتَقلوا مِن بَيتٍ إِلى بَيت” فيشير الى ان التلاميذ في البيت الذي يقيمون فيه هم أعضاء في ذات الأسرة.
8وأَيَّةَ مَدينَةٍ دَخَلتُم وقَبِلوكم، فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكم.
تشير عبارة “فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكم” الى عدم بحث المُرسلين عن ضيافة مريحة، ووراء طعام أفضل، بل عليهم ان يتفرّغوا للرسالة تفرّغا تاماً، بعكس الكتبة والفريسيين في ذلك الحين الذين كانوا يقضون جُلَّ وقتهم في الولائم لتكريمهم.
9واشفْوا المَرْضى فيها وقولوا لِلنَّاس: قَدِ اقتَرَبَ مِنكُم مَلَكوتُ الله.
تشير عبارة “أشفْوا المَرْضى” الى سلطة المسيح لتلاميذه على مقدرة شفاء المرضى لتأكيد بشارتهم؛ اما عبارة ” مَلَكوتُ الله” فتشير الى معاني متعددة وقد تكررت هذه العبارة 35 مرة في لوقا؛ ومن معانيها، مُلك الله الابدي، او حضور الملكوت في شخص يسوع، او اقتراب الملكوت في شكل روحي، وهذا الملكوت هو موضوع كرازة يسوع (لوقا 8: 1) وتلاميذه (لوقا 9: 2-60). وهذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها لوقا الإنجيلي ” اقتراب ” ملكوت الله. هذا الملكوت هو واقع حاضر وهو رجاء مقبل. حاضر منذ الآن في شخص المسيح الذي بشّر بمجيء هذا الملكوت فيصل الى الكنيسة، وبالكنيسة الى العالم. وليس الملكوت “موضع” ندخل اليه، بل حالة نعيشها. اما عبارة ” اقتراب ” فتشير الى انه قد أصبح قريباً وحاضراً في شخص يسوع وتعليمه وأعماله. وان مجي الملكوت يقتضي توبة الانسان، كما كان ينادي يوحنا المعمدان في البرية ” توبوا، فقد اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات” (متى 3: 2). فان اقتراب مَلَكوتُ الله هو قلب رسالة يسوع الإنجيلية.
10وأَيَّةَ مَدينَةٍ دَخَلتُم ولَم يَقبَلوكم فاخرُجوا إِلى ساحاتِها وقولوا: 11حتَّى الغُبارُ العالِقُ بِأَقدامِنا مِن مَدينَتِكم نَنفُضُه لَكم. ولكِنِ اعلَموا بِأَنَّ مَلكوتَ اللهِ قدِ اقتَرَب.
تشير عبارة ” نَنفُضُه لَكم” الى قطع العلاقات مع هذه المدينة التي لم تكن أهلا لتقبل الانجيل، وهذا ما فعله بولس وبرنابا امام اليهود في انطاكيا بسيديه الذين رفضوهما “فنَفَضا علَيهِم غُبارَ أَقدامِهما وذَهَبا إِلى أَيقونِية” (اعمال الرسل (13: 51).
12 ((أَقولُ لَكم: إِنَّ سَدومَ سَيَكونُ مصيرُها في ذلكَ اليَومِ أَخفَّ وَطأَةً مِن مَصيرِ تِلكَ المَدينَة.
تشير عبارة “سَدومَ” الى احدى المن السهل الخمسة التي احرقتها النار التي زلت من السماء بسبب خطيئة أهلها (التكوين 19: 24-28) وقد صارت خطيئة سدوم مضر الامثال (متى 10: 15) ؛ وتقع سدوم تحت الماء اليوم في جنوب البحر الميت؛ أما عبارة ” أَخفَّ وَطأَةً مِن مَصيرِ تِلكَ المَدينَة فتشير الى أن سدوم ستكون أفضل من كورزين وبيت صيدا. وتعتبر هذه الآية رثاء نبوياً يوجّهه يسوع الى كل مدينة لا تقبل بلاغ رسالة الانجيل الطاهر، وهذا الرثاء يستهدف مدن شاطئ بحيرة طبرية الشمالي ويلومها على رفضها ليسوع المسيح، إذ رفضت الانفتاح على الملكوت (لوقا 10: 20-30).
13الوَيلُ لكِ يا كُورَزِين! الوَيلُ لكِ يا بَيتَ صَيدا! فلَو جَرى في صورَ وصَيدا ما جَرى فيكُما مِنَ المُعجِزات، لَأَظهَرتا التَّوبَةَ مِن زَمَنٍ بَعيد، فلَبِستا المُسوحَ وقَعَدتا على الرَّماد.
تشير عبارة ” الوَيلُ لكِ ” لا الى لعنةٍ ولا الى حكم ٍ لا رجوع َعنه، بل الى رثاء بمعنى (ما أتعسكم!) والى تأسف وتهديد أي نداءً ودعوة الى التوبة (لوقا 6: 24)؛ اما عبارة “كُورَزِين! ” فتشير الى مدينة ذكرت ثلاث مرات في التلمود، ويُحدد اوسابيوس مؤرخ الكنيسة (265-340م) موقعها على بعد 3كم من كفرناحوم (متى 11: 21)، اما عبارة ” بَيتَ صَيدا! ” فتشير الى مدينة واقعة عند مصب نهر الأردن في شمال بحيرة طبرية. وقد أعاد بناءها هيرودس فيلبّس فسمّاها يوليا في بدء العصر المسيحي (متى 11: 21)؛ اما عبارة “لَبِستا المُسوحَ وقَعَدتا على الرَّماد ” فتشير الى الاعتراف بالخطيئة والتوبة (متى 11: 21)؛ اعترف يسوع ان كرازته وعجائبه لم تُرجع هذه المدن الى التوبة، والسبب في ذلك كما يعلنه يسوع المسيح ” ما مِن خادِمٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لِأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال ” (لوقا 16: 13).
14ولكِنَّ صورَ وصَيدا سَيَكونُ مصيرُهما يومَ الدَّينونةِ أَخفَّ وَطأَةً مِن مصيرِكما.
تشير عبارة ” صورَ وصَيدا ” الى مدينتين وثنيتين في فينيقية على الساحل بين جبال لبنان والبحر المتوسط. (التكوين 1: 15)؛ وصور اسم سامي معناه “صخر” وصيد (او صيدون) اسم سامي معناه “مكان صيد السمك” وهي من أقدم مدن العالم. وقد مرَّ الرب يسوع على شواطئ صور وصيدا لكن لم يدخلهما (متى 15: 21-28) وقد اتصل به قوم من تلك المنطقة (مرقس 3: 8)، كما اتى الى الجليل قوم من صيدا ليسمعوا بشارة يسوع ويشهدوا عجائبه (لوقا 6: 17). ويعلن يسوع هنا ان مسؤولية تلك المدن الوثنية كانت اقل من مسئولية المدن الواقعة حول بحيرة طبرية، لان هذه كانت دوما تسمع بشارته وترى العجائب (لوقا 10: 13-14)، في حين لو شهدت صورَ وصَيدا عجائب يسوع وسمعت كلامه لأصبحت توبتهما أفضل من توبة مدن البحيرة.
15وأَنتِ يا كَفَرناحوم، أَتُراكِ تُرفَعينَ إِلى السَّماء؟ سَيُهبَطُ بِكِ إلى مَثْوى الأَمْوات.
تشير عبارة “كَفَرناحوم” الى المدينة الواقعة على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبرية (متى 4: 13) وكانت مركزا للجباية ( مرقس 2: 1) ومركزا عسكريا رومانيا ( ( لوقا 7: 1-10) وقد اتخذها يسوع مركزاً لتبشيره، ودعيت “مدينته” (متى 9: 1)، واجترح فيها عجائب عديدة (لوقا 4: 23): شفى فيها غلام قائد المائة ( لوقا 1-10) وحماة بطرس المحمومة ( متى 8: 14-17) ورَجُلٌ فيه رُوحُ شَيطانٍ نَجِس ( لوقا 4: 31-37) والمقعد المفلوج الذي كان يحمله أربعة (مرقس 2: 1-13) وابن خادم الملك ( يوحنا 4: 46-54) وغيرهم كثيرين مرضى بأمراض مختلفة ( متى 8: 16)؛ وكان سمعان يسكنها ويعمل فيها. وهي أكثر المدن الوارد ذكرها في الإنجيل، تكرر ذكرها (16) مرة.
16 ((مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني)).
تشير عبارة ” مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ” الى عظمة عمل المُرسلين الذين يشاركون في رسالة يسوع، لقد أعطاهم الربّ السّلطة على التبشير بالإنجيل. ومن خلالهم، يتعرف الناس إلى يسوع المسيح الذي هو الرأس، والمسيحيّون هم الأعضاء. واما عبارة “مَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي” فتشير الى رفض المرسلين باسم يسوع. فهناك علاقة حميمة بين يسوع وتلاميذه. ويُعلق القديس أوغسطينوس على هذه الآية بقوله: “جاء المسيح في أشخاص تلاميذه، فيتكلَّم معنا بواسطتهم. أنه حاضر فيهم. بواسطة كنيسته يأتي، وبواسطتها يتحدَّث مع الأمم. في هذا نشير إلى الكلمات التي نطق بها: ” مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا،” (متى 10: 40)، ويقول الرسول بولس: ” أَنَّ المسيحَ يَتَكلَّمُ بِلِساني” (2 قورنتس 13: 3). ”
17ورَجَعَ التَّلامِذَةُ الاثنانِ والسَّبعونَ وقالوا فَرِحين: ((يا ربّ، حتَّى الشَّياطينُ تَخضَعُ لَنا بِاسمِكَ)).
تشير عبارة “فَرِحين” الى السعادة لكتابة أسمائهم في ملكوت السماوات التي هي إشارة إلى الحياة الفاضلة في الرب، في حين إخراج الشيَّاطين فهي موهبة من الرب يمكن أن يتمتَّع بها إنسان منحرف فيهلك” كما يعلق القديس انطونيوس. ألم يتمتع يهوذا الإسخريوطي بهذه المواهب ثم هلك.
18فقالَ لَهم: ((كُنتُ أَرى الشَّيطانَ يَسقُطُ مِنَ السَّماءِ كالبَرْق.
تشير عبارة ” الشَّيطانَ ” الى ابليس عدو الله والانسان (متى 13: 39). واما عبارة “كُنتُ أَرى الشَّيطانَ يَسقُطُ مِنَ السَّماءِ كالبَرْق” فتشير الى عبارة مجازية تصف انتصار التلاميذ على الشيطان بطردهم إياه ونجاحهم في حربهم على الشر.
19وها قَد أولَيتُكم سُلطاناً تَدوسونَ بِه الحَيَّاتِ والعَقارِب وكُلَّ قُوَّةٍ لِلعَدُوّ، ولَن يَضُرَّكُم شَيء.
تشير عبارة ” الحَيَّاتِ ” الى مكر وخداع وسُم مميت. إذ إنَّ الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله (تكوين 1:3). ويؤكد بولس الرسول هذا القول” ولكِنِّي أَخشَى علَيكُم أَن يَكونَ مَثَلُكُم مَثَلَ حَوَّاءَ الَّتي أَغوَتْها الحَيَّةُ بِحيلَتِها، فتَفسُدَ بَصائِرُكُم وتَتَحَوَّلَ عَن صَفائِها لَدى المَسيح” (2 قورنتس 3:11)؛ وأما عبارة “العَقارِب ” فتشير الى شر مستتر مع سرعة اختفاء. فالحيات والعقارب رمز للشيطان وقوى الشر التي يدوسها التلاميذ. وتذكرنا هذه العبارة بما قاله الله للحية “وأَجعَلُ عَداوةً بَينَكِ وبَينَ المَرأَة وبَينَ نَسْلِكِ ونَسْلِها فهُوَ يَسحَق رأسَكِ وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه”(التكوين 3: 15).
20ولكِن لا تَفرَحوا بِأَنَّ الأَرواحَ تَخضَعُ لَكُم، بلِ افرَحوا بِأَنَّ أَسماءَكُم مَكْتوبَةٌ في السَّموات)).
تشير عبارة “لا تَفرَحوا بِأَنَّ الأَرواحَ تَخضَعُ لَكُم” الى ان الخلاص هو أكثر أهمية من خضوع الشياطين للتلاميذ. اما عبارة “مَكْتوبَةٌ في السَّموات ” فتشير الى استعارة تقليدية بان أسماء المختارين مكتوبة في كتب السماء كما ورد في كتب الرؤى “فالغالِبُ سيَلبَسُ هكذا ثِيابًا بيضًا، ولن أَمحُوَ اسمَه مِن سِفْرِ الحَياة” (رؤيا 3: 5).
ثانياً: تطبيقات النص الانجيلي (لوقا 10: 1-17)
انطلاقا من هذه الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 1-17) نستنتج انه يتمحور الارسالية والتوصيات الرب يسوع المسيح.
1) الارسالية (البِعثة):
ارتبط مفهوم الارسالية للتبشير في العهد القديم والعهد الجديد. لما في العهد القديم فارتبطت الارسالية في الأنبياء واما في العهد الجديد فارتبطت في المسيح والرسل والمرسلين.
ا) ارسالية الأنبياء
تفرض الإرسالية الإلهية وجود نداء او دعوة من قبل الله. فالله يدعو والأنسان يستجيب. وظهرت هذه الإرسالية في دعوة الله للأنبياء الذين يتقدّمهم موسى “مِن يَومَ خَرَجَ آباؤُكم مِن أَرضِ مِصرَ إِلى هذا اليَوم، ما زِلتُ أُرسِلُ إِلَيكُم جَميعَ عبيدِيَ الأَنبِياءِ بِلا مَلَل (إرميا 7: 25). فالإرسال هو محور كلّ دعوة نبوية ” كما حدث مع إرميا النبي “فإنَّكَ لِكلِّ ما أُرسِلُكَ لَه تَذهَب وكُلَّ ما آمُرُكَ بِه تَقول”(إرميا 1: 7).
وعلى هذه الدعوة، يجيب كلّ الأنبياء منهم بحسب تكوينه الخاص: نرى اشعيا يقدّم نفسه “هاءنذا، فأرسلني” (إشعيا 6: 8)، بينما يثير إرميا الاعتراضات “آهِ ايُّها السَّيِّد الرَّبّ هاءنَذا لا أَعرِفُ أَن آتكم لِأَنِّي وَلَد” (إرميا 1: 6)، أما موسى فيطلب علامات تثبت إرساليته “فقالَ موسى لله: ((مَن أَنا حَتَّى أَذهَبَ إِلى فِرعَون وأُخرِجَ بني إِسرائيلَ من مِصر؟)) قال: ((أَنا أَكونُ معَكَ، وهذه علامةٌ لكَ على أَنِّي أَنا أَرسَلتُكَ: إِذا أَخرَجتَ الشَّعبَ مِن مِصر، تَعبُدونَ اللهَ على هذا الجَبَل ” (خروج 3: 11-13)، إلاّ أن جميع الأنبياء في نهاية الأمر يُبدون الطاعة باستثناء حالة يونان الخاصة “فقامَ يونانُ لِيَهرُبَ إِلى تَرْشيشَ مِن وَجهِ الرَّبّ، ” (يونان 1: 3) فهو يرفض إرساليته العالمية الشاملة، مستنكراً إمكانية الخلاص للأمم. فالأنبياء هم مرسلون لحثّ القلوب على التوبة والإنذار بالعقوبات، أو التبشير بالمواعيد: فيرتبط دورهم ارتباطاً وثيقاً بكلمة الله، التي هم مكلّفون بإعلانها للناس. فتاريخ الخلاص مرتبط ويتحقق بفضل كل هذه الإرساليات.
ب) ارسالية يسوع المسيح
بعد ظهور يوحنا المعمدان، آخر الأنبياء وأعظمهم، (متى 11: 9-14)، تقدم يسوع المسيح، إلى الناس، باعتباره المُرسل من الله او الرسول بكل معنى الكلمة، ذاك الذي تحدث عنه اشعيا “روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مسحني وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفقراء وأَجبُرَ مُنكَسِري القُلوب وأُنادِيَ بِإِفْراجٍ عنَ المَسبِيِّين وبتَخلِيَةٍ لِلمَأسورين” (اشعيا 61: 1-2). أرسل الله أخيراً ابنه كما ورد في انجيل مرقس “فبَقِيَ عِندَه واحِدٌ وهو ابنُه الحَبيب. فأَرسَلَه إِلَيهم آخِرَ الأَمرِ”(مرقس 12: 2-8). ارسله الآب ” ليبشّر بالإنجيل” (مرقس 1: 38)، وليكمل الشريعة والأنبياء (متى 5: 17)، وليلقي ناراً على الأرض (لوقا 12: 49)، لا ليحمل سلاماً بل سيفاً (متى 10: 34/)، لا ليدعو الأبرار، بل الخاطئين (مرقس 2: 17)، ليبحث عن الهالك فيخلّصه (لوقا 19: 10)، وليخدم ويفدي بنفسه جماعة كثيرة (مرقس 10: 45). لذلك فإن من يقبله أو ينبذه، إنما يقبل أو ينبذ ذلك الذي أرسله (لوقا 10: 16). وعليه فإن موضوع الإيمان الذي يطلبه يسوع من الناس هو أنّه مرسل من الآب (يوحنا 11: 42). وهذا ما يتضمن في الوقت نفسه الإيمان بالابن على أنه المرسل (يوحنا 6: 29) والإيمان بالآب على أنه أرسله (يوحنا 5: 24).
ولم يتردد بولس الرسول تأكيد هذه الحقيقة بان الله أرسل ابنه في ملء الزمن ليفتدينا ويمنحنا التبني “فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي” (غلاطية 4: 4-5). لان الله أرسل ابنه إلى العالم مخلصاً وكفارة عن خطايانا، حتى نحيا به: ذلك هو الدليل الأسمى لمحبته لنا “ما ظَهَرَت بِه مَحبَّةُ اللهِ بَينَنا هو أَنَّ اللهَ أَرسَلَ ابنَه الوَحيدَ إِلى العالَم لِنَحْيا بِه” (1 يوحنا 4: 9). ويصبح يسوع هكذا المرسل الحقيقي بالمعنى الأكمل (يوحنا 9: 7)، ورسول اعتراف إيماننا كما يعلن صاحب الرسالة للعبرانيين ” تَأَمَّلوا رَسولَ شَهادَتِنا وعَظيمَ كَهَنَتِها يَسوع (عبرانيين 3: 1).
ج) ارسالية الرسل والمرسلين
إن إرسالية الرسل ترتبط أوثق ارتباط بإرسالية يسوع: “كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا أيضاً” (20: 21). وعليه فإن إرسالية يسوع تستمر عن طريق مرسليه الاثني عشر، أولا ثم عن طريق التلاميذ الاثنين والسبعين ثانيا، ثم عن طريق الكنيسة ثالثاً. لهذا السبب بالذات يحمل التلاميذ لقب المُرسَل او الرسل. وفي أثناء حياته يرسلهم يسوع يتقدمونه (راجع لوقا 10: 1) ليعلنوا ملكوت الله ويشفوا المرضى (لوقا 9: 1-2(، وهذا هو موضوع إرساليته الشخصية. فهم العملة الذين يرسلهم ربّ الحصاد إلى حصاده (متى 9: 38).
وينبغي ألاّ ينخدع المُرسلون بخصوص المصير الذي ينتظرهم: “ما كانَ الخادِمُ أَعظِمَ مِن سَيِّدهِ ولا كانَ الرَّسولُ أَعظَمَ مِن مُرسِلِه” (يوحنا 13: 16)، وكما عامل العالم السيد، هكذا سيعامل عبيده (متى 10: 24-25). ويرسلهم يسوع “كالخِرافِ بَينَ الذِّئاب” (متى 10: 16). إنه يعلم أن “الجيل الفاسد” سوف يضطهد من يرسلهم ويسلمهم إلى الموت “مِنْ أَجْلِ ذلك هاءَنَذا أُرسِلُ إِلَيْكُم أَنبِياءَ وحُكَماءَ وكَتَبَة، فَبَعضَهم تَقتُلونَ وتصلِبون، وبَعضَهم في مَجامِعِكم تَجلِدون ومن مَدينَةٍ إِلى مَدينَةٍ تُطارِدون” (متى 23: 34).
وعند ظهور المسيح للرسل بعد القيامة يرسلهم “اذهبوا…”. فهم يذهبون إذاً ليبشروا بالإنجيل (مرقس 16: 15)، وليتلمذوا جميع الأمم (متى 28: 19)، وليقدّموا شهادتهم في كل مكان (أعمال 1: 8). وبذلك تبلّغ إرسالية الابن فعلاً إلى جميع الناس، بفضل إرسالية رسله وكنيسته.
والمعاملة التي يعاملون بها المرسلون سوف تعود على يسوع المسيح نفسه، وبالتالي على الآب: “مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني” (لوقا 10: 16)، “ومَن قَبِلَ الَّذي أُرسِلُه قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قبِلَ الَّذي أَرسَلَني” (يوحنا 13: 20).
ولم يعتمد المرسلون والمبشّرون بالإنجيل على قواهم البشرية وحدها للقيام بهذه المهمة الإرسالية، وإنما يؤدّون مهمتهم بقوة الروح القدس. وقد أوضح يسوع دور الروح القدس بقوله ” المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم. “(يوحنا 14: 26).
واما فيما يتعلق في نقص عدد العملة فلا بد من التغلب عليها من خلال الاعتماد على الصلاة، لان الدعوة الرسولية هي نعمة مجانية من الله. وقد عبَّر القديس بولس عن ذلك بقوله “وبِنِعمَةِ اللهِ ما أَنا علَيه” (1 قورنتس 15: 10). لذا لا نستغرب من قول المسيح لتلاميذه: ((الحَصادُ كثيرٌ ولكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون، فاسأَلوا رَبَّ الحَصَاد أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه. (لوقا 10: 2). واعطاهم نفس التوصيات والتعليمات التي أعطاها الى الاثني عشر (لوقا 10: 3-12).
2) توصيات الرب للإرسالية (البعثة التبشيرية)
أرسل يسوع الاثني عشر في الارسالية الأولى الى منطقة الشمال لقلة العملة وكثرة الحصاد (متى 9: 1-7)؛ واما في الارسالية الثانية فانه أرسل اعداداً مضاعفة من تلاميذه الى المنطقة الجنوبية التي كان مزمعا ان يجتاز فيها (لوقا 10: 1-2).
وقبل ارسال تلاميذه للتبشير في حقل الرب اعطى يسوع تلاميذه بعض التوصيات. وهذه التوصيات ليست توصيات عقائدية تتطرق الى مضمون الايمان الذي ينبغي تعليمه، بل الى تعليمات عملية، لان رسالة يسوع هي اولاً حدث خلاصي. فالمرسلون يُبشرون بملكوت الله أولاً بأسلوب حياتهم، لذا ارسلهم إثنين إثنين، وكما قال القديس أوغسطينوس” إن رقم (2) يشير إلى الحب لله والناس، وكأن إرساليَّته لم تكن كرازة كلام ووعظ فحسب، بل كرازة حب وشركة مع الله والناس” ومن هنا نجد التوصيات التالية:
التوصية الأولى: اللاعنف
أرسل يسوع تلاميذه ” كَالحُملانِ بَينَ الذِّئاب” (لوقا 10: 3)؛ الحمل هو واحد من القطيع ويعيش مع القطيع ويخضع لراعي القطيع. فإن كان حَمَل الله أقامنا حِملان ذلك لنحمل سماته فينا، في حين الذئاب هم وحوش كاسرة، لا تعرف الرحمة واللين، وتفرض نفسها على غيرها بالمكر والدّهاء وتختطف من تجد، وتبتلع من تختطف. وبذلك يشهد المرسلون ان قوتهم ليست نابعة منهم، ولا يريدون إكراه الناس على دخول الملكوت، بل يحثّونهم على الانضمام الطوعي للملكوت. ويُعلق القديس أوغسطينوس” إن الذئاب تلتهم الحملان فتتحوَّل الذئاب إلى حملان” إنها ليست إرساليَّة لافتراس رُسله، وإنما لتحويل الذئاب إلى حملان من خلال وداعة حملانه أي رسله. ” هذا ما حدث بالفعل أثناء كرازة الرسل الذين احتملوا اضطهادات عنيفة، فغيّروا كثيرا من القلوب القاسية، كما جذب الشهداء من كانوا يعذبونهم إلى الإيمان. وأما القديس يوحنا الذهبي الفم فيعلق ” أن الشراسة لا تُطفأ بالشراسة وإنما باللطف”. وهكذا تتم هذه الكلمة: ” الذِّئبُ والحَمَلُ يَرعَيانِ معاً” (اشعيا 65: 25). ألم يتحول شاول الطرسوسى إلى بولس الرسول الحمل كما يؤكده هو نفسه “إِنَّنا مِن أَجْلِلكَ نُعاني المَوتَ طَوالَ النَّهار ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح ” (رومة 36:8) بعد أن كان ذئباً كما يعترف قائلا “أَمَّا في الحَمِيَّة فأَنا مُضطَهِدُ الكَنيسة” (فيلبي 6:3)؛
واما القدّيس أمبروسيوس (نحو 340 -379)، أسقف ميلانو فيعلق على توصية الرب بقوله “حين أرسل الرّب يسوع تلاميذه إلى الحصادِ …فانه لا يخشى على قطيعِه من الذئاب؛ أُرسِل أولئك التلاميذ لا ليكونوا فريسةً، بل لينشروا النعمةَ أينما حلّوا. إن عناية الراعي الصالح تقي الحملانَ من اعتداءاتِ الذئاب. إنّه يرسلهم لتتمّ نبوءة اشعيا: “الذئبُ والحملُ يرعيان معًا (اشعيا 65: 25). إنّ ما أوصى به الربُّ المتواضع حقّقهُ تلاميذُه بعيشِ التواضع لأنّه أرسلهُم لغرسِ بذورِ الإيمان من خلال التعليمِ لا من خلال الإكراه؛ ولا من خلال استغلال قوّة سلطتهم، بل من خلال ممارسة التواضع. وقد أوضح بولس الرسول هذا الموقف بقوله ” ولِذلِك فإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعفِ والإِهاناتِ والشَّدائِدِ والاِضطِهاداتِ والمَضايِقِ في سَبيلِ المسيح، لأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا” (2 قورنتس 12: 10). فقد أَظهِر التلاميذ وداعة الحملان رغم أنهم ذاهبون إلى ذئاب، ليس فقط ذاهبون إلى الذئاب بل أيضاً يعيشون وسطهم. وفي هذا الصدد قال الى بولس الرسول “حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف ” (2 قورنتس 12: 9).
التوصية الثانية: الفقر والتجرد
اما توصية الرب الثانية لتلاميذه المرسلين فكانت ” لا تَحمِلوا كِيسَ دَراهِم ولا مِزوَداً ولا حِذاءً (لوقا 10: 4).
على المرسلين ان يعيشوا الفقر فلا يعتمدوا على القدرات والموارد البشرية والضامنات الدنيوية. لكن تركيز يسوع على الفقر الفعلي ينبغي ألا يُنسينا القيمة الروحية الكامنة فيه، فهو علامة ووسيلة للتجرد الداخلي والاستعداد لخدمة لرب ونشر ملكوته. هذا الفقر المادي أمر حسن، عندما تلهمه الرغبة في الاقتداء بيسوع والسخاء نحو اخوتنا. ويتيح تقبل هبة الله بمزيد من الحرية، والتكريس بقدر أكمل لخدمة ونشر ملكوته (لوقا 32:12-34).
ويقوم مبدأ الفقر وهدفه على المشاركة في سرَ ” جُودَ رَبِّنا يسوعَ المسيح: فقَدِ افتَقَرَ لأَجْلِكُم وهو الغَنِيُّ لِتَغتَنوا بِفَقْرِه”(2 قورنتس 9:8). والفقر الفعلي هو الطريق الأمثل للوصول للفقر الروحي الذي يقوم على الانفتاح على هبة الله، في إيمان ملؤه الثقة والتواضع والصبر. فالرب يسوع يوصي تلاميذه المرسلين بالاستسلام بكلّيتهم له كي يُتمِّموا رسالة الانجيل. وقد كان الرسول بطرس أول من نفَّذ وصيَّة الرب موضحًا أن وصيَّة الرب لم تُعط باطلًا، فعندما طلب منه الفقير صدقة عند باب الهيكل في اورشليم، قال: ” لا فِضَّةَ عِندي ولا ذَهَب” (اعمال الرسل 3: 6).
التوصية الثالثة: السلام
على المرسلين ان يبلغوا للناس سلام المسيح. “وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فقولوا أَوَّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت” (لوقا 10: 5). السلام هنا ليس هو التحيّة، بل هو جوهر إنجيل المسيح، هو الرسالة الأساسيّة التي يحملها الرسول الى البيت الّذي يدخل اليه، الى الأشخاص الّذين يلتقي بهم، الى كلّ كائن يحتاج الى سلام القلب. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم (345-407) بقوله “إنّ الربّ يسوع يريدنا أن نكون رسلاً للسلام، وأن تكون خطانا الأولى في أيّ بيت مكرّسة ببركة السلام.
وعليه فان مهمّة الرسول هي تبديل واقع القلب البشريّ، دعوته هي زرع السلام في البيوت التي يزورها، نزع القلق والخوف من قلوبهم واستبدالها بالفرح الحقيقيّ، بفرح بشرى الإنجيل التي تعطي السلام الداخليّ.
وهذا السلام لا يمكنه أن يكون مفروضاً، فالسلام الّذي يهبه المسيح يجب أن يُقبل بحرّية وبرغبة، ولا يمكنه أن يبقى من طرف واحد. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على توصية يسوع القائل “وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فقولوا أَوَّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت” كأنّه قال لهم: توجّهوا إلى الجميع، كبارًا وصغارًا، لكن بركتكم لن تحلّ على مَن هم ليسوا أهلاً. وأضاف: “فإن كانَ فيهِ ابنُ سَلام، فسَلامُكُم يَحِلُّ بِه، وإلاَّ عادَ إِلَيكُم”، أي: تطلقون عبارات السلام لكنّكم تطلقونها للسلام بحدّ ذاته، وأنا أعطيها لمَن أراه خير أهل لها. وإن لم يكن أحد بأهل لها، لن تكونوا مخطئين والنعمة التي تحملها كلماتكم لن تذهب سدىً، بل على العكس تعود إليكم، لذلك قال: “وإلاَّ عادَ إِلَيكُم”.
وعليه فان سلام المسيح لا يتساكن وشرّ العالم؛ فلا يمكن لسلام المسيح المُحرّر أن يحلّ في قلب مملوء حقداً ورغبة بالانتقام، او يرفض الصفح والدخول في علاقة مسالمة مع الآخر. لا يمكن أن يكون في قلب واحد، في بيت واحد، سلام المسيح وعنف الإنسان وقسوته. سلام الرّب يحلّ على “إبن السلام”، أي على الشخص الّذي يقبل إرادة الله في حياته، الشخص المستعد لأنّ يكون على صورة المسيح “أمير السلام”، يقابل العنف بالسلام، والشرّ بالخير، والأنانيّة بالعطاء. سلام الرّب لا يمكن أن يحلّ إلاّ في قلب من هو مستعدّ لإعلان قيم الإنجيل وأن كانت كلفة هذا الإعلان الشتم وهزء الآخرين به. وليحلّ سلام الرّب في قلب الإنسان، لا بدّ أن يقبل الإنسان أن يحوّل قلبه الى صورة قلب المسيح المطعون بالحربة وهو البريء الطاهر. قبول السلام يحوّلنا الى مسيحٍ آخر.
التوصية الرابعة شفاء المرضى
يوصي يسوع تلاميذه المُرسلين بعمل الخير وإبعاد الشر والمؤاساة ” اشفْوا المَرْضى فيها وقولوا لِلنَّاس: قَدِ اقتَرَبَ مِنكُم مَلَكوتُ الله. (لوقا 10: 9). يرى يسوع في المرض شراً يعانيه البشر، كنتيجة للخطيئة، ودليلاً على تسلّط الشيطان عليهم (لوقا 13: 16). فالمرض هو رمز للحالة التي يوجد فيه الانسان الخاطئ. فشفاء المرضى يعني انتصار يسوع الشيطان وإقامة ملكوت الله في الحياة الدينا. لذا أشرك يسوع رسله وتلاميذه في سلطان شفاء المرضى (متى 10: 1) وذلك لتأييد بشارتهم بالإنجيل (مرقس 16: 17-18).
ولذا يذكر سفر اعمال الرسل في مواقف متعددة معجزات الشفاء التي تظهر قوة اسم يسوع وحقيقة قيامته منها: شفاء بطرس الرسول للمقعد عند باب الهيكل في اورشليم (اعمال الرسل 3: 1-3)، وشفاء الشماس فيلبس لمجموعة من الممسوسين والمقعدين والكسحان في السامرة (اعمال الرسل 8: 7)، وشفاء بطرس الرسول للمعقد أيناس في اللد (اعمال الرسل 9: 32-34)، وشفاء بولس الرسول لكسيح مقعد في لسترة في تركيا حاليا (اعمال الرسل 14: 8-10)، وشفاء بولس الرسول لابي حاكم جزيرة مالطة الذي كان مصاب بالحمّى والدوسنطاريا (اعمال الرسل 28: 8-9). ويعلق أغناطيوس الانطاكي على توصية المرسلين لشفاء المرضى بقوله ” إن خدمة المرضى هي خدمة يسوع نفسه في أعضائه المتألمة وسوف يقول يوم الدينونة: ومَريضاً فعُدتُموني” (متى 25: 36). فالمرض هو صورة المسيح يسوع وعلامته الظاهرة.
التوصية الأخيرة: عدم اصدار حكم
ان المرسلين غير مخوَّلين لإصدار الحكم على أحد. انما الله هو سيد العالم وله وحده الحكم. “وأَيَّةَ مَدينَةٍ دَخَلتُم ولَم يَقبَلوكم فاخرُجوا إِلى ساحاتِها وقولوا: حتَّى الغُبارُ العالِقُ بِأَقدامِنا مِن مَدينَتِكم نَنفُضُه لَكم. ولكِنِ اعلَموا بِأَنَّ مَلكوتَ اللهِ قدِ اقتَرَب. (لوقا 10-11). ويعلق يوحنا الذهبي الفم بقوله “تطلقون عبارات السلام لكنّكم تطلقونها للسلام بحدّ ذاته، وأنا أعطيها لمَن أراه خير أهل لها. وإن لم يكن أحد بأهل لها، لن تكونوا مخطئين والنعمة التي تحملها كلماتكم لن تذهب سُدىً، بل على العكس تعود إليكم، لذلك قال: “وإلاَّ عادَ إِلَيكُم”. في الواقع، إنّ السلام الذي ينطق به لسان المبشّر يستقرّ على البيت إذا وجد بعض الأشخاص المهيّئين للحياة والذين يتبعون بطاعة التعاليم السماويّة التي أعطيت لهم. لكن إن كان أحدٌ لا يريد سماعها، لن يبقى المبشّر بدون ثمر، والسلام الذي تمنّاه سيرجع له مع الثواب الذي يعطيه إيّاه الربّ مقابل عمله. ” فاحترام حريّة الآخرين، ورفضهم لنا، جزء من تحقيق الملكوت.
خلاصة
يوكل الرب إلى تلاميذه عملاً كبيراً جدّا للتبشير، في الوقت الذي يقلُّ فيها العملة، وفي هذا الموضوع لا بد من التوقف عند كلمة البابا الراحل خادم الله يوحنا بولس الثاني، أثناء استقباله أساقفة التشاد حين قال لهم: “أدعوكم مع مؤمنيكم إلى رفع الصلاة، كي يُرسل الله عملة صالحين إلى كرمه، عملة لا يتكلون على المال” ولا يطمئنون إلى الزاد ولا ينتعلون حذاء خوفًا على صحتهم ولا يتوقفون في الطرقات للسلام والكلام وإضاعة الوقت.
المسيحي هو رسول في خدمة سر البشارة، في كل مكان، وعليه أن يمهد السبيل لدخول الرب وحلوله في كل منزل، وقرية، ومدينة، وبلد، وقارة. فالرسالة ليست حكرا على الرسل وخلفائهم الاساقفة والكهنة والشمامسة، إنها واجب كل مُعمَّد في الكنيسة. كلّنا نشكّل جزءاً من فريق الرسالة هذا، كلّ معمّد يحمل في طبيعة معموديّته دعوة الرّب له للإنطلاق، للمشاركة في الحصاد وإعلان إنجيل الرّب. وفي سنة الرحمة، دعوتنا نحن اليوم تقوم على إعلان حبّ الرّب لكلّ إنسان، مهما كان لونه وأصله ومعتقده؛ ولإعلان إنجيل السلام والعدل والرحمة
دعاء
نرفع الصلاة الى الآب السماويّ، أب كلّ رحمة، ليحّول اليه قلوبنا، فلا نفتّش سوى عن السلام الحقّ الّذي يهبه لنا، لكي نسعى الى الخير الحقيقيّ والوحيد، والسلام الحقيقيّ والوحيد، فتصبح حياتنا بأكملها مكّرسة لمجد اسمه ولإعلان إنجيل يسوع، إنجيل السلام والحبّ والخلاص، بشفاعة مريم أمّ وسلطانة الرسل والمبشّرين. آمين.