الأحد الثالث للمجيء ج (أ. مدروس)
الأب بيتر مدروس
القراءة الأولى من سِفر صفنيا تدعو المدينة المقدّسة إلى الفرح وسط صعوبات ونكبات ونكسات! فقد دمّر الاشوريّون حينها السّامرة، أمّا الآن فإنّ العبرانيين وأنصارهم يدمّرون بلاد “آشور” أي العراق وبلاد “آرام” اي سورية، وكأننا بهم ينتقمون بعد مئات السّنين من الأشوريين والكلدان والسّريان، قوم “راصين ملك دمشق” (عن أشعيا 7 : 8) ومن نبوخدنصّر ملك بابل. وجاء الانتقام اليهوديّ مضاعفًا على كلدان العراق وهم الأكثرية بين كاثوليك بلاد الرافدين وقد انضمّوا إلى الكرسي الروماني الرسولي في العصور الوسطى بعد تركهم لأشقائهم الأشوريين: نعم، انتقام مضاعَف من نبوخدنصّر الملك الذي جلاهم اي نفاهم سنة 587 قبل الميلاد، ومن تيطس الإمبراطور الروماني الذي حاصر المدينة المقدسة وتمّ تدمير الهيكل في عهده سنة 70 للميلاد. ويحسب العبرانيون أنّ الفاتيكان هو الاستمرارية للإمبراطورية الرومانية (!)، لذا نال المسيحيون الناطقون بالآرامية السريانية المنضمّون إلى كنيسة روما نصيب الأسد في الاضطهاد والتنكيل والإبادة والتّهجير! وتحقق للعبرانيين انتقام ثقافيّ لغويّ من الآراميّة (وبالتالي من السريانيّة، فالسريانية من آشور وهي اللسان الاصليّ ل “سورية”) وكانت الآراميّة في القرن السادس قبل الميلاد قد قضت على العبريّة – لدى اليهود أنفسهم- بشكل شبه نهائيّ.
اسم “صفنيا” يعني الرب “أخبأ ” لكي “يحفظ ويحرس” (خروج 2: 2). وطريف التّفسير العربيّ الشّعبي لفعل “صَفَنَ” أي “كان شارد الذهن” لأنّه “حفظ فكره ومشاعره ونظراته”، أو “صَفَنَ” من غير كلام ولا حركة لكي “يجمع” فكره.
زمن صفنيا حوصرت المدينة المقدّسة ثلاث مرّات، وها هي اليوم أيضًا محتلّة محاصرة مقفلة أمام ملايين العرب!
هل توصية رسول الأمم وهميّة : “لا تهتمّوا البتّة” ؟
كما تقول العامّة ” لا ينام مار بولس على هذه الخبريّة” : عدم الاهتمام (الذي طلبه السيّد المسيح أيضًا) لا يعني اللامبالاة ولا الخمول ولا الكسل ولا النوم بل ” في كلّ دعاء أخبروا الله بحاجاتكم”، “ليظهر حِلمكم (بكسر الحاء) لجميع الناس”. وسبب التفاؤل : “لأنّ الرّب قريب”. لا تهتمّوا بعد أن صلّيتم وأحببتم وأتممتم واجباتكم، فالرب يحفظكم (صفنيا!). وحتّى لو اغتالكم البشر وأبادوكم، فلا تخشوا : “لا تخافوا الذي يقتل الجسد فقط ولا يستطيع إلى قتل النفس سبيلاً، بل خافوا الذي يقدر أن يُهلك النفس والجسد في جهنّم”.
يا يوحنّا المعمدان: “ماذا علينا أن نفعل؟”
سيطرح السؤال نفسه أوّل مرشّحين لحب المسيح وهدى الإنجيل الطاهر : “ايها الرجال الإخوة (أي رسل يسوع وعلى رأسهم بطرس)، ماذا يجب علينا أن نفعل؟” (أعمال 3 : 37 وتابع). وجواب الرسل : “توبوا، وليعتمد كلّ منكم باسم يسوع!”
لاشعوريًّا نحبّ أن نسأل عن واجبات … الآخرين ونسعى مطالبين بحقوقنا. ولكن “من راقب الناس مات همًّا”. وعندما نتكلّم عن مسؤوليات الآخرين الغائبين وننتقدهم، لا هم يسمعون ولا يفعلون شيئًا ، ولا نحن نفعل للخير أمرًا!
خاتمة : ليسمع كلّ المسلّحين : “لا تظلموا أحدًا !”
يكفي أن يحمل أحد سلاحًا ليتوحّش ويضحي بلا ضمير! يحثّ المعمدان الجنود الرومانيين – وهم جيش احتلال مدجّج بالسلاح يبطش بشعب أعزل – وها إنّ التاريخ يعيد نفسه بحيث اصبح العبرانيون “جيشًا له “دولة” (يهوشواع ليبوفيتش)- ألاّ يظلموا أحدًا ولا يقتلوا أحدًا “كشربة ماء”، إذ هم الغريم والقاضي، “الخصم والحَكَم”. نرى المجازر التي يرتكبها المسلّحون، وهم عادة من الذّكور. ونرى بذهول تسرّب عدوى عطش الدماء ليس فقط عند “أمراء الدّم” بل عند إناث تجرّدن من أنوثتهنّ وشعورهنّ بالأمومة والرّقة والحنان. ويزيد الطين بلّة عندما يتوهّم قوم أنّ قتل البشر فريضة من لدن الله وعبادة له تعالى (عن يوحنّا 16 : 2 ).
أنستطيع نحن الشعب الأعزل أن ننزع اسلحتنا المادّية (كما مفروض أن يتمّ في الولايات المتحدة حيث إطلاق النار على البشر ظاهرة شبه يوميّة!) وننزع أسلحتنا “المعنويّة” من قدح وفضح وردح وتشهير وتشويه وتبلّ و”تدمير البيوت العامرة” والطّعن بأعراض البشر ؟ عندها ننتقل من ظلمة الظُّلم إلى نور المحبّة وبهاء الوئام نستأهل التّهنئة : ” طوبى للساعين إلى السلام فإنّهم أبناء الله يُدعَون”!