الأحد الثالث من الزمن الأربعيني (ج)
الأب بيتر مدروس
كم هو إنسانيّ هذا الإله! وبالضّبط في المسيحيّة وعن طريق تجسّد الكلمة الإلهيّة نلقى بتأثّر إنسانيّة الله الهادفة نوعًا ما إلى تأليه الإنسان لا بمعنى عزل الإله ولا بمعنى “الحلوليّة” التي آمن بها سبينوزا وبعض أدباء في الشّرق بل بمعنى السّموّ بالإنسان كما كتب بطرس الرسول : “أن نكون شركاء – نوعًا ما – بالطبيعة الإلهيّة” ، فيتحقق بأفضل صورة حُلم ابوينا الأولين “تصيران إلهين”. وإذا اعترض أحد على هذه الأفكار، فالرّدّ في المزمور الذي استشهد به السيد المسيح له المجد : “أنا قلتُ : أنتم آلهة وابناء العليّ أجمعون. ولكنكم كالبشر تموتون!”. وفي الإسلام يقرأ المرء عن الله أنه تعالى “أحسن الخالقِين” (لا بالمثنّى بل بالجمع)، في سورة المؤمنون 14.
ينادي الرب كليمه موسى من العلّيقة ويأمره أن يخلع نعليه. ولهذا السبب يخلع اشقاؤنا الأقباط نعالهم وقت القداس، وهذا ما يقوم به المسلمون في صلاتهم. “الموضع الذي أنت قائم فيه هو أرض مقدّسة”: إنها في سيناء بداية “أرض الميعاد” بل “الأرض الواعدة” كما يقول أحد السياسيين المسيحيين الفلسطينيين المقدسيين. فأرض الميعاد تسبب مشاكل بين مسلمين ومسيحيين ويهود، وبين المسيحيين أنفسهم. أمّا الكنيسة الكاثوليكية وشقيقتها الأرثوذكسية فقد أدركتا بصواب أن الرب يسوع ما أشار يومًا إلى أرض ميعاد بل اعلن أن ملكوت الله سيُنزَع من معشر اليهود. ولا يأتي ذِكر أرض الموعد إلاّ مرّة واحدة في الرسالة إلى العبرانيين وهم يهود متنصّرون، لا لتثبيت الفكرة المادية التوسعية الإقليمية الاستعمارية العبريّة الصّهيونيّة بل لتبيان أن “أرض الميعاد” كانت مجرّد صورة باهتة قاتمة “للوطن الأفضل اي السماويّ” (عبر 11 وتابع).
قال الرب لموسى : “رؤية رأيتُ مذلّة شعبي”. الصيغة العبرية هي مفعول مطلق يسبق الفعل، وهذا توكيد بليغ. والمذلّة هي في العبرية “عوني” أي فقر، بؤس، معاناة (لعلّ هذه الكلمة الأخيرة هي الأقرب للأصل لفظًا ومعنى).
“أنا هو الكائن” أو “أنا من أنا” (إهييه آشر إهييه)
بخلاف زعم فئة “شهود يهوه”، ليس “يهوه” الاسم الوحيد ولا الكامل لله. بل يأتي في خروج 3 في الدرجة الثالثة : أولا :”أنا من أنا”: يرى علماء أن هذه الآية العظيمة تعريف للطبيعة الإلهيّة التي هي الكيان، يعني جوهر الله الكيان. ويرى آخرون أنها رفض لتعريف الله كقولك في العامّيّة “اللي هو”. فمن أنت يا موسى لتطلب من الله، وكأنّك من حرس الحدود أو من جنود الحواجز، اسمًا ولتحدد طبيعة إلهية غير محدودة؟ في مرحلة ثانية، اختصر الله “الاسم” من ثلاث كلمات إلى واحدة “إهييه” (“الكائن”): كل هذا في صيغة المتكلم الإلهيّ. وأخيرًا ينقل الله الحديث عنه تعالى إلى ضمير الغائب : “يهوه” اي حرفيًّا “يكون” أو “يكوّن” اي “يخلق”. والجدير بالذكر أن “يهوه” لا ترد على الإطلاق في العهد الجديد اليوناني، إذ لا يوجد حرف هاء في اللغة اليونانية لا في منتصف الكلمة ولا في آخرها. وحتى في أولها لا حرف هاء بل إشارة apostrophe
العبرانيّون في الصّحراء (1 قور 10)
يستعين مار بولس برصيده التلمودي الحاخاميّ لتفسير أحداث الخروج والتيه في الصحراء بمفتاح مسيحي خريستولوجيّ. “الصخرة التي كانت تتبع الشعب العبري في الصحراء والتي شرب القوم منها كانت المسيح”. طبعًا، هذا النص لا “ينسف” متّى 16 : 18 حيث يعلن يسوع لسمعان أنه هو أي سمعان نفسه “كيفا” (صخر) وأن يسوع سيبني على “هذه الصخرة” اي سمعان ذاته كنيسته. في الآرامية لفظة واحدة، يحلو للمرء أن يرددها هنا : “أنت كيفا وعال هادي كيفا إبنيه لعيدتي”. لم ينطق الرب باللسان اليوناني بحيث يكون فرق جوهري كياني بين “صخر” (بتروس) و”صخرة” ففي الآرامية لفظة واحدة، ولا يستقيم للجملة منطق أو معنى إلاّ إذا فهمناها حقّ فهمها : اي أن سمعان ذاته هو الصخرة ، وإلاّ ما غيّر له يسوع اسمه، بحيث يصبح “اسمه على جسمه”.
يعتقد الأب “جاليس” البلجيكيّ أنّ وصف القرآن لوالدة “عيسى” المسيح بأنها “أخت هارون” يأتي من تقليد حاخامي من “التوسفتا” اي “الملحق”، ومفاده أن العبرانيين حصلوا على نعمة البئر في الصحراء بفضل صلوات مريم بنت عميرام ويوكيبد وشقيقة هارون وموسى. ويقرّب إليها السيدة العذراء مريم التي عن طريقها استطعنا أن “ننهل من ينابيع الخلاص مبتهجين”.
الإله الذي لا نستطيع إلى سبر اغوار حكمته سبيلاً! (لوقا 13 : 1 – 9)
ينبّهنا يسوع أن نتوب إذ لا نعلم في اي وقت سيقع البرج علينا أو سيبطش بنا عظماء هذا الدهر، عالم الظلم والظلمات. ويكسر يسوع اصطلاحًا سرى عند اليهود يتلخّص في أن أكثر الناس شرًّا أعظمهم بلوى. يؤكد يسوع خلاف ذلك. فاحذر ايها الإنسان الخاطيء الضعيف!
“توبوا”!
توبوا في زمن المجيء، توبوا في زمن الصوم، توبوا كل حين “لأنكم لا تعلمون لا اليوم ولا الساعة”!