Liturgical Logo

الأحد الثالث من الزمن الأربعيني (ج)

الأب لويس حزبون

يصف لوقا الإنجيلي (لوقا 13: 1-9) حدثين مروّعين يرى فيهما يسوع إنذاراً موجّها الى جميع الناس: كلهم خاطئون فهم يحتاجون الى التوبة؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 13: 1-9)
1″وفي ذلِكَ الوَقتِ حَضَرَ أُناسٌ وأَخبَروهُ خَبَرَ الجَليليِّينَ الَّذينَ خَلَطَ بيلاطُسُ دِماءَهم بِدِماءِ ذَبائِحِهِم.” : تشير عبارة “الجَليليِّينَ” الى هؤلاء الناس من الجليل الذين قاوموا شرائع روما، فكان لهم هذا العقاب الدموي. وربما يتكلم الانجيل عن “الغيورين” الثوار. اما عبارة “بيلاطُسُ” فتشير الى والٍ أقامته الإمبراطورية الرومانية حاكما على اليهودية في سنة (29م). وكانت قيصرية مركز ولايته. وكان يصعد الى اورشليم الى دار الولاية فيقضي للشعب هناك (يوحنا 18: 28)؛ وله عدة تدخلات دامية في اورشليم. وكان قاسياً جداً وغير مهتم إلاّ لمنفعته الشخصية. وفضلا عن ذلك، فهو الذي سلَّم يسوع لليهود مع أنه اعترف ببراءته (يوحنا 19: 6-12).
“2فأَجابَهُم: ((أَتظُنُّونَ هؤلاءِ الجَليليِّينَ أَكبَرَ خَطيَئةً مِن سائِرِ الجَليليِّينَ حتّى أُصيبوا بِذلك؟”: تشير عبارة “خَطيَئةً” هنا في اللغة اليونانية ἁμαρτωλός الى” دَيْن”. وإن الدَيْن في الكتاب المقدس هو واجب قانوني وتجاري بين البشر، وكان هذا الالتزام ذا شأن عظيم جداً في العالم القديم فيعرّض لفقدان الحرية (متى 18: 23-35). واستخدم الكتاب المقدس كلمة “الدَيْن” لوصف موقف الانسان من الله، وهو مَدينٌ له تعالى حتى إنَّه عاجزٌ عن الوفاء، وفي هذه الحال تدل الاستعارة على أنَّ الانسان خاطئا وهكذا نفهم صلاة يسوع في (ابانا) ” وأَعْفِنا مِن خَطايانا فإِنَّنا نُعْفي نَحنُ أَيضاً كُلَّ مَن لنا عليه” (لوقا 11: 4). ). فإنْ يسوع شبَّهَ الخطيئة “بِدَيْن” بل إن استخدم هذا اللفظ أحياناً (متى 6: 12). اما عبارة “أَتظُنُّونَ هؤلاءِ الجَليليِّينَ أَكبَرَ خَطيَئةً” فتشير الى ان اليهود كانوا يعتبرون أن العقاب الذي يحلُّ بالإنسان هو نتيجة الخطيئة المقترفة فسالوا يسوع: ((رابِّي، مَن خَطِىءَ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟)). فخرج يسوع من هذا المنطق، فأجاب “لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله” (يوحنا 9: 1-3)، ودعا جميع البشر الى التوبة لأنهم خاطئين جميعهم كما جاء في تعليم بولس الرسول ” سَرى المَوتُ إِلى جَميعِ النَّاسِ لأَنَّهُم جَميعاً خَطِئوا” (رومة 5: 12).
3أَقولُ لَكم: لا، ولكِن إِن لم تَتوبوا، تَهلِكوا بِأَجمَعِكُم مِثلَهم. تشير عبارة ” تَتوبوا” باليوناني μετανοέω, الى تغيير العقل للأفضل، وإصلاح المرء نفسه بسبب ما أرتكبه من الخطايا والمنكرات. الله لا يريد موت الخاطئ بل يريد خلاص جميع الناس، لأنه مات من اجل الجميع. ويوضّح ذلك حزقيال النبي بقوله: ” الشِّرَّير إِذا رَجَعَ عن جَميعَ خطاياه الَّتي صَنَعَها وحَفِظَ جَميعَ فرائضي وأَجْرى الحَقَّ والبِرّ. فإِنَّه يَحْيا حَياةً ولا يَموت، وجَميعُ مَعاصيه الَّتي صَنَعَها لا تُذكرٌ لَه، وبِبِرِّه الَّذي صَنَعَه يَحْيا. ألعَلَّ هَوايَ في مَوتِ الشِّرَّير؟ يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ. أَلَيسَ في أَن يَتوبَ عن طرقِه فيَحْيا؟ ” (حزقيال 18: 21-23).
“4وأُولئِكَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذينَ سَقَطَ عَليهِمِ البُرجُ في سِلْوامَ وقَتَلَهم، أَتَظُنُّونَهم أَكبرَ ذَنْباً مِن سائِرِ أَهلِ أُورَشَليم؟ 5أَقولُ لكم: لا ولكِن إِن لم تَتوبوا تَهِلكوا بِأَجمَعِكُم كذلِكَ)) : تشير عبارة البُرجُ في سِلْوامَ ” الى برج الكائن في قرية سلوان جنوب أورشليم. أما عبارة “أَتَظُنُّونَهم أَكبرَ ذَنْباً مِن سائِرِ أَهلِ أُورَشَليم؟” فتشير الى أن الموت او الحياة ليس مقياسا للبر. فكل إنسان لا بد ان يموت، وقد وعدنا يسوع “لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة” (يوحنا 3: 16).
6″وضَرَبَ هذا المَثَل: ((كانَ لِرَجُلٍ تينَةٌ مَغروسَةٌ في كَرمِه، فجاءَ يَطلُبُ ثَمَراً علَيها فلَم يَجِدْ.” يشير هذه المثل الى الإنذار التقليدي للشجرة التي لا تخرج ثمراً “ها هيَ ذي الفَأسُ على أُصولِ الشَّجَر، فكُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمَراً طَيِّباً تُقطَعُ وتُلقى في النَّار” (لوقا 3: 9)، ولكنه يُضيف اليه إعلان مُهلة أخيرة، وتبدو الدعوة الى التوبة واضحة وماسة. وقد وجّه يسوع الكلام في الأصل الى الشعب اليهودي (مرقس 11: 14) بعد ان بشّره يسوع لمدة ثلاث سنوات. ورأت الكنيسة أيضا انه وجّه يسوع كلامه الى جميع اتباعه المؤمنين.
7فقالَ لِلكَرَّام: ((ِإنِّي آتي مُنذُ ثَلاثِ سَنَواتٍ إِلى التِّينَةِ هذه أَطُلبُ ثَمَراً علَيها فلا أَجِد، فَاقطَعْها! لِماذا تُعَطِّلُ الأَرض؟)) 8فأَجابَه: ((سيِّدي، دَعْها هذِه السَّنَةَ أَيضاً، حتَّى أَقلِبَ الأَرضَ مِن حَولِها وأُلْقِيَ سَماداً. 9فَلُرَّبما تُثمِرُ في العامِ المُقبِل وإِلاَّ فتَقطَعُها)). تشير عبارة “ثَلاثِ ” هو رقم من الأرقام الكاملة ” لأنه يوحي بثلاثة أبعاد (طول وعرض وارتفاع) لتكوين جسد. إذًا رقم (3) يشير لما هو حقيقي وكامل ومجسم وواقعي ومتين وكلي وجوهري. لذلك فرقم (3) يشير للكمال الإلهي. واما عبارة “العامِ المُقبِل” فيشير الى المستقبل.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي
بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 9: 28-36) نستنتج انه يتمحور حول ضرورة التوبة من خلال ثلاثة إنذارات وجّها يسوع للشعب اليهودي كي يميّزوا المغزى من احداث زمانهم. وأما الانذارات الثلاثة فهي:
الإنذار الأول “هو مذبحة الجليليين على يد بيلاطس، (لوقا 13: 1-3)، وهي نتيجة لإرادة بشرية: إذ قمع بيلاطس، الولي الروماني، تمرد الغيورين” الذين كانوا يريدون زعزعة النظام الروماني القائم.
الإنذار الثاني: هو إنذار سقوط برج سلوام، وهي نتيجة عوارض غير بشرية (لوقا 13: 4).
الانذار الثالث هو شجرة التين (لوقا 13: 5-9). كانت الشجرة في العهد القديم رمزا للحياة الصالحة كما جاء في اقوال صاحب المزامير “يَكونُ كالشَّجَرَةِ المَغْروسةِ على مَجاري المِياه تُؤْتي ثَمَرَها في أَوانِه ووَرَقُها لا يَذبُلُ أَبدًا”(مزمور 1: 3)؛ وقد أشار يسوع الى ما يحدث للشجرة غير المثمرة، والتي استهلكت وقتاً ومكانا وعملا ولم تعط ثمرا. وقد حذّر يسوع سامعيه من ان الله لن يحتمل عدم إثمار الناس الى الابد. وفي هذه الصدد قال يوحنا المعمدان “ها هيَ ذي الفَأسُ على أُصولِ الشَّجَر، فكُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمَراً طَيِّباً تُقطَعُ وتُلقى في النَّار”(لوقا 3: 9). فالتينة المذكورة لا تحمل ثمراً، وتعطل الأرض عبثاً، لا بد ان قطعها؛ فاقتلاعها خير من وجودها في الأرض على غير ثمر. صوّر يسوع في هذا المثل فشل إسرائيل في الاستجابة لمعاملة الله وطول أناته مع هذه الامة، ثم رمز الى دينونتها (لوقا 13: 6-9). وكانت شجرة التين تمثل إسرائيل في العهد القديم (ارميا 24: 3، هوشع 9: 10)، وصاحب الشجرة رمز لله باعتباره إلهاً لإسرائيل، والكرام إشارة الى يسوع بوصفه المسيح.
وتصور حكاية التينة مع صاحبها هي حكاية كل انسان مع ربه. ولا شكّ في أنّ مثل التينة يهدف إلى الحثّ على التوبة. فصاحب الكرم يمهل التينة سنة واحدة، امتثالاً لطلب الكرّام الّذي يحاول مرّة نهائيّة أن ينقذ التينة، وإلاّ يقلعها، وكأنّ يسوع يدعونا إلى أن نعتبر الزمن الحاضر مثل هذه السنة، مثل فرصة أخيرة، كما لو كانت السنة الأخيرة. المسألة أن نعيش الزمن الحاضر على أنّه الوحيد الّذي يهمّ، موجّهين اهتمامنا إلى ما يقوم به الكرّام لتحسين ثمرنا. ومن هنا نتناول ضرورة التوبة والعقاب في حالة رفضها كدعوة الى التوبة

1) ضرورة التوبة
استخدمت اسفار العهد القديم في الكتاب المقدس للتعبير عن التوبة فعل שׁוּב “شوب”، الذي يُعبِّر عن فكرة تغيير الطريق، والعودة، والرجوع، وبغيره من ألفاظ: رماد، اعتراف، كفارة، إيمان، مغفرة، توبة، اهتداء وفداء. وبعبارة موجزة التوبة تعني أننا نحيد عما هو شرير ونتجه نحو الله. فهذا تعريف جوهر الاهتداء، الذي يقتضي تغييراً في السلوك، واتجاهاً جديداً في أسلوب التصرف بالحياة كلها. أما اسفار العهد الجديد فأستخدمت فعل اليونانية، μετανοέω ومعناه التوبة الباطنية، أي تغيير العقلية والرجوع الذاتي في الباطن. ومن هنا ينبغي أن نقيم اعتباراً لهذين الوجهين المتميزين المتكاملين. فلا بد من التركيز على التوبة الباطنية أي تغيير العقلية ولكن مع التوبة الخارجية أي تغيير السلوك الخارجي.
ويُعد المزمور 51 “ارحمني…”، خيرُ تعبيرٍ عن التوبة؛ إذ يتحول التعليم عن التوبة إلى صلاة، في إطار حوار مع الله. يقوم هذه الحوار على الاعتراف بالآثام، “إِلَيكَ وَحدَكَ خَطِئتُ والشَرّ أَمامَ عَينَيكَ صَنعتُ”(مزمور 51: 6)؛ ثم التماس التطهّر باطنياً “إِرحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ وبِكَثرَةِ رأفَتِكَ اَمْحُ مَعاصِيَّ.” (مزمور 51: 3)؛ ثم استدعاء النعمة التي تستطيع وحدها أن تغيّر القلب “قَلبًا طاهِرًا اْخلُقْ فيَّ يا ألله ورُوحًا ثابِتًا جَدِّد في باطِني” (مزمور 51: 12)، لأنه صاحب المزمور هو على يقين بأن التبرير من الخطيئة يتطلب فعلاً إلهياً محضاً، شبيهاً بفعل الخلق. وأخيرا تقوم التوبة على اتجاه أو حياة حارّة “أيّها السَّيِّدُ اْفتَحْ شَفَتَيَّ فيُخبِرَ فَمي بِتَسبِحَتِكَ” (مزمور 51: 17). واما طقوس التوبة مركزها فهي ذبيحة القلب المنكسر “إِنًّما الذَّبيحةُ للهِ روحٌ مُنكَسِر القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزْدَريه يا أَلله” (مزمور 51: 19).
يؤكد مزمور أرحمني” انه لا يمكن أن تغفر الخطيئة بفعل من الله دون شرط تغيير روح الإنسان وقلبه. فأسوة بالأنبياء ويوحنا المعمدان (مرقس 4: 1)، يكرز يسوع بالتوبة، بالاهتداء بتغيير جذري للروح، يجعل الإنسان في حالة من الاستعداد لتقبل الخطوة الإلهية والتسليم بعمل الله فينا من خلال الانجيل الطاهر”تَمَّ الزَّمانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكوتُ الله. فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة” (مرقس 1: 15).
ويلخص لوقا الإنجيلي سالة يوحنا المعمدان بقوله: يَرُدُّ كَثيراً مِن بَني إِسرائيلَ إِلى الرَّبِّ إلهِهِم” (لوقا 1: 16). وإن جملة واحدة كافية لتلخِّص رسالته بكاملها: ” توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات” (متى 3: 2). فجميع البشر ينبغي أن يعترفوا بأنهم خطأة، وأن يثمروا ثمراً يليق بالتوبة (متى 3: 8)، ويتبنّوا سلوكاً جديداً ملائماً لحياتهم الجديدة (لوقا 3: 10-14). ويقوم هذا السلوك على التواضع وثقة على خطى العشار التائب الذي “وَقَفَ بَعيداً لا يُريدُ ولا أَن يَرَفعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماء، بل كانَ يَقرَعُ صَدرَه ويقول: ((الَّلهُمَّ ارْحَمْني أَنا الخاطئ!)) (لوقا 18: 13). فالإنسان الذي تعرَّف على حالته كخاطئ، يُمكنه أن يدير وجهه نحو يسوع بثقة، لأن ” ابنَ الإِنسانِ لَه في الأَرضِ سُلطانٌ يَغْفِرُ بِه الخَطايا” (متى 9: 6).
2) العقاب في حالة رفض التوبة:
غير أن رسالة التوبة تواجه عراقيل ابتداء من التعلق بالمال (مرقس 10: 21-25)؛ إلى الكبرياء (تثنية 12:8-14) واللامبالاة (لوقا 17: 26 -29) والاكتفاء بالذات (تثنية 32: 15)، والثقة بالذات عند الفريسيين (لوقا 18: 9). وإن لم يغيّر المرء سلوكه سيهلك “إِن لم تَتوبوا تَهِلكوا بِأَجمَعِكُم ” (لوقا 13: 5)، مثل التينة العقيمة (لوقا 13: 6-9).
وكلما زاد عدم الايمان زاد ت قساوة القلب؛ وكلما زادت قساوة القلب زاد رفض التوبة (أعمال 28: 24-27). فإن هذه القساوة تُظهر صبر الله الذي لا يبيد الخاطئ، بل يواصل دون انقطاع مدَّ يديه نحو شعب متمرّد كما جاء في تعليم بولس الرسول ” يقول الرب: بَسَطتُ يَدَيَّ طَوالَ النَّهارِ لِشَعبٍ عاصٍ مُتَمرِّد “(رومة 10: 21). ويعرب عن رحمتهِ. وبما أنهم خاطئون لا يفهمون أن الله إنما يبدي الصبر نحوهم، لدفعهم إلى التوبة (رومة 2: 4). وعليه فانهم يُصرّون على عدم فهم مدلول الكوارث التي تتخلل صفحات تاريخهم، ويكابرون في عدم التوبة (رؤيا 9: 20-21) مجدِّفين على اسم الله بدلا من أن يتوبوا ويمجّدوه (رؤيا 16: 9). وهذا الرفض يؤدي الى العقاب. فالعقاب ثمرة الخطيئة وعلامة لها. إنه يكشف أنه “بسبب إنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبواسطة الخطيئة الموت ” والعذاب والعمل الشاق (رومة 5: 12).
ونستطيع أن نميّز ثلاث مراحل في كيفية نشأة العقاب. المرحلة الأولى هي هبة الله (الخلق، الاختيار)، والمرحلة الثانية هي الخطيئة، والمرحلة الثالثة هي رفض الخاطئ نداء الله بالاهتداء كما جاء في تعليم صاحب الرسالة الى العبرانيين ” فاحذَروا أَن تُعرِضوا عن سَماعِ ذاكَ الَّذي يُكَلِّمُكم. فإِذا كانَ الَّذينَ أَعرَضوا عنِ الَّذي أَنذَرَهُم في الأرضِ لم يُفلِتوا مِنَ العِقاب، فكَم بِالأَحْرى لا نُفلِتُ نَحنُ إِذا تَوَلَّينا عنِ الَّذي يُكلِّمُنا مِنَ السَّماء؟” (عبرانيين 12: 25).
وتكون نتيجة العقاب مزدوجة بحسب انفتاح القلب او انغلاقه. فاذا كان القلب مغلقا قاسياً يكون العقاب دينونة كما هو الحال بالشيطان (رؤيا 20: 10)، بابل (رؤيا 18)، حنانيا وسفيرة (أعمال 5: 7-11). ونظراً لهذه القساوة في الرفض، يقرر إنزال العقاب كما جاء في تعليم يسوع عن اورشليم “أُورَشَليم أُورَشَليم، يا قاتِلَةَ الأَنبياءِ وراجِمةَ المُرسَلينَ إِليها! كَم مَرَّةٍ أَرَدتُ أَن أَجمَعَ أَبناءَكِ كَما تَجمَعُ الدَّجاجَةُ فِراخَها تَحتَ جَناحَيْها! فلَم تُريدوا. ها هُوَذا بَيتُكُم يُترَكُ لكُم”(لوقا 13: 34-35).
وإن تصلّب الإنسان المتواصل في انفصاله عن الله يسمى قساوة وعمى. فالقساوة صفة مميزة لحالة الخاطئ الذي، يرفض أن يتوب، ويلبث منفصلاً عن الله؛ وبناء على ذلك يكون العقاب دينونة عن الماضي، إن لم يتحول القلب إلى الله. فليس العقاب هو الذي يفصل عن الله، وإنما الخطيئة هي التي يترتّب العقاب جزاء لها. إنه يشير إلى أن الخطيئة لا تسير مع القداسة الإلهية (عبرانيين 10: 29-30). اما اذا كان القلب مفتوحا فيكون العقاب دعوة الى التوبة.
3) العقاب دعوة الى التوبة
كان اليهود في زمن المسيح يعتقدون ان ضحايا الشر إنما حصدوا ما قد زرعوا، لان الألم هو عقاب للخطيئة الشخصية. كان يقولون لدى سقوط البرج، من وقع عليه اعتبر خاطئاً، ومن نجا كان بارً. اما تفسير يسوع فيختلف عن تفسير اليهود. يرفض يسوع تعليما يربط بين خطيئة اقترفناها وحادث حصل لنا في حياتنا. فجاء الجواب في الأصل كلنا خطأة، ” ما مِن أَحَدٍ بارّ، لا أَحَد” (رومة 3: 10). فبمعصية أبيهم الأول، دخلت الخطيئة العالم (رومة 5: 12)، وهم خطأة بذنب شخصي، لأن كل واحد منهم، “وهو مبيع لسلطان الخطيئة” (رومة 7: 14)، قد قبل برضاه نير الشهوات الخاطئة (رومة 7: 5).
لهذا، علينا جميعا أن نتوب. فالكوارث والمآسي ليست عقاباً إلهيا، ولكنها نداء ودعوة موجّهة الى الجميع كي يرتدوا. وعليه ينبغي قراءة كل ما يحدث على مستوى الايمان. فيصبح الحدث رسالة وعلامة إيمانية. إن الشرور التي تُصيبنا او تُصيب الآخرين إنما هي علامة. فلا يجب ادانة النفس او الآخرين او التنكيل بهم دون تفكير، انما هي علامة تقودنا الى الارتداد الشخصي والى التوبة. الاّ ان يسوع يبقى عاجزاً، تجاه من يرفض النور “أمَّا مَن جَدَّفَ على الرُّوحِ القُدُس، فلا غُفرانَ له أبداً، بل هو مُذنِبٌ بِخَطيئةٍ لِلأَبَد” (مرقس 3: 29)، أو تجاه من يتصور أنه في غير حاجة إلى صفح، كالفريسي في مثل الفريسي والعشّار (لوقا 18: 9 -11)
أمَّا إذا كان القلب مفتوحا فالعقاب يدعو إلى الاهتداء (2 قورنتس 2: 6). وهكذا يكون العقاب دعوة “للرجوع ” إلى الله كما هو الحال في مثل الابن الضال (لوقا 15: 14-20). وبفضل العقاب يسجد صاحب القلب المفتوح لسر محبة الله الذي بصبره ورحمته يصل الخاطئ الى التوبة والاهتداء.
إن القساوة في الخطيئة، لا يمكن أن تزول إلا بالتوبة. ” إِذا سَمِعتُم صَوتَه فلا تُقَسُّوا قُلوبَكم (مزمور 95: 7-8)، ولكن كيف يستطيع الخاطئ بعد أن تقسى أن يتوب؟ إن المؤمن يعرف أن الله يقدر أن يحطِّم حتمية الشر، وأن يكشف طريق القلب كما قال اشعيا النبي ” لِمَ ضَلَّلتَنا يارَبُّ عن طُرُقِكَ وقَسَّيتَ قُلوبَنا عن خَشيَتِكَ؟ إِرجِعْ إِلَينا مِن أَجْلِ عَبيدِكَ أَسْباطِ ميراثِكَ” (إشعيا 63: 17).
فالكلمة الأخيرة مرجعها إلى الله وحده. لذلك فإن النبي حزقيال قد تنبأ بأن القلب القاسي يُستبدل به الى قلب من لحم، وأن روح الله يجعل مستطاعاً ما هو محال عند الناس “أُعْطيكم قَلبًا جَديدًا وأَجعَلُ في أَحْشائِكم روحًا. جَديدًا وأَنزِعُ مِن لَحمِكم قَلبَ الحَجَر، وأُعْطيكم قَلبًا مِن لَحْم، وأَجعَلُ روحي في أَحْشائِكم وأَجعَلُكمِ تَسيرونَ على فَرائِضي وتَحفَظونَ أَحْكامي وتَعمَلون بِها” (حزقيال 36: 26-27).
وعليه فان الأنبياء لا يشجبون الخطيئة ولا يُبيّنون جسامتها إلا لأجل أن يدعوا الناس دعوة أعمق إلى التوبة والاهتداء. ذلك أنه إن كان الإنسان غير أمين، فالله يبقى على الدوام أميناً، فيرفض الإنسان حب الله، ولكن الله لا يكف عن عرض هذا الحب عليه، وطالما يظل الإنسان قابلا للرجوع إليه، فالله يحثه على أن يعود. يرتّب الله كل شيء لهذا الرجوع ” لِذلك هاءَنذا أَسُدُّ طَريقَكِ بِالشَّوك وأُسَيِّجُه بِسِياج، فلا تَجِدُ سُبُلَها فتَجْري وَراءَ عُشَّاقِها فلا تُدرِكُهم وتَطلُبُهم فلا تَجِدُهم فتقول: أَنطَلِقُ وأَرجِعُ إِلى زَوجِيَ الأَوَّل لِأَنِّي كُنتُ حينَئذٍ خَيراً مِن الآن ” (هوشع 2: 8-9).
والرجوع الى الله تدعو الحاجة معونته كما وضّح الني ارميا “أرجِعْنا يا رَبُّ إليكَ فَنرجع” (مراتي5: 21). فالله نفسه يسعى في البحث عن الخراف الضالة (حزقيال 34)، وهو الذي يعطي الإنسان ” قلباً جديداً “، وروحاً جديداً، يعطي روحه هو تعالى كما يقول النبي “أَجعَلُ روحي في أَحْشائِكم” (حزقيال 36: 26-27). حينئذ سيكون العهد الجديد”، عندما لا تعود الشريعة مكتوبة بعد على ألواح من حجر، بل في قلب الناس (2 قورنتس 3: 3) ليحبوا الرب بكل قلوبهم وبكل نفوسهم فيحيوا” (تثنية 30: 6). وأخيراً فإن المسيح قد أتى وأعطى الروح القدس الذي يهب الطاعة لتعاليم الله. لذلك فإن الكنيسة، تبتهل الى الله كي يضغط، بحسب رحمته، حتى على إرادتنا المتمردة.
دعاء
ساعدني يا رب كي أحسن معرفة علامات الأزمنة وضرورة التوبة. ساعدني يا رب كي
أغيّر أفكاري من أفكار البشر الى أفكار الله، من أفكار الخطيئة إلى أفكار التوبة، من أفكار الامتلاك إلى أفكار المشاركة، ومن التذمّر إلى الثقة بالله.
ساعدني يا رب ان أتوب فأقبل اليك قبل فوات الاوان لأنال رحمة في سر الاعتراف وغذاء في سر القربان لكيلا يكون مصيري هو مصير التينة التي لم تثمر.
ساعدني يا رب ان أرجع إلى المسيح راعي نفوسنا وحارسها” (1 بطرس 2: 25).
ساعدني ان أَنتقلَ من الموت إلى الحياة في حين لا أزال في هذا الجسد.
ساعدني أن أعرفَ من أجل مَن أموتُ ومن أجل مَن أحيا، لأنّ هنالك ميتة تُحيي وهنالك حياة تُميت.
فَلنَمُتْ عن الخطيئة وَلنَحيا لله.
ساعدني ان أَبذُلْ جهدًا كبيرًا كي أكونَ شريكاّ في قيامتك المجيدة
ساعدني يا رب كي أيضا:
تكون عيناي رحومتين حتى لا تنتابني الشبهات ولا أحكم استنادا إلى المظاهر الخارجية،
يكون سمعي رحوما، كي أنحني على احتياجات قريبي، وكي لا تكون أذناي غير مباليتين بآلام قريبي وأنينه. يكون لساني رحوما لا يتكلم بالسوء عن القريب، بل يحمل كلمة مواساة ومسامحة لكل شخص.
تكون يداي رحومتين ومفعمتين بالأعمال الصالحة.
تكون رجلاي رحومتين كي أهب دائما لمساعدة القريب، متغلبة على قنوطي وتعبي.
يكون قلبي رحوما كي يشارك في معاناة القريب كلها”. (يوميات الراهبة فاوستينا، 163)