الأحد الثامن من زمن السنة (ج)
الأب لويس حزبون
يوجّه السيد المسيح تعليماته الى التلاميذ ويدعو المسؤولين منهم بوجه خاص الى تعامل مع اخوتهم بدون رياء العين والقلب. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 6: 39-45)
39وضَرَبَ لَهم مَثَلاً قال: “أَيَستَطيعُ الأَعمى أَن يَقودَ الأَعمى؟ أَلا يَسقُطُ كِلاهُما في حُفرَة؟” : فيما يطبّق متى الانجيلي هذا المثل على الفريسيين الذين يُضللون شعبهم (متى 15: 14)، يوجّه لوقا هذا المثل الى التلاميذ خاصة المسؤولين منهم فيدعوهم الى الوعي. فكيف يستطيع الاعمى ان يوجّه أخاه الاعمى الى طريق الرب. وفي هذا الصدد جاء تعليم بولس الرسول شديد اللهجة “تُوقِنُ أَنَّكَ قائِدٌ لِلعُمْيانِ ونُورٌ لِلَّذينَ في الظَّلام ومؤَدِّبٌ لِلجُهَّال ومُعلِّمٌ لِلبُسَطاء، لأَنَّ لَكَ في الشَّريعةِ وَجهَ المَعرِفةِ والحَقيقة. أَفَتُعلِّمُ غَيرَكَ ولا تُعلِّمُ نَفْسَكَ؟ أَتَعِظُ بِالامتِناعِ عَنِ السَّرِقَةِ وتَسرِق؟ أَتَنْهى عنِ الزِّنى وتَزْني؟” (رومة 2: 19 -22). فالأعمى هو الذي يعرف عن الله ولكنه لا يعرف الله، فلا يكفي ان ندرس الدين والكتاب المقدس، بل يجب ان نتجاوب مع الله نفسه، فالعمى هنا هو عَمي البصيرة. والبصيرة هي ما في القلب والفكر والخاطر من وعي للأمور؛ فهو أعمى الله، ليس له بصيرة روحية صالحة، وكل من يُصغي لتعليمه يجازف بالإصابة بالعمى هو أيضا. وقد انتشر هذا المثل حتى على الصعيد الفني. فرسم الفنان الهولندي بيتر بروغل الأكبر Pieter Bruegel the Elder سنة 1568 لوحة يمثل هذا المشهد “أعمى يقود أعمى”. هذه اللوحة موجودة حالياً في متحف Capodimonte في نابولي.
“40ما مِن تِلميذٍ أَسمى مِن مُعَلِّمِه. كُلُّ تِلميذٍ اكتَمَلَ عِلمُه يَكونُ مِثلَ مُعَلِّمِه.” : توضح هذه الآية أنَّ وضع التلميذ يشبه وضع يسوع وعليه لا بد له من بذل الذات في خدمة اخوته. يسوع لم يأنِ ليدين بل ليخلص. فمن هو التلميذ الذي يتجاسر على أدانه أخيه؟ كما إنه لا يجوز ان ينتظر التلاميذ مصيراً يختلف عن مصير معلمهم المصلوب. يقابل التلميذ مع المعلم (يسوع)؛ والخادم مع السيد (الرب)، وضْع الواحد هو وضْع الآخر. فعلى سبيل المثال مصير بطرس في السجن والموت (عمال الرسل 12: 1-12) مثل مصير يسوع.
41″لِماذا تَنظُرُ إِلى القَذى الَّذي في عَينِ أَخيكَ؟ والخَشَبَةُ الّتي في عَينِكَ أَفَلا تأبَهُ لَها؟”: تشير عبارة ” القَذى” و”الخشبة” الى استعارة فيها تضخيم لتدل على من ينتقد الآخرين في زلة صغيرة، ولا يرى خطيئته الكبيرة. لا يقصد الرب يسوع هنا ان نغضَّ الطرف عن الخطأ، ولكن الا ننشغل بخطايا الآخرين، متجاهلين خطايانا نحن، فكثيرا ما نجد تبريرا لخطايانا بتوجيه النظر الى نفس الأخطاء لدى الآخرين. فأي قذى في عين الآخرين من السهل ان ننتقدها. فحينما نشعر بميل الى انتقاد الآخرين لنتذكر الخشبة الكبيرة التي في عيننا.
” 42كَيفَ يُمكِنُكَ أَن تَقولَ لأَخيكَ: يا أَخي، دَعْني أُخرِجُ القَذى الَّذي في عَينِكَ، وأَنتَ لا تَرى الخَشَبَةَ الَّتي في عَينِكَ؟ أّيُّها المُرائي، أَخرِجِ الخَشَبَةَ مِن عَينِكَ أَوَّلاً، وعِندَئذٍ تُبصِرُ فتُخرِجُ القَذى الَّذي في عَينِ أَخيك.” لكل إنسان قذى وخشبة وعمى. لذا فعلى صاحب القذى ان يُزيل من عينه قذاه. وعلى صاحب الخشبة ان يُزيل من عينه الخشبة، لكي تصح عند هذا وذاك رؤية الأمور. فلا يجوز ان يستوقف الانسان عند خطايا الناس، ويُغمض عينه عن خطاياه. اما عبارة “المُرائي” فتشير في الكتاب المقدس الى الخبث “شعَرَ يسوع بِخُبْثِهم فقال: ((لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي، أَيُّها المُراؤُون!” (متى 22: 18) ولكنها تدل أيضا في بعض الأحيان على التناقض بين السلوك الظاهر والفكر الباطني 7أَيُّها المُراؤُون، أَحسَنَ أَشَعْيا في نُبؤءتِه عَنكم إِذ قال: ((هذا الشَّعْبُ يُكرِمُني بِشَفَتَيْه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي”(متى 15: 7)، او على الكذب، الذي يشعر به الانسان، كما الامر هو هنا، وكثيرا ما تدل على الكافر والفاسد. كلمة أخرى المرائي هو الكاذب الذي يرتدي زي السلوك الديني حتى يجذب الانتباه اليه، ويكتسب قبول الآخرين وإعجابهم.
” 43ما مِن شَجَرةٍ طَيِّبَةٍ تُثمِرُ ثَمراً خَبيثاً، ولا مِن شَجَرةٍ خَبيثَةٍ تُثمِرُ ثَمراً طَيِّباً.” : فالثمرة تعبّر عن داخل الانسان كما ان كلمته تعبّر عن اتجاه الانسان “من ثِمارِهم تَعرِفونَهم” (متى 7: 16)؛ ويطبِّق يسوع على قلب الانسان ما قاله عن الشجرة. فالثمرة تدل على الشجرة، فكما ان الشجرة الرديئة لا يمكن ان يكون ثمرها الاّ رديئا، كذلك صورة تصرّف الانسان في كلامه وأعماله. فتصرفه يدل على عمق شخصيته. فلا يحاول ان يكذب ويتظاهر بما ليس فيه.
” 44فكُلُّ شَجَرةٍ تُعرَفُ مِن ثَمَرِها، لِأَنَّه مِنَ الشَّوكِ لا يُجنْى تِين، ولا مِنَ العُلَّيقِ يُقطَفُ عِنَب.” : قد نجد في تعليم بولس تفسيرا لهذه الآية ” وإِنَّما يَحصُدُ الإِنسانُ ما يَزرَع. فمَن زَرَعَ لِجَسَدِه حَصَدَ مِنَ الجَسَدِ الفَساد، ومَن زَرَعَ لِلرُّوح حَصَدَ مِنَ الرّوحِ الحَياةَ الأَبدِيَّة”(غلاطية 6: 7- 8). ” أَمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ 23 والوَداعةُ والعَفاف” (غلاطية 5: 22-23).
” 45الإِنْسانُ الطَّيِّبُ مِنَ الكَنْزِ الطَّيِّبِ في قَلبِه يُخرِجُ ما هُوَ طَيِّب، والإِنْسانُ الخَبيثُ مِن كَنزِه الخَبيثِ يُخرِجُ ما هو خَبيث، فمِن فَيضِ قَلبِه يَتَكَلَّمُ لِسانُه.”: تشير عبارة ” فمِن فَيضِ قَلبِه يَتَكَلَّمُ لِسانُه” الى ان ما نقوله ينمُّ عمّا في قلوبنا. الكلمات التي تصدر من الفم، دليل على حقيقة القلب. ان الحديث والاعمال تكشف عن معتقدات الانسان الحقيقية غير الظاهرة، فما يُخفيه الانسان في القلب سيظهر على لسانه في حديثه وفي سلوكه. فالإنسان الطيّب يقول كلام طيّب، اما الانسان الخبيث فيقول قولا خبيثا، فكيف للإنسان ان يقول كلاما طيّبا وهو خبيث؟ يوضح ذلك متى الإنجيلي بقوله “الإِنْسانُ الطَّيِّبُ مِن كَنزِه الطَّيِّبِ يُخرِجُ الطَّيِّب. والإِنْسانُ الخَبيثُ مِن كَنزِه الخَبيثِ يُخرِجُ الخَبيث”(متى 12: 34). وقد استعمل متى الإنجيلي هذه الاستعارة نفسها ليدلَّ على ان الانسان يُدان على أعماله (متى 7: 16-20) كما يستخدمها لتمييز الأنبياء الكذبة الذين يتنبؤون بما يريد الملك او الشعب ان يسمعوه ويدّعون ان كلامهم رسالة الله.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (لوقا 6: 39-45)
بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 6: 39-45) نستنتج يتمحور النص الإنجيلي حول كيفية تعامل المسيحي مع أخيه دون رياء، رياء العين ورياء القلب.
1) التعامل دون رياء العين:
اعطى يسوع رسالة للتلاميذ ان يصبحوا القادة والمعلّمين الروحيّين للأرض كلّها. ” اذهبوا في الأرض كلها وأعلنوا البشارة الى الخلق اجمعين”. وهنا يطلب منهم ان يتعاملوا دون رياء العين موضحا ذلك بمثل “أَيَستَطيعُ الأَعمى أَن يَقودَ الأَعمى؟ أَلا يَسقُطُ كِلاهُما في حُفرَة؟” (لوقا 6: 40). المعلم يكون أعمى البصيرة أذا هو لا يميِّز الحرّية من الإباحية؛ ولا يعرف النور من الظلام، لان الكبرياء والسلطة والمال أعمت عينيه. في هذا النوع من العمى يكون الانسان له عين فعلا، ولكن الشرير خدعه، ودخل من خلال ارادته واستعبدها وبالتالي يصبح اعمى العين، اعمى البصيرة. له عين ولا يبصر، ولا يرى كما يقول ارميا النبي ” إِسمَعوا هَذا أَيُّها الأَغبياء الشَّعبُ الفاقِدُ اللُّبّ الَّذي لَه عُيونٌ ولا يُبصِر ولَه آذانٌ ولا يَسمعَ ” (ارميا 5: 21)؛ في حين يتمتع المعلمون الحقيقيون بالتطويب الإلهي: ” طُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمعَ” (متى 13: 11-16).
ولذا أضاف يسوع بقوله “ما مِن تِلميذٍ أَسمى مِن مُعَلِّمِه. كُلُّ تِلميذٍ اكتَمَلَ عِلمُه يَكونُ مِثلَ مُعَلِّمِه” (لوقا 6: 40). فيتوجب على المعلمين ان يعتادوا على طريقة العيش بحسب الإنجيل، ويستعدوا للقيام بأيّ عمل صالح وأن ينقلوا العقيدة الصحيحة، والخَلاصيّة، والمطابقة تمامًا للحقيقة، للّذين سيعلّمونهم، بعد أن يكونوا قد تأمّلوها هم نفسهم أوّلاً، وتركوا النور الإلهيّ ينير عقولهم. وإلاّ يكونوا عميان يقودون عميانا.
وكذلك أراد الربّ أن يوقف المَيل إلى التباهي الّذي نجده عند الكثير من الناس، وأن يُثنيهم عن منافسة معلّميهم. فقال لهم: “ما مِن تِلميذٍ أَسمى مِن مُعَلِّمِه”. حتّى لو تمكّن البعض من بلوغ درجة فضيلة مساوية لمعلميهم عليهم خاصّةً أن يتبعوا تواضع المسيح. فعيطينا بولس الدليل على ذلك بقوله: “اِقتَدوا بي كما أَقتَدي أَنا بِالمسيح” (1قورنتس 11: 1).
وذا لم يسرْ التلميذ على خطى المعلم يسوع المسيح فيصبح أعمى البصيرة، خاصة إذا أخذ يدين اخوته الآخرين. فيسوع المعلم الإلهي لم يأتِ لِيَدين العالم بل لِيُخَلِّصَه (يوحنا 12: 47)، فإذا تلميذه اخذ يدين فإنه مذنب أكثر من الّذي يدينه. ومن هنا جاء سؤال يسوع مؤنبا “لِماذا تَنظُرُ إِلى القَذى الَّذي في عَينِ أَخيكَ؟ والخَشَبَةُ الّتي في عَينِكَ أَفَلا تأبَهُ لَها؟”(لوقا 6: 41). ومن الصدد قال الشاعر” لا تنه عن خلقٍ وتأتى بمثله، عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيم.” فمن يركز على خطاياه سيراها كبيرة ” الخشبة التي في عينك” فيهتم أن يخرجها. ولكن من ينسى نفسه ويركز على خطايا الآخرين، لن يرى سوى القذى الذي في عيونهم، فيدينهم وينسى أن يخرج الخشبة من عينه. والقذى هو الذرات المتطايرة من الخشب عند نشره بالمنشار، وهذه إشارة للخطية الصغيرة، فكيف ندين الناس على خطايا صغيرة، ونحن ملوّثون بخطايا كبيرة. وعليه فان المعلم يتوجب أن يهتم بأنفسه أولاً، ويصلح نفسه قبل إصلاح تلاميذه. أذ كيف يستطيع المرائي أن ينزع من عينه الخشبة التي تمنعه من النظر، في حين أنه لا يفكر إلا في نزع القذى من عين قريبه؟
والاعمى هو المرائي في مفهوم يوحنا الإنجيلي، إذ يستبدل بلقب مراءٍ لقب أعمى؛ فخطيئة اليهود تقوم على قولهم “إننا نرى” في حين أنهم عميان (يوحنا 9: 40). ويتعودِ المرء مغايرة ما في القلب عما على الشفتين، فيخفي نيَّته الخبيثة تحت شعار المهاودة ويتمسّك بالشكلياّت وهذا ما ندعوه رياء او مراءاة. وليس الرياء الديني مجرد كذب، بل هو أيضا غش للغير بقصد كسب تقديره عن طريق ممارسات دينية لا تكون النيّة فيها بسيطة. فيبدو المرائي كأنه يعمل من أجل الله، في حين أنه يعمل في الواقع من أجل ذاته والاهتمام “بالظهور أمام الناس” كما جاء في تعليم السيد المسيح عن رياء المرائين “جَميعُ أَعمالِهم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم”(متى 23: 5)، فجاء تأنيب يسوع شديد اللهجة تجاههم ” أَيُّها المُراؤُون، أَحسَنَ أَشَعْيا في نُبؤءتِه عَنكم إِذ قال: ((هذا الشَّعْب يُكرِمُني بِشَفَتَيْه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي. إِنَّهُم بالباطِلِ يَعبُدونَني فلَيسَ ما يُعلِّمونَ مِنَ المَذاهِب سِوى أَحكامٍ بَشَرِيَّة”(متى 15: 7 -8). لذا وصفهم يسوع بالقبور “الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم أَشبَهُ بِالقُبورِ المُكَلَّسَة، يَبدو ظاهِرُها جَميلاً، وأَمَّا داخِلُها فمُمتَلِئٌ من عِظامِ المَوتى وكُلِّ نَجاسَة. وكَذَلِك أَنتُم، تَبدونَ في ظاهِرِكُم لِلنَّاسِ أَبراراً، وأَمَّا باطِنُكُم فَمُمتَلِئٌ رِياءً وإِثماً” (متى 23: 27 -28). فالمرائي الأعمى يحاسب الناس على التعدِّيات الواهية، بينما يسمح لنفسه بارتكاب المنكرات، وأعظم الشرور فُجورًا. هذا هو شأن المرائي وهو يدين الآخرين ويرميهم بأشنع المساوئ والعيوب وهو عن نفسه أعمى، إذ لا ينظر شيئًا، لأن الخشبة في عينيه تحجب الضوء عنه. “فمَن خالفَ وَصِيَّةً مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا وعَلَّمَ النَّاسَ أَن يَفعَلوا مِثْلَه، عُدَّ الصَّغيرَ في مَلَكوتِ السَّمَوات. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلِّمُها فذاكَ يُعَدُّ كبيراً في ملكوتِ السَّمَوات” (متى 5: 19). فيطلب يسوع ان نطبق النصائح على أنفسنا قبل ان نمليها على الآخرين.
وخطر المراءين هو ان ينتهي بهم الأمر إلى أن يحسبوا حقيقة، ما أرادوا أن يصدقه الآخرون: إنهم يعتبرون أنفسهم أبراراً (لوقا 18: 9). يصبح المرائي أشبه بممثل على مسرح كما تدل عليه الكلمة اليونانية ὑποκριτά، فيواصل تمثيل دوره بقدر ما تكون مكانته ذات شأن وكلمتُه مُطاعة، كما جاء في تعليم يسوع عن رياء الكتبة والفريسيين “إِنَّ الكَتَبَةَ والفِرِّيسيِّينَ على كُرسِيِّ موسى جالِسون، فَافعَلوا ما يَقولونَ لَكم واحفَظوه. ولكِن أَفعالَهم لا تَفعَلوا، لأَنَّهم يَقولونَ ولا يَفعَلون” (متى 23: 2 -3).
ومن المعروف أنَّ للقادة الروحيين دوراً لا بدّ منه على الأرض، ولكن ألاّ يأخذون مكان الله نفسه. فعندما يستبدلون بالشريعة الإلهية سنناً بشرية إنهم عميان يريدون أن يقودوا غيرهم كما أوضح يسوع “لِمَ تُخالِفونَ أَنتُم وَصِيَّةَ اللهِ مِن أَجلِ سُنَّتِكم؟ “(متى 15: 3)، وتعليمهم ما هو إلا خميرة خبيثة، كما نبّه يسوع تلاميذه من الفريسيين بقوله “إيَّاكُم وَخَميرَ الفِرِّيسيِّين، أَي الرِّياء.” (لوقا 12: 1). هؤلاء العميان، وإذا أعماهم خبثهم، ينبذون صلاح يسوع، ويتمسكون بأهداب شريعة السبت ليمنعوه من عمل الخير “أَيُّها المُراؤون، أَما يَحُلُّ كُلٌّ مِنكُم يومَ السَّبْتِ رِباطَ ثَورِه أَو حِمارِه مِنَ المِذوَد، ويَذهَبُ بهِ فيَسقيه؟ 16وهذِه ابنَةُ إبراهيم قد رَبطَها الشَّيطانُ مُنذُ ثَمانيَ عَشرَةَ سَنَة، أَفما كانَ يَجِبُ أَن تُحَلَّ مِن هذا الرِّباطِ يَومَ السَّبْت؟”(لوقا 13: 15 -16). وإن كانوا يجرأون على تصور يسوع المسيح لصنع المعجزات هو ِبَعلَ زَبولَ سيِّدِ الشَّياطين، فما ذلك إلا لأن القلب الخبيث لا يمكن أن يُخرج كلمة طيبة (متى 12: 24-34). وعليه فإنّ خطيئة المرائي الأساسية هي فساده الخفي (متى 23: 27-28)، فكان يسوع هنا يستخدم الكلمة الآرامية הַחֲנֵפִים التي تعني في الكتاب المقدس ” فاسق، كافر “: فالمرائي يصبح في نهايته كافراً.
وخطر الرياء ليس محصورا على الفريسيين انما يشمل الجميع (لوقا 12: 56). فالمسيحي عُرضةٌ هو أيضاً لأن يصير مرائياً. فالرسول بطرس نفسه وبرنابا وبعض اليهود لم ينجُوا من هذا الخطر، في حادث أنطاكيا، الذي جعلهم في خلاف مع بولس، فسلكوهم كان رياءً كما نقرا في رسالة غلاطية “لَمَّا قَدِمَ صَخْرٌ (بطرس) إِلى أَنْطاكِية، قاوَمتُه وَجْهًا لِوَجْهٍ لأَنَّه كانَ يَستَوجِبُ اللَّوم: ذلِكَ أَنَّه، قَبْلَ أَن يَقدَمَ قَومٌ مِن عِندِ يَعْقوب، كان يُؤاكِلُ الوَثنِيِّين. فلَمَّا قَدِموا أَخَذَ يتَوارى ويتَنحَّى خوفًا مِن أَهْلِ الخِتان، فجاراه سائِرُ اليَهودِ في رِيائِه، حتَّى إِنَّ بَرنابا انقادَ هو أَيضًا إِلى ريائِهِم” (غلاطية 2: 12-13). لذا يوصى بطرس الرسول المؤمن أن يعيش بعيداً عن الرياء عالماً بأن الرياء واقف له بالمرصاد “أَلقُوا عَنكم كُلَّ خُبْثٍ وكُلَّ غِشٍّ وكُلَّ أَنواعِ الرِّياءِ والحَسَدِ والنَّميمة” (1 بطرس 1:2-2). فالرياء يقود المؤمن إلى الارتداد عن الإيمان كما جاء في تعليم بولس الرسول “إِنَّ بَعضَهم يَرتَدُّونَ عنِ الإِيمانِ في الأَزمِنَةِ الأَخيرة، ويَتْبَعونَ أَرْواحًا مُضِلَّةً ومَذاهِبَ شَيطانِيَّة، وقَد خَدَعَهم رِياءُ قَومٍ كَذَّابينَ كُوِيَت ضمائِرُهم” (طيموتاوس 4: 1-2).
2) التعامل دون رياء القلب
لا يكفي ان نتعامل مع اخينا دون رياء العين، بل مطلوب أيضا معاملته دون رياء القلب. في اللغة العبرية لا يشمل مدلول القلب الحياة العاطفية والمشاعر فحسب، (مزمور 21: 3) انما يُعبِّر أيضا عن “باطن ” الإنسان بما فيه من الذكريات والأفكار، والمشاريع والقرارات. فالله أعطى البشر “قلباً يفكر” (سيراخ 17: 6)؛ فقلب الإنسان هو بالذات مصدر شخصيته الواعية، العاقلة والحرة، وموطن اختياراته الحاسمة، واستعداده الداخلي. ولكنّ الأنظار لا تنفذ إلى القلب، فمظهر الإنسان الخارجي يدلّ عادة على ما يَعمر به قلبه. فيُعرف ما في القلب، بطريق غير مباشر، بواسطة ما يبدو على الوجه (سيراخ23: 25)، وبما تنطق به أيضاً الشفتان (أمثال 16: 23)، وما تشهد به الأفعال (لوقا 6: 44-45).
لكن قد يكون قلب الانسان منقسماً وبالتالي يعيش الازدواجية؛ فهو يعبّر خارجيا عن شيء بخلاف ما فيه داخله من قرارات واستعدادات. إن هذه الازدواجية شرّ عميق يستنكره الكتاب المقدس بشدة كما جاء في صلاة صاحب المزامير “لا تَجرني معِ الأَشْرار وفَعَلَةِ الآثام مَن يُسالِمون قَريبَهم بأَلسِنَتِهم والشر كامِنٌ في قُلوبِهم” (مزمور 28: 3-4). ومن هنا جاء كلمات سيدنا يسوع المسيح “الإِنْسانُ الطَّيِّبُ مِنَ الكَنْزِ الطَّيِّبِ في قَلبِه يُخرِجُ ما هُوَ طَيِّب، والإِنْسانُ الخَبيثُ مِن كَنزِه الخَبيثِ يُخرِجُ ما هو خَبيث، فمِن فَيضِ قَلبِه يَتَكَلَّمُ لِسانُه. (لوقا 6: 45). فالإنسان الصالح من كِنز قلبه الصالح يُخرج الصلاح. فالقلب كمصدر النوايا العميقة للإنسان، هو الذي يقرر أعمالنا الصالحة او الشريرة. إن الإناء ينضح بما فيه كما يقول المثل ومن هنا يجب ان تتجاوب حركاتنا الظاهرية مع شعورنا الداخلي، ان تصدر شعائرنا الدينية عن إيمان باطني وطيد. لذا يطلب السيد المسيح من تلاميذه في معاملتهم مع اخوتهم بدون رياء القلب فيكون شجرة صالحة ليأتي بالثمر الصالح. لما إذا اثمرنا ثمرا رديئاً يأتي تأنيب يسوع لنا “لِماذا تَدعونَني: يا رَبّ، يا رَبّ! ولا تَعمَلونَ بِمَا أَقول؟ “(لوقا 6: 46)، ولكن إن كنا نحب يسوع ونريد أن نتبعه، فعلينا أن نعمل بما يقوله فنثمر ثمرا طيّباً.
ويظهر الانسان ما في قلبه من خلال الشفتين. فهما في خدمة القلب الطيب أو المنافق “شَفَتا البارَ تعرِفانِ المَرضِيَّ وأَفْواهُ الأَشرْارِ تَعرِفُ الخَدائع” (أمثال 10: 32). وهما تنبئان بصفاته: إمَّا بالنعم لدى القلب الطيِّب كما قال صاحب المزامير “إِنَّكَ أَجمَلُ بني آدم والظرفُ على شَفَتَيكَ اْنسَكَب” (مزمور 45: 3)، أو الكذب لدى القلب الشرير كما جاء في سفر الامثال “فاْستَمالَتهَ بِكَثرَةِ فُنونها واْستَهوَته بِتَمَلّقِ شَفَتَيها” (أمثال 7: 21)، أو بالنفاق” وخداع ونميمة لدى الخاطئ “إِنْفِ عنكَ خِداعَ الفَم وخُبثُ الشَّفَتَينِ أَبْعِدْه عنكَ” (أمثال 4: 24). وتستطيع الشفتان أن تخفيا الشر الدفين وراء وجه لطيف: “الشِّفاهُ المُتَوَهَجَةُ والقَلبُ الشَرير فِضَّةٌ ذاتُ خَبَثٍ على خَزَف” (أمثال 26: 23). وقد يظهر النفاق أيضا ليس في الحوار مع الانسان فحسب، إنما في الحوار مع الله كما جاء في تعليم يسوع “هذا الشَّعْبُ يُكرِمُني بِشَفَتَيْه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي” (متى 15: 8). وللمحافظة على الشفتين مخلصتين وبارتين بعيديتين من كل كلمة خبث، لا بدّ من الطاعة والأمانة لله كما صلى صاحب المزامير ” أَقِمْ يا رَبِّ حارِسًا على فَمي وراقِبْ بابَ شَفَتَيَّ.” (مزمور 141: 3).
ويظهر الانسان ما في قلب من خلال الكذب. والكذب في مدلوله الواسع هو الغش، والخداع، وعدم مطابقة الفكر واللسان “أَلسِنَتُهم سِهامٌ قاتِلة في أَفْواهِهمِ يَنطِقونَ بِالمَكْر ويُكَلِّمونَ أصدِقاءَهم بِالسَّلام وفي بَواطِنِهم يَكمُنون لَهم” (إرميا 9: 7). اما يسوع فيطلب من اتباعه الوضوح والصراحة “فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ على ذلك كانَ مِنَ الشِّرِّير” (متى 5: 37). ويجعل بولس الرسول من كلام يسوع قاعدة للسلوك (2 قورنتس 1: 17)؛ لذا يوصي المسيحيين ” لا يَكذِبْ بَعضُكم بَعضًا، فَقَد خَلَعتُمُ الإِنسانَ القَديم وخَلَعتُم معَه أَعمالَه ” (قولسي 3: 9)، ” ولِذلِك كُفُّوا عنِ الكَذِب ((ولْيَصدُقْ كُلٌّ مِنكُم قَريبَه))، فإِنَّنا أَعضاءٌ بَعضُنا لِبَعْض” (أفسس 4: 25). فالكذب يكون بمثابة عودة إلى الطبيعة المشوهة بالخطيئة، ويوقعنا في تناقض مع التضامن بيننا في المسيح. ولذا على المؤمن الحقيقي ان ينبذ الكذب من حياته، ليصير في وحدة شركة مع إله الحق كما أشار صاحب المزامير في صلاته ” يا رَبُّ، مَن يُقيمُ في خَيمَتِكَ ومَنْ يَسكُنُ في جَبَلِ قِدسِكَ؟ السَّالِكُ طَريقَ الكَمالِ وفاعِلُ البِرِّ والمُتَكَلِّمُ مِن قَلْبِه بِالحَقِّ (مزمور 15: 1-2).
وعليه فان الكذب الأكبر، لا يكمن في كذب الشفتين، بل في كذب الحياة (1 تسالونيقي 1: 9). ويكمن كذب الحياة في تجاهل الإله الحقيقي باتَخاذ الكذب عادة ثابتة في الحياة، ذلك هو مسلك الأشرار المحتالون، أعداء الإنسان الصالح كما يشير الى ذلك يشوع بن سيراخ “لا يَدْعُكَ النَّاسُ نَمَّامًا ولا تَكْمُنْ بِلِسانِكَ فإنَّ لِلسَّارِقِ الخِزْي وعلى ذي اللِّسانَين الحُكمَ الشَّديد “(سيراخ 5: 14)، وليس لديهم إلا الكذب تمتلئ به أفواههم، كما يصفهم صاحب المزامير “خطيئَةُ أَفْواهِهم كَلامُ شِفاهِهم: فليؤخَذوا في تَكبُرِهم لِأَنَّهم بِاللَّعنَةِ والكَذِبِ يَتَحَدَّثون” (مزمور59: 13). ويضعون ثقتهم في الكذب (هوشع 10: 13).
ولذا فإن التجرد من كل كذب هو مطلب أوّلي من مطالب الحياة المسيحية لا سيما من حاملي رسالة المسيح ومعلمي الانجيل (1 بطرس 2: 1). على أننا نقصد بذلك لا كذب الشفتين فحسب، بل أيضاً الكذب الذي تنطوي عليه كل الرذائل (رؤيا 21: 8) وخاصة تجاهل الحقيقة الإلهية وهي أن يسوع هو المسيح كما أشار يوحنا الرسول “مَنِ الكَذَّابُ إِن لم يَكنْ ذاكَ الَّذي يُنكِرُ أَنَّ يسوعَ هو المسيح؟ هذا هو المسيحُ الدَّجَّال ذلك الَّذي يُنكِرُ الآبَ والاِبْن”(1 يوحنا 2: 22).
وفي العهد القديم قد أدان الانبياء الحقيقيون (إرميا 5: 31، 23، حزقيال 13) وزكريا (13: 3 الأنبياء الكذبة، هؤلاء الذين بدلاً من “كلمة” الله، قدّموا للشعب رسالات خادعة. ولم يتردد السيد المسيح في العهد الجديد من أدانة قادة الشعب اليهودي العميان (متى 23: 16)، هؤلاء المراؤون الكذابون، الذين رفضوا أن يؤمنوا به، (يوحنا 8: 55) كما أدان كل الذين يحرِّضون على الكذب وإبعاد الناس عن الإنجيل مثل: مسحاء دجالون (1 يوحنا 2: 18-28)، ورسل كذبة (رؤيا 2: 2)، وأنبياء كذبة (متى 7: 15)، ومسحاء كذبة (متى 24: 24) ومعلمون كذبة (2 طيموتاوس 4: 43) والأخوة الكذبة، أعداء الإنجيل الحقيقي (غلاطية 2: 4) وأعداء الحق الإنجيلي (1 طيموتاوس 4: 2).
خلاصة
إن من يبحث عن الله ويحمل رسالة الانجيل ينبغي أن يهرب من كل رياء ومخاتلة (حكمة 1: 1)، بحيث لا ينبغي أن يتقاسم قلبه شيء كما جاء في تعليم يعقوب الرسول “نَقُّوا قُلوبَكم يا ذَوي النَّفْسَين” (يعقوب 4: 8)، أو ما يُضلّل نيَّته (سيراخ 1: 28-30)، أو يحدّ من سخائه البالغ حدّ المجازفة بالحياة (1 مكابين 2: 37)، أو يجعل ثقته في حالة تردُّد (يعقوب 1: 8). فيجب ان يتغلب على كل إعوجاجٍ في سلوكه (أمثال 10: 9) وفي كلامه (سيراخ 5: 9).
علاوة على ذلك، يطلب منه السيد المسيح أن ينظر الى أعماق حياته، الى داخله وينتقد ذاته، خاصة عندما يحاول ان ينظر بالمجهر الى ضعف الكنيسة والكهنة وأخوته الذين لا يشاطرونه آرائه، وليحاول بالحري ان يكشف اخطائه.
والواقع، إننا نفقد القوَّة على إصلاح أنفسنا عندما ننظر دائما نحو أخينا، أنه لأمر خطير أن نحكم على إنسان من أجل خطيئة واحدة ارتكبها، لذلك يقول المسيح: “يا مرائي أخرج أولًا الخشبة من عينك، وحينئذ تُبصر جيِّدًا أن تُخرج القذَى الذي في عين أخيك”. يسوع يشبِّه خطيَّئة الأخ بالقذَى. فكيف يمكنك نقد الآخرين والكشف عن سيئاتهم وشرورهم وفحص أسقامهم وأمراضهم وأنت شرِّير أثيم ومريض سقيم؟ بل كيف يمكنك رؤيّة القذَى الذي في عين أخيك، وبعينك خشبَة تحجب عينك فلا ترى شيئًا؟ فالأولى بك أن تنزع عنك مخازيك وتطفئ جذوة عيوبك، فيمكنك الحكم بعد ذلك على الآخرين. علينا مراجعة الحياة، ان نعود الى أعماق ذواتنا قبل نقذنا اللاذع للآخرين بقصد اظهار أخطائهم وعيوبهم. علينا اصلاح ذواتنا قبل الاصلاح الآخرين. ولنرفع أخيرا هذه الصلاة معاً: ربنا امنحنا “القلب الطيّب والكريم”، هبنا رؤية واضحة، فنستطيع ان نعامل اخوتنا دون رياء العين ودون رياء القلب كي نساعدهم ان يروا الأشياء بوضوح للسير في طريق الذي تؤدي الى الحق والحياة.