الأحد الثامن والعشرون من زمن السنة ب (أ. حزبون)
الأب لويس حزبون
يصف المقطع من انجيل مرقس (مرقس 10: 17-30) يسوع الذي يذكّر الرجل الغني بالوصايا العشر (مرقس 10/7-21) مضيفا اليها المشورات الانجيلية كخاتم الكمال للحصول على الحياة الابدية. فيعالج يسوع موضوع الغنى (مرقس 10: 17-27) ثم زُهد التلاميذ (مرقس 10: 28-31) كوسيلة لدخول “الحياة الأبدية” مبينا ان الشرط الأساسي لدخول ملكوت الله هو عدم الاعتماد على أي شيء أو على أي أحد سوى الله وحده. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولاً: تحليل وقائع نص انجيل مرقس (مرقس 10: 17-30(
17 وبَينَما هو خارِجٌ إِلى الطَّريق، أَسرَعَ إِليه رَجُلٌ فجَثا له وسأَلَه: ((أَيُّها المُعَلِّمُ الصَّالح، ماذا أَعمَلُ لأَرِثَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة؟
تشير عبارة “خارِجٌ إِلى الطَّريق” الى يسوع الذي كان في طريقه إلى أورشليم، يسير في طريق الحكم عليه بالموت. ومن أجل أن يكون الفرد من بين تلاميذه، ينبغي أن يتبعه على طريق الآلام. لا قيامة دون جلجلة ولا إكليل بدون صليب. من يريد أن يكون تلميذ المسيح يجب عليه أن يقبل الصليب. أمَّا عبارة ” رَجُلٌ ” فتشير الى إنسان بدون اسم، لم يحدد مرقس الإنجيلي هويته، بدون اسم فيُسمَيه لوقا “وجيهاً” او رئيس مجمع لليهود (لوقا 18: 18)؛ وأمَّا متى فيصفه “شابا” (متى19: 20). إنه شاب وجيه غنيٌ يبحث عن طرق الله؛ يريد ان يتاجر كي يربح الحياة الأبدية. أمَّا عبارة “أَسرَعَ إِليه فجَثا” فتشير الى الرغبة الاكيدة والاهتمام والاحترام تجاه السيد المسيح. أمَّا عبارة “أَيُّها المُعَلِّمُ الصَّالح” فتشير الى طريقة الخطاب لاحد الرابيين غير مألوفة بين اليهود. ولذلك فإنها تعبر عن احترام فوق العادة للمسيح. أمَّا عبارة “ماذا أَعمَلُ لأَرِثَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة؟” فتشير الى سؤال الرجل الذي يبحث عن طرق الله المؤدية الى الحياة الأبدية. وهو نفس السؤال الذي طرحه “أَحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ قَد قامَ فقالَ لِيُحرِجَه: يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟ ” (لوقا 10: 25). ظنَّ كلا الرجلين ان الحياة الأبدية يمكن ان تُربح بفعل اعمالهما واستحقاقهما. أمَّا عبارة “الحَياةَ الأَبَدِيَّة ” فتشير الى معرفة الرجل هدف حياته، وهي الحياة الأبدية. والحياة الأبدية تدل على معنى مستقبلي للحياة التي يرثها الإنسان في الدهر الآتي (مرقس 10: 30)؛ والمقصود هنا الخلاص من العذاب الابدي (مرقس 10: 26-27)؛ او الدخول الى ملكوت السماوات (مرقس 10: 23). وهذه العبارة لا يتكرَّر ذكرها في انجيل مرقس الاَّ مرتين: في هذه الآية وفي آية 30 من الفصل العاشر، لكن هذه العبارة كثيرا ما ترد في انجيل يوحنا.
18 فقالَ له يسوع: ((لِمَ تَدْعوني صالِحاً؟ لا صالِحَ إِلاَّ اللهُ وَحدَه.
تشير عبارة “صالِحاً ” الى صفة الصلاح التي هي من صفات الله ألاب وحده. الله هو المصدر الوحيد لكل صلاح. وحتى صلاح المسيح رهن باتحاده بالآب ” لا يَستَطيعُ الابنُ أَن يَفعَلَ شيئاً مِن عندِه بل لا يَفعَلُ إِلاَّ ما يَرى الآبَ يَفعَلُه. فما فَعَلَه الآب يَفعَلُه الابْنُ على مِثالِه ” (يوحنا 5: 19). فكان من واجب كل يهودي مؤمن أن يعلم بان لا وجود للصلاح في حد ذاته، فالله وحده يقضي في الصلاح ويكشفه للناس بشريعته. لقد خاطب الرجل يسوع على انه المعلم الصالح، وكان هذا حقاً، ولكن لعله لم يكن يدري تماما ما يقول. أمَّا عبارة “لِمَ تَدْعوني صالِحاً؟” فتشير الى معاتبة يسوع الى الشاب الذي لم يُدرك بعد أن يسوع هو المسيح ابن الله. أذ انه غير مؤمن بان يسوع هو الله بل أنه مجرد معلم. فيسوع هنا لا يُنكر انه صالح، وأنه سمَّى نفسه الراعي الصالح (يوحنا 10: 12)، بل يريد ان يلفت انتباه الرجل أنَّ رجاءه مرتبط بالله الذي يعطي وحده الحياة الأبدية. لا ننسى أن يسوع هو الله. ويعلق القديس أمبروسيوس ” أجابه الرب: لماذا تدعوني صالحًا، وأنت تنكر إني أنا الله؟ لماذا تدعونني صالحًا والله وحده هو الصالح؟ لم ينكر الرب أنه صالح، بل يشير إلى أنه هو الله… إن كان الآب صالحًا فذاك أيضًا صالح، لأن كل ما للآب فهو له (يوحنا 17: 10). أليس صالحًا من قال “أنا هو الراعي الصالح”؟ (يوحنا 10: 11). إذا كان يسوع صالحا فهو الله. وان كان هو ليس الله فهو ليس صالحا. ونحن نعلم ان يسوع صالح، فإذا هو والآب واحد. أمَّا عبارة “لا صالِحَ إِلاَّ اللهُ وَحدَه” فتشير الى الله الذي هو الخير والصلاح ومرجع يسوع الثابت والدائم. يعلمنا يسوع ان نحوِّل لله كل ما يعطى لنا من مدح او كرامة، لأنَّ كل صلاح مستمد من الله، هو ينبوع الصلاح، هو المثل الاعلى في الصلاح وهو المقياس لكل صلاح.
19 “أَنتَ تَعرِفُ الوَصايا: ((لا تَقتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسرِقْ، لا تَشهَدْ بِالزُّور، لا تَظْلِمْ، أَكْرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ.
تشير عبارة ” الوَصايا” الى الوصايا العشر او الكلمات العشر التي حُفظت في سفرين: سفر الخروج (20: 12-16) وسفر تثنية الاشتراع (5: 16- 20) علما ان هناك 613 وصية في المشناة اليهودية. وتتناول الوصايا العشر جميع ميادين الحياة الدينية والأخلاقية؛ وهي قلب الشريعة الموسوية ولها قيمتها في شريعة العهد الجديد. أمَّا عبارة “لا تَقتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسرِقْ، لا تَشهَدْ بِالزُّور، لا تَظْلِمْ، أَكْرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ” فتشير الى الوصايا المرتبطة بعلاقات الانسان مع قريبه. ولا يذكر يسوع الوصايا الثلاث الأولى من الوصايا العشر، تلك التي تتعلق بواجباتنا نحو الله. يسوع لا ينسى الله تعالى ابدا، لانَّ الله يُحب ويُطاع عندما نحب اخوتنا كما قال يوحنا الرسول ” لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه” (1 يوحنا 4: 20). أمَّا عبارة ” لا تَظْلِمْ” باليونانية Μὴ ἀποστερήσῃς (معناها لا تخدع) فتشير الى عدم السلب وهي وصية لم تُذكر بين الوصايا العشر في سفر الخروج ولا نجدها في انجيل متى وانجيل لوقا، انما هي اقتباس من سفر الاحبار “لا تَظلِمْ قَريبَكَ ولا تَسلِبْه، ولا تُبِتْ أُجرَةَ الأَجيرِ عِندَكَ إِلى الغَد ” (الاحبار 19: 13). وهي مختصر الوصية التاسعة والعاشرة، لان اشتهاء مال الغير يقود لبذل الجهد في نواله بواسطة الكذب والغش. والواقع ان الوصية العاشرة تتكلم عن لا تشته بيت قريبك ولا امرأته ولا عبده. والأغنياء والحكام والرؤساء ومنهم هذا الشاب معرضون بحكم قوتهم ومركزهم أنهم إذا اشتهوا ما لقريبهم أو جارهم يأخذوه منه عنوة أي يسلبوه، كما حدث مع الملك أخاب ونابوت اليزرعيلى (1 ملوك 21: 1-19)، وهم أيضًا ينْهبون أجر العَمَلة وفي هذا الصدد يقول يعقوب الرسول “ها إِنَّ الأُجْرةَ الَّتي حَرَمتُموها العَمَلَةَ الَّذينَ حَصَدوا حُقولَكم قدِ ارتَفَعَ صِياحُها، وإِنَّ صُراخَ الحَصَّادينَ قد بَلَغَ أُذُنَي رَبِّ القُوَّات” (يعقوب(20:5 فقالَ له: يا مُعلِّم هذا كُلُّه حَفِظْتُه مُنذُ صِباي
تشير عبارة َ “حفظ الوصايا” الى العمل بموجبها؛ بمعنى انه كان امينا للوصايا على الصعيد الخارجي للشريعة كما عمل بولس الرسول بالشريعة قبل اهتدائه (غلاطية 6: 3)، ولكن هناك أيضا الطاعة الداخلية والاستعداد للتجاوب مع ما يدعونا الله إليه، وهذا ما ينقص هذا الرجل. حفظ الوصايا هو التعبير عن صدق الايمان الذي هو موهبة من الله كما جاء في تصريح بولس الرسول “فبِالنِّعمَةِ نِلتُمُ الخَلاصَ بِفَضلِ الإِيمان. فلَيسَ ذلِك مِنكُم، بل هو هِبَةٌ مِنَ الله” (أفسس 2: 8). ويوضِّح الانجيل انه ما من إنسان يقدر ان يحفظ الوصايا بدون نعمة الله وعونه كما صرَّح يسوع المسيح “لأَنَّكُم بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً” (يوحنا 15 :5). أمَّا عبارة “هذا كُلُّه حَفِظْتُه ” فتشير الى حسن سلوك الرجل. إنه رجل مستقيم ونزيه وصاحب ضمير حي يراعي الشريعة حسب الأصول. ولكن لا يكفي مراعاة الشريعة كي يصبح الانسان تلميذا حقيقيا ليسوع، ينقصه التخلي والزهد في الذات وترك كل شيء في سبيله. اما عبارة “مُنذُ صِباي” فتشير الى عمر 12 سنة حين صار الانسان مسؤولا عن الوصايا وحفظها.
21 “فحَدَّقَ إِليهِ يسوع فأَحبَّه فقالَ له: واحِدَةٌ تَنقُصُكَ: اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك وأَعطِهِ لِلفُقَراء، فَيَكونَ لَكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فَاتَبعْني
تشير عبارة “أَحبَّه” الى حب يسوع لهذا الرجل على ما هو عليه كما يحب كل إنسان. هذه أول مرَّة في الأناجيل الثلاثة، متى ومرقس ولوقا يُصرَّح أن المسيح أحب إنساناً. واراد بهذه المحبة ان يرسله في مهمة جديدة. ويعلق العلامة أوريجانوس” لقد أحبه مظهرًا تثبيت الحق في عمله بقول الشاب أنه حفظها كلها… إذ رآه قد أجاب بضمير صالح”. أحبَّ فيه ما استحق أن يُحب بهدف دفعه لما هو أعظم. لقد أحبه وقدَّم له الوصية التي تبلغ به إلى الكمال”. امر واحد يبقى على هذا الرجل، وهو ان يتجاوب مع هذا الحب ويتجرد عن كل شيء لكي يكون له كنز في السماء. أمَّا عبارة “واحِدَةٌ تَنقُصُكَ” باليونانية Εν σε ὑστερεῖ (معناها واحدة تعوزك) فتشير الى جواب يسوع لشاب على سؤاله إياه “هذا كُلُّه قد حَفِظْتُه، فماذا يَنقُصُني؟” (متى 19: 20). وما ينقصه هو المحبة، ان يحب الله أكثر من المال، وان تكون طاعته لله ليست خارجية طقسية بل داخلية حقيقية. وهذا الامر جعله غير راضٍ، وفي حالة اضطراب، ويبحث عن الحياة. وبما ان الشاب طلب الكمال (متى 5: 48)، جاء طلب يسوع في خط الوصايا التي عمل بها الشاب وحفظها حيث يُتمم المؤمن الشريعة، ويكملها حين يتبع يسوع بالأعمال الصالحة المؤسسة على محبة الله والقريب. لهذا، لكي يعيش الحياة الابدية ويصل اليها، عليه ان يتعلم كيف يحب، كيف يبني علاقته بالآخرين على أساس من الحب والعطاء. أمَّا عبارة ” اِذْهَبْ فَبعْ وأَعطِهِ لِلفُقَراء ” فتشير الى دعوة يسوع الى هذا الرجل كي يتخذ خطوة أكيدة لخلاصه كما دعا سابقا رسله: بطرس اندراوس ويعقوب ويوحنا (مرقس 1: 18-19). قدَّم يسوع له تحديات الحياة. من أراد ان يتبع يسوع، عليه أولا ان يترك كل شيء، ثم يعطي او يوزّع ماله على الآخرين، وعندئذ يتبع يسوع. انها مغامرة هائلة ومجازفة. ان الرب. أمَّا عبارة ” اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك ” فتشير الى فقدان الانسان الاهتمام بالشيء وعدم الاعتماد عليه أو وضع فيه ثقته. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول لتلميذه طيموتاوس “وَصِّ أَغنِياءَ هذِه الدُّنْيا بِألاَّ يَتعَجرَفوا ولا يَجعَلوا رَجاءَهم في الغِنى الزَّائِل، بل في اللهِ الَّذي يَجودُ علَينا بِكُلِّ شَيءٍ لِنَتَمَتَّعَ بِه، وأَن يَصنَعوا الخَيرَ فيَغتَنُوا بِالأَعمالِ الصَّالِحة، ويُعطوا بِسَخاء ويُشرِكوا غَيرَهُم في خَيراتِهم لِيَكنِزوا لأَنفُسِهِم لِلمُستَقبَلِ ذُخرًا ثابِتا لِيَنالوا الحَياةَ الحَقيقِيَّة. ويعلق القدّيس باسيليوس، أسقف قيصريّة قبّدوقية على من يعترضون على كلام المسيح “كيف سنعيش عندما نتجرّد من كلّ شيء؟ أي حياة سنعيش عندما نبيع كلّ شيء ولا يعود لنا من ممتلكات؟ لا تسألوني ما هو المخطّط العميق وراء وصايا الله لأنّ من وضع شرائعنا يتقن أيضًا فنّ الجمع بين المستحيل والشريعة”(العظة رقم 7، عن الغِنى). أمَّا عبارة “أَعطِهِ لِلفُقَراء فتشير الى دعوة يسوع هذا الرجل الى اتخاذ الفقر كمحك اكيد لخلاصه. حيث أنه لا معنى للفقر دون بلوغه لهدفه المتمثل في الغنى الحقيقي. فالفقر ليس المقصود به مشورة صالحة للحياة الرهبانية فقط، بل أمر لنيل الحياة الابدية. قد يصبح الفقر وسيلة لازمة ان كان امتلاك الأموال عقبة في طريق الخلاص. فالرب يطلب ان نتخلص من أي شيء يصبح أكثر أهمية لنا من الله. يسوع افهم الشاب ان ملكوت الله ليس موضوع عمل وتجارة بل عطية مجانية نتقبلها من يد الله. “. لقد طلب يسوع منه الكثير لأنّه اراد ان يعطيه كلّ شيء، بقدر محبّته له. وأمَّا عبارة “كَنز” فتشير الى الخلاص، او عطية الحياة الأبدية. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “حسنًا قال “يكون لك كنز” ولم يقل “حياة أبدية”، أنه يتحدث في أمر الغنى وترْكه، مظهرًا أنه يتمتع بما هو أعظم مما ترك بقدر ما السماء أعظم من الأرض”. أمَّا عبارة ” وتَعالَ فَاتَبعْني ” فتشير الى السير في طرق الله، تلك الطرق التي يخطها ابن الله، يسوع المسيح ليأتي بجميع البشر إلى الخلاص. وهذه الكلمات هي نفسها التي قالها يسوع للتلاميذ الأربعة، بطرس واندراوس وبعقوب ويوحنا (مرقس 1: 17)، وللاوي ابن حلفى (مرقس 2: 14). لا يعني إتباع يسوع اعتناق تعليم أدبي وروحي فحسب، وإنما مشاركته في مصيره في الصليب (متى 16: 24) والمجد (عبرانيين 6: 20). في نظر بطرس، إتّباع المسيح يعني تطابق الإنسان مع سر موته وقيامته، وهذا التطابق المقدّر لنا في قضاء الله منذ الأزل كما جاء في تعليم بولس الرسول ” ذلك بأَنَّه عَرَفَهم بِسابِقِ عِلمِه وسَبَقَ أَن قَضى بِأَن يَكونوا على مِثالِ صُورَةِ ابنِه لِيَكونَ هذا بِكْراً لإِخَوةٍ كَثيرين” (رومة 8: 29). وأمَّا عند يوحنا، فإتّباع المسيح يعني الإيمان به إيماناً كاملاً، تأسيساً على آيات خارجية (يوحنا 4: 42)، إيماناً يتغلب على كل تردد من جانب الحكمة البشرية (يوحنا 6: 2)، ويعني إتّباع نور العالم واتخاذه رائداً (يوحنا 8: 12)، ويفيد الانتظام في صف الخراف التي يجمعها الراعي الواحد في قطيع واحد (يوحنا 10: 1- 16). فطريق الحياة هو ان نطرح كل ما يعوقنا ونتبع يسوع. فمن الممكن ان يضحي الانسان بممتلكاته في سبيل قضية عادلة بدون ان يصبح من أتباع يسوع “لَو فَرَّقتُ جَميعَ أَموالي لإِطعامِ المَساكين، ولَو أَسلَمتُ جَسَدي لِيُحرَق، ولَم تَكُنْ لِيَ المَحبَّة، فما يُجْديني ذلكَ نَفْعًا” (1 قورنتس 13: 3). لا شك في ان يسوع يطلب من المسيحي ان يتخلى عن الغنى. ولكن هذا التخلي هو موقف قبول وشرط أساسي لولادة جديدة، لنتقبل الخلاص الآتي من عند الله وحده. لا يكفي ان نحفظ الوصايا من اجل ان نكون تلاميذ حقيقيين للمسيح، فالمسيح يطالبنا ان نكون كاملين. ومن اجل ذلك مطلوب منا ان نبيع ما لنا ونتصدق به على الفقراء ونذّخر به لذواتنا كنزا في السماء. وبكلمة أخرى، مطلوب منا تحويل مدخراتنا من بنك هذه الحياة الأرضية إلى بنك الأرصدة المرصودة لحساب الحياة الأبدية ومقرّه السماء، حيث لا ينقب سارقٌ ولا يفسد سوس بأرباح عالية جدا.
22 فاغتَمَّ لِهذا الكَلامِ وانصَرَفَ حَزيناً، لأَنَّه كانَ ذا مالٍ كثير
تشير عبارة ” فاغتَمَّ ” الى علامات وجهه عندما سمع من يسوع جوابا لم يتوقعه ولم يكن مستعدا ان يقبله. لأنه كان متعلقا بماله أكثر من تعلقه بيسوع. ومحبته للمال حرمته من الدخول، ففضّل ممتلكات العالم على الحياة الابدية التي جاء يطلبها. كانت ثروته هي نقطة ضعفه، إذ لم يكن يريد ان يتخلى عنها، لأنها كانت بمثابة إلهه، وبالتالي لم يكن هذا الرجل كاملا (متى 19: 21) بل ناقصا لان قلبه منقسم ومتعلق بأملاكه التي تصدَّه عن الله. كان معبوده المال لا الله. وبالتالي لم يكن على استعداد ان يتخلى عن كل ما يريده الله ان يتخلى عنه. اما عبارة ” انصَرَفَ ” فتشير الى الرجل الغني الذي التقى بيسوع ونظرة حبِّه لم يبصر ولم يُغيّر مسار تجاه يسوع ويأخذ منعطفا جديدا بل ابتعد عن يسوع ويعود إلى الطريق التي جاء منها. أمَّا عبارة “حَزيناً” فتشير الى فشله في إنجاز ما طلب المسيح منه في عبادة الله الحقيقية. في حين ان عبادة المال تبعث على الحزن، لأنها تعوق وتستعبد بدل ان تخدم، والنتيجة هي الحزن. في حين عبادة الله تبعث على الفرح، فإذا أردنا ان نتبع يسوع، علينا ان نتحرر من المال فنختبر الفرح الحقيقي. قد وردت كلمة “حزن” في انجيل مرقس مرتين؛ هنا، والمرة الثانية لما علم التلاميذ أن واحداً منهم سيُسلم يسوع (مرقس 14: 19). فالحزن يقيس عجزنا في اتباع المسيح. أمَّا عبارة “أَنَّه كانَ ذا مالٍ كثير” فتشير الى الرجل الغني الذي ارتبط قلبه بثروة هذا العالم، فحرمه هذا الثقل من العبور مع السيد خلال باب الحب للدخول إلى الطريق الضيق. ولم يتقبل الحب لأن قلبه لا يملك حيزا للحب، قلبه متعلق بالمال الذي منه يأمل الحصول على الحياة. فلم لا يستطيع ان يُحبَّ الله من كل قلبه ويحتفظ بأمواله لنفسه. هذا الرجل الغني لا يتقبل الحب لأن قلبه لا يملك حيزا للحب، آثر الرجل ان يحتفظ بماله وهواه، على ان يبيعه في سبيل الله. ولم يستطع أن يتغيّر ويصبح مثل الطفل. إنّ الحياة الأبدية عطيّة. كيف يمكن أن بقبل هديّة ما إن كانت يديه ممتلئة غير فارغة، ولا يريد أن يتخلّى عن أيّ شيء. إن الغِنى منع شاباً أحبَّه المسيح وطلب منه ان يتبعه فتعثَّر في غناه وخسر المحبة والحياة. كانت أموال الغني هي التي تمتلكه وليس هو الذي يمتلكها. والله خلق العالم والمادة والأموال لنستعملها لا لتستعبدنا. نحن مدعوّون إلى أن نأتي بأيد فارغة ونتلقّى الربّ يسوع نفسه لكي نتبعه وننال الحياة الابدية. ويعلق يوحنا الصليب “لا يمنح الربّ النعمة والمحبّة إلاّ بحسب رغبة النفس وحبّها. فكلّما زادت رغبة النفس ومحبّتها، كلّما زاد ما يعطيه الربّ”.
23 فأَجالَ يسوعُ طَرْفَه وقالَ لِتَلاميذِه: ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ اللهِ عَلى ذَوي المال
تشير عبارة ” ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ اللهِ عَلى ذَوي المال” الى تحذير يسوع لمن يريد دخول الحياة الأبدية من عاقبة الأموال، لان الأغنياء عندهم معظم حاجاتهم المادية، ويُمكنهم ان يعتمدوا على أنفسهم. لكن يعوزهم أهم شيء وهو الخلاص لدخول الحياة الأبدية. لكن الخلاص نعمة من الله (مرقس 10: 27) ولذلك هو صعب على الأغنياء. لكن لم يقل يسوع أن الأغنياء لن يدخلوا إلى ملكوت السنوات بل سيدخلون إن هم قبلوا الدخول من الباب الضيق. ولم يجعل يسوع التجرد من الأموال قاعدة تُلزم جميع الذين يتبعوه، خلافا لجماعة الاسِّينيين في قمران، الذين كانوا يفرضونه على اتباعهم لفائدة الجماعة. انما من يريد ان يدخل الملكوت، عليه ان يحب الله فوق كل الاعتبارات المادية من ثروة ومجد ذاتي وحب اللذة. وقد أحب يسوع أناسا اغنياء كانت لهم مكانة اجتماعية رفيعة دون ان يُلزمهم بالتخلي عن مقامهم. لقد استخدموا ممتلكاتهم لبركة الآخرين. المهم ان لا يعطلهم الغنى عن اتباع المسيح وخدمته، لان تكديس الأموال والمتقنات لا يتوافق مع منطق الملكوت.
24 فدَهِشَ تَلاميذُه لِكَلامِه فأَعادَ يسوعُ لَهمُ الكَلامَ قال: ((يا بَنِيَّ، ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ الله!
تشير عبارة “دَهِشَ تَلاميذُه ” الى حيرة التلاميذ في صعوبة دخول الرجل الغني الى الملكوت بعكس الرأي السائد في الديانة اليهودية ان الغنى دليل على الرضا الإلهي كما كان سائدا في اسفار العهد القديم. وأدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال، وهم يعلمون أن الناس منكبين على المال لا يستطيعون أن يتخلوا عنه. أما عبارة “يا بَنِيَّ” فتشير الى مودَّة يسوع تجاه حيرة تلاميذه وتلطيفا من الكلام الصعب الذي يريد ان يصرِّح به. اما عبارة “ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ الله ” فتشير الى المال الذي يُشكّل عائقا لمن يريد ان يدخل الحياة الأبدية. يدخل الملكوت من أحب الله فوق الاعتبارات المادية من ثروة ومجد ذاتي وحب اللذة. ليس الإثم الحصول على المال، بل الاتكال عليه.
25 “لأَن يَمُرَّ الجَمَلُ مِن ثَقْبِ الإِبرَة أَيسَرُ مِن أَن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلكوتَ الله”
تشير عبارة ” الجَمَلُ ” هنا إلى “الحبال السميكة التي يستخدمها البحارة في السفن، هذه التي لا يمكن أن تدخل في ثقب إبرة” كما جاء في تفسير القديس كيرلس الكبير. أمَّا عبارة “ثقب الابرة” فتشير الى اسم بوابة صغيرة (الخَوْخةُ) وسط البوابة الرئيسية لاورشليم التي لا يستطيع جمل ان يمَّر فيها الاّ بعد ان يناخ على ركبتيه وتُنْزَلْ كل حمولته ويُجَّرْ ويُدْفَعْ للداخل، لان أبواب أورشليم كانت تُغلق قبل الغروب، وحينما تأتى قافلة متأخرة لا يفتحون الباب الرئيسي، بل على الجمل ان يمر من الباب الصغير (تُقب الابرة). وهكذا الغنى لا يدخل ملكوت السماوات إلاّ لو تواضع وشعر أن كل أمواله هي بلا قيمة. تدل هذه الآية على مبالغة بيانية، تقابل بين الكبير والضيق، بين الجمل وثقب الابرة. فخرم الابرة صغير جدا، والجمل أكبر حيوان عرفه الشرق الأوسط. فكما أنه مستحيل أن يدخل الجمل في ثقب الابرة كذلك صعب دخول الأغنياء في باب السماء الضيق. فلا يمكن الغني ان يدخل ملكوت بدون عون الله. اما عبارة ” الغَنِيُّ ” فتشير هنا الى كل انسان يؤمن بالغنى والأموال والممتلكات، بحيث أصبح حجمه كبيرا بما يمتلك لدرجة انه يعيق دخوله الملكوت. حيث ان باب الملكوت ضيق.
26 “فاشتَدَّ دَهَشُهُم وقالَ بَعضُهم لِبَعض: فَمَن يَقدِرُ أَن يَخلُص؟
تشير عبارة ” فاشتَدَّ دَهَشُهُم ” الى دهشة التلاميذ لمفهومهم الخاطئ الشائع بان الغنى دليل على الايمان ورضى الله على الانسان. أمَّا عبارة ” فَمَن يَقدِرُ أَن يَخلُص؟ ” فتشير الى سؤال التلاميذ لدى سماعهم ان دخول ملكوت السماوات يعسر على أي أحد، غني كان او فقير. وليس هذا السؤال مجرد مفارقة، بين الفقير والغني، لكن هذا الخلاص أعسر على الغني. فنحن لا نستطيع دخول ملكوت الله. الله وحده يُدخلنا والشيء الوحيد الذي نستطيع عمله هو ان نتقبل كطفل عطية الاب.
27 فحَدَّقَ إِلَيهِم يسوعُ وقال: “هذا شَيءٌ يُعجِزُ النَّاسَ وَلا يُعجِزُ الله، فإِنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير
تشير عبارة ” فحَدَّقَ إِلَيهِم يسوعُ ” الى نظرة يسوع الثالثة في هذا النص. وهي نظرة تعزية وتقوية امال التلاميذ مبيّنا لهم انهم بإمكانهم الانتصار بقدرة الله نفسه على كل الموانع من دخول الملكوت السماوي. نظرة حب يسوع تمكّنهم من الحياة في الدنيا والآخرة. أمَّا النظرة الأولى فكانت نظرة حب للشاب الغني، والنظرة الثانية نظرة حزن عندما انصرف الشاب عن يسوع. اما عبارة “هذا شَيءٌ يُعجِزُ النَّاسَ وَلا يُعجِزُ الله” فتشير الى قول الله لإبراهيم: ” هَل مِن أَمْرٍ يُعجِزُ الرَّبّ؟” (التكوين 18: 14). لقد أدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال، لكن السيد المسيح كشف لتلاميذه أنه ليس شيء غير مستطاع لدى الله. الخلاص مستحيل بالمجهود البشري بدون عمل إلهي (تكوين 18: 1 زكريا 8: 6). ولا يمكن اكتساب الخلاص لأنه عطية من الله كما يؤكد ذلك بولس الرسول ” بِالنِّعمَةِ نِلتُمُ الخَلاصَ بِفَضلِ الإِيمان. فلَيسَ ذلِك مِنكُم، بل هو هِبَةٌ مِنَ الله، ولَيسَ مِنَ الأَعمال لِئَلاَّ يَفتَخِرَ أَحَد ” (أفسس 2: 8-10). فما هو مستحيل على البشر سهل على الله. لا يستطيع الانسان ان يدخل الى الملكوت بقواه الخاصة، ولكن الله هو الذي يرحمه مجاناً بنعمته، ويطلب منه ان يتجاوب مع هذه النعمة. فالمهم هو الايمان بالله وليس بالذات او الثروات. فالمبدأ الأساسي للإنجيل ان الخلاص مستحيل لدى الناس خاصة الأغنياء، ولكن ليس غير مستحيل لدى الله. فلا خلاص للغني والفقير إلاّ بنعمة الله. فالخلاص هو عطية الله التي يعجز المال عن شرائها. أمَّا عبارة ” قَدير” فتشير الى صفة ذاتية في الألوهية ويعبّر الإيمان المسيحي عن أول حقيقة يقدّمها الكتاب المقدس: ” أؤمن بإله، آب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض “. فالله يستطيع أن يحمي مختاريه، ويحقق لصالحهم ما يريد (تكوين 12: 2 -3، 28: 13- 15). وإن كان الله قادراً على كل شيء في السماء وعلى الأرض، فإنما ذلك لأنه هو صنعها (تكوين 2: 4)، وليس عليه بالتالي شيء عسير (إرميا 32: 17)، وهو يتصرف كما يحسن لديه، في عمله (إرميا 27: 5). فعطاء الذات يتجاوز قوى البشر، وهو موهبة من عند الله، كما جاء في تعليم بولس الرسول ” وَصِّ أَغنِياءَ هذِه الدُّنْيا بِألاَّ يَتعَجرَفوا ولا يَجعَلوا رَجاءَهم في الغِنى الزَّائِل، بل في اللهِ الَّذي يَجودُ علَينا بِكُلِّ شَيءٍ لِنَتَمَتَّعَ بِه” (1 طيموتاوس 6: 17(
28 “وأَخَذَ بُطرُسُ يقولُ له: “ها قد تَركْنا نَحنُ كُلَّ شَيءٍ وتَبِعناكَ
تشير عبارة “ها قد تَركْنا نَحنُ كُلَّ شَيءٍ وتَبِعناكَ” الى مقارنة بطرس بين نفسه وتلاميذه مع الرجل الغني الذي ابى ان يترك أي شيء. فبطرس والتلاميذ تركوا كل شيء لا احتقارا وازدراء بل ليتبعوا يسوع (متى 4: 20) بعكس الرجل الذي بقي متمسكا بأمواله. ويعلق القدّيس غريغوريوس الكبير ” لقد تخلّى بطرس وأندراوس عن الكثير، لأنّ كلاًّ منهما تخلّى حتّى عن رغبة التملّك “(العظة 5 عن الإنجيل). فإن التلاميذ يتبعون يسوع لا كسامعين فقط، بل كمعاونين وشهود لملكوت الله وعمّال في حصاده (متى 10/1-27)، وهم لا يتمسكون بتعليم المعلم فقط، بل يلازمون شخصه. ثم يطلب يسوع من أتباعه في مرحلة ثانية حمل الصليب (متى16: 24). والجدير بالذكر ان يسوع المعلم يختار التلميذ، وليس التلميذ يختار معلمه كما كانت العادة في الدين اليهودي في القرن اول عند تلاميذ الرابيين. وقد أكد ذلك السيد المسيح بقوله لتلاميذه “لم تَخْتاروني أَنتُم، بل أَنا اختَرتُكم وأَقمتُكُم لِتَذهَبوا فَتُثمِروا ويَبْقى ثَمَرُكم” (يوحنا 15: 16). لقد ترك ملايين الرجال والنساء كل شيء، منذ الفي سنة، من اجل المسيح وانجيله. فلنتعود منذ الآن وندرب أنفسنا على الانفصال عن الدنيا بطيبة خاطر، لكيلا نستصعب وقع الموت الذي يجبرنا على ترك هذه الحياة الفانية.
29 “فقالَ يسوع: الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما مِن أَحَدٍ تَرَكَ بَيتاً أَو إِخوَةً أَو أَخَواتٍ أَو أمَّا أَو أَباً أَو بَنينَ أَو حُقولاً مِن أَجْلي وأَجْلِ البِشارَة
تشير عبارة ” الحَقَّ أَقولُ لَكم” الى وعد أكّده يسوع بقسم، بقوله كلمة “الحق” قبل إعلانه عن الوعد. وأمَّا عبارة ” تَرَكَ ” فتشير الى تخلي عن كل شيء لأجل المسيح ولأجل خدمة كلمة الإنجيل. أمَّا عبارة مِن أَجْلي وأَجْلِ البِشارَة” فتشير إلى معنى واحد لان ما يُترك من أجل انجيل المسيح كالذي يُترك لأجل المسيح، لأن المسيح هو غاية الانجيل كله. وعبارة “البشارة ” هي خاصة بإنجيل مرقس.
30 إِلاَّ نالَ الآنَ في هذهِ الدُّنْيا مِائةَ ضِعْفٍ مِنَ البُيوتِ والإِخوَةِ والأَخَواتِ والأُمَّهاتِ والبَنينَ والحُقولِ مع الاضطِهادات، ونالَ في الآخِرَةِ الحَياةَ الأَبَدِيَّة
تشير عبارة “نالَ الآنَ في هذهِ الدُّنْيا مِائةَ ضِعْفٍ” الى وعد يسوع لتلاميذه أنه ما من أحد يترك شيئا ذا قيمة لأجله إلاَّ وسيكافأ بمئة ضعف في هذه الحياة والحياة الأبدية في الآخرة. وهذا ما حدث مع بطرس وباقي التلاميذ، فقد تركوا شباكًا ومهنة صيد فحصلوا على محبة الناس في كل مكان وزمان وعلى أمجاد أبدية. لقد وعد يسوع للذين يتبعونه بان يعطيهم، في هذه الدنيا، مائة ضعف أكثر مما تركوه إنهم ينالون مئة ضعف من بيوت ضيافة، وأخوة وأخوات… انهم يعيشون في كل مكان وكأنهم في بيوتهم. يتخلون عن رباط صلة الرحم، غير انهم يعيشون رباط الحب والحنان مع جمهور غفير من الاخوة والاخوات. انهم ينالون أكثر مما تركوا. ويعلق القديس كيرلس الكبير ” كل واحد منا نحن الذين نؤمن بالمسيح ونحب اسمه إن ترك بيتًا يتقبل منزل في السماء. وإن ترك آبًا يقتني الآب السماوي. إن ترك إخوته يجد المسيح يضمه إليه في أخوة له. إن ترك زوجة يجد له بيت الحكمة (أمثال 7: 4). وإذ ترك أمك، يجد أمًا لا تقارن، أكثر سموًا، “أورشليم العليا التي هي أمنا (جميعًا) فهي حرة” (غلاطية 4: 26). ويضيف القديس ايرومنيوس ناسك بيت لحم “لقد تلقيّنا أكثر مّما أعطينا؛ نترك أشياء صغيرة ونجد خيرات ضخمة. يعيد الرّب يسوع المسيح لنا أضعاف ما نفعله من أجله” أمَّا عبارة “نالَ في الآخِرَةِ الحَياةَ الأَبَدِيَّة” فتشير الى نيل السماء. لا يمكن لله ان يكون مدينا لأحد لا في هذا العالم ولا في الأبدية. لا يطلب من الانسان ان يعمل شيئا لنيل الحياة الأبدية، بل ان يتخلى لكي ينال. أمَّا عبارة ” الاضطِهادات” فتشير الى من يتبع يسوع يتعرّض للاضطهادات شانه شأن معلمه يسوع كما تنبأ لهم يسوع “ذكُروا الكَلامَ الَّذي قُلتُه لَكم: ما كانَ الخادِمُ أَعظمَ مِن سَيِّده. إِذا اضطَهَدوني فسَيَضطَهِدونَكم أَيضاً ” (يوحنا 15: 20). لكن الرب يجازي في هذه الدنيا بالفرح حتى في قلب الاضطهاد، وفي الآخرة بالحياة الأبدية. يعلق القديس يونا الذهبي الفم” يبدو لي أنه بهذه الكلمات أراد أن يحدثهم عن الاضطهادات بطريقة غير مكشوفة، إذ يحدث أن يحاول كثير من الآباء أن يغروا أولادهم على الشر، وتغري النساء رجالهن”. والله يسمح بهذه الاضطِهادات حتى لا يتعلق تلاميذه بالماديات ويفقدوا رغبتهم بالسماويات. اما من يشترك مع المسيح في الصليب سيكون شريكه في المجد. أمَّا عبارة ” الحَياةَ الأَبَدِيَّة ” فتشير الى جواب عن سؤال الرجل الغني “ماذا أَعمَلُ لأَرِثَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة؟” ولقد ترك ملايين الرجال والنساء كل شيء منذ الفي سنة من أجل المسيح. انهم لم يتركوا هذا الأشياء احتقارا وازدراء بالغنى بل للحصول على أشياء أثمن منها، وهي الحياة الابدية. عندما نزهد في أشياء كثيرة من اجل يسوع لا نزهد على حساب سعادتنا، لان يسوع يَعد الذين يتبعونه بان يعطيهم في هذه الدنيا مائة ضعف أكثر مما تركوه لكن مع اضطهادات، وفي الآخرة الحياة الأبدية. لا شك ان الرسل تركوا كل شيء، لكنهم ربحوا أكثر بكثير مما تركوا. لنكن على استعداد ان نضحي الآن من أجل مكافآت أعظم في المستقبل. علينا ان نفكر فيما ربحناه في هذه الدنيا وما سنربحه في الدنيا الآخرة. فهل نقبل أن نترك شيء لنحصل على هذا المجد المعدَّ لنا. لا خسارة لأجل المسيح الاَّ يقابلها ربح.
31 “وكثيرٌ مِنَ الأَوَّلينَ يَصيرونَ آخِرين، والآخِرونَ يَصيرونَ أَوَّلين
تشير عبارة ” وكثيرٌ مِنَ الأَوَّلينَ يَصيرونَ آخِرين ” الى توضيح يسوع أنَّ قيم هذا العالم ستنعكس في العالم الآتي، فالذين يسعون وراء المركز والشهرة هنا، لن يكون لهم شيء في السماء. يعتبر العالم الأغنياء في المراكز الأولى فيصبحوا في العالم الآتي من الآخرين. يخسر الأغنياء في الآخرة فيما ربحوا من دنياهم. وقد تشير عبارة أيضا الى اليهود والفريسيين فهؤلاء كانوا شعب الله الذين آمنوا أولًا ثم ارتَدُّوا ورفضوا المسيح فهم هنا أولون وفي الآخِرة آخِرون. أمَّا عبارة “الآخِرونَ يَصيرونَ أَوَّلين” فتشير الى احتقار العالم الفقراء وحسبوهم الآخرين فهم سيكنون عظماء في السماء. فالرسل والتلاميذ كانوا فقراء معدمين محتقرين في الدنيا فجعلهم المسيح أولون. ان الفقراء ربحوا في السماء فيما خسروا من دنياهم. وقد تشير العبارة أيضا الى هؤلاء الأمم الذين كانوا في وثنيتهم آخِرون وآمنوا بعد ذلك فصاروا أولون. ينظر مرقس نظرة انقلاب في القيم. والنظام الحالي لن يحافظ عليه في العالم الآتي، فالدينونة سوف تعيد بناء سلم القيم. وبالتالي هذه الآية تحذير للجميع. فلا تمييز بين فئة وفئة؛ فالدينونة تحكم على اعمالنا وأقوالنا وحياتنا منذ الآن بحسب تجاوبنا مع نعمة الله. وبعبارة أخرى، إن مغزى الكلام ان الثواب في العالم الآتي يتوقف على تجاوبنا مع نعمة الله والايمان بالمسيح وليس على من آمن أولا او على نوعية الخدمة او مقدارها (متى 20: 2). الدينونة تحكم على اعمالنا وأقوالنا وحياتنا منذ الآن.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 10: 17-30(
بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (مرقس 10: 17-30) يمكننا ان نستنتج انه يتمحور حول الغنى وموقف يسوع منه. ومن هنا نتساءل: ما هو مفهوم الشاب للغنى؟ ثم ما هو تعليم يسوع عن الغنى؟
(1 ما هو مفهوم الشاب للغنى؟
مفهوم الشاب للغنى هو مفهوم الغنى في العهد القديم. جاء الى يسوع رجل غني يبحث عن طرق الله للحصول على الحياة الابدية. وكان الرجل الغني حافظا للوصايا ومتطلعا على الكتاب المقدس. فهو يعرف أن الغنى هو أحد عناصر الحياة الوافرة التي لا يفتأ الله يعدّ بها مختاريه. وقد عد الله ان يغني أحباءه؛ مثل إبراهيم (تكوين 13: 2) وإسحق (26: 12-13) ويعقوب (30: 43). وأشاد الكتاب المقدس بغنى الأشخاص الأتقياء، كرضى الله عنهم مثل أيوب، والملوك القديسين أمثال داود ويوشافاط وحزقيا (2 أخبار 32: 27-29). فالغنى هو رمز إلى سخاء الله. ويبدو الغنى أيضا مجداً واكمالاً (مزمور 37: 19)، في حين أن البؤس يبدو خزياً وفشلاً (إرميا 12: 13).
ويعرف الرجل الغني أيضا من خلال اطلاعه على الكتاب المقدس انه لكي يكسب الغنى يحتاج المرء إلى كثير من الصفات الإنسانية الحميدة مثل: الجدّ (أمثال 10: 4، 20: 13)، والحكمة (أمثال 24: 3)، والروح الواقعية (أمثال 12: 11)، والقوة (أمثال 11: 16)، والاعتدال (أمثال 21: 17).
الغنى خير، ولكنه ليس أسمى الخيرات حيث يفضّل المؤمن في العهد القديم سلام النفس (أمثال 15: 16)، والصيت الحسن (22: 1)، والصحة (سيراخ 30: 14-16)، والعدل (أمثال 16: 8). والرجل الغني الوارد ذكره في انجيل اليوم يريد ان يحصل على الحياة الأبدية علما أن الغنى هو علامة رضى الله عنه كما جاء في سفر التثنية (تثنية الاشتراع 28). ومن هنا جاء سؤاله ليسوع “ماذا أَعمَلُ لأَرِثَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة؟” (مرقس 10: 17).
2 ) ما هو تعليم يسوع عن الغنى؟
علم يسوع ان الغنى ليس شرا بحد ذاته، لكن له مخاطره مبينا الغنى الحقيقي.
أولا: الغنى ليس شرا: أشار يسوع للرجل الغني ان الغنى ليس شراً، فالغنى في ذاته ليس شرًا، لكنه يمثل ثقلًا للنفس المتعلقة به، يفقدها حياتها وينزعها عن الالتصاق بمخلصها. “فالمال عبد جيد ولكنه سيد سيء” كما علق يوحنا الذهبي الفم ” لقد كشف يسوع أن العيب لا في الغنى إنما في القلب المتكل على الغنى”! ومن حيث ان الغنى ليس شرا بحد ذاته، فان المسيح لم يجعل من التجرد من الأموال قاعدة تُلزم جميع الذين يتبعوه، بل أحب يسوع ودعا أناسا اغنياء كانت لهم مكانة اجتماعية رفيعة، ولم يُلزمهم بالتخلي عن مقامهم. الله ليس ضد الأغنياء حيث ان إبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب كانوا من الأغنياء. والله جعل سليمان الملك غنيًا جدًا؛ وكثيرون من الأغنياء تبعوا يسوع مثل نيقوديمس ويوسف الرامي وزكّا العشار ولم يطلب منهم أن يبيعوا ما لهم. المهم عند الرب هو ألاَّ يعتمد أحد أو يضع ثقته في أمواله.
المسيح لا يطلب منا أن نبيع كل شيء بتطبيق حرفي ولكن ألاَّ يكون هناك ما نحبه ونتعلق به في هذا العالم أكثر منه، ” مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي” (متى 10: 37). فما نحبه أكثر من المسيح يعطلنا عن الكمال. فكيف إذا يصير الانسان الغني كاملًا؟ الخطوة هي التخلي عن الثقة فيما يملكه وأن يضع كل ثقته في المسيح. هذا هو المعنى المطلوب لقول المسيح ” اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك ” (مرقس 10: 27). وطالما كانت هناك في نظرنا أشياء نتعلق بها ونحبها أكثر من المسيح فنحن ما زلنا بعد لم نكتشف من هو المسيح.
ثانيا: مخاطر الغنى: أشار يسوع الى مخاطر الغنى. لقد حذّر يسوع الناس من عقبة الأموال لمن أراد دخول الحياة الأبدية: “ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ اللهِ عَلى ذَوي المال” (مرقس 10: 24). من العسير أن يظلَّ الإنسان أميناً في الشبع، ذلك لأنّ الدّهن يغلق القلب كما يقول الرب لأبناء بني إسرائيل “فيأكُلُ ويَشبَعُ ويَسمَن ويَتَحَوَّلُ إِلى آِلهَةٍ أُخْرى ويَعبُدونَها ويَستهينونَ بي ويَنقُضُ عَهْدي” (تثنية 31: 20، 32). وفي هذا الصدد تقول القديسة تريزا دي كالكوتا “يعتقد الكثيرون، خاصّة في الغرب، أنّ العيش برفاهية يمنح السعادة. لكنّني أظنّ أنّه من الأصعب تحقيق السعادة مع الثراء حيث أنّ هموم كسب المال والحفاظ عليه يخفي الله عن أنظارنا” (خواطر في طريق البسيط).
ويُحذِّر الكتاب المقدس الإنسان من الذهب والفضة ” فلا يُبالِغْ في الإِكْثارِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَب” (ثنية الاشتراع 17: 17). ولكن محبة المال هي عداوة لله وأصل لكل الشرور كما أوضح ذلك بولس الرسول “أَمَّا الَّذينَ يَطلُبونَ الغِنى فإِنَّهم يَقَعونَ في التَّجرِبَةِ والفَخِّ وفي كَثيرٍ مِنَ الشَّهَواتِ العَمِيَّةِ المَشؤُومَةِ الَّتي تُغرِقُ النَّاسَ في الدَّمارِ والهَلاك، لأَنَّ حُبَّ المالِ أَصْلُ كُلِّ شَرّ ” (1 طيموتاوس 6: 9- 10).
الغنيّ الذي له “خيراته” في هذا العالم لا يمكنه أن يدخل الملكوت كما جاء في قول المسيح ” ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ اللهِ عَلى ذَوي المال “لأَن يَمُرَّ الجَمَلُ مِن ثَقْبِ الإِبرَة أَيسَرُ مِن أَن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلكوتَ الله” (مرقس 10: 24-25). فمحبة المال يمثل للغني كبرياء الإنجاز والجهد الذاتي. وكشف يسوع هذه الدوافع عندما طلب من الشاب الغني “اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك وأَعطِهِ لِلفُقَراء ” (مرقس 10: 21). وما يدعو للدهشة، ان الغني لم يستطع ان ينفذ مطلب يسوع ويحوّل كل قلبه وحياته الى الله. ان موقفه هذا جعله عاجزا عن تنفيذ الوصية الأول، حيث جعل الغنى أهم من الله (خروج 20: 3). فالمال كان سببا في انجذاب القلب بعيدا عن التقوى الحقيقية.
وفي هذه الحالة فإن الغنى بدلاً من أن يُدعم العهد مع الله، قد يُعطي فرصة التنكّر له: “شَبعوا فطَمَحَت قُلوبُهم ولِذلك نَسوني” (هوشع 13: 6). ومن هنا جاء الصلاة آجور، الرجل الحكيم “لا تُعطِني الفَقرَ ولا الغِنى بلِ اْرُزقْني مِنَ الطَّعام ما يَكْفيني لِئَلاَّ أَشبعً فأَجحَدَ وأَقوَلَ: مَنِ الرَّبّ؟ أَو أَفتقر فأَسرِق وأَعتدي على اسم إِلهي” (أمثال 30: 8-9)؛ ويتبنّى يعقوب الرسول استنكارات الأنبياء عن الغنى والثراء. فيوجِّه بعض الانذارات ضد الأغنياء المتخمين وثرواتهم العفنة بقوله “يا أَيُّها الأَغنِياء، اِبكوا وأَعوِلوا على ما يَنزِلُ بِكُم مِنَ الشَّقاء. ثَروَتُكم فَسُدَت وثِيابُكم أَكَلَها العُثّ. ذَهَبُكم وفِضَّتُكم صَدِئا، وسَيَشهَدُ الصَّدَأْ علَيكم ويأكُلُ أَجسادَكم كأَنَّه نار. جَمَعتُم كُنوزًا في الأَيَّامِ الأَخيرة” (يعقوب 5: 1-3). ويوصي القديس بولس “أغنياء هذه الدنيا بأن لا يتعجرفوا ولا يجعلوا اتّكالهم على الغنى الزائل، بل على الله الذي يمنحنا كل شيء لنتمتع به وفي هذا الصدد يقول الى تلميذه طيموتاوس: “وَصِّ أَغنِياءَ هذِه الدُّنْيا بِألاَّ يَتعَجرَفوا ولا يَجعَلوا رَجاءَهم في الغِنى الزَّائِل، بل في اللهِ الَّذي يَجودُ علَينا بِكُلِّ شَيءٍ لِنَتَمَتَّعَ بِه، وأَن يَصنَعوا الخَيرَ فيَغتَنُوا بِالأَعمالِ الصَّالِحة، ويُعطوا بِسَخاء ويُشرِكوا غَيرَهُم في خَيراتِهم لِيَكنِزوا لأَنفُسِهِم لِلمُستَقبَلِ ذُخرًا ثابِتا لِيَنالوا الحَياةَ الحَقيقِيَّة” (1 طيموتاوس 6: 17). إن “كبرياء الغنى” هو العالم، ولا يمكننا أن نوفّق بين حبّ الله وحب العالم “كُلَّ ما في العالَم مِن شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآب، بل مِنَ العالَم. العالَمُ يَزولُ هو وشَهَواتُه. أَمَّا مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله فإِنَّه يَبْقى مَدى الأبد” (1 يوحنا 2: 15-16).
اما الفقراء فهم وحدهم هم القادرون على تقبّل البشرى السارّة كما أوضح ذلك السيد المسيح: “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء” (لوقا 4: 18). وقد صار الربّ فقيراً من أجلنا لكي يغمرنا (2 قورنتس 8: 9) بغناه الذي لا يستقصى (أفسس 3: 8). وهذا ما اكتشفه القديس بولس الرسول الذي وجد كل شيء في العالم نفاية حينما عرف الرب يسوع ” أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ” (فيلبي 3: 8).
ثالثا الغنى الحقيقي:
أشار يسوع للشاب “لا صالِحَ إِلاَّ اللهُ وَحدَه ” (مرقس 10: 18)، وهو الذي أصبح غنانا الحقيقي. وقد صار الربّ فقيراً من أجلنا لكي يغمرنا بغناه الذي “لا يُسبَرُ غَورُه” (أفسس 3: 8).”فقَدِ افتَقَرَ لأَجْلِكُم وهو الغَنِيُّ لِتَغتَنوا بِفَقْرِه” (2 قورنتس 8: 9). الله هو الكنز الحقيقي لان الارتباط به تعالى هو الذي يعطي وحده الحياة الأبدية. فالويل للشخص الفاتر الذي يظنّ أنه غني، بينما ينقصه الكنز الوحيد، كما جاء في رؤية يوحنا “أَنا غَنِيٌّ وقدِ اغتَنَيتُ فما أَحْتاجُ إِلى شَيء، ولأَنَّكَ لا تَعلَمُ أَنَّكَ شَقِيٌّ بائِسٌ فَقيرٌ أَعْمى عُرْيان” (رؤيا 3: 16-18).
أعلن يسوع أن ملكوت السماوات هو الكنز الذي لا يقدّر بثمن، والذي يستحق أن نضحّي من أجله بكلّ شيء كما صرّح يسوع للرجل الغني: “واحِدَةٌ تَنقُصُكَ: اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك وأَعطِهِ لِلفُقَراء، فَيَكونَ لَكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فَاتَبعْني (مرقس 10: 21). وعليه فإذا كان الغنى المادي محفوفاً بالمخاطر، وإذا كان الكمال الإنجيلي يقتضي التضحية بها، فليس معنى ذلك أن الغنى شر، بل أن الله وحده هو “الصا لح”، وهو الذي صار غنانا الحقيقي؛ وبهذا المعنى جاء قول يسوع جوابا على الغني “لا صالِحَ إِلاَّ اللهُ وَحدَه” (مرقس 10: 18).
ومن هذا المنطلق، أحدث السيد المسيح انقلاباً إزاء الغنى، إذ يعلن ان الملكوت هو هبة الله والشركة الكاملة معه في الحياة الأبدية. ولإنه بدّ من إعطاء كل شيء حتى ننال الحياة الأبدية. فالحصول على اللؤلؤة الثمينة والكنز الفريد، لا بدّ من بيع كل شيء كما قال يسوع للرجل الغني ” اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك وأَعطِهِ لِلفُقَراء، فَيَكونَ لَكَ كَنزٌ في السَّماء” (مرقس 10: 20)، لأنه لا يمكن أن نخدم سيّدين “ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلزَمَ أَحَدَهُما ويَزدَرِيَ الآخَر. لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال.” (متى 6: 24). والواقع ينتصب المال سيّداً بلا رحمة: إنه يخنق عند الرجل الجشع الطمّاع كلمة الإنجيل كما جاء في قول المسيح “يكونُ له مِن هَمِّ الحَياةِ الدُّنيا وفِتنَةِ الغِنى ما يَخنُقُ الكَلِمة فلا تُخرِجُ ثَمَراً” (متى 13: 22)، وينسيه الأمر الجوهري ألا وهو سيادة الله علينا “تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع، لأَنَّ حَياةَ المَرءِ، وإِنِ اغْتَنى، لا تَأتيه مِن أًموالهِ ” (لوقا 12: 15-21). كذلك الغنى يعطّل عن طريق الكمال أحسن القلوب استعداداً (مرقس 10: 21). وهكذا فان القاعدة المطلقة التي لا تحتمل استثناء أو تلطيفا هي قول يسوع: ” كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً” (لوقا 14: 33). ولكن لا يعني التجرد عن الغنى حتما التنازل عن أي تمللك، فنرى فيمن كانوا المقرّبين ليسوع كانوا من المقتدرين الاغنياء، مثلا يوسف الرامي الذي استقبل جسد الرب في مقبرته (متى 27: 57). لا يطلب الانجيل ان يتخلى الاغنياء عن ثروتهم، بل ان يوزّعوها على الفقراء “واحِدَةٌ تَنقُصُكَ: اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك وأَعطِهِ لِلفُقَراء، فَيَكونَ لَكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فَاتَبعْني (متى 19: 21)؛ وباكتسابهم أصدقاء بالمال الباطل يستطيع الأغنياء ان يأملوا من الله ان يفتح لهم طريق الخلاص (لوقا 16: 9). فليس الشر ان يكون هناك غني وفقير، بل ان يكون الفقير كعازر الذي كان يشتهي ان يشبع من فتات مائدة الغني (لوقا 16: 21) وانه لم ينال شيئا منها. إن الغني مسؤول عن الفقير. فإن من يخدم الله يعطي ماله للفقراء، أمَّا الذي يعبد المال فأنه يحتفظ به للاعتماد عليه.
ونستنتج مما سبق ان الغنى الحقيقي لا يقوم فيما نملك بل فيما نعطي، لان العطاء يستمطر سخاء الله. فهو يجمع في الشكر بين الواهب والآخذ كما جاء في قول بولس الرسول: “إِنَّه وَزَّعَ وأَعْطى المَساكين، فبِرُّه يَدومُ لِلأَبَد. إِنَّ الَّذي يَرزُقُ الزَّارِعَ زَرْعًا وخُبْزاً يَقوتُه سيَرزُقُكُم زَرْعَكُم ويُكَثِّرُه ويُنَمِّي ثِمارَ بِرِّكُم (2 قورنتس 9: 10-11). وهكذا يستطيع الغني نفسه ان يختبر كلام يسوع “السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ” (أعمال الرسل 20: 35).
الخلاصة
يطرح نص انجيل مرقس (10: 17-30) مشكلة الغنى. إذ جاء الى يسوع رجل غني يبحث عن طرق الله. فنظر اليه يسوع وأحبه. ودلَّ على حبه له بان طلب منه ” اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك وأَعطِهِ لِلفُقَراء ” (مرقس 10: 21). واكتشف الرجل الغني ان اتباع يسوع يفترض ان لا تكون الشريعة وحدها هي التي تقوده. حيث انه أتم َّالشريعة ولكن ينقصه ان يتبع يسوع. احبه يسوع ودعاه، ولكنه وضع شرطاً اساسيا: ان يزهد في نفسه. يجب ان يتخلى عن خيراته التي تمنعه من ابتاعه. لكن هذه الدعوة لم تصل الى غايتها. ثم شدَّد يسوع على صعوبة الدخول في الملكوت للذين يملكون الأموال “يا بَنِيَّ، ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ الله!” (مرقس 10: 24). ثم دلَّ يسوع على منطق الملكوت الذي هو نداء جذري لعطاء تام لا يتوافق مع تكديس الأموال. فعطاء الذات الكامل يتجاوز قوى البشر، وهو موهبة من عند الله (آية 23). ان الملكوت عطية مجّانية نتقبلها من يد الله. فمن تشجع وقبلها، كان له الملكوت ينبوع سعادة أعمق من كل ما يقدمه له الغنى. المال يشكِّل عائقا لمن يريد ان يدخل الحياة الأبدية، ومع ذلك لم يجعل يسوع من هذا التجرد قاعدة لا مفرّ منها لجميع الذين يتبعونه. أحب يسوع أناسا اغنياء ودعاهم اليه دون ان يفرض عليهم ان يتركوا موقعهم الاجتماعي الرفيع. وهناك اغنياء تبعوا يسوع وما باعوا كل ما يملكون (اعمال الرسل 4: 36-37).
دعاء
أيها الآب السماوي، أسألك باسم يسوع المسيح، أعطنا روح الفقر كي نتحرر من قيود الأرض فلا نحسب الغنى شيئا بالقياس الى الملكوت السماوي، ولا نتعلق بمال الدنيا بل نزهد من اجل المسيح بدنيانا في سبيل دخول الملكوت السماوي ونيل الحياة الأبدية مرددين ك صلاة ذاك الرجل الحكيم: “لا تُعطِني الفَقرَ ولا الغِنى بلِ اْرُزقْني مِنَ الطَّعام ما يَكْفيني لِئَلاَّ أَشبعً فأَجحَدَ وأَقوَلَ: ((مَنِ الرَّبّ؟)) أَو أَفتقر فأَسرِق وأَعتدي على اسم إِلهي” (أمثال 30: 8-9). أمين.
قصة وعبرة: واحِدَةٌ تَنقُصُكَ
حكى أن ثعلباً دخل خلسة من خرم ضيق يكاد لا تدخل فيه قبضة اليد إلى كرم فسيح مملوء بكل ما لذَّ وطاب، فأخذ الثعلب يجول بنظره يميناً ويساراً ويلعن أيام شقائه، وبدأ يأكل كل ما لذَّ وطاب، فامتلأت بطنه حتى لا مزيد، وإذ بصاحب الكرم قد حضر وبدأ يلاحقه فلمَّا حاول الخروج مما دخل منه استعصى عليه الأمر جداً ولكن حياته صارت رهن الخروج، فاختفى في مكان مظلم وصام عن الأكل والشرب حتى كادت تخرج روحه، وذهب إلى الخرم وضغط بطنه حتى الآخِر فعَبَرَ، ففلت الثعلب الذكي من موت محقق. والمسيح هنا في هذه المقابلة مع الرجل الغني يغبط الثعلب الذكي: “يعوزك شيء واحد – (لا مفر منه) – اذهب بع كل مالك وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعالَ اتبعني حاملاً الصليب”. ولكن حماقة الثعلب تغلَّب عليها ذكاؤه، أمَّا حماقة الإنسان فيزيدها ذكاؤه!! ذهب الغني حزيناً لأن أمواله كانت كثيرة وفضَّل أن يموت في بستان مباهجه من أن يخرج إلى جنة الله. ويعلق القدّيس باسيليوس، أسقف قيصريّة قبّدوقية ” يذكّرني وضع هذا الشاب الغني وأمثاله بقصّة مسافرٍ رغب في أن يزور مدينة فوصل إلى أسوارها ووجد هناك فندقًا فنزل فيه؛ غير أنّ الخطوات الأخيرة المتبقّية لدخول المدينة أحبطته فخسر فائدة كلّ عنائه في السفر وامتنع عن مشاهدة جمال المدينة. هكذا هم الذين يلتزمون بالوصايا لكنّهم يثورون على فكرة فقدان خيراتهم. أعرف الكثير من الناس الذين يصومون ويصلّون ويقومون بالإماتات تكفيرًا عن ذنوبهم ويحسنون القيام بكلّ أعمال التقوى غير أنّهم لا يتصدّقون بأي عطيّة للفقراء. فماذا تفيدهم الفضائل الأخرى إذًا؟ لن يدخل هؤلاء إلى ملكوت السماوات حسبما أكّد الربّ يسوع حين قال: “يا بَنِيَّ، ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ الله! ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ اللهِ على ذَوِي المال فَلأَن يَدخُلَ الجَمَلُ في ثَقْبِ الإِبرَة أَيسَرُ مِن أَن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلَكوتَ الله” (العظة رقم 7، عن الغِنى).