الأحد الثاني من الزمن الأربعيني (ج)
الأب لويس حزبون
يصف لوقا الإنجيلي ” تجلي ” سيدنا يسوع المسيح. ويسلط التجلي الأضواء على صعود ابن الانسان الى اورشليم للآلام والقيامة تتميما لمشيئة الآب. ويتعذر على التلاميذ ان يفهموا لماذا اختار معلمهم ذلك الطريق، فاراهم الله شيئا من مجد ابنه وأمرهم بان يصغوا الى تعليمه. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 9: 28-36)
28″وبَعدَ هذا الكَلامِ بِنَحوِ ثَمانِيَةِ أَيَّام، مَضى بِبُطرسَ ويوحنَّا ويعقوبَ وصعِدَ الجَبَلَ لِيُصَلِّي.” : تشير عبارة ثمانية أيام الى نهاية عيد المظال؛ وعيد المظال أو السوكوت و (סוכות) أو عيد العُرش او الاكواخ هو من
الأعياد الثلاثة الهامة مع عيد الفطير وعيد الأسابيع الوارد ذكرهم في تثنية الاشتراع (16: 13). يبدأ هذا العيد بعد يوم كيبور (يوم الغفران)، ويستمر ثمانية أيام؛ وهو إحياء لذكرى خيمة السعف التي آوت بني اسرائيل في البرِّية أثناء خروجهم من مصر. وفي نهايته يحتفل بنو إسرائيل باستلام التوراة، وتسمى فرحة التوراة “سمحات تورا (שמחת תורה)، وخلال الأيام الخمسة تقام المظلات قرب البيت أو على السطح وشرفات البيوت المفتوحة، وفي اليوم الثامن تبدأ صلوات طلب المطر. أمّا عبارة ” ثَمانِيَةِ أَيَّام ” فتشير الى القيامة والحياة الأبدية، في حين يَرد في انجيل متى بعد ستة أيام (متى 16: 1) فالرقم (6) هو عدد النقص ويجد كماله في يوم السابع في التجلي. وأما عبارة “ِبُطرسَ ويوحنَّا ويعقوبَ” فتشير الى الرسل الثلاثة “المقربين” الذين لهم علاقة حميمة مع يسوع، فهم يشاركون على وجه خاص في عمل المعلم يسوع وسرّه. فقد رافقوه حين شفى ابنة يائيريس (لوقا 8: 51)، وفي نزاعه في بستان الجسمانية (لوقا 22: 39). ويبدو أنهم أكثر استعدادا لفهم وقبول المسيح. وإن عدد ثلاثة تعتبر كافية لإثبات الشهادة في الشريعة الموسوية. وأما عبارة “الجَبَل” فتشير الى جبل غير محدد، وله دلالة لاهوتية أكثر منها جغرافية. فهو مكان للوحي (اشعيا 2: 2-3)؛ فالجبل يرتبط بالاقتراب الى الله والاستعداد لسماع أقواله، فقد ظهر الله لكل من موسى (خروج 24: 12-18)، وإيليا (1ملوك 19: 8-18) على جبل. وأما التقليد فقد أشار الى جبل طابور او الطور في الجليل كجبل التجلي”. وآخرون يرون ان التجلي حدث على جبل حرمون او جبل الشيخ الذي يعلو قمته المغطاة بالثلج نحو 2743 م، وهو يبعد 19 كم شمال شرقي قيصرية فيلبس (بنياس)، ويتمكن رؤيته من أجزاء عديدة في فلسطين وهو يـتألق مثل الذهب في ضوء الشمس. أما عبارة “لِيُصَلِّي” فتشير الى وقت لقاء يسوع مع ابيه السماوي. وغالبا ما يذكر لوقا صلاة يسوع في انجيله (5: 16و 6: 12 و9: 18و 10: 21 و11: 1و 23: 34).
” 29وبَينَما هو يُصَلِّي، تَبَدَّلَ مَنظَرُ وَجهه، وصارَت ثِيابه بِيضاً تَتَلألأُ كَالبَرْق.”: أمَّا عبارة ” تَبَدَّلَ ” فستخدم لوقا لفظة γίνομαι أي يصير بدل لفظة μετεμορφώθη أي تجلى أي تحوّل او تغيّر شكل وجه كما فعل متى الإنجيلي، لانَّ هذه اللفظة لها مضمون وثني. فهذه الكلمة توحي الى التجلي بمعنى ظهور مجد يسوع المسيح الإلهي. نجد في هذه العبارة إشارة الى موسى حين لقائه بالله على جبل سيناء (خروج 34: 29) علماً ان يسوع هو موسى الجديد. اما عبارة “ثِيابه بِيضاً تَتَلألأُ” تشير الى المجد السماوي المُنعم به على المختارين الذين يصيرون كالملائكة (متى 28: 3). فالثياب المشعَّة هي إحدى علامات المجد السماوي التي تُمنح للمختارين. أما اللون الأبيض فإنَّه اللون السماوي للمسيح الذي لا يظهر خلال حياته على الأرض إلاّ في لحظة مميّزة، عند التجلّي، حين صارَت ثِيابه بِيضاً. فاللون الأبيض يشير الى لون القيامة والظفر. َاما عبارة “البَرْق” فتشير الى ان يسوع المسيح الذي يمرُّ في الألم، سوف يرى النور كما قال اشعيا (53: 11). اما العلاّمة ماكسيموس فيقول إن “الثياب التي أضحت بيضاء ترمز إلى كلمات الكتاب المقدس التي كادت تصبح واضحة وشفافة ونيرة”(PG 91, 1128)
30″وإِذا رَجُلانِ يُكَلِّمانِه، وهُما مُوسى وإِيلِيَّا”: تشير عبارة “مُوسى وإِيلِيَّا” الى الشاهدين للعهد الجديد أكثر منهما ممثلين، الواحد الشريعة، والآخر الأنبياء. إيليا هو سابق المسيح (ملاخي 3: 23)، ويطابق الانجيل بينه وبين يوحنا المعمدان (متى 17: 12) الذي قتله هيرودس (متى 14: 3-12). أمَّا موسى فقد عُرف في الدين اليهودي على مثال إيليا الذي صعد الى السماء (2 ملوك 2: 11) ومثال أخْنُوخ الذي اختطفه الله الى السماء (عبرانيين 11: 5).
” 31قد تَراءَيا في المَجد، وأَخَذا يَتَكلَّمانِ على رَحيلِه الَّذي سَيتِمُّ في أُورَشَليم.”: تشير عبارة “تَراءَيا في المَجد” الى موسى وايليا اللذين لم يظهرا بالروح بلا جسد، وإنما بهيئة جسميَّه كما كان يسوع. إن إيليا نقل بالجسد الى السماء (2 ملوك 2: 11) وأما جسد موسى فقد أقيم من الأموات (رسالة يهوذا، 9) وعاد كل منهما إليه بشكل سرّي. اما عبارة “المَجد” فتشير الى تمتع كل من ايليا النبي وموسى بالمجد، لأنَّهما أُشركا في عمل الله (خروج 34: 29-35). فالمجد يُمنح للمدعوين إلى العالم الآتي (1 تسالونيقي 2: 12)، امَّا يسوع فإنه يتمتع بهذا المجد في هذه الأرض ويمتلك هذا المجد منذ الآن قبل موته (لوقا 9: 32) وقيامته. واما عبارة ” أَخَذا يَتَكلَّمانِ ” فتشير الى حوار يسوع مع النبيّين موسى وإيليا حول الحدث الفصحيّ الذي يتمّ في أورشليم. وأمَّا عبارة “رَحيلِه” فتشير في اللغة اليونانية ἔξοδος الى خروجه. وتوحي بعمل موسى الذي قاد بني اسرائيل من البرية الى ارض الميعاد وتحدد رسالة يسوع لدى شعبه؛ فيسوع هو موسى الجديد الذي يحقق “الخروج الجديد” بموته وقيامته وصعوده، وهو يمكّن المؤمنين من الاقتراب من الله؛ وموضوع الخروج له اهتمام خاص لدى موسى وإيليا بسبب اختبارهما الشخصي. أمَّا عبارة “أُورَشَليم” فتشير هنا الى مكان آلام المسيح، ومركز تاريخ الخلاص.
32″وكان بُطرُسُ واللَّذانِ معَه قد أَثقَلَهُمُ النُّعاس. ولكِنَّهُمُ استَيقَظوا فَعايَنوا مَجدَه والرَّجُلَينِ القائميَنِ مَعَه،” : تشير عبارة “عايَنوا مَجدَه” الى الرسل الثلاثة الذين اكتشفوا كيان يسوع العميق ورسالته، بانتظار نور القيامة.
” 33حتَّى إِذا هَمَّا بِالانصِرافِ عَنه قالَ بُطرُسُ لِيَسوع: ((يا مُعَلِّم حَسَنٌ أَن نَكونَ ههُنا. فلَو نَصَبنا ثَلاثَ خِيَم، واحِدَةً لَكَ وواحدةً لِموسى وواحِدةً لإِيليَّا!)) ولم يَكُنْ يَدري ما يَقول “: تشير عبارة “يا مُعَلِّم ” מוֹרֶה في الأصل رابي רַבִּי أي ( العظيم )، وهو لقب يُطلق على علماء الشريعة ( مرقس 11: 21) وأمَّا عبارة “حَسَنٌ أَن نَكونَ ههُنا” فتشير الى التباس. هل الامر حسن لبطرس في فرحته، أم حسن ليسوع وإيليا وموسى الذين يريد بطرس ان يقدّم لهم مساعدة؟ على كل حال كلامه يدل على فرحته واهتمامه بخدمة الضيوف الثلاثة شأن ابراهيم (التكوين 18). أراد بطرس البقاء في ذلك المكان. وان يدوم المشهد. وأمَّا عبارة “خِيَم” فهي تلميح الى عيد الاكواخ او عيد المظال (خروج 23: 16)؛ لعل بطرس كان يفكر في عيد المظال، حيث كانت تُنصب الخيام للاحتفال بتذكار الخروج وخلاص الله لبني إسرائيل من العمودية في مصر. وفيه يتذكرون حضور الله وسط شعبه في البرية.
34وبَينَما هو يَتَكَلَّم، ظهَرَ غَمامٌ ظَلَّلهُم، فلمَّا دَخَلوا في الغَمام خافَ التَّلاميذ.”: تشير عبارة “غَمامٌ” الى علامة تجلي الله (2 ملوك 2: 7-8)، كما كان الامر على جبل سيناء (خروج 19: 16) وعلى خيمة الموعد (خروج 40: 34) وعلى الهيكل يوم تدشينه في زمن سليمان (1ملوك 8: 10). وامَّا عبارة ظَلَّلهُم” فتشير الى مجيء الله كما اختبره الشعب خلال مسيرة الخروج (خروج 40: 34–35). وما يحصل على جبل التجلي هو امتداد لما حصل على جبل سيناء. ولكن الجديد هو ان الله صار منظوراً في شخص يسوع.
35وانطَلَقَ صَوتٌ مِن الغَمامِ يَقول: ((هذا هوَ ابنِيَ الَّذي اختَرتُه، فلَه اسمَعوا)). تشير عبارة “هوَ ابنِيَ الَّذي اختَرتُه” الى البنوة الإلهية، وهو لقب أطلقه لوقا الإنجيلي على يسوع، وقد اقتبسه من أشعيا (49: 7) ، وقد ورد هذا اللقب في المؤلفات الرؤيوية اليهودية. أمَّا عبارة “فلَه اسمَعوا” فتشير الى يسوع النبي الذي يجب على الشعب كله ان يسمع له (اعمال الرسل 3: 22). وقد وردت هذه العبارة في عمَّاد يسوع وتشير ان يسوع هو الابن (مزمور 2: 7) والعبد المتألم (اشعيا 42: 1). والكلام في عمَّاد يسوع موجّه الى يسوع، أما في التجلي فالكلام موجّه الى التلاميذ ومن خلالهم الى الجموع.
36″وبَينما الصَّوتُ يَنطَلِق، بَقِيَ يَسوعُ وَحدَهُ، فالتَزَموا الصَّمْتَ ولم يُخبِروا أَحداً في تِلكَ الأَيَّامِ بِشَيءٍ ممَّا رَأَوا.” تشير عبارة “لم يُخبِروا أَحداً ” الى التلاميذ الذين لم يفهموا شيئا لذا صمتوا (لوقا 18: 34). أما عبارة “تِلكَ الأَيَّامِ” فتشير الى زمن رسالة يسوع في الأرض تمييزاً على الزمن للفصح حيث سيعلن الرسل سر المسيح. يُوضِّح لوقا ان السر لن يُكشف إلا بعد القيامة، وانَّ هذه الحدث لا يُفهم إلا بعد ظهور مجد سيدنا يسوع المسيح في قيامته من بين الأموات. وعليه فان التلاميذ حافظوا على السر حتى قيامة يسوع، حيث انَّ مسيرة آلام المسيح لا تفهم إلاّ في إطار مخطط الله الخلاصي الذي نكشفه في الكتب المقدسة.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي
بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 9: 28-36) نستنتج انه يتمحور حول تجلي يسوع في المجد أمام تلاميذه كابن الله وابن الانسان. ومن هنا نبحث عن أهميته التجلي في حياة يسوع والتلاميذ.
1) أهمية التجلي في حياة يسوع:
كشف التجلي ثلاث صفات عن يسوع: ابن الله وابن الانسان المتألم والمتمم الشريعة ووعود الأنبياء
أ) ابن الله
حادثة التجلي تُعد في قلب الانجيل، لأنها بالغة الأهمية في حد ذاتها لشخص يسوع. إنها تكشف مجد يسوع بإعلان ألوهيته، إذ أخذ يسوع معه بطرس ويعقوب ويوحنا الى قمة الجبل ليُريهم من هو بالحقيقة؛ فهو ليس مجرد نبي عظيم، بل ابن الله ذاته الذي طال انتظاره. وبناء عليه فإن التجلي يؤيد اعتراف بطرس الرسول أنَّ يسوع هو المسيح ابن الله الذي تمّ إعلانه في قيصرية فيلبس (لوقا 9: 18-21).
وظهر يسوع أنَّه ابن الله بصلاته على الجبل “مَضى بِبُطرسَ ويوحنَّا ويعقوبَ وصعِدَ الجَبَلَ لِيُصَلِّي” (لوقا 9: 28) ان هذه الكلمات تذكرنا في سيناء حيث “مُجِّد” موسى (خروج 34: 29-30). لا يظهر حضور الله هنا بتحدثه من وسط السحاب والنار (تثنية 5: 2-5)، وإنما في حضرة موسى وإيليا يظهر يسوع لتلاميذه متجلياً بمجد الله.
وظهر يسوع أيضا أنَّه ابن الله من خلال النور الالهي الذي كان يحمله يسوع على هذه الأرض وقد ظل مختبأ وراء تواضع جسده، لكنه ظهر في التجلي. إذ “تَبَدَّلَ مَنظَرُ وَجهه، وثِيابه البِيضاء المتلألئة كَالبَرْق” ؛ وهي أمور لا تخصُّ حالة البشر الارضية، إنما تعبِّر مقدما عن حالة المسيح القائم من بين الأموات، الذي سيظهر للرسول بولس في نور ساطع (اعمال الرسل 9: 3). والنور الذي أشعَّ به وجه المسيح، هو نور مجد الله ذاته (1 قورنتس 4: 6)؛ وحيث أنَّه ابن الله، فهو شعاع مجده (عبرانيين 1: 39). يسوع هو ابن الله، ومجده لا يعرف الفساد، ومنذ تجليه في لمعان ملابسه، حيث صارَت ثِيابه بِيضاً تَتَلألأُ كَالبَرْق (لوقا 9: 29) شوهد جسده في المجد (متى 17: 2). فالضياء في ملابسه علامة مجده (اعمال الرسل 22: 6-11) والمجد لا يظهر إلا عند كمال الايمان.
وعندما تجلَّى يسوع، أظهر الغمام أيضا حضور الله، حيث “ظهَرَ غَمامٌ ظَلَّلهُم، فلمَّا دَخَلوا في الغَمام” (لوقا 9: 34) كما كان يحدث في العهد القديم، واظهر الغمام أيضا مجد الابن (متى 17: 1-8). إن هذا المجد يثير رُعْب التلاميذ، وهو الخوف الديني الذي يعتري كلَّ إنسانٍ إزاء كل ما هو إلهي (لوقا 1: 29-30)، من ناحية، ومن ناحية أخرى، يُثير لدى بطرس فرحَه أمام مجد ذاك الذي اعترف به أنه المسيح الموعود به. لكن مجد المسيح لا يكتمل الا في قيامته من الأموات (لوقاً 21: 27)؛ وعليه فان التجلي ما هو الاَّ استباق لتجلي القيامة. بل صورة سابقة لمجد القيامة. هكذا بدا التجلي صورة لمجد ابن الله وهو مجد مخفي الآن، ولكنه سينكشف في القيامة وفي عودة يسوع، ابن الله.
وبعبارة أخرى، فإن الحقيقة الأساسية التي يكشفها لنا التجلي هي العلاقة القائمة بين المجد وشخص يسوع المسيح؛ فإن مجد الله كله حاضر فيه. فحيث انه ابن الله، فهو ” شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه “(عبرانيين 1: 3). إن مجد الله يتجلى “على وَجْهِ المسيح ” (2 قورنتس 4: 6)، ومنه يشعّ على جميع البشر (2 قورنتس 3: 18). هو ” رَبَّ المَجْد” (1قورنتس 2: 8)، هذا المجد الذي سبق ورآه إشعيا “وتكلّم عنه” (يوحنا 12: 41). فلم يكن يسوع مجرَّد واحداً من بين الأنبياء، بل ابن الله الوحيد الذي يفوق سلطانهم وقوتهم. الالوهية المسيح سر عظيم. وليس بالأمر السهل تأكيد مثل هذا السر وإثباته. فكان يسوع أنسانا، وكان من الصعب ان نعرفه لأول وهله انه كان الرب، الله محجوب، الله مستتر في ناسوته.
ب) ابن الانسان المتألم
لا يكشف التجلي ان يسوع هو ابن الله فحسب، انما أيضا انه ابن الانسان المتألم. تجليِّ يسوع امام تلاميذه في صورة من المجد والعظمة والجلال، وأضاء وجهه كالشمس ولمعت ثيابه كالثلج. إن ما رآه التلاميذ لم يكن بهاء اللاهوت فحسب بل كان مجد الناسوت الكامل الذي هو بلا خطيئة إذ لم يكن للموت حق عليه. وان الرب في تلك اللحظة كان مستعداً للرجوع الى السماء بدون الموت، لان الموت نتيجة للخطيئة، وكان هو بلا خطيئة. لكنه لم يرجع الى السماء لكي يشترك كإنسان فكمّل في سر الموت البشري كي ينجز فداء العالم وخلاصه.
وفي الواقع، كان حديث يسوع مع موسى وإيليا يدور حول “رحيله” الى أورشليم (لوقا 9: 31)، مكان العبور بالموت لدخول المجد (لوقا 24: 25-27)؛ فقد تَراءَيا في المَجد، وأَخَذا يَتَكلَّمانِ على رَحيلِه الَّذي سَيتِمُّ في أُورَشَليم (لوقا 9: 31). ان هذه الرحيل ما هو الاَّ موت يسوع وارتفاعه في المجد على الصليب. يرى لوقا في رحيل يسوع الى اورشليم طريق المجد بواسطة الصليب. وليس الغرض من هذه الرحيل مجرد الحجَّ الذي يقوم به أتقياء اسرائيل (لوقا 2: 46)، وإنَّما هو الرحيل المصيري الذي يشمل حقبة من حياة يسوع (لوقا 9: 51)). فالتجلي يسبق ويرمز إلى الحادث الفصحي، الذي عن طريق الصليب سيُدخل المسيح في كامل ازدهار مجده وكامل كرامته النبوية.
وكذلك الصوت الإلهي يأمر بأن يسمعوا لمن هو الابن، مختار الله “هذا هوَ ابنِيَ الَّذي اختَرتُه، فلَه اسمَعوا” (لوقا 9: 35) فان يسوع يُنعت بالمختار كما سينعت به على الصليب إذ “وقَفَ الشَّعْبُ هُناكَ يَنظُر، والرُّؤَساءُ يَهزَأُونَ فيقولون: ((خَلَّصَ غَيرَه فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَه، إِن كانَ مَسيحَ اللهِ المُختار!” (لوقا 23: 35). يرى لوقا في مسيح الله المختار “عبد الله المتألم” الذي تكلم عنه النبي اشعيا. ويخاطب الله عبده المتألم الذي احتقرته الأمم على لسان النبي اشعيا (49: 7). وقد يكون في هذا تلميح الى آلام المسيح (لوقا 23: 31). يتمته يسوع منذ التجلي بالمجد، لكنه لن يبلغ كاملا إلاَّ في موته (لوقا 9: 31). ويبدو ان التلاميذ لم يفهموا هذا السر (لوقا 9: 36)، إلاّ في نور القيامة (لوقا 24: 7). تجلى مجد الله لا في قيامة يسوع فقط، بل في حياته وخدمته وموته أيضاً. وأسمى ظهور مجد إلهي فيه تطلب عبور الألم والموت (لوقا 9: 28-36). فيسوع “يقدس ” نفسه مقدّماً ذاته للموت (يوحنا 17: 19)، بوعي تام (يوحنا 13: 1)، وبطاعة كاملة لأبيه (يوحنا 14: 31)،
ج) متمم الشريعة والانبياء
يؤيد التجلي وحي يسوع، ابن الإنسان المتألم والممجد، والذي بموته وقيامته يتمِّم الكتب المقدسة ونبواتها عن المسيح (لوقا 24: 44-46)، وذلك بترائي في المَجد مع مُوسى وإِيلِيَّا (لوقا 9: 31). كان موسى وإيليا من أعظم الأنبياء في العهد القديم. فموسى يمثل الشريعة، فقد كتب الاسفار الخمسة، وتنبأ عن مجيء نبي عظيم (تثنية 18/ 15-19)؛ ويشهد موسى للنبي المنتظر يسوع المسيح (لوقا 24: 27) فنجده بجواره عند التجلي (لوقا 9: 30-31). فبصفة يسوع، موسى الجديد، الذي يقود شعب الله للخلاص (لوقا 29: 31) فإنه يبلغ بالشريعة الى كمالها (متى 5: 17) لأنه هو غايته كما جاء في تعليم بولس الرسول “غايَةُ الشَّريعةِ هي المسيح، لِتَبْرير ِكُلِّ مُؤمِن” (رومة 10: 4). وأما إيليا فيمثل الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيء المسيح (ملاخي 4: 5: 6). ويبرهن ظهورهما مع يسوع انه يتمم كلا من الشريعة ووعود الانبياء، وأن الشريعة والأنبياء يجب أن يفسحا الطريق للمسيح ويؤيد ظهورهما أيضا رسالته السماوية.
اما صوت الآب ((هذا هوَ ابنِيَ الَّذي اختَرتُه، فلَه اسمَعوا)) فيذكّرنا بثلاث نبوات من العهد القديم: الأولى، تخص المسيح وبنوته الآلهة (مزمور 2: 7)، والأخرى تتعلق بعبد الله واختياره (اشعيا 42: 1)، والثالثة يعلن فيها عن موسى جديد (تثنية الاشتراع 18: 15): ” يُقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثْلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتكَ، فلَه تَسْمَعون “. فالسماع له هو في الواقع السماع للكلمة الذي صار جسداً، والذي يرى فيه المؤمن مجد الله (يوحنا1: 14).
2) أهمية التجلي في حياة التلاميذ
لم يلعب التجلي دوراً هاما في حياة السيد المسيح فحسب، انما لعب دور هام أيضا في حياة التلاميذ الروحية. وقد ترك أثرا بالغاً على الكنيسة الاولي (2 بطرس 1: 16: -18)، فقد ثبَّت إيمانهم الذي لولاه لتزعزع بعد شهادة بطرس ان يسوع هو المسيح ابن الله (لوقا 9: 18-22)، حيث أظهر التجلي ان فكرة المسيح المتألم لم تكن مناقضة لإعلان العهد القديم، بل كانت مطابقة تماما لشهادة الناموس والانبياء الذين كان موسى وإيليا يمثلانهم.
كما حثَّ التجلي التلاميذ على أهمية الاستماع للرب (لوقا 9: 35) عندما تكلم يسوع عن آلامه المقبلة، وهو ما لم يكن بطرس مستعدا ان يسمعه (مرقس 8: 29). طلب صوت الآب من التلاميذ ان يسمعوا له. “هذا هوَ ابنِيَ الَّذي اختَرتُه، فلَه اسمَعوا”(لوقا 9: 35). وكان هذا الصوت موجّه الى التلاميذ. جاءت كلمة الآب لتؤكّد صحة تعاليم يسوع. فعندما يقول يسوع لتلاميذه أنه سيتألم وسيموت وسيقوم، هذه حقيقية، يجب ان نسمعه ونؤمن بها.
وقد فهم تلاميذه “المقربين” من خلال التجلي من هو يسوع بصورة أفضل. لقد تغيَّرت هيئة المسيح بصورة درامية لكي يتمكن تلاميذه من رؤيته في مجده. فالتلاميذ الذين كانوا قد عرفوه فقط في جسده البشري أدركوا الآن ألوهية المسيح، رغم أنهم لم يفهموها بالكامل. وهذا أعطاهم الثقة والتأكيد الذي كانوا بحاجة إليهما بعد أن سمعوا الأخبار المفزعة عن موته المتوقع. إن يسوع كابن الله، له قوة الله وسلطانه، ولذلك ينبغي ان تكون كلماته المرجع الأخير. فعلينا ان نسمع ليسوع وليس لأفكارنا ورغباتنا الخاصة. سماعنا له ينبع من ثقتنا انه ابن الله.
وعرف التلاميذ ان يسوع يصعد الى أورشليم (متى 16: 21) فاراهم مجده السرِّي الذي هو اول صورة عن مجد القيامة. فالبعد الرمزي للتجلي يجعلنا نستشف نور القيامة التي تُخص آلام المسيح فتشهد على تحوّل عميق على مستوى نور القيامة التي تخصب آلام المسيح فتشهد على تحوّل على مستوى القيم التي ترافق مجيء الملكوت.
هذا التجلي عابر وقصير ومع ذلك، يُلح بطرس على ان تستمر هذه السعادة “يا مُعَلِّم حَسَنٌ أَن نَكونَ ههُنا” فلَو نَصَبنا ثَلاثَ خِيَم، لان بطرس كان يتمنى ان يكون هذا المشهد نهائي ويدوم. لكن كان يتوجب على التلاميذ ان ينزلوا من الجبل الى السهل، وان يسلكوا طريق الصليب ويتبعوا يسوع.
ولم يدرك التلاميذ ما رأوه الا بعد ان قام يسوع من بين الأموات، مُظهرا قوته على الموت وسلطانه ليكون ملكا على الكل. ولم يكن ممكنا للتلاميذ ان يكونوا شهودا أقوياء لله إلا بعد ان يدركوا هذه الحق أدراكا كاملا.
فالتجلي هو الصورة المسبقة لمجد المسيح هو مساندة التلاميذ عند اشتراكهم في سر الصليب. وإذ أصبح المسيحيون بالعماد شركاء في سر القيامة، الذي سبق أن التجلي رمزاً له، فإنهم مدعوون منذ الآن لأن يتجلوا على الدوام، أكثر فأكثر، بقوة الرب (2 قورنتس 3: 18)، انتظاراً لتجليهم الكامل مع أجسادهم يوم مجيء المسيح الثاني المجيد (فيلبي 3: 21). وخلال مشاركتهم لآلام المسيح فكل ملاقاة صحيحة صادقة مع الرب يسوع تلعب، في مساندة إيمانهم، الذي لعبه التجلي لتعزيز إيمان التلاميذ.
نحن نؤمن انه ” الله حق وإنسان حق”. و”الكلمة صار بشراً”. وامام هذه السر يتوجب علينا أحيانا ان نلوذ بالصمت. عرف التلاميذ انهم لم يدركوا تماما ما رأوه وما سمعوه، فلا يستطيعون تفسير ما لم يدركوه. الا انهم رأوا خلال فترة وجيزة بهاء ومجد يسوع الإلهي الذي ينير كل تاريخ الخلاص.
خلاصة
انفرد يسوع للصلاة على الجبل واصطحب الثلاثة من التلاميذ، وظهر في مجد عظيم وساعة نور مُظهرا نفسه انه المسيح المنتظر، ابن الله الحي في حُلَّة المجد، وفي الوقت نفسه تقترب فيه مأساة الصليب. ان المجد الذي ظهر فيه يسوع، ليس الا صورة رمزية عابرة لمجده في السماء. يسوع يتمتع بهذا المجد في هذه الأرض قبل قيامته (لوقا 9/32). وسيمنح “المجد” لجميع الذين سيُقبلون في العالم الآتي (1 تسالونيقي 2/12). وعليه فإننا لا نبلغ قمة المجد الا بالتضحية بالذات وحملنا الصليب وراء يسوع وإتباعه.
ولم ينسوا التلاميذ أبداً ما حدث على الجبل في ذلك اليوم. فكتب يوحنا في إنجيله يقول: ” فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد” (يوحنا 1: 14). وكتب بطرس أيضاً عن هذا: ” قد أَطلَعْناكم على قُدرَةِ رَبِّنا يسوعَ المسيح وعلى مَجيئِه، لا اتِّباعًا مِنَّا لِخُرافاتٍ سوفِسْطائِيَّة، بل لأَنَّنا عايَنَّا جَلالَه. فقَد نالَ مِنَ اللهِ الآبِ إِكرامًا ومَجْدًا، إِذ جاءَه مِنَ المَجْدِ-جَلَّ جَلالُه-صَوتٌ يَقول: ((هذا هو ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضيت)) وذاكَ الصَّوتُ قد سَمِعناه آتِيًا مِنَ السَّماء، إِذ كُنَّا معَه على الجَبَلِ المُقدَّس.” (2بطرس 1: 16-18). فهؤلاء الرسل شهدوا التجلي وحملوا الشهادة للتلاميذ الآخرين وإلى الملايين عبر الأجيال والقرون.
وحتى ندخل في هذه الأسرار مع التلاميذ المقربين، دعونا نُصغي إلى الصوت الإلهي المقدّس الذي يدعونا نحن ايضا الى يسوع المسيح الذي هو دليلنا والسائر أمامنا في الارض كما في السماء. لنتجدّد نحن آمنا به ربا والها ولنقل مع بطرس الرسول “يا مُعَلِّم حَسَنٌ أَن نَكونَ ههُنا”. أجل! يا بطرس، الحقّ أنّه من الجيّد أن نكون هنا مع الرّب يسوع، وأن نبقى معه دومًا.