Liturgical Logo

الأحد الثاني من زمن السنة (ج)

الأب لويس حزبون

يصف يوحنا الإنجيلي معجزة الخمر في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 1-11) كآية أولى فعلها يسوع لإظهار مجده الإلهي كي يؤمن به تلاميذه. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (إنجيل متى 2: 1-12)
1وفي اليَومِ الثَّالِث، كانَ في قانا الجَليلِ عُرسٌ وكانَت أُمُّ يَسوعَ هُناك.” تشير عبارة “اليَومِ الثَّالِث” الى ثلاثة أيام بعد الوعد الذي وَعد به يسوع نتانئيل (يوحنا 1: 51) كما تشير الى سبعة أيام بعد عماد يسوع في بيت عنيا (يوحنا 1: 28) فعلى غرار سفر التكوين بدأ يسوع انجيله في أسبوع رمزي للدلالة على الخلقية الجديدة. إذ ينتهي هذا الاسبوع بكشف كيان يسوع بأوَّل تجلِّ مجده من خلال معجزة عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 11). ويدلّ اليوم الثالث أيضا في الديانة المسيحية على قيامة الرب” وقام في اليوم الثالث، كما في الكتب”. والقيامة هي قمة ظهور يسوع على الأرض. أمَّا عبارة “قانا الجَليلِ” فتشير الى كفرقانا التي تبعد نحو 9 شرق الناصرة وعلى بعد 18 كم غرب بحيرة طبريا وفيها ا تمَّت أيضاالآية الثانية، وهي شفاء ابن خادم الملك (يوحنا 4: 46 -54). وقد بُنيت كنيسة في العهد الصليبي في موضع العرس آثارها باقية حتى الآن. والبعض يعتقد ان قانا، هي القرية اللبنانية جنوب بيروت في قضاء صور. وتشير عبارة “عُرسٌ” الى الاحتفال بالعرس الذي يمتد أسبوعا كاملا. اما عبارة “أُمُّ يَسوعَ” فتشير الى مريم العذراء التي يسمّيها يوحنا الإنجيلي باسم ابنها البكر (لوقا 2: 7) كما هي العادة في شرقنا. وقد سبقت مريم ابنها يسوع الى العرس، وذلك لكي تساعد اهل العريس.
2فدُعِيَ يسوعُ أَيضاً وتلاميذُه إِلى العُرس” تشير عبارة “تلاميذه” الى خمسة منهم، وهم: اندراوس وبطرس وفيليبس ونثنائيل ويوحنا الإنجيلي ( (يوحنا 1: 35-51). اما بقية التلاميذ الاثني عشر لم يكونوا تتلمذوا بعد ليسوع.
3ونَفَذَتِ الخَمْر، فقالَت لِيَسوعَ أُمُّه: لَيسَ عِندَهم خَمْر” تشير عبارة “نَفَذَتِ الخَمْر” الى نقص الخمر على مستوى الضيافة. إذ كانت احتفالات الزواج تتمُّ على مدى أسبوع بأكمله. وكانت المآدب تقدم لضيوف كثيرين. فنفاذ الخمر ورطة كبرى. فعرفت مريم بالنقص الخمر واخبرت ابنها وكأنها تنتظر منه ان يفعل شيئاً. أما في مفهوم الملكوت فالخمر ضروري من أجل العيد (اشعيا 24: 7).
4فقالَ لها يسوع: ما لي وما لَكِ، أَيَّتُها المَرأَة؟ لَم تَأتِ ساعتي بَعْد” تشير عبارة “ما لي وما لَكِ” إلى تباعد في وجهات النظر. فيسوع لا ينظر الى حاجة بسيطة في عرس، بل الى ساعته، ساعة الآلام والموت والقيامة. فالمعجزة إذا تمَّت فتدل على تميم ارادة ابيه السماوي، أما مريم هنا ما هي الاّ الوسيطة او الشفيعة. اما عبارة ” المَرأَة؟” فلا تشير الى قلة احترام، لان اللفظة ” يا امرأة” لا تتضمن حتما أي توبيخ انما هو مطابق للعادات (يوحنا 4: 21)، فهي تعني السيدة. اما في مفهوم انجيل يوحنا مريم فتوحي لفظة “المرأة” الى المرأة الثانية مقابل حواء المرأة الأولى؛ ومعها يبدأ نسل جديد هو يسوع، بكر الخلائق كلها (قورنتس 1: 15). أما عبارة “ساعتي” فتشير في انجيل يوحنا على الوقت الذي حدده الآب لظهور مستبق لمجد يسوع الإلهي من خلال الآيات والمعجزات، وتدل على ساعة الصليب، لأن الصليب هو عبور الى المجد “أَتَتِ السَّاعَةُ الَّتي فيها يُمَجَّدُ ابنُ الإِنسان” (يوحنا 12: 23).
5فقالَت أُمُّه لِلخَدَم: ((مَهما قالَ لَكم فافعَلوه)). تشير عبارة “افعلوا” الى إصرار مريم في إيمانها وثقتها. فهي لم تقطع الرجاء بل استعدّت ان تعمل بمشيئة ابنها يسوع فدعت الخدم ان يعملوا مثلها. فالطاعة تصنع المعجزات.
6وكانَ هُناكَ سِتَّةُ أَجْرانٍ مِن حَجَر لِما تَقْتَضيه الطَّهارةُ عِندَ اليَهود، يَسَعُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِقدارَ مِكيالَينِ أَو ثَلاثَة. تشير عبارة” أَجْرانٍ” الى أجاجين للاستعمال الطقسي في الديانة اليهودية. اما عبارة “مِكيالَينِ أَو ثَلاثَة” فتشير الى سعة المكيال نحو 40 لترا. فهناك في الاجاجين الستة ما يتسع نحو 375 لترا من الماء. واليهود كانوا بحاجة الى مثل هذه الكمية الكبيرة من الماء للتطهير او الاغتسال الشرعي الطقسي لأنهم يتنجّسون رمزيا بلمسهم مواد الحياة اليومية واتصالهم الاجتماعي، فيتطهرون بغسل أيديهم. “لأَنَّ الفِرِّيسِيِّينَ واليهودَ عامَّةً لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغسِلوا أَيدِيَهُم حتَّى المِرفَق، تَمَسُّكاً بِسُنَّةِ الشُّيوخ. وإذا رجَعوا مِنَ السُّوق، لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغتَسِلوا بِإِتْقان. وهُناكَ أَشياءُ أُخرى كَثيرةٌ مِنَ السُّنَّةِ يَتمسَّكونَ بها، كَغَسْلِ الكُؤُوسِ والجِرارِ وآنِيَةِ النُّحاس” (مرقس 7: 3-4) وبالتالي توحي هذه الاجران الى تطهير مسيحاني.
7فَقالَ يسوعُ لِلخَدَم: ((امتلأوا الأَجرانَ ماءً)). فمَلأُوها إِلى أَعْلاها. 8فقالَ لَهم: ((اِغرِفوا الآنَ وناوِلوا وَكيلَ المائِدَة)). فناوَلوه، 9فلَمَّا ذاقَ الماءَ الَّذي صارَ خَمْراً، وكانَ لا يَدري مِن أَينَ أَتَت، في حينِ أَنَّ الخَدَمَ الَّذينَ غَرَفوا الماءَ كانوا يَدْرُون، دَعا العَريسَ”. تشير عبارة “الماءَ الَّذي صارَ خَمْراً” الى ان مياه التطهير لدى اليهود صارت خمرة العهد الجديد من أجل عالمٍ جديدٍ (مرقس 14: 13-25). وهنا نتساءل من اين جاءت هذه الخمرة؟ فالعريس لا جواب له. اما الخدم فكانوا يعرفون، ولكن لا نعرف إن آمنوا؛ امَّا التلاميذ فآمنوا. ولا زالت الكنيسة تشرب من خمرة عرس قانا الجليل المحوّل الى دم المسيح حتى عودته. اما عبارة “العريس” فقد تشير الى سمعان (متى 10: 4) وقيل انه بعد تلك الآية قام وترك كل شيء وتبعه فكان من تلاميذه الاثني عشر ولُقِّب بسمعان الغيور (لوقا 6: 15). فقد صار عروسًا للعريس الحقيقي الرب يسوع المسيح كما صرّح يوحنا ان يسوع هو العريس الحقيقي (يوحنا 3: 29). والعريس هو المسيح المصلوب الذي يُثبت العهد الجديد بدمه “هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي” (1 قورنتس 11: 25)؛ علما ان اسم “عريس” هو أحد الأسماء التي اتخذها الله لنفسه (اشعيا 54: 5) وقد انطلق يسوع على نفسه هذه اللقب “سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعْ العَريسُ مِن بَيْنِهم”(متى 8: 15).
10وقالَ له: ((كُلُّ امرِىءٍ يُقَدِّمُ الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ أَوَّلاً، فإِذا سَكِرَ النَّاس، قَدَّمَ ما كانَ دونَها في الجُودَة. أَمَّا أَنتَ فحَفِظتَ الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ إِلى الآن)). تشير عبارة “الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ إِلى الآن” الى الخمرة الذي يحتفظ بها الله الى ازمنة الأخيرة أي الى زمن يسوع المسيح. أما الخمر فيتميز بكونه “يفرح قلب الإنسان ” (مزمور 104: 15). وهو أحد عناصر الوليمة الخاصة بالمسيح المنتظر، ولكن أيضاً، وقبل كل شيء جزءاً من عشاء الافخارستيا، حيث يغترف المؤمن الفرح من محبة المسيح. والسعادة التي وعد بها الله مؤمنيه، يعبّر عنها غالبا في صورة وفرة الخمر الكثيرة (عاموس 9: 14). وفي العهد الجديد يرمز الخمر الجديد الى ازمنة المسيح. فقد صرّح المسيح ان العهد الجديد المؤسس في شخصه، خمر جديد يشق الزقاق القديمة (مرقس 2: 22). فإن خمر العرس في قانا الجليل يُظهر أنَّ خمر العرس، هو الخمر الطيب المنتظر “حتى الآن”؛ وهو هبة محبة المسيح، وعلامة الفرح الذي يحققه مجيء المسيح (يوحنا 2: 10). وأخيرا نجد ” الخمرة الجديدة” في الوليمة في آخر الأزمنة التي يخص بها يسوع المؤمنين في ملكوت أبيه وهي الافخارستيا. فقبل ان يشرب المسيحي المؤمن الخمرة الجديدة في ملكوت الله، سيشرب على ممر الأيام، الخمرة التي تحوّلت الى الدم المسكوب في مخلصه (1 قورنتس 10: 16).
11هذِه أُولى آياتِ يسوع أَتى بها في قانا الجَليل، فأَظهَرَ مَجدَه فَآمَنَ بِه تَلاميذُه.” تشير عبارة ” أُولى آياتِ يسوع” الى برهان قاطع ضد الاناجيل الابوكرافية التي ورد فيها عن معجزات عملها يسوع وهو طفل. اما عبارة “آياتِ” باليونانية σημεῖον فتختلف عن اللفظة δύναμις ” (اعمال قدرة) او عمل القوة. فالمعجزة تدل على عمل قدرة يسوع δύναμις. أمَّا الآيات فتشير الى معجزات تعلن مجد يسوع وتشهد على افتتاح الزمن المسيحاني (متى 12: 38). فالمسيح بدأ نظاما جديدا في العالم. فقد اعتبر يوحنا الإنجيلي المعجزة آية أي فعل رمزي على غرار العهد القديم (اشعيا 66: 19) بحيث تدل المعجزة على حدث يُمكن المؤمنين من الشعور منذ الآن بمجد يسوع في الأزمنة الأخيرة ودعوة الجميع البشر للتعرف على يسوع كابن الله. أما عبارة “َآمَنَ بِه تَلاميذُه” فتشير الى أنّ الايمان هنا جاء نتيجة للمعجزة. عندما شاهد التلاميذ معجزة يسوع آمنوا به. فالمعجزة ليس مجرد عمل فائق للعقل البشري، لكنها تبدي قوة الله وتولّد الايمان وتجدد الخليقة.
12ونَزَلَ بَعدَ ذلكَ إِلى كَفَرناحوم هو وأُمُّه وإِخوَتُه وتَلاميذُه، فأَقاموا فيها بِضعَةَ أَيَّام” تشير عبارة “نَزَلَ” الى أن موقع قانا الجليل اعلى من كفرناحوم الواقعة على شاطئ البحيرة. أما عبارة “كفرناحوم” فتشير الى مدينة هامة لإقامة السيد المسيح خلال خدمته في الجليل. إذ كان موقعها على طريق رئيسي للتجارة وفيها حامية رومانية ومركزا لجباية الضرائب. وفيها تمّت دعوة متى ليصير تلميذا ليسوع (متى 9:9)، كما كانت موطنا لعدة تلاميذ آخرين (متى 4: 13)، ومقراً لرجل من حاشية الملك (يوحنا 4: 46). وكان فيها مجمع كبير. وبرغم من أن يسوع قد جعل منها مركزاً لأعماله، إلا أنه أدانها لعدم إيمان أهلها به (متى 11: 23). اما عبارة إِخوَتُه” فتشير الى أبناء عمومته كما هي العادة المتبعة في الشرق.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 2: 1-11)
بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 2: 1-11) نستنتج انه يتمحور حول ثلاث نقاط وهي : ساعة مجد المسيح، وساعة ايمان التلاميذ وساعة تضامن مريم، ام يسوع.
1) ساعة مجد للمسيح
11هذِه أُولى آياتِ يسوع أَتى بها في قانا الجَليل، فأَظهَرَ مَجدَه (يوحنا 2: 11). إن كلمة المجد في النص العبري من الكتاب المقدس وردت بلفظة “כְבוֹד”. وهي تفيد الثقل والوزن أي الاحترام. فمجد الله في العهد القديم يدل على تجليه بعظمته وسلطانه وبهاء قداسته وقوة عمله وقدرته التي تتجلى للإنسان من خلال الأحداث (خروج 16: 10). وإن مجد الله كله حاضر في شخص يسوع المسيح. فيما انه ابن الله، فهو “شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه”(عبرانيين 1: 3). إن مجد الله يتجلى “على وجه المسيح” (2 قورنتس 4: 6)، ومنه يشعّ على جميع البشر (2 قورنتس 3: 18). هو “رب المجد” (1 قورنتس 2: 8)، هذا المجد الذي سبق ورآه إشعيا النبي “وتكلّم عنه” (يوحنا 12: 41). وبعبارة أخرى، كلمة المجد تُحدد كيان المسيح، الابن الواحد للآب، الممتلئ نعمة وحقا كما جاء في مقدمة الانجيل “الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ” (يوحنا 1: 14).
وإنجيل يوحنا يكشف لنا بوضوح المجد في حياة يسوع وموته، فيسوع هو الكلمة المتجسد. في جسده يسكن ويسطع مجد ابن الله الوحيد (يوحنا 1: 14). ويتجلى هذا المجد في الاتحاد المتسامي بين يسوع وأبيه الذي أرسله” (يوحنا 10: 30). فأعمال يسوع هي أعمال الآب، الذي في الابن، “يأتي بها” (يوحنا 14: 10) ويعلن فيها مجده الذي هو نور وحياة للعالم. ويسطع هذا المجد بنوع خاص في آلام المسيح. فالآلام هي ساعة يسوع، وأسمى ظهور مجد إلهي فيه. فيسوع “يقدس ” نفسه مقدّماً ذاته للموت (يوحنا 17: 19)؛ فالماء والدم الخارجان من جنب المسيح، يرمزان إلى خصوبة موته، الذي صار منبع حياة، وفي هذا يقوم مجده (يوحنا 7: 37-39). والعهد الجديد يحتفظ بالمجد لابن الانسان الذي سيأتي ببهاء مجده على الغمام في آخر الأزمنة.
ويظهر هذا المجد من أول معجزة في عرس قانا الجليل” (يوحنا 2: 11). ويخص انجيل يوحنا المسيح المقيم بيننا بهذا المجد؛ فيصف عجائب المسيح كآيات تظهر ان الله حاضر فيه، يعمل ويتجلى ويأتي لكي يخلصنا؛ وهذا هو معنى أُولى آياتِ يسوع الذي أَتى بها في قانا الجَليل، فأَظهَرَ مَجدَه (يوحنا 2: 11). وفي قانا الجليل كانت أول معجزة يسوع بتحويل الماء الى خمر، وفي اورشليم كانت آخر معجزاته بتحويل الخمر الى دم. في العشاء الأخير قدّم السيد المسيح آخر قطرة من دمه. إنها الخمرة المسيحية، إنها العهد الجديد الذي يريد الله ان يقطعه مع بني البشر بدمه على الصليب. فاظهر مجده فعلم التلاميذ ان عيد الفصح قد بدأ حقا.

2) ساعة ايمان للتلاميذ
“فَآمَنَ بِه تَلاميذُه” (يوحنا 2 :11). إن هدف انجيل يوحنا هو إعلان سر المسيح وحمل الناس على الايمان بشخصه في الدرجة الأولى كما صرّح يوحنا الإنجيلي: “وأتى يسوعُ أَمامَ التَّلاميذ بِآياتٍ أُخرى كثيرة لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب، وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه” (يوحنا 20: 30).
من خلال معجزة قانا الجليل أراد يسوع أن يقوّي إيمان تلاميذه الجُدُد برسالته السماويّة. فقد تبعَ يسوعَ خمسةُ رجال وأرادوا أن يكونوا لـه تلاميذ. وكان يسوع يعرف أنَّهم كانوا بحاجةٍ إلى برهان يُبيّن لهم أنّهم لم يُخطئوا في اتّباعه والبقاء معه. فاغتنمَ هذه الفرصة، وقدَّم لهم البرهان الذي يُزيل عنهم كلَّ تردّد، ويؤكّد لهم أنّهم كانوا على صواب عندما لبّوا دعوته وانضمّوا إليه. وكان البرهان الذي قدّمه لهم أنه صنع معجزةً لا يصنعها إلاّ الله وحدَه. واطّلع الرجال الخمسة مع أهل العرس على هذه المعجزة فمجّدوا قدرته الفائقة وآمنوا به وتبعوه نهائيّاً.
إن الإيمان هو منبع ومركز للحياة الدينية. وعلى الإنسان أن يتجاوب بالإيمان مع مخطط الله الذي يحققه على ارضنا وفي تاريخنا. وانجيل يوحنا هو إنجيل إيمان. ففيه يتركز الايمان، اول ما يتركز في يسوع ومجده الإلهي. وتلاميذ المسيح هم “الذين آمنوا به” (أعمال 2: 44) “والذين يؤمنون” (1 تسالونيقي 1: 7). لقد كان باستطاعة جميع الحاضرين في عرس قانا الجليل “أن يسمعوا ويروا” (متى 13: 13) كلمة يسوع ومعجزته التي تعلن مجيء الملكوت (11: 3 – 6). ولكن، أن يرى الناس حقاً، ويؤمنوا (مرقس 1: 15)، إنما كان ذلك ميزة اختص بها التلاميذ (يوحنا 2: 11).
هذه هي المرّة الأولى التي يعلن فيه يوحنا الإنجيلي ان تلاميذ يسوع “يؤمنون به”. وكان ذلك باكورة ايمانهم. وقد بلغت ذروتها في عيد الفصح “فَرأَى وآمَنَ “(يوحنا 2: 8-28). فالإيمان الذي يتكلم عنه يوحنا الإنجيلي يؤلف جماعةً من التلاميذ حول يسوع (يوحنا 10: 26-27). وعلى أثر توجيه يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 34-35) اكتشف تلاميذه مجد يسوع في قانا الجليل من خلال ايمانهم (يوحنا 2: 11). “فقبلوا كلام المسيح” (يوحنا 12: 46-47) و”سمعوا صوته” (يوحنا 10: 26-27) وتبثوا ايمانهم بفم بطرس في كفرناحوم (يوحنا 6: 68).
أما التلاميذ الذين عاينوا الآية وآمنوا فهم: أندراوس ويوحنا اللذين تبعا يسوع استنادا على شهادة يوحنا المعمدان “هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يوحنا 1: 29)؛ واندراوس اقتاد أخاه سمعان بطرس الى يسوع. ثم دعا يسوع فيلبس الذي جلب بدوره نتنائيل من قانا (يوحنا 1: 35-51) وهؤلاء جميعا رافقوا يسوع الى العرس حيث كانت أمه مريم قد سبقتهم، ومن اجلهم عمل يسوع هذه الآية. فعبَّر هؤلاء التلاميذ عن إيمانهم بالقاب أطلقوها على يسوع. فجات شهادة اندراوس بقوله ” وَجَدْنا المَشيح ومَعناهُ المسيح” (يوحنا 1: 41)، وشهادة فيلبس ” الَّذي كَتَبَ في شأنِه موسى في الشَّرِيعَةِ وذَكَرَه الأنبِياء، وَجَدْناه، وهو يسوعُ ابنُ يوسُفَ مِنَ النَّاصِرَة” (يوحنا1: 45)؛ ثم شهادة نتنائيل “راِّبي، أَنتَ ابنُ الله، أَنتَ مَلِكُ إِسرائيل” (يوحنا 1: 49) وختم يسوع هذه الشهادات معلناً نفسه ابن الانسان ” ستَرونَ السَّماءَ مُنفَتِحَة، وملائِكَةَ اللهِ صاعِدينَ نازِلينَ فَوقَ ابنِ الإِنْسان” (يوحنا 1: 51).
فإنَّ أيمان التلاميذ يؤلف بواكير الايمان الجديد. وعليه ينبغي ان نؤمن بيسوع (يوحنا 4: 39) وباسمه (يوحنا 1: 12). فالإيمان يجب أن يبلغ إلى الحقيقة غير المرئية لمجد يسوع، دون حاجة إلى رؤية العلامات الكثيرة التي تُظهره (يوحنا 2: 11-12). وإلحاح يوحنا هذا على الإيمان وعلى أهميته، يفسّره هدف إنجيله بالذات: الا وهو حمل قرّائه على أن يشاركوه إيمانه أن “يسوع هو المسيح، ابن الله” (يوحنا 20: 31)، وعلى أن يصيروا أبناء الله بفضل الإيمان “بالكلمة” المتجسد (يوحنا 1: 9-14).
وعليه فإنه لمّا حوّل يسوع الماء الى خمر أظهر ألوهيته ومجده. واظهر نفسه المسيح، والعريس، ومؤسس العهد الجديد، فقد صب يسوع الخمرة الجديدة “الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ إِلى الآن” (يوحنا 2: 10) أي الذي يحتفظ بها الله الى الأزمنة الأخيرة. فوفرة هذه الخمرة وجودتها هما صورة لعطاء الله وتجديد كل شيء بالمسيح. يتجلّى مجد الربّ بجودة الخمر وفيضه الذي يكشف مَحبّة الله. وفي هذا الصدد قال أحد مفسري الكتاب المقدس: “سر قانا الجليل قائم على وجود المسيح، العريس الحقيقي، المستتر، او بالأصح الذي بدأ يُظهر نفسه”.
3) ساعة تضامن مريم، ام يسوع
يحيط انجيل يوحنا حياة يسوع بمشهدين يُبرز فيهما دور مريم في تضامنها مع يسوع ابنها. في المشهد الأول في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 10-12) يُحدِّد يسوع دور مريم كمؤمنة، وفي المشهد الثاني في الجلجلة (يوحنا 29: 25: 27) يحدد يسوع دور مريم كأم لتلاميذه.
في المشهد الأول عرفت مريم كيف تكون حاضرة لحضور الله، عرفت كيف تسمع كلمة الله وتعمل بها. فكما ولدت مريم يسوع، هكذا في قانا، ساعدت ابنها ثانيةً كي يُولد في حياته العَلنية، ليبدأ رسالته ويُظهر مجده. فدور مريم رئيسي، فهي التي لفتت انتباه يسوع الى نقص الخمر. وبالرغم من تباين وجهتي النظر بين يسوع وأمه حول ساعته لعمل المعجزات ولخلاص البشر، فقد خضعت بكل كيانها لسر تلك الساعة؛ إنها التلميذة الأولى. وتوجّهت مريم بالكلام إلى الخدم في العُرس كي يتقيّدوا بأوامر يسوع ” مَهما قالَ لَكم فافعَلوه “. وقبلت ان تكون خادمة. فوقفت بقرب ابنها، وأرشدت الناس، بإيمانها وطاعتها واستسلامها الى طرق الحياة الجديدة وفتحتها لهم. فبالرغم من أن مريم لم تدرك ما كان يسوع سيفعله، إلا أنها وثقت به. فاستبق يسوع ساعته فخلق خمر الاعجوبة كآية لمجد وهبة العهد الجديد بدمه. فالأعجوبة هي جواب لطاعتها وإيمانها. من يؤمن بيسوع، وإن وجد نفسه في بعض المواقف لا يفهمه، عليه ان يواصل الثقة في أنه يعمل بأفضل الطرق.
وكما كانت مريم موجودة في عرس قانا الجليل كذلك كانت مريم واقفة عند قدمي المصلوب في ساعة انتقاله الى أبيه وقد اقترب عيد الفصح (يوحنا 13: 19) فتكرَّست بكلمة ابنها يسوع أماً لكل التلاميذ. ويدعو يسوع أمّه مرّةً أخرى “امرأة” وهي واقفة عند الصليب تُمثّل الإنسانيّة المخلَّصَة (يوحنا 19: 26). ففي قانا كانت بداية عُرس الحَمَل، واما على الصليب فكان اكتمال العرس. ولم تتردّد مريم بأن تضحّي بواقع أنّها “أمّ يسوع” لتُصبح “امرأة” شعبها، حَواء الجديدة، المرأة الّتي تبدأ معها رسالة الخلاص.
وعليه فإن دور مريم يعكس سر يسوع الذي لا يمكن فصله عن مريم امه التي ارتضى ان يولد منها (غلاطية 4: 4). وعليه فيمكن ان نرى في مريم، أم يسوع “المرأة النموذجية: التي تتمنى كل امرأة في قلبها ان تتمثل بها. إنّ هذه المعجزة قد حملت أبناء الكنيسة، منذ القرون الأولى، في الشرق والغرب، على أن يتضرّعوا إلى مريم العذراء ويسألوا شفاعتها التي لا تُخزى. لقد فهموا أن شفاعتها لا تتعارض مع شفاعة يسوع ولا تنوب منابها. فإنه يتبنَّى شفاعة أُمّه العذراء ويحملُها إلى الله الآب، ويجعلُها مع شفاعته شفاعةً واحدةً ووساطةً واحدةً، فيبقى هو الشفيع الأصيل والوسيط الأوحد بين الله والناس، كما ذكر بولس الرسول ذلك في رسالته الأولى إلى طيموتاوس: ” إنَّ اللهَ واحدٌ، والوسيطَ بينَ اللهِ والناسِ واحدٌ، ألا وهو المسيحُ يسوعُ الإنسان “. (1 طيموتاوس 22: 5).
خلاصة
معجزة قانا الجليل هي اولى آيات يسوع. وفي هذه الآية ظهرت ساعة مجد ليسوع وساعة إيمان للتلاميذ وساعة تضامن امه مريم. إن رموز عرس قانا الجليل بما فيها من “عرس” و “خمر” و “اليوم الثالث” و “الساعة” تحملنا الى إدراك مكانة عرس يسوع، الحمل الذبيح وقيامته في اليوم الثالث. وأما إيمان التلاميذ فيفسح المجال لإيمان الكنيسة. وأما مريم، ام يسوع فتصبح اماً للبشرية.
فمن واجبنا ان نُندّد بالخطيئة” التي تحجب مجد الله (إشعيا 52: 5) من ناحية، ومن ناحية أخرى ان نعترف بمجد الله (مزمور 147: 1) بالمسيح يسوع ابنه، لأن فيه نقول لله: آمين، إكراماً لمجده” (2 قورنتس 1: 20). وبه يرتفع “لله” المجد أبد الدهور” (رومة 16: 27). ولله نقدم المجد من أجل ميلاده (لوقا 2: 20)، ومن اجل معجزاته (مرقس 2: 12)، ومن أجل موته (لوقا 23: 4). وفي المسيح يسوع يرتفع التمجيد للآب على مدى جميع الأجيال والدهور (3: 21). كما ان مجد الله يتجلّى في كلام مريم إلى الخدم وإلى كلّ منّا “مَهما قالَ لَكم فافعَلوه”. ومن خلال أيماننا، سيتمكّن مجد الله من أن يتجلّى.
اما الخمر الجديدة التي حوَّلها الرب يسوع فتشير إلى سر الافخارستيا إذ نشرب خمرا جديدة قدَّسها الرب يسوع ومنحنا إياها دما كريما للعهد الجديد الذي له “لَن أَشرَبَ بعدَ الآن مِن عَصيرِ الكَرْمَةِ هذا حتَّى ذلك اليَومِ الَّذي فيهِ أَشرَبُه مَعَكُم جَديداً في مَلكوتِ أَبي ” (متى 26: 29). الخمرة التي صيَّرها الرب في عرس قانا الجليل لابد أنها انتهت أخيرًا. أما الخمرة الجديدة (دمه الكريم) التي يعطينا إياها فهي حياة أبدية. العرس انتهى أما عرسه السماوي وفرح قلوبنا فهو بلا نهاية ولا انقضاء الى دهر الدهور كلها.
وأخيرا فقد اشترك يسوع في أفراح عرس قانا الجليل ليقدِّس الزواج المسيحي بحضوره، ويرفعه من درجة عَقْدٍ طبيعي بين الرجل والمرأة إلى مقام سرٍّ إلهيّ يكون مجلبةً للنِعَمِ الكثيرة التي يحتاج إليها المتزوِّجون طَوال أيام حياتهم، فيستطيعون بفضلها أن يعيشوا عيشةً مقدّسة، ويتحمّلوا بصبرٍ ومودَّة متبادَلة أعباء الحياة المشتركة، ويربّوا أولادهم تربية صالحة.