الأحد الحادي والثلاثون من زمن السنة (أ. مدروس)
الأب بيتر مدروس
يدعو كليم الله موسى الشّعب العبري بفعل أمر: “إسمع يا يسرايل: ان الرب (يهوه) إلهنا ربّ واحد”. العبارة في العبرية هي יהוה אחד وتُقرأ عند اليهود وتُتلى “أدوناي أيحاد” تجنّبا لذِكر “يهوه” أحد أسماء الجلالة. وأحسنَ النقل العربيّ إذ كتب “ربّ واحد” بما أنّ “أحد” في العربيّة تستوجب مضافا إليه كقولك “أحد الأسياد” أو “أحد الرؤساء” وما إلى ذلك. وفي مكان آخر ، نقرأ “الأحد” مع أل التعريف – وكلا العبارتين تؤدّيان تماما معنى العبرية “إيحاد”.
“فأحبب الرب إلهك بكلّ قلبك”. لأوّل وهلة لا يرى المرء علاقة مباشرة أو واضحة بين وحدانيّة الله (التي يردّدها معشر اليهود المتديّنين مرّتين في اليوم والعالم الإسلامي خمس مرأت) وبين المحبّة لله. ولكنّنا قوم العهد الجديد وأهل الكتاب والكلمة المتجسّد، أطلعنا بالوحي والإلهام السيّديين عن طريق الرب يسوع الكلمة على “السّرّ المكتوم في الله منذ الدهور” وهو كما أخبرنا الرسول الحبيب يوحنا أنّ “الله محبّة”. هنا يصبح الكلام كامل الوضوح والمنطق: بما أن الإله الواحد محبّة فأحبب الرب إلهك!
ولا يناقض ثالوثنا أو “الوحدة الثلاثية” المسيحيّة وحدانية الله بما أن الأب والابن وروح القدس هو الله وكلمته (يوحنا 1 : 1) وروحه (تكوين 1 : 2 وتابع).
عندما سأل أحد الكتبة سيّدنا يسوع المسيح عن أكبر وصيّة رمى شبكة رجا أن يقع فيها الناصريّ ليخيّره ويحيّره بين الوصايا العشر الإلهية وتوصيات الربابنيين الحاخاميين التي كان يصل عددها إلى ستمئة وثلاث! ولكنّ العبقرية الربانية الإلهية في المسيح لخّصت “في المحبّة كمال الشريعة”: المحبة لله الواحد وللقريب وحبّ النفس من غير مبالغة ولا مغالاة ولا أنانية ولا كبرياء ولا غرور.
عجّل الرب يسوع في زيادة الوصية الثانية والثالثة:”وقريبك أحببه كنفسك” كاختبار عمليّ لإيمان البشر. المعلّم الأزلي الخالد أدرى الناس بما في البشر ويعرف أن الطبيعة البشرية انحرفت وقد جرحتها الخطيئة وقد أعمى بصيرتها الإثم والكبرياء! يعي يسوع أكثر من أيّ إنسان آخر أنّ البشر يمكن أن يتشدّقوا بعبادتهم للإله الواحد وفي نفس الوقت يمكن أن يحتقروا سواهم ويهمّشوهم ويضطهدوهم وحتّى يقتلوهم “وهم يتوهّمون أنهم يقرّبون لله قربانا”! وهذه مع الأسف والحزن الشديدين خبرتنا اليومية كمسيحيين في العالم خصوصا في المشرق وأفريقيا: يتّهمنا قوم أننا “جوييم، عوبدي أليليم” أي عبدة أصنام ، أو كفّارا أو مشركين. وتكفي تلك التهمة لوضع الكثير من الضغوط علينا والقيود. ويصل الاضطهاد في بعض الأماكن إلى قتل المسيحيين أفرادا وجماعات حتّى في هذا القرن الميلادي الحادي والعشرين كما نرى في نيجيريا على سبيل المثال لا الحصر.
يضع القديس يوحنا الرسول الحبيب إيماننا على المحكّ: أتحبّ قريبك الذي تراه؟ إذا كرهته فأنت غير قادر على محبة الإله الذي لا تراه! ويبيّن السيّد له المجد لأحد الكتبة – في مَثَل السّامريّ الرّحيم (لوقا 10 : 25 وتابع)- أنّ كل إنسان قريبنا أو يجب أن نعدّه كذلك.
في سنة الإيمان هذه – التي افتُتحت رسميا في أبرشيتنا البطريركية اللاتينية المقدسيّة في مزار “السيّدة العذراء مريم سلطانة فلسطين” في دير رافات على الطّريق بين القدس عاصمة مسيحيّتنا ويافا – فلنعلمنّ مع رسول الأمم الإناء المختار أنه “لو كان لنا الإيمان حتّى نقلنا الجبال وما كانت فينا المحبّة فلسنا شيئا” (عن الأولى إلى القورنثيين 13 : 3). ونقول للمتحمّسين “المسيحيّين” الجدد للختان: “في المسيح يسوع لا الختان ينفع ولا القلف بل الإيمان العامل بالمحبّة” (غلاطية 5 : 6).