Liturgical Logo

الأحد الخامس والعشرون من زمن السنة ب (أ. مدروس)

الأب بيتر مدروس

من المؤسف للأفراد والجماعات والشعوب والمؤلم أنّ حاخامات العبرانيّين حذفوا سِفر الحكمة في أواخر القرن الميلاديّ الأوّل، وأنّ أندرياس بودشتاين (المقّب “كارلشتاد” – وأحسبه يهوديّ الأصل أيضاً) حذا حذوهم سنة 1520 م، فحُرم الكثيرون من الكنوز اللاهوتيّة والروحانيّة والأخلاقيّة التي يحتوي عليها الكتاب المذكور.
وفي حين يتفهّم المرء معشر اليهود – من غير أن يعذرهم – لرفضهم أفكاراً قريبة جدّاً من المسيحيّة من سِفر يهوديّ اسكندريّ هيلينيّ مثل البركة للصدّيق الصالح وإن مات مبكراً ومن غير نسل، ومديح التقوى “حتّى” عند المتبتّلين والّذين لم ينجبوا أطفالاً، يصعب علينا إدراك نبذ “مسيحيّين” لسِفر هو أقرب الكتابات إلى “الإنجيل الرّوحاني” لمار يوحنّا الرسول الحبيب خصوصًا في موضوع الحكمة الإلهيّة والكلمة الربّانيّة. فعلاً، يصف السِفر الحكمة الربّانيّة بكلمات سامية رفيعة لا تضاهيها سوى كلمات مقدّمة إنجيل يوحنّا عن الكلمة المتجسّد، وكذلك الرسالة إلى العبرانيين 1: 3 وتابع، حيث يوصف المسيح بأنه “شعاع مجد الله وصورة جوهره” (عن حكمة 7: 26) وبالفعل يقتبس العهد الجديد في أكثر من أربعين نصًّا آيات من “الأسفار القانونيّة الثانية” (أي طوبيا ويهوديت ويشوع بن سيراخ وسِفر الحكمة ونبوّة باروك وكتب المكابيّين).
في قراءة اليوم تقدّم لنا الليتورجيا اللاتينيّة نصّ سِفر الحكمة 2: 12 ثم 1- 20 الّذي تحقّق حرفيّاً في المسيح المصلوب (متّى 27 : 43). ردّدت الجماهير الساخرة بيسوع الناصريّ أقوال الأثمة في الصالح الصدّيق: “إن كان ابن الله فهو (تعالى) ينصره وينقذه من أيدي أعدائه… فلنمتحنه بالشّتم والعذاب … ولنقضِ عليه بأقبح ميتة”. وما وُجد موت “أقسى ولا أرهب من الإعدام صلبًا.
أسباب الحروب في رسالة مار يعقوب (3 : 16 – 4 : 3)
من دواعي الحروب الحسد والسوء والأهواء التي تحارب “الحكمة التي من عل” أي المسيح نفسه الذي هو ذاته الحكمة المتجسّدة.
وفي شرقنا الأوسط والأقصى، وفي بيئات ربابينيّة تلموديّة معيّنة، يجد المرء “الحرب المقدّسة” أي قتل البشر باسم الله والديانة. ولكنّ سيّدنا يسوع المسيح علّمنا أنّ “السبت” والشريعة للإنسان لا الإنسان للشريعة، ورفض يسوع حكم الإعدام حتّى على أعظم الآثمين أو “الكفّار” (عن يوحنّا 8: 1 وتابع). وتسامح يسوع ليس تشجيعًا على الشّرّ بل حفظًا لحياة الإنسان “التي هي نور الناس” وأيضًا لسبب آخر بسيط هو أنّ الّذي يُعدَم لا يتوب إلاّ مُكرَهًا أو لا يتوب بتاتًا، ويرحل عن هذه الدنيا وملؤه الحقد على الديانة والنقمة حتّى – حاشى وكلاّ – على الخالق عزّ وعلا!
“إنّ ابن الإنسان سيُسلَم إلى أيدي البشر” (مرقس 9 : 30 – 37)
كلّ تنبّؤات يسوع عن آلامه وموته وقيامته موثّقة في أقدم المخطوطات، بحيث أنّ لا مجال لإنكار ثبوتيّتها ولا التّشكيك في صحّتها. ولاهوتيًّا، لا مجال للادّعاء أنّ هذه الفقرات زيدت لاحقًا، ليس فقط بسبب وجودها في أقدم المخطوطات، بل انطلاقًا من يقيننا أنّ السيّد المسيح هو الكلمة والحكمة الإلهيّة، وأنّه على كلّ شيء قدير، بحيث أنّه استطاع أن يعلم الغيب وينبّىء بآلامه قبل حدوثها، وذلك نقطة من بحر قدرته التي تجلّت في قيامته المجيدة!
فليستمرّ الرب يسوع في “إزعاجنا” وإحراجنا لنفيق من غفلتنا وتكون لنا “الحياة الوافرة” (يوحنّا 10: 10).