Liturgical Logo

الأحد الرابع من الزمن الأربعيني (ج)

الأب بيتر مدروس

القدّيس بولس، الذي أتى من اليهودية، يقدر كثيرًا إمكانية المصالحة الرسولية والمسيحية في سرّ الاعتراف. يتلاعب القدّيس بولس في مهارة أدبية غير عادية والمميّزة ب “كلاسيكية هلينية”، يتلاعب بضمير المتكلّم “نحن” ويُعطيه معنيين مختلفين. ويكتب رسول الأمم : “وهذا كلّه من الله الذي صالحنا بالمسيح” (في الآية 18 والضمير المتّصل “نا” يُشير إلى البشرية) “وأعطانا خدمة المصالحة” (في نفس الآية بمعنى الرسل وخلفاءهم الأساقفة والكهنة).
نجد في هذا الفصل من الرسالة القانونية الثانية إلى القورنثيين، عناصر ثلاثة تصاعديّة تدلّ على أنّ المصالحة مع الله ليست فقط معنوية كما في الأديان الأخرى، بل هي ملموسة محسوسة تتمّ عن طريق الرسل وخلفائهم الذين فوّضهم المسيح الفادي المُصالح أوّلاً ب”خدمة” المصالحة (آية 18 “وأعطانا خدمة المصالحة”)، وثانيًا ب “كلمة” المصالحة أي الحلّة التي يلفظها الكاهن (آية 19 “ومستودعًا إيانا كلمة المصالحة”)، وثالثًا “سفارة” المصالحة (آية 20 “نحن سفراء في سبيل المسيح”). عليه، لا يكفي أن يقول المسيحي: “أنا أعترف وأستغفر بيني وبين الله”. اذا كان الاعتراف مقبولاً هكذا فلا حاجة لخدمة المصالحة ولا لكلمة المصالحة ولا إلى سفارة المصالحة عن طريق الاعتراف إلى أحد الرسل أو خلفائهم الأساقفة والكهنة.
الابن الضالّ والأب الحنّان
غنيٌّ عن القول أنّ لا حدود لغطرسة الابن الأصغر وأنانيّته ! “بابا، أعطني نصيبي من الميراث”…
لماذا يتصرّف ” الابن الأصغر” هكذا ؟ ربّما كان طفلاً مدلّلاً، لطيفًا جدًا في البداية وودودًا ، محاطًا بالرقّة والمحبّة، حتى عندما يرتكب أخطاء كبيرة! ربّما كان هناك خلاف في التربية بين الوالدين:الأمّ تدلّل، والأب يوبّخ، أو خلاف ذلك.
إنّ انتظار الأب لعودة ابنه الضالّ واستقباله الوالديّ له صورة للاب الأزلي الذي ينتظرنا دومًا بعد خطايانا ويستقبلنا. والأب المحبّ في مَثَل يسوع يدلّ على رجل ذو قلب كبير وحكمة وبصيرة، يريد بقلبه رجوع ابنه، وبعقله يرى أنّ ذلك أفضل من تشرّد نجله وانحرافه وضياعه.
الابن الأكبر ورجوع الأصغر
بطبيعة الحال يثور الابن البِكر والوريث الأوّل. ولكن يعني الأب أن يرجع ولده الضالّ بعد غياب طويل ومرير قضّ مضجع الوالد (وأكيد مضجع الوالدة) التي لا يُشير إليها المَثَل .
بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، كما هو الحال في كثير من الأمثال، يبدو أنّ سيّدنا يسوع المسيح شاهد في الابن الضالّ الأمم الوثنية، وفي الابن البِكر شعب العهد القديم.
ونستطيع أن نزيد أنّ الأب الحنّان هو الله، وأنّ الابن الضالّ هو “الخاطىء” (والطريف في اللسانين العبري والعربي أنّ أصل فعل خطىء أو أخطأ يعني : لم يُصِب الهدف) والابن البِكر هو “الصالح” ولكنّه يحتقر الضالّين وهو في الوقت نفسه حريص على حقوقه وامتيازاته.
خاتمة
يشملنا الربّ برعايته ورحمته وعلينا أن نعود إليه من غيررجعة! فلنرتمينّ في احضانه ولنُعيدنّ في بداية كلّ اعتراف لنا : “أبتِ، إنّي خطئتُ إلى السماء وإليك: ولستُ أهلاً لأنْ أُدْعى لكَ ابنًا !”