Liturgical Logo

الأحد الرابع من الزمن الأربعيني (ج)

الأب لويس حزبون

يصف لوقا الإنجيلي ثلاثة أمثال عن الرحمة للخاطئين، وأبرزها مثل الابن الضال (لوقا 15: 1-3، 11-32) حيث يصوّر استقبال الله ألاب بفرح للخاطئ العائد؛ وهو جواب يسوع على ملاحظات الفريسيين المهينة عن مشاركته للعشارين والخاطئين. يعبّر يسوع عن الفرح الذي يشعر الله به عند لقائه أولئك الابناء الضالين، ويدعو الفريسيين الى الدخول في هذا الفرح. الله لا يتخلى عمن يبتعد عنه. ولا يحكم عليهم، لكنه يحبهم ويدفعهم لنيل الخلاص والطمأنينة. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 15: 1-3، 11-32)
“1وكانَ الجُباةُ والخاطِئونَ يَدنونَ مِنه جَميعاً لِيَستَمِعوا إِلَيه”: تشير عبارة ” الجُباة” الى العشارين الذين يَجمعون الاعشار (الضرائب) في الإمبراطورية الرومانية، وكانوا يتعهدون من تسديد الضرائب من جيوبهم في حال عجزهم عن جمعها، لذلك وصفوا بالقسوة والظلم. والشعب احتقرهم ومنعهم من دخول هيكله او مجامعه ومن الاشتراك في الصلاة والحفلات (لوقا 3:12)؛ وكان أحد العشارين في منطقة اريحا (لوقا 19: 1) وكان متى وكيلاً لعشار في منطقة كفرناحوم (لوقا 5: 27). وقد قصد يسوع ان يُحرِّرهم من النقمة اللاحقة بهم مع انه لم يوافق على سيئات اصحاب المظالم منهم (لوقا 3: 12). اما عبارة “الخاطِئونَ” فتشير الى ان يسوع صَديق الخاطئين كي يدعوهم الى التوبة ويخلّصهم (لوقا 5: 32)؛ إذ يرى يسوع في الخاطئين “مرضى” يجب شفاؤهم. وهو يُشبِّه نفسه بالطبيب “لَيسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحتاجينَ إِلى طَبيب، بلِ المَرْضى. ما جِئتُ لأُدعُوَ الأَبرار، بَلِ الخاطِئينَ إِلى التَّوبَة “(لوقا 4: 31-32).
” 2فكانَ الفِرِّيسِيُّونَ والكَتَبَةُ يَتَذَمَّرونَ فيَقولون: هذا الرَّجُلُ يَستَقبِلُ الخاطِئينَ ويَأكُلُ مَعَهم! “: تشير عبارة “الفِرِّيسِيُّونَ ” في الأصل الارامي הַפְּרוּשִׁים الى الإعتزال والإبتعاد عن الخاطئين، فكانوا يتَّبعون مذهبا دينيا يدعو الى التشدد والتصلب في الحفاظ على شريعة موسى وسُنة الأقدمين، أخذ عليهم يسوع رياءهم وكبرياءهم وقساوتهم على الشعب. واستقبال يسوع للخاطئين دفع الفريسيّن للتذمر منه. اما عبارة “الكَتَبَةُ” فتشير الى علماء الكتاب المقدس وكانوا ينتمون الى مذهب الفريسيين.
“3فضرَبَ لَهم هذا المَثَلَ قال” : تشير عبارة “المثل” παραβολή الى حديث موجز للموعظة او للعبرة او قصة مستمدة من الطبيعة او من الحياة اليومية لإلقاء مزيد من الضوء على بعض الحقائق الروحية. ويتراوح عدد الأمثال في الأناجيل ما بين خمسين وستين مثلاً. وأَغنى الأناجيل في الأمثال هو إنجيل لوقا، إذ به نحو (24) مثلا، منها (15) مثلاً لا تُذكر إلا به. واما في إنجيل متى فهناك (20) مثلاً، منها (11) مثلاً لا تذكر إلا به؛ واما في إنجيل مرقس فهناك (18) مثلا منها (2) فقط لا يوجدان إلا به. ومع أن كلمة “مثل” أو “أمثال” لا توجد في إنجيل يوحنا، إلا أن الرب يسوع استخدم بعض التشبيهات لنفسه، مثل الراعي الصالح، والباب، وخبز الحياة، والكرمة. إن الهدف من استخدام الرب يسوع المسيح للأمثال هو توضيح حقائق روحية وإيصالها لأذهان السامعين ويجب فهم الأمثال في إطار الملكوت الذي بشر به سيدنا يسوع المسيح.
11″وقال: كانَ لِرَجُلٍ ابنان.”: تشير عبارة “الرجل” الى شخص الآب، وهو الشخص الرئيسي. والأُبوة في نظر يسوع، هي أقرب وصف لصفات الله. ومنه تستمد كل ابوة في الأرض ” لِهذا أَجْثو على رُكبَتَيَّ لِلآب، فمِنه تَستَمِدُّ كُلُّ أُسرَةٍ اسمَها في السَّمَاءِ والأَرْض” (أفسس 3: 14)؛ واما عبارة “إِبنان” فتشير الى الإبن الأصغر الذي يمثل العشارين والخاطئين؛ وأمَّا الابن الأكبر فيمثل الفريسيين والكتبة.
12فقالَ أَصغَرُهما لِأَبيه: يا أَبَتِ أَعطِني النَّصيبَ الَّذي يَعودُ علَيَّ مِنَ المال. فقَسَمَ مالَه بَينَهما.”: تشير عبارة “أَعطِني النَّصيبَ الَّذي يَعودُ علَيَّ مِنَ المال” الى ان الابن الأصغر يطالب بحصته من الميراث . اما عبارة “قَسَمَ مالَه بَينَهما ” فتشير الى ان نصيب الابن الأصغر من الميراث الذي يبلغ ثلث أملاك ابيه، كما تنص عليه الشريعة اليهودية (يشوع ابن سيراخ 33: 24). اما الابن الأكبر فله نصيب أثنين (تثنية الاشتراع 21: 17).
“13وبَعدَ بِضعَةِ أَيَّامٍ جَمَعَ الاِبنُ الأَصغَرُ كُلَّ شَيءٍ لَه، وسافَرَ إِلى بَلَدٍ بَعيد، فَبدَّدَ مالَه هُناكَ في عيشَةِ إِسراف.”: تشير عبارة سافر” الى رحيل، “وهو اتكال الإنسان على ذاته وقوَّته الخاصة فيفقد عمل الله فيه، وعلى العكس الاقتراب من الله يعني الاتكال عليه، ليعمل فينا، فنصير على مثاله.” كما يقول القديس أوغسطينوس. اما عبارة ” بَلَدٍ بَعيد” فتشير الى بلاد وثنية غير يهودية. ويقول القديس امبروسيوس “الابتعاد الأعظم هو أن ينفصل الإنسان لا خلال المسافات المكانية وإنما خلال العادات، فلا يذهب إلى بلاد مختلفة بل يحمل اتجاهات مختلفة، من ينفصل عن المسيح يتغرب عن الوطن، ويصير وطنه هذا العالم “؛ اما عبارة “عيشَةِ إِسراف” فتشير الى العيش في الزنى والخلاعة، أي الابتعاد عن الله وخيانته كما تفعل الزانية مع زوجها.
” 14فَلَمَّا أَنفَقَ كُلَّ شَيء، أَصابَت ذلكَ البَلَدَ مَجاعَةٌ شَديدة، فأَخَذَ يَشْكو العَوَز. 15ثُمَّ ذَهَبَ فالتَحَقَ بِرَجُلٍ مِن أَهلِ ذلكَ البَلَد، فأرسَلَه إِلى حُقولِه يَرْعى الخَنازير.” تشير عبارة” يَرْعى الخَنازير” في نظر اليهودي الى الإهانة ومنتهى الذل، لان الخنزير حيوان ” نَجِسٌ لَكم” (تثنية الاشتراع 14: 8). ومعنى هذا انها لا يُوكل ولا يُقدّم كذبائح، ولم يكن اليهود يلمسونه خوفا من النجاسة. وكان راعي الخنازير من أحط المهن وأدناها لا يقربها الا الفقراء المعدومون (لوقا 15: 15)؛ ولم يكن يسمح لراعي الخنزير ان يدخل الهيكل ولم يكن يتزوج الاّ من بنات الرعاة مثله، لان لا يرضى أحدٌ ان يزوّج ابنته من راعي الخنازير (هيرودتس 2:47). وكل ذلك يدلّ على ان الإبن الأصغر ذهب الى أرض وثنية. ولم يقبل في هذا العمل الا بسبب الحاجة والعوز وفقدان ميراثه.
16وكانَ يَشتَهي أَن يَملأَ بَطنَه مِنَ الخُرنوبِ الَّذي كانتِ الخَنازيرُ تَأكُلُه، فلا يُعطيهِ أَحَد.”: تشير عبارة” كانَ يَشتَهي أَن يَملأَ بَطنَه” الىان الخاطئ لا همّ له سوى أن يملأ بطنه، إذ قيل “إِلهُهم بَطنُهم ” (فيلبي 3: 19 )، امَّا عبارة “الخرنوب” فتشير الى نوع من ثمار الشجر الذي تؤكل قرونه بعد جفافها، وهو طعام لتسمين الخنازير والمواشي، وقد اضطر الابن الأصغر ان يأكل من الخرنوب لان الاجر الذي يتقاضاه لم يكن كافيا لإعالته بخبز كاف في أرض المجاعة. فالجوع علامة موت الجسد، وخدمة الخنازير علامة موت النفس. لقد وصل الابن الأصغر الى الحضيض جسداً ونفسا.
17″فرَجَعَ إِلى نَفسِه وقال: كم أَجيرٍ لَأَبي يَفضُلُ عنه الخُبْزُ وأَنا أَهلِكُ هُنا جُوعاً! تشير عبارة “فرَجَعَ إِلى نَفسِه ” الى أسلوب في أمثال انجيل لوقا يعبّر الشخص عن فكره بكلام يحدّث فيه نفسه؛ فجد نفسه أمام خيارين: إما أن يتابع تمرده وابتعاده عن أبيه ويظل في بؤسه المدقع الذي سيقوده إلى الموت، أو أن يتواضع ويعود إلى رشده؛ امَّا عبارة “كم أَجيرٍ لَأَبي يَفضُلُ عنه الخُبْزُ” يشير الى حب الاب أكثر من توبة الابن الذي يموت جوعا.
” 18أَقومُ وأَمضي إِلى أَبي فأَقولُ لَه: يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ.”: تشير عبارة “أَقومُ” الى فعل أمر اي ابدأ باتخاذ القرار بالرجوع عما هو فيه. فهي قيامة الابن الأصغر من موت الجسد وموت النفس. اما عبارة “خَطِئتُ” فتشير الى طبيعة خطيئته غير مُحدَّدة. وفعل “خَطِئتُ تعبير عبري חָטָאתִי أي ارتكبتُ ذنباً بتعمُّد. والله يعرف كل شيء، ولكنه ينتظر هذا الاعتراف. أما عبارة “السَّماءِ” فتشير في نظر اليهود الى الله دون ذكر اسمه الذي لا يوصف (دانيال 14: 22).
19ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ. تشير عبارة “لَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً” الى علامة التوبة الحقيقية: أن يعترف أولاً بخطيئته، ثم يتواضع ويقرر أن يغيِّر ثانياً، عالماً بأني غير مستحق لحب الله الآب له، وأن يستسلم كلياً له. اما عبارة “الأجير” فتشير الى من يحيا بروح العبودية، والذي يعمل ليس عن حب بل طمعًا في الأُجرة.
20″فقامَ ومَضى إِلى أَبيه. وكانَ لم يَزَلْ بَعيداً إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه وقَبَّلَه طَويلاً “: تشير عبارة “أَسرَعَ” τρέχω الى الركض؛ والركض عند اهل الشرق تشير الى تصرّف استثنائي. اذ ان الركض جهارا امام الناس ليس من شيمة ذوي النفوس الوقورة الكبيرة على حد قول ارسطو الفيلسوف. وبالرغم ذلك ركض الآب مما يدلّ على حب الاب. اما عبارة “قَبَّلَه” فتشير الى علامة غفران كما قبّل داود الملك إبنه ابشالوم غافرا له إثمه (2صموئيل 14: 33).
21″فقالَ لَه الِابْن: يا أَبَتِ، إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ، ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلِكَ لأَن أُدْعى لَكَ ابناً.”: تشير هذه الآية الى ان الخطيئة جعلت الابن ينظر إلى أبيه كسيّد، وهو كخادم.
22″فقالَ الأَبُ لِخَدَمِه: أَسرِعوا فأتوا بِأَفخَرِ حُلَّةٍ وأَلبِسوه، واجعَلوا في إِصبَعِه خاتَماً وفي قَدَمَيه حِذاءً،” : تشير عبارة “ِأَفخَرِ حُلَّةٍ” الى ثوب العماد كما لمّح بذلك آباء الكنيسة. اما عبارة “خاتَماً” فتشير الى السلطة كما حدث مع يوسف “إذ قالَ فِرعَونُ لِيُوسف: ((أُنظُرْ: قد أَقَمتُكَ على كُلِّ أَرضِ مِصْر)). ونَزَعَ فِرعَونُ خاتَمَه مِن يَدِه وجعَلَه في يَدِ يوسف، (التكوين 41: 41-42)؛ وأما عبارة” حِذاءً” فتشير الى لباس الانسان الحر، الذي يميّزه من العبد. فالحذاء علامة الحرية بعد عبودية الخطيئة. الحلة، والخاتم والحذاء والعجل المسن لم يكن يقصد بهذه الأشياء ان تسد حاجة الابن وحسب، بل لإعطاء ابنه مركز الكرامة في البيت. وبعبارة أخرى ، لم يقبل الاب أن يعود ابنه كعبد أو خادم بل كابن وارث من جديد.
23″وأتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم، ” : تشير هذه الآية الى الوليمة ، والوليمة علامة المشاركة.
24″لِأَنَّ ابنِي هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد. فأَخذوا يتَنَّعمون”: تشير عبارة “مَيتاً فعاش” الى ان الخطيئة هي الموت كما يؤكد ذلك بولس الرسول ” وأَنتُم، وقَد كُنتُم أَمواتًا بِزَلاَّتِكم وخَطاياكُمُ ” (أفسس 2: 1)؛ اما عبارة “يتَنَّعمون” فتشير الى المشاركة في الفرح العظيم وهي صورة لبساطة الحياة في القرية.
25″وكانَ ابنُه الأَكبَرُ في الحَقْل، فلمَّا رَجَعَ واقترَبَ مِنَ الدَّار، سَمِعَ غِناءً ورَقْصاً. تشير “عبارة “ابنُه الأَكبَرُ” الى موقف الفريسييِّن الوارد ذكرهم فلي المثل (لوقا 15: 2). وحواره مع أبيه يشكل مشهد مثل الابن الأكبر.
26″فدَعا أَحَدَ الخَدَمِ واستَخبَرَ ما عَسَى أَن يَكونَ ذلك. 27فقالَ له: قَدِمَ أَخوكَ فذَبَحَ أَبوكَ العِجْلَ المُسَمَّن لِأَنَّه لَقِيَه سالِماً. 28فغَضِبَ وأَبى أَن يَدخُل. فَخَرَجَ إِلَيه أَبوهُ يَسأَلُه أَن يَدخُل” 29فأَجابَ أَباه: ها إِنِّي أَخدُمُكَ مُنذُ سِنينَ طِوال، وما عَصَيتُ لَكَ أَمراً قَطّ، فما أَعطَيتَني جَدْياً واحِداً لأَتَنعَّمَ به مع أَصدِقائي.” تشير عبارة تشير عبارة “ها إِنِّي أَخدُمُكَ مُنذُ سِنينَ طِوال” الى ان الابن الأكبر لا يريد ان الرحمة. إنه لا يعيش إلا وفق عدالة القانون، لا يعيش إلا بحسب الشريعة؛ اما عبارة “ما عَصَيتُ لَكَ أَمراً قَطّ” فتشير الى مطابقة ما يقتنع به الفريسيين بأنهم عملوا بجميع ما تطلبه الشريعة “كانوا مُتَيَقِّنينَ أّنَّهم أَبرار، ويَحتَقِرونَ سائرَ النَّاس” (لوقا 18: 9)؛ أما عبارة “ما أَعطَيتَني جَدْياً واحِداً” فتشير الى تأكيد على ضمير المتكلم، فحتى الجدي الذي هو شيء هزيل بالنسبة لعجل مسن، لم يعط له ليستمتع مع أصدقائه.
30″ولمَّا قَدِمَ ابنُكَ هذا الَّذي أَكَلَ مالَكَ مع البَغايا ذَبَحتَ له العِجْلَ المُسَمَّن!”: تشير عبارة ” ابنُكَ ” الى صيغة التحقير فلم يرد ْ ان يعترف به أخا له. اما عبارة “أَكَلَ مالَكَ مع البَغايا” فتشير الى الكلمة اليونانية πόρνη أي الممارسة الإباحية وهنا يتكلم عن أخيه باحتقار. وفي المعنى الروحي، يُعتبر الزنى خيانة الله وابتعاد عنه مما يدلُّ على ان الابن الاصغر صار في العالم الوثني.
31″فقالَ له: يا بُنَيَّ، أَنتَ مَعي دائماً أبداً، وجَميعُ ما هو لي فهُو لَكَ.”: تشير عبارة “بُنَيَّ” الى صيغة التصغير الدال على التحبُّب والرقة؛ واما عبارة ” أنت” فتشير الى ضمير توكيد. أما عبارة “أَنتَ مَعي دائماً أبداً” فتشير الى وضع الشعب اليهودي؛ اما الشعب الوثني الذي اعتبر بعيدا، فهو في الأصل من البيت لهذا عاد الابن الأصغر الى بيته فصالح الاب الابن الأكبر والاصغر، البعدي والقريب كما جاء في تعليم بولس الرسول “جاءَ وبَشَّرَكم بِالسَّلام أَنتُمُ الَّذينَ كُنتُم أَباعِد، وبَشَّرَ بِالسَّلامِ الَّذينَ كانوا أَقارِب” (أفسس 2: 17)، وهي دعوة للمصالحة التي تتجاوز الأخطاء وتنفتح على الحب والغفران.
32″ولكِن قد وَجَبَ أَن نَتَنعَّمَ ونَفرَح، لِأَنَّ أَخاكَ هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد”: تشير عبارة “أَخاكَ” الى توبيخ لطيف من الأب لإبنه الأكبر الذي احتقر اخاه الأصغر حيث ان العلاقة الأخوية باقية ببقاء العلاقة الابوية؛ أمَّا عبارة “هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد” فتشير الى خاتمة المشهد الثاني، وهي عبارة عن جواب يسوع على تذمر الفريسيين الذين شاهدوا يسوع يستقبل الخاطئين. نلاحظ ان المثل لا يقول ماذا فعل الابن الأكبر بل ترك الجواب مفتوحا. اما عبارة “لِأَنَّ أَخاكَ هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد” فهي إعادة للآية (لوقا 15:24).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي
بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 15: 1-3، 11-32) نستنتج انه يتمحور حول رحمة الله للخاطئين. الآب يمثل الله؛ اما ابناه فيمثل الأصغر الخاطئين وشعوب الأمم، والابن الأكبر يمثل الفريسيين والكتبة واليهود. يقسم المثل الى قسمين: القسم الأول يصف رحمة الله للابن الأصغر (لوقا 15: 11-23أ)؛ واما القسم الثاني فيصف رحمة الله للابن الأكبر (لوقا 15:24ب-32) والقسمان مرتبطان ارتباطا وثيقا بشخص ” الآب “، وهو الشخص الرئيسي، بموقفه الرحيم، وبدعوته الى مُقاسمة فرحه بعودة أبنائه الخاطئين.

1) رحمة الله للابن الأصغر
يتناول القسم الأول الابن الضال وموقف الاب منه (لوقا 15: 11، 24). قسّم الاب ميراثه بين ابنيه على طلب الابن الأصغر، فاحترم استقلالية ابنه الأصغر واحترم حريته، وسمح له بالسفر، على امل ان يقدّر حب ابيه حتّى ولو أنّ ذلك يؤلمه.

موقف الابن الاصغر:
ترك الابن الأصغر بيت أبيه وسافر الى بلد بعيد لينغمسَ في جميع أنواع الفجور، ويعيش عيشة التحرر من كل رباط والانفلات من كل المحرّمات، فأطلق العنان لأهوائه واستباح كل لذة حرام في غربة قاتلة، إذ بدت الخطيئة مغرية مستحبَّة وجذَّابه. فضاع بدافع من أنانيته (لوقا 15: 12) فبدّد كلّ ميراثه وأنفق أمواله وانقطعت موارده بعيداً عن ابيه. وبلغ الحالة القصوى من الذل والشقاء والفقر والحرمان، ولم يبق له معها الاَّ الهلاك. إنّ المشكلة تكمن في انّ المسرّات الشرّيرة لا تدوم طويلاً، فهي نعيم اصطناعيّ. ويبقى الفم مرّاً. وهذه هي الخطيئة الكبرى الّتي تخدعه. بينما يظنّ بأنّه سعيد، وجد نفسه وحيداً وحزيناً، متروكا من قِبل الجميع، وعوضاً أن يكون سيداً أصبح عبداً. فاكتشف الشرور المحيطة به: جوعه، وفقره، وعزلته حينئذ يُذكِّر نفسه بالأب، وبطيبته، وبكرمه. ولكنّ الخطيئة جعلته ينظر إلى الأب كسيّد، وهو كخادم “لست أهلاً بعد ذلك أن أُدعى لك ابناً، فاجعلني كأحد أجرائك”.
الرجوع الى النفس هي نقطة التحول حيث هدأ الإنسان وأخذ يفكر في حاله أيام كان فيها مع الله، وحاله وهو بعيدٌ عن الله، هي نفسها التوبة. وندم قبل ان يتخذ القرار الحاسم الصادق للتخلص من الشرور والعودة الى أبيه. وكان اول طريق الرجوع انه رأى ضلاله، وعرف أخطاءه، واقرّ لأبيه انه أخطأ. وكل رجوع عن الخطيئة هو رجوع الى الحياة.
موقف الاب من ابنه الاصغر:
بعد أن عاش الابن الضال في بيت أبيه مستمتعًا بمحبته وأبوته وطيِّباته، والشبع في بيته، اختار أن يترك حضن أبيه وبيته، لذا لم يحاوره ابيه بسيرته. فما الجديد الذي سيقوله له فهو يعرف كل شيء عن بيت أبيه، بل حاصره بالتجارب والضيقات: المجاعة والأكل مع الخنازير حتى يقارن بين حاله بعيدًا عن أبيه وبين حاله في بيت أبيه فيشتاق للرجوع.

ولذا فإن ما “أحزن ” الأب هو سفر ابنه ورغبته في ألا يكون ابناً بعد، وفي ألا يتيح بعد لأبيه أن يحبه حباً ايجابياً: لقد “أهان ” أباه بحرمانه من وجوده كابن، فكيف يمكن أن “يعوض ” هذه الإهانة، إن لم يكن بعودته، وقبوله من جديد في أن يعامل كالابن؟ ولذا يبرز المثل خاصة فرح الأب.

الفرح يرتبط بالخلاص وحضور الله؛ فالفرح هو ثمرة الخلاص (مزمور 51: 14)، بعكس الحزن الذي يُعد ثمرة الخطيئة التي تفصل الله عنه. وخارج هذا الرجوع، لا يمكن أن يتصور أي صفح من قبل الاب. لم يجبر الاب ابنه على الرجوع إليه، إنما انتظره بصبر، لحين عودته لرشده. لان اعادته بشيء من القوة لم تكن تُجدي خيرا إذا ظلَّ القلب بعيداّ. ان الابن الذي اختار ان يَضلّ، يجب ان يختار هو نفسه ان يعود.

لم يُلزم الاب ابنه بالرجوع إليه، بل عامله كانسان له إرادته المستقلة، وأعطى له فرصة للعودة. وإذ يراه من بعيد منطلقًا نحوه يركض مسرعًا لا ليعاتبه أو يوبخه وإنما ليقع على عنقه ويقّبِّله. إنه ينصت لاعتراف ابنه الخاطئ، لكنه لا يسمح له يصبح عبداً، فلا يتركه يقول: “اجعلني كأحد أجراءك”، إنما يطلب له ثوب الابن وخاتمه، مكرمًا إيَّاه في بيته! إذا كان الابن الأصغر نسي اباه في الغربة، وفترت محبته له، لكنه لم يستطعْ ان يقتلَ محبة ابيه له.

ولم يحكم عليه ولم يلومه ولم يعنّفه ولم يذكر أخطاءه كي لا يحطّ من شرف ابنه، ولم يذكر أيّ شيء من الماضي بل عامله بمحبة مهما كان سبب ضياعه وأراد له ان يبدأ حياة جديدة. وأخيرا عبّر ألاب عن فرحه بالعثور على ابنه المفقود، واقام وليمة، لأنّ الإبن الذي كان ضالاٍّ قد وُجد، والّذي كان ميّتاً قد عاد إلى الحياة. هل هناك عيداً أجمل من اختبار رحمة الآب غير المحدودة؟
العبرة:
يكشف المثل أبوة الله ألاب وقلبه الابوي وعاطفته نحو عالم الخاطئين. ويُبيِّن يسوع رحمة الله الذي يصفح عن الخطأة التي لا تدرك. فلكل منهم منزلٌ، هو يحبهم، لا عن جدارة واستحقاق، بل يحبهم لذواتهم. ومحبته “تَعذِرُ كُلَّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء وتَرْجو كُلَّ شيَء وتَتَحمَّلُ كُلَّ شيَء.”(1 قورنتس 13: 7).

يعلمنا يسوع من هذه المثل ان الله هو أب (مزمور 103: 13). اب يصفح ويرحم (اشعيا 55: 7، دانيال 9: 9). هي صفة مخصصة لله (مزمور 78: 38). “الله رحيم ورؤوف”، هو اللقب الأول الذي يتمسك به الله، والذي سيعترف له به، بعد الخروج (64: 6)، في كل من التثنية (4: 31)، والمزامير (86: 5 1، 103)، والأنبياء (يوئيل 2: 13)، وصفة “رحيم ” لم تطبق على الإنسان إلا مرّة واحدة، (مزمور 112: 4). يعلن الرب لموسى أنه هو “إله رحيم ورؤوف طويل الأناة كثير المراحم والوفاء، يحفظ الرحمة لألوف، ويغفر الذنب والمعصية والخطيئة”. (خروج 34: 6 -7). وسوف تلحّ النبوات التالية أكثر فأكثر في تأكيد أناة الآب ومحبته الرحيمة، فهو “العالم بجبلتنا، الرؤوف الرحيم، الطويل الأناة والكثير الرحمة… فلا يعاملنا بحسب خطايانا” (مزمور 103: 8). لكن لا يجوز التفكير في ان صفح من قِبل الله لا يتطلب رجوعاً من قِبل الخاطئ كما ورد في مثل الابن الضال (لوقا 15: 11-13).

وكل خاطئ يستطيع أن يعتمد على رحمة الله المذهلة وغير المحدودة كما جاء في سفر المزامير “رحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ وبِكَثرَةِ رأفَتِكَ اَمْحُ مَعاصِيّ”(مزمور 51: 3)؛ وهذه الرحمة ليس ليخطئ الانسان أكثر كما جاء في تعليم يشوع بن سيراخ “لا تَكُنْ واثِقًا مِن نَيلِ الغُفْران حَتَّى تَزيدَ خَطيئَةً على خَطيئَة. 6 ولا تَقُلْ: ((رَحمَتُه عَظيمة فيَغفِرُ كَثرَةَ خَطايايَ)) فإِنَّ عِندَه الشَّفَقةَ والغَضَب وسُخطُه يَحِلّ على الخاطِئين. 7 لاُ تؤَخِّر التَّوبَةَ إِلى الرَّبّ”(سيراخ 5: 4-7)، بل ليعود للآب الذي ينتظره (لوقا 15: 20).

ولكنّ هذه الرحمة الالهية ليست ضعفاً، بل دعوة إلى التوبة: “: ((توبوا عن طُرُقكُمُ السًّيئة ” (2 ملوك 13: 17) فان “الرَّبُّ رؤوفٌ رَحيم طَويلُ الأَناة كَثيرُ الرَّحمَة” (مزمور 103 : 8) 6). ويفهم اسرائيل تدريجياً أنه ليس هو وحده الذي يجني ثمار هذه الرحمة: فالأمم أيضاً هم موضع محبة الله، وتذكّرنا قصة يونان أنَّ باب الرحمة الالهية مفتوح أمام كل أمة تتّقي الله وتتوب إليه. يقدم لنا الكتاب المقدس الإنسان الخاطئ كشخص مديون يبرئه الله من دينه بالصفح عنه كما جاء في تشفع موسى لشعبه “اغفِرْ إِثْمَ هذا الشَّعبِ بِحَسَبِ عَظيمِ رَحمَتِكَ” (عدد 14: 19). وهذا الغفران فعال لدرجة أن الله لا يعود ينظر بعد إلى الخطيئة، وكأنه قد نبذها وراء ظهره كما جاء في سفر اشعيا “نَبَذتَ جَميعَ خَطايايَ وَراءَ ظَهرِكَ “(اشعيا 38: 17).

ولذا فلا عجب، إن يدعو بولس الرسول المسيحيين لكي “يلبسوا الأحشاء الرحيمة”، أحشاء الله وأحشاء ابنه “وأَنتُمُ الَّذينَ اختارَهمُ اللهُ فقَدَّسَهم وأَحبَّهم، اِلبَسوا عَواطِفَ الحَنانِ واللُّطْفِ والتَّواضُع والوَداعةِ والصَّبْر”(قولسي 3: 12). فإن على أبناء الله جميعهم أن يقتدوا بأبيهم السماوي “كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم”(لوقا 6: 36)، بأن يكون لهم قلب مثل قلبه، كله شفقة وحنان نحو القريب “قد وَجَبَ أَن نَتَنعَّمَ ونَفرَح، لِأَنَّ أَخاكَ هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد”(لوقا 15: 31)، أي نحو جميع بني البشر، دون استثناء، على نحو محبة السامري الصالح المثالية، ولم تكن عاطفية فحسب، بل إيجابية أيضاً على مثال السامري الرحيم (لوقا 10: 33). إنهم على هذا النحو فقط يندمجون في حركة الرحمة الإلهية، التي نأتيهم من عند الآب، يسوع المسيح، بفضل روح المحبة (فيلبي 2: 1)، وهو يرفعهم نحو السعادة التي لا نهاية لها، بالتفوق على الخطيئة والموت. إن محبة الله تنتظر على الدوام، ويبحث الله عنا، ويعطينا فرصا للاستجابة له والعودة اليه مهما كان سبب ضياعهم.

2) رحمة الله للابن الأكبر
يتناول القسم الثاني موقف الأخ الأكبر وموقف الأب منه (لوقا 15: 25، 32) الأخ الأكبر يمثل روح الفريسيين والكتبة في تذمرهم على يسوع ويكشف موقف الله الرحيم منهم ايضا.
موقف الأخ الأكبر
كان هذا الابن (الأكبر) مطيعًا ملتزمًا. إنّه يلبّي جميع رغبات الأب «ولا يعصيه» في أمرٍ واحدٍ. إنّه نموذج الملتزم بشريعة الربّ، ويطبّق جميع وصاياه. بيد أنّ محنة أخوه الأصغر كانت بمثابة كشفٍ عن حقيقة إيمانه وطبيعته.
إنّه المؤمن الذي يلتزم بالشريعة مرغمًا؛ المؤمن الذي لا يرتاح مع أبيه السماويّ، بل يخشى بطشه أو عقابه؛ المؤمن الذي لا تزال شريعته مكتوبة على لوح حجر وليس في قلبه. إنّه يسبّح الربّ بشفتيه ولكنّ قلبه بعيدٌ عنه. كما وَرَدَ في الكِتاب: ((هذا الشَّعبُ يُكَرِمُني بِشَفَتَيه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي” (مرقس 7: 6)؛ انه يتمّم جميع الوصايا والأوامر: يصوم ويصلّي، ويمتنع عن المحرّمات، ويلتزم بالواجبات، ولكنّه يفعل هذا بدون محبّة. كان في بيت ابيه بالجسد ولكن ليس بالروح ولا بالرغبة.
ويبيّن حواره مع ابيه أنّه ليس سعيدًا: ” فما أَعطَيتَني جَدْياً واحِداً لأَتَنعَّمَ به مع أَصدِقائي” (لوقا 15: 29). فأنه أحس بالبر الذاتي وخضع لأبيه ولكن في أنانية واستغلاله. وقام بواجبه لكن منتظرا جزاء وشكرأً، إنّه مثل أخيه الصغير تمامًا ليس سعيدًا، ليس مرتاحًا، يشعر بأنّ العيش تحت كنف الأب نير؛ والفارق الوحيد بين الاثنين هو أنّ هذا لم يترك البيت مثل ذاك بل بقي مع أبيه.
وفي حوار الابن الأكبر مع أبيه لا يقول أبدًا “أخي”، بل يلحّ على ” ابنُكَ”. وكأنَّ يقول “هذا ليس أخي، هذا ابنكَ، وأنا أتبرّأ منه ” وألحَّ على ذكر ذنوب أخيه القبيحة، ورفض أن يدخل البيت ويسلِّم عليه تحت تأثير حقده وكبريائِه ورغبته في الانتقام منه. في حين أنّ الأب، وبطريقةٍ في غاية الوداعة، يذكّره ويقول: انه أخوك. إن رحمة الاب لأخيه الأصغر والفرح لعودته سبب عثار، لأنه عاجزٌ عن إدراك هذه الرحمة (لوقا 15: 28). وهنا يحثُّ يسوع على المحبة الأخوية التي على المسيحي ان يمارسها نحو الجميع كما جاء في تعليم بولس الرسول ” كُونوا لِلقِدِّيسينَ في حاجاتِهِم مُشارِكين” (رومة 12: 13).
واخيراً منع كبرياء الإبن الأكبر من مصالحة أبيه. فيعتبر الأب سيّداً، ولا يعتبر نفسه الإبن، بل خادماً قد خدم سيّده دائماً. ويتذمّر، لأنّه لم يبتعد عن البيت أبداً، ولكنّ قلبه خالً من المحبّة. فهو مرتبط بعطايا ألاب، وليس بالأب نفسه. ولهذا صَعب عليه العودة إلى البيت. والإنجيل في الواقع لا يذكر إن كان الإبن قد سمع كلمة الأب، ربّما يكون هذا الصمت مُبرّراً بسبب أنّ الجواب ينبغي أن يكون موجّهاً إلينا أيضاً!
موقف الاب من ابنه الأكبر
نجد تناقض بين تجاوب الاب ورد فعل ابنه الأكبر. كان الاب فرحا وغفر للابن الاصغر فعلته، اما الابن الأكبر فكان يحسُّ بمرارة، وامتعاض، بل غضب لقبول أخيه الخاطئ في البيت. ولم يرض الابن الأكبر ان يسامح لأنه كان يشعر حزينا؛ في حين غفر الأب لاينه الأصغر لأنه كان فرحا لعودته؛ والفرق بين الفرح والحزن هو القدرة على الغفران. ولذا لمَّا رفض الأخ الاكبر الغفران لأخيه الأصغر فقد اضاع فرصة لاختبار الفرح ومشاركة الآخرين فيه.
يختم المثل بالجواب على المشكلة التي يبتدئ بها الفصل “هذا الرَّجُلُ يَستَقبِلُ الخاطِئينَ ويَأكُلُ مَعَهم!” (لوقا 15: 1-2)، ويلقي ضوءاً على عبرة المثل الأساسية، وهي دعوة الى الفريسيين للدخول الى فرح الله ولتوسيع قلوبهم على سعة قلب الله في استقبال الخاطئين العائدين إليه، وهناك دعوة أيضا للمسيحيين الآتين من العالم اليهودي والذي يمثلهم الأخ الأكبر الى تقبل المسيحيين الآتين من العالم الوثني والذي يمثلهم الأخ الأصغر.
العبرة
أظهر يسوع خلال مثل الابن الضال وجه من الرحمة الإلهية، فكشف ان الله الاب هو إله الغفران ” الرَّبّ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء ولكنَّه لا يَتُركُ دونَ عِقابٍ شَيئاً، فيُعاتِبُ إِثْمَ الآباءِ في البَنينَ وفي بَني البَنينَ إِلى الجيلِ الثَّالِثِ والرَّابِع” (خروج34: 6-9). لكن قلب الله ليس كقلب الإنسان، والقدوس لا يحب أن يهلك (هوشع 11: 8-9). إن الله لا يريد موت المنافق بل توبته “لعَلَّ هَوايَ في مَوتِ الشِّرَّير؟ يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ. أَلَيسَ في أَن يَتوبَ عن طرقِه فيَحْيا؟ “(حزقيال 18: 23)، ولكي يغدق عليه غفرانه لأن ” إِنَّ أَفكاري لَيسَت أَفْكارَكم ولا طرقُكم طُرُقي، يَقولُ الرَّبّ. كما تَعْلو السَّمواتُ عنِ الأَرض كذلك طُرُقي تَعْلو عن طُرُقِكم وأَفْكاري عن أَفْكارِكم ” (إشعيا 55: 7-9). وما يغمر صلاة المزامير بالثقة هو ان الله يصفح عن الخاطئ الذي يعترف بخطاياه ْأَبَحتُكَ خَطيئَتي وما كَتَمت إِثْمي قُلتُ: (( أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِمَعاصِيَّ )) وأنتَ رَفَعتَ وِزْرَ خطيئَتي”(مزمور 32: 5)، ولا يرغب الله موت الخاطئ “هو رَحيمٌ يَغفِرُ الإِثمَ ولا يُهلِك” (مزمور 78: 38)، أو أن يحتقره، فإنه يخلقه خلقاً جديداً، مطهّراً إياه، وغامراً بالبهجة قلبه المنسحق والمتواضع (مزمور 51: 10-14). والله هو الآب الذي يرأف بجميع أبنائه (مزمور 103: 3). إنه إله الرحمة (دانيال 9: 9)، ويقدم غفرانه لجميع الناس (يونان 3: 10). ويتغاضى عن خطايا الناس لكي يتوبوا كما جاء في سفر الحكمة ” تَرحَمُ جَميعَ النَّاس لأنّكَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير وتَتَغاضَى عن خَطايا النَّاسِ لِكَي يَتوبوا” (حكمة 11: 23)
وأعلن يسوع الى الخطأة الذين حرمهم الفريسيون المتزمتون من الملكوت بشارة الرحمة الالهية. ويُسرّ قلب الله، لا لهؤلاء الأبرار في أعين أنفسهم، بل الخطأة التائبون الذين شبّههم بالخروف الضال (لوقا 15: 1-7) أو الدرهم الضائع (لوقا 15: 8-10) اللذين عثر عليهما بعد ضياعهما. يترقّب الأب بشوق جزيل عودة ابنه الضال، وإذ يراه من بعيد تتحرك عواطفه ويركض ليحتضنه (لوقا 15: 20) لقد انتظر الله طويلاً، ولا زال ينتظر بصبر بني إسرائيل الذين لا يرجعون عن ضلالهم، وهم أشبه بشجرة التين التي لا تثمر (13: 6-9). الله حقاً هو “أبو المراحم” كما يلقبه بولس الرسول ” أَبو الرَّأفَةِ (2 قورنتس 1: 3) “إِنَّه ” رَحمانٌ رَحيم” كما ورد في تعليم يعقوب الرسول (يعقوب 5: 11).

تجاهل اليهود الرحمة الإلهية، معتبرين أنهم ينالون البر، بفضل أعمالهم، وحفظهم الشريعة، لكن بولس يذكّرهم بأنهم هم أيضاً خطأة، يحتاجون إلى الرحمة عن طريق التبرير بالإيمان. ومقابل هؤلاء اليهود، فإن الوثنيين الذين لم يحظوا بمواعيد من الله، بدأوا بدورهم يُجتَذبون نحو مجال الرحمة الالهية. فينبغي أن يعترف الجميع أنهم خطأة حتى ينعموا كلهم برحمته. “لأَنَّ اللهَ أَغلَقَ على جَميعِ النَّاسِ في العِصْيانِ لِيَرحَمَهم جَميعًا ” (رومة 11: 32). وكم من المسيحيّين تثور ثائرته حين يسمع أحدهم يقول إنّ خلاص المسيح سيُعطى للجميع، مسيحيّين وغير مسيحيّين؟ من السهل ان نغتاظ حين يغفر الله برحمته للآخرين الذين نعتبرهم خطأة وانهم اسْوة منا.

خلاصة
يتمحور المثل على ثلاثة شخصيات وهم الأب وابنيه. الرجل يمثل الله الآب. والابوة هي أقرب وصف لصفات الله. والمأساة الأليمة ليست آلام الابن الضال ووخز ضميره فحسب، بل حزن ابيه لفقدان ابنه. ندم الابن الأصغر على ماضيه واعترف امام والده وقصد البقاء في المستقبل في بيت ابيه؛ وهو يمثل أولا العشارين والخاطئين ثم يشير الابن الاصغر للأمم الذين تركوا الله في البداية وعاشوا في نجاسة، بل بدَّدوا عطايا الله: كرامتهم ومواهبهم، في عبادة الاوثان وفي شهواتهم. ولكنهم عادوا في نهاية الأيام.
واما الابن الأكبر فيمثّل أولا الفريسيين والكتبة المتكبرين الرافضين لدخول بيوت الخطأة وقبوله لهم؛ ثم يشير لليهود، فهم كانوا بكراً في معرفة الله، قبلوا المواعيد الإلهية وكان لهم الشريعة والنبوءات. لكنهم خلال حسدهم وقفوا خارج البيت، خارج الإيمان ونقدوا محبة الله للأمم. ويشير الابن الاكبر ايضا للفريسيين ولكل من عاش مع الله في بيته طالما كانت مادياته جيدة لكنه يغضب على الله إذا تأثرت مادياته فيترك الله وبيته. فهذا الانسان مرتبط بالله شكلاً دون حب، او مرتبط بعطايا الله وليس بالله نفسه.
وأخيراً إنّ قصّة الإبن الضال هي قصّة كل واحد منّا. إنّ كلّ إنسان أمام الربّ الإله هو ابن ضال، والربّ يتصرّف كأب مع الجميع. وجميعنا يجد نفسه، في هذه القصّة، أحياناً مكان الإبن الأصغر، نُطالب باستقلالنا عن الإله الآب، ونريد أن نتصرّف بحسب أهوائنا، ونريد أن نعيش بعيدين عن الجميع. الربّ لا يوقف الإنسان لأنّ المحبّة لا يمكنها أن تفرض أي شيء؛ لا ينتهك الربّ الحرّية؛ لا ينتقم الربّ أبداً. نحن هم الّذين يهربون، نحن هم الّذين يرفضون، نحن هم الّذين يُغلقون الباب. لنعيد قراءة المثل بضمير المتكلّم فسنكشف رحمة الله الواسعة .
دعاء
“نسألك، ايّها الآب السّماوي، أن تُرحّب برحمتك الإلهية كل الأبناء الّذين يعودون إليك بروح التوبة؛ وأن تُغطّيهم بثياب الخلاص، كي يتمكّنوا من تذوّق الفرح في عشاء الحمل الفصحى. آمين