Liturgical Logo

الأحد الرابع من الزمن الأربعيني (ج)

البطريرك بيتسابالا

النص الإنجيلي اليوم يروي قصة الابن الضال (لوقا ١٥: ١– ٩) وهو نص مألوف وقد سمعناه مرارا. وسنكتفي ببعض الملاحظات الوجيزة. والمفتاح الذي يمكن أن يساعدنا على التعمق في النص هو رمزية الطعام، وسنجدها في مكانين.
المكان الأول هو بيت الأب الذي يوصف ببساطة كمنزل يتوفر فيه الطعام الوفير. عندما كان الابن الأصغر غائباً وفي اللحظة التي وجد فيها نفسه في ضيق أصبح يفكر في البيت الوالدي، وتذكر أنه كان يأكل فيه حتى الشبع ولا ينقص فيه الخبز، حتى أن الخدم كانوا يأكلون بوفرة (لوقا ١٥: ١٧).
وعند عودة الابن إلى البيت، قام الأب فوراً وبكل فرح بتحضير مأدبة له: “أتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم” (لوقا ١٥: ٢٣). يتم التأكيد على هذه المأدبة عدة مرات (لوقا ١٥: ٢٣، ٢٧، ٣٠)، كما يتم الحديث في النص عن الطريقة التي تصرف فيها الأب: إنه يطعم ويأمر بذبح المسمنات ويقيم مأدبة. وفي هذا إشارة أكيدة إلى العهد القديم، حيث يتم تصوير الحياة مع الله على صورة مأدبة.
أما المكان الثاني، فهو عندما يترك الابن الأصغر البيت ويبدد جميع ما ورثه. هنا ترتبط الرمزية دائما بالطعام ولكن بصورة متناقضة تماماً. ثمة مجاعة شديدة (لوقا ١٥: ١٤) ويقول الابن أنه على وشك الهلاك من الجوع (لوقا ١٥: ١٧). الخنازير وحدها هي التي تأكل (لوقا ١٥: ١٦) بينما كان سيرضى الابن بطعام الخنازير ولكن “لا أحَداً يُعطيهِ“.
وعليه هناك أب يُطعم الجميع بوفرة وحتى خدمه، ومن جانب آخر هناك الابن الذي أصبح خادماً ولكن لا يوجد أحد يعطيه شيئاً ولا حتى طعام الخنازير.
نستطيع التوقف وإعادة قراءة عناصر هذا المَثل التي تبدو أنها تشير أن دعوة الإنسان تتمثل في المشاركة في المأدبة التي أقامها الآب لجميع أبنائه، والتي بها يُغذّينا من ذاته وحياته والحياة التي تجري داخل بيته. هناك الطعام الوفير والطيّب والمجاني الذي يرغب الآب في إعطائنا إياه (راجع أشعيا ٢٥: ٦).
وخطيئة الإنسان تتمثل بالابتعاد عن هذه المأدبة والسقوط من هذه الحالة المميزة التي بها تُعطى لنا الحياة، من أجل تناول طعام لا يُرضينا ويجعلنا في النهاية نهلك من الجوع. الابن الأصغر يبتعد عن البيت الذي كان فيه ابناً ويصل إلى مكان يصبح فيه خادماً حيث يلقى معاملة أسوء من تلك التي يلقاها الحيوان ويخسر كرامته ولا يهتم به أحد. هذا المكان هو مكان عزلة وموت.
إلا أن الأب والابن الضال، كما نعرف، ليسا الشخصيتين الوحيدتين في هذا المَثَل. هنالك أيضاً الابن الأكبر الذي يبقى في البيت. وبالرغم من تمتعه بوفرة الطعام فإنه لا يأكل خبزاً يُرضيه. وعليه فإنه لا يعيش حياته كعلاقة حب بنوية، ولا يُدرك أن مصدر كل ما يحصل عليه هو هذا الحب. إنه كمن لا يملك شيئاً. فهو أيضاً يهلك من الجوع.
تأخذنا مسيرة الصوم اليوم إلى هذا البيت حيث نُعتبَر فيه أبناء وتُتاح لنا فيه إمكانية الحصول على حياة كاملة، بشرط أن ندرك أن كل شيء يأتي من الآب وبصورة مجانية. فهو ليس ثمرة أعمالنا ولكنه مكافأة يجب استحقاقها.
إن ما يُغذينا هي علاقتنا معه، علاقة تجعلنا ننفتح على أخينا الذي معه نتشارك الخبز ذاته.
إنه بيت لا نعيش فيه على الدوام لأننا غالباً ما نبتعد عنه ولكن يمكننا العودة إليه في أي وقت.