Liturgical Logo

الأحد السابع من زمن السنة (ج)

الأب لويس حزبون

يتناول سيدنا يسوع المسيح في القسم الثاني في عظته الكبرى الواجبات المطلوبة من أعضاء الملكوت (لوقا 6: 27-38) مؤكداً بان المحبة هبة والصفة المميزة للأعضاء هذا الملكوت. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 6: 27-38)
27 ((وأَمَّا أَنتُم أَيُّها السَّامِعون، فأَقولُ لَكم: أَحِبُّوا أَعداءكم، وأَحسِنوا إِلى مُبغِضيكُم”. تُشير عبارة ” أَحِبُّوا ” الى فعل إرادة وليس تبادل العاطفة. فمحبة العدو معناها العمل لصالحه. بمعنى ان نصلي من اجل الأعداء ونفكر في طرق مساعدتهم. فالمسيح أحب العالم كله بالرغم من عصيان العالم ضد الله. والمطلوب منا ان نتبع مثاله ونقتدي به في محبة الأعداء. اما عبارة “أَعداءكم” فتشير عملياً الى الرومان الذين كانوا أعداء اليهود لأنهم يضطهدونهم. الاَّ ان الرب يطلب منهم ان يحبُّوا أعدائهم. يُعد هذه الكلام لليهود متطرف وعثرة، لان اليهود اعتادوا تحت ظلم الرومان على حب الانتقام والبغض لأعدائهم، وها هو السيد السميح يقترح أسلوبا جديدا لمقابلة الظلم وهو أن نصنع العدالة والرحمة أهم من المطالبة بهما.
28″وبارِكوا لاعِنيكُم، وصلُّوا مِن أَجْلِ المُفتَرينَ الكَذِبَ علَيكُم.” يطلب يسوع المسيح أن نحب ونبارك ونصلي من اجل الذين اساؤوا الينا؛ وهذا ليس أمر طبيعي، بل نحن بحاجة الى الله كي يمنحنا القوة لنحب كما هو يُحب بدل الانتقام ونغلب الشر بالخير، بمحبة اعدائنا والصلاة لأجلهم.
29مَن ضَرَبَكَ على خَدِّكَ فاعْرِضْ لَه الآخَر. ومَنِ انتَزَعَ مِنكَ رِداءكَ فَلا تَمنَعْه قَميصَكَ.” تشير عبارة “قَميصَكَ” الى ما هو أشد الثياب ضرورة، ولا يُنزع إلاّ عن الذي يُباع كعبد كما فعل اخوة يسوع مع اخيهم يوسف لما باعوه لِلإِسْماعيلِيِّينَ، “فلَمَّا وَصَلَ يوسفُ إِلى إِخوَتِه، نَزَعوا عنه قَميصَه” (تكوين 37: 23). فما يطالب به يسوع باهظ ومع ذلك يطلب يسوع ان تسير الأمور الى النهاية، وان يعطى القميص أيضا. والقميص لا يؤخذ من أحد مهما كانت الظروف، ولكننا نعطيه كما يقال “لنكسر الشر”. ان الاضطهاد هي ميزة المسيحي. فكما ان المسيح تألم للدخول في مجده (لوقا 24: 26) كذلك لا بد للمسيحي ان يرى في الاضطهاد علامة اقتراب ملكوت الله. لا يقصد في هذه الآية عدم مقاومة الشر عامة، بل علينا بالأحرى مقاومة ابليس كما يوصي يعقوب الرسول: “قاوِموا إِبليسَ يُوَلِّ عنكُم هارِبًا” (يعقوب 4: 7) كذلك بطرس الرسول ينبّهه المؤمنين بقوله: “إِنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه، فقاوِموه راسِخينَ في الإِيمان” (1 بطرس 5: 9).
30″وكُلُّ مَن سَأَلَكَ فأَعطِه، ومَنِ اغتَصَبَ مالَكَ فلا تُطالِبْهُ به.” تشير عبارة “كُلُّ مَن سَأَلَكَ فأَعطِه” الى الموقف الإيجابي ان يتخذه المسيحي وذلك بان يتصدّق بأمواله ليجعل له كنزا في السماوات كما جاء في تعيلم سيدنا المسيح “بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد” (لوقا 12: 33). أما عبارة “مَنِ اغتَصَبَ مالَكَ فلا تُطالِبْهُ به” فتشير الى عدم استخدام العنف. وعدم الدفاع لا يعني الخنوع، فالعنف لا يولد الا العنف، والمحبة هي الرابحة في النهاية. اما الدفاع عن العنف بالعنف لا يدل دوما على القوة.
31″وكَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم.” تشير عبارة “كَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم” الى قاعدة ذهبية معروفة في العالم اليهودي والوثني القديم في صيغة سلبية ” لا تفعل بالآخرين ما لا تريد ان يُفعل بك”. وهي تعني عمل الخير للحصول على الخير بالمقابل. لكن يسوع وضعها في صيغة إيجابية وأضفى طابعا جديدا وهو المبادرة الى عمل الخير للناس دون توقع المبادلة استنادا على المحبة كي نكون على مستوى الآب المساوي. وهذه القاعدة الذهبية كما صاغها يسوع، هي أساس اعمال الخير والرحمة؛ وهذا ما يصنعه الله معنا كل يوم. هذه الآية في نظر متى الإنجيلي خلاصة وحي العهد القديم “فكُلُّ ما أَرَدْتُم أَن يَفْعَلَ النَّاسُ لكُم، اِفعَلوهُ أَنتُم لَهم: هذِه هيَ الشَّريعَةُ والأَنبِياء” (متى 7:12). امّا الشريعة والانبياء في نظر لوقا الإنجيلي فهي قبل كل شيء نبوءات في يسوع كما يؤكده يسوع لتلميذي عمواس “فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه” (لوقا 24: 27).
“32فإِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ لأَنَّ الخَاطِئينَ أَنفُسَهُم يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُم.” تشير عبارة “فإِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكم” الى دعوة يسوع الى النزاهة في المحبة والبُعد عن السُّوءِ وترك الشبهات وعدم انتظار المكافأة الا من الله “إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً، فلا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ولا إِخوَتكَ ولا أَقرِباءَكَ ولا الجيرانَ الأَغنِياء، لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ المُكافأَةَ على صنيعِكَ” (لوقا 14: 12). اما عبارة “فَضْل” باليونانية χάρις فتشير الى فكرة الامتنان وإحسان بلا مقابل، هِبة، نعمة. وهذه الكلمة توحي في نظر لوقا بحظوة عند الله ورضاه (لوقا 1: 30) وبنعمته تعالى (لوقا 17: 9) تجاه الخطأة. اما متى الإنجيلي فيستخدم اللفظة القانونية μισθός ومعناها ” أجر” الذي يستخدم في جباية الضرائب (متى 5: 46)، أو الأجرة، بمعنى ما هو مستحق. اما عبارة “الخَاطِئينَ أَنفُسَهُم يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُم” فتشير الى مثل يسوع عن جابي الضرائب – العشار الخاطئ-الذي كان يسرق من جهة، ويتعامل مع العدو من جهة ثانية (متى 9: 10-11). فما الفرق بين الخاطئ والمسيحي؟
“33وإِن أَحسَنتُم إِلى مَن يُحسِنُ إِليكُم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ لأَنَّ الخاطِئينَ أَنفُسَهُم يَفعَلونَ ذلك”. تشير عبارة “أَحسَنتُم” الى لفظة اخلاقية استخدمها لوقا الإنجيلي بدل التحية الواردة في انجيل متى “إِن سلَّمتُم على إِخواِنكم وَحدَهم، فأَيَّ زِيادةٍ فعَلتُم؟” (متى 5: 47). أمَّا عبارة “الخاطِئينَ” فيستخدمها لوقا بدل كلمة “الوثنيين” الوارد ذكرهم في متى (5: 46-47). يركز لوقا الإنجيلي على التعارض بين فضل الناس وفضل الله، ويبيّن يسوع ان فضل الله مُطلق ولا يعود إلاّ لعطائه المجاني كما جاء في تعليم سيدنا يسوع المسيح “أَلا يَجوزُ لي أَن أَتصرَّفَ بِمالي كما أَشاء؟” (متى 20: 15). يريد يسوع ان يُبيّن ان رأفة الله تفوق مقاييس البشر في المكافأة المفهومة كأجرة مستحقة.
34″وإِن أَقرَضتُم مَن تَرجُونَ أَن تَستَوفوا مِنه، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ فهُناكَ خاطِئونَ يُقرِضونَ خاطِئينَ لِيَستَوفوا مِثلَ قَرْضِهم”. يدعونا يسوع الى التجرد في دعوتنا المسيحية والابتعاد عن القول: أعطي الآخر اليوم لكي يعطيني غداً”.
35ولكِن أَحِبُّوا أَعداءَكم، وأَحِسِنوا وأَقرِضوا غَيرَ راجينَ عِوَضاً، فيَكونَ أَجرُكم عَظيماً وتكونوا أَبناءَ العَلِيّ، لِأَنَّهُ هو يَلطُفُ بِناكِري الجَميلِ والأَشرار. تشير عبارة” أَحِبُّوا أَعداءَكم” الى ان لا أعداء للمسيحي، لأنه يعتبر كل واحد قريبه (لوقا 10: 20-37). وعليه ان يقتدي بالآب السماوي الذي لا يميّز بين الاخيار والاشرار حين يشرق شمسه او يرسل مطره (متى 5/ 45). اما عبارة “أَحِسِنوا وأَقرِضوا غَيرَ راجينَ عِوَضاً” فتشير الى ان ما نعطيه من مال للآخرين ينبغي ان نعتبره هبة او عطية من أجل الله، وليس على سبيل التعالي أو القرض.
36″كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم.” تشير عبارة ” أَباكُم رَحيم” الى ان الله رحيم، وهو تعبير تقليدي من تعابير العهد القديم (خروج 34:6، وتثنية الاشتراع 4: 31 ومزمور 78/ 37). فيما يتكلم متى الإنجيلي عن كمال الله “كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل “(متى 5: 48) يحدِّده لوقا الإنجيلي في الرحمة. فإن انجيله هو إنجيل الرحمة. والمطلوب من التلاميذ الكمال على مثال الآب السماوي، فكمال التلاميذ يجب ان يكون مطابقا لكمال الله الرحيم الذي يشمل حبه: “الابرار والاشرار” (متى 5: 45).
37″لا تَدينوا فَلا تُدانوا. لا تَحكُموا على أَحَدٍ فلا يُحكَمَ علَيكم. أُعْفُوا يُعْفَ عَنكم.” تشير عبارة “لا تَدينوا” الى ان لا تنتقدوا الآخرين. ليس لنا ان نحاول تحديد المسؤوليات او التمييز، في موقفنا او مسلكنا إزاء الآخرين، بل ان نعامل الجميع بملء المحبة. فعلينا ان نحب الآخرين لا ان ندينهم. اما الدينونة الحقة فهي من شؤون العائلة وتمتد أيضا الى الذين داخل الكنيسة كما جاء في تعليم بولس الرسول ” أَما علَيكُم أَنتُم أَن تَدينوا الَّذينَ في داخِلِها؟ َمَّا الَّذينَ في خارِجِها (غير المسيحيين) فاللّه هو الَّذي يَدينُهم. أَزيلوا الفاسِدَ مِن بَينِكُم”(1 قورنتس 5: 12). ان الله هو الديان فلا نأخذ مكانه، لأننا لا نعرف قلب الانسان ونواياه. هذا القول لا يمنعنا من ان نعطي حكمنا على القريب، أقلّله فيما يظهر من أقواله وأعماله، بل نحذر من احتقار القريب والحكم عليه بقساوة. اما عبارة “تُدانوا” ويُحكَمَ “. يُعْفَ ” فتشير هذه الأفعال الى صيغة المجهول للأفعال عن دينونة الله. فمن دان نال دينونة الله. اما عبارة “أُعْفُوا يُعْفَ عَنكم ” فتشير الى مبدأ العفو والغفران. والغفران غير قابل للفصل عن قبول نعمة الله المجانية، وهو يتضمن الادراك ان المسيح احتمل آلام عقاب الخطيئة على الصليب (متى 6: 14-15)؛ وهذا يعني اننا لا نستوجب عقابا آخر بل ان نعفو الأخرى كما أعفى الرب عنا حسبما في تعليم السيد المسيح “أَفما كانَ يجِبُ عليكَ أَنتَ أَيضاً أَن تَرحَمَ صاحِبَكَ كما رحِمتُكَ أَنا؟ ” (متى 18: 33)؛ وعليه ينبغي ان تُظهر الرحمة والصفح بسخاء للجميع.
38أَعطُوا تُعطَوا: سَتُعطَونَ في أَحضانِكُم كَيْلاً حَسَناً مَركوماً مُهَزْهَزاً طافِحاً، لِأنَّه يُكالُ لَكم بِما تَكيلون)). تشير عبارة “َأحضانِكُم” الى عادة اهل الشرق في جمع الحبوب وذلك برفع ذيل ردائهم وجعلوها فيه كما جاء في رواية بوعز وراعوت اذ قال بوعز لراعوت: “هاتي الرَّداءَ الَّذي علَيكِ وأَمسِكيه ((فأَمسَكَته، فكالَ لَها فيه سِتَّةَ أَكْيالِ شَعيرٍ وجَعَلَها علَيها”(راعوت 3: 15). اما عبارة “مَركوماً” فتشير الى ما فيه مجتمع بعضه على بعضه الآخر.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (لوقا 6: 17، 20-26)
يتمحور نص الإنجيلي (لوقا 6: 17، 20-26) على القسم الثاني من عظة يسوع الكبرى حول مواقف انجيلية أساسية اهمها المحبة للأعداء والرحمة.
1)محبة الأعداء :داخل عالم لا رحمة فيه، يدعو المسيح الى محبة الأعداء. لا يتكلم يسوع هنا في صورة نظرية بل واقعية ويصف الأعداء بقوله: هم الذين “يبغضونكم”، الذيم “يلعنونكم”، الذين “يفترون عليكم”، الذين “يضربونكم”، الذي “ينتزع رداءك”، الذي “يسلبك”، الأشخاص الذين يلحقون بنا الأذى بطريقة او بأخرى ودسائسهم لا تعرف رحمة ولا شفقة.
تعلِن هذه الوصايا عن ترجمة طاقات الحب عمليًا، فإن أُصيب الإنسان في كرامته (الضرب على الخد)، ينبغي ان يستعد لاحتمال أكثر فأكثر من أجل كسب أخيه الذي يُعاديه. وإذا أُصيب الإنسان في ممتلكاته الخاصة كالرداء، عليه ان يحمل سِمة سيِّده يسوع المسيح فيكون محبًا للعطاء أكثر من الأخذ، من يسأله يعطيه، ومن يقترض منه لا يطالبه برد الدَيْن. فغاية هذه الوصايا أمران: كسب الغير وممارسة العطاء.
وعليه فإن يسوع يطلب منا ان نحب الأعداء من خلال مواقف محسوسة وواقعية: ان نرد العداوة بالحب. هذا الحب يترجم إلى عمل رحمة: “اَحسنوا إلى مبغضيكم”، “أَحسِنوا لهم”، “وبارِكوهم”، “وصلُّوا مِن أَجْلِهم”، اعطوهم، لا تطالبوهم “وكَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم”. فعيش الانجيل ليس سهلا، وطريقه ليست دائما مفروشة بالورد وهي ان نقابل اللعنة بالبركة، والحقد بالحب، والكراهية بالمودة، والعنف باللين، والظلم بالرحمة.
ومثالنا في محبة الأعداء هو يسوع. فإنه تعرّض للأعداء ” لم يُريدوني مَلِكاً علَيهم” (لوقا 19: 27). وقد سلّموه للموت، وهو، من فوق صليبه قد غفر لهم “يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون”(لوقا 23: 34). وهكذا ينبغي أن يصنع التلميذ”، اقتداء بمعلمه الذي “شُتِمَ ولَم يَرُدَّ على الشَّتيمَةِ بِمِثلِها. تأَلَّمَ ولم يُهَدِّدْ أَحَدًا، بل أَسلَمَ أَمْرَه إِلى مَن يَحكُمُ بِالعَدْل” (1 بطرس 2: 23). وقد سار على خطاه الشماس إسطفانس الذي جثا أمام الله، والحجارة تتساقط حوله طالبًا إلى المولى القدير أن يغفر آثام راجميه، إذ “صاحَ بِأَعْلى صَوتِه: يا ربّ، لا تَحسُبْ علَيهم هذهِ الخَطيئَة ” (أعمال الرسل 7: 60). ولم يتردد بولس الرسول ان يقول “نُشتَمُ فنُبارِك، نُضطَهَدُ فنَحتَمِل، يُشَنَّعُ علَينا فنَرُدُّ بِالحُسْنى” (1 قورنتس 4: 12-13).
فالمسيحي بتصرفه هذا مع عدوه يطبّق وصيّة بولس الرسول: “لأَنَّكَ في عَمَلِكَ هذا تَرْكُمُ على هامَتِه جَمْرًا مُتَّقِدًا” (رومة 12: 20). وليس في الأمر انتقاماً؛ قد تتحوّل هذه النار إلى حب إذا ما تقبل العدوّ ذلك. فالإنسان الذي يحب عدوّه، يستهدف تحويله إلى صديق، ويتخذ الوسائل المؤدية لذلك بحكمة. وقد سبقه الله نفسه في هذا المضمار” صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ َابِنه ونَحنُ أَعداؤُه” (رومة 5: 10). الآب السماوي الذي سامح بأبنه يسوع كل شيء، يقدر ان يعلم أبناءه كيف يغلبون اللعنة بالغفران “المحبة لا تَحنَقُ ولا تُبالي بِالسُّوء” (1 قورنتس 13: 5) وبالمحبة “أَحِبُّوا أَعداءكم، وأَحسِنوا إِلى مُبغِضيكُم” (لوقا 6: 27) وبالصفح ” واصفَحوا بَعضُكم عن بَعضٍ إِذا كانَت لأَحَدٍ شَكْوى مِنَ الآخَر. فكما صَفَحَ عَنكُمُ الرَّبّ، اِصفَحوا أَنتُم أَيضًا” (قولسي 3: 13) وبالصلاة “صلُّوا مِن أَجْلِ المُفتَرينَ الكَذِبَ علَيكُم ” (لوقا 6: 28) وهنا تمتزج المحبة بالعبادة؛ فنشتهي خلاص المسيئين إلينا وشركتهم معنا في المجد بالصلاة عنهم لتوبتهم.
فالمسيحي لا يقدر بعد ان يلعن كما جاء في تعليم القديس بطرس الرسول “لا ترُدُّوا الشَّرَّ بِالشَّرّ والشَّتيمَةَ بِالشَّتيمَةَ، بل بارِكوا، لأَنَّكم إِلى هذا دُعيتُم، لِتَرِثوا البَركة” (1 بطرس 3: 9). فعلى المسيحي إذاً ان يبارك لاعِنيه على مثال الرب (لوقا 6: 28). فالمسيح لم يأتِ ليلعن ويدين (يوحنا 3: 17) فهو بالعكس يحمل البركة. وخلال حياته لم يلعن أحداً ابداً، لكنه لم يتردد على تفوه بالتهديديات والانذارات ونبوءات مؤلمة للكتبة والفريسيين “الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَع والشُّمْرَةِ والكَمُّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في الشَّريعة: العَدلَ والرَّحمَةَ والأَمانة ” (متى 23: 23) كما وجّه يسوع إنذارات لمدن الجليل غير المؤمنة “الوَيلُ لَكِ يا كُورَزين! الوَيلُ لَكِ يا بَيتَ صَيدا!” (متى 11: 20)، كما تنبا للإنسان الذي يسلم بواسطته ابن البشر “الوَيلُ لِذلِكَ الإِنسانِ الَّذي يُسلَمُ ابنُ الإِنسانِ عن يَدِه. فلَو لم يُولَدْ ذلكَ الإنسانُ لَكانَ خَيراً له” (متى 26: 24). ولن تظهر كلمة لعنة على شفتي يسوع إلاّ في مجيئه الأخير “يقولُ لِلَّذينَ عنِ الشِّمال: إِليكُم عَنِّي، أَيُّها المَلاعين، إِلى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ المُعدَّةِ لإِبليسَ وملائِكَتِه ” (متى 25: 41).
اما فكرة يسوع عن المحبة فهي محبة شاملة ومجانية وبلا حدود. فالمحبة المسيحية شاملة، بمعنى انها تتجاوز الجماعة المبنية على أواصر القربى الدم والعائلة، العشيرة، القبيلة، والعرق، والقومية، والدين. فالمحبة المسيحية هي محبة مجانية، لا تقوم على الربح والمنفعة والمصلحة او على الحاق الضرر والاذى بمصلحة الآخرين. والمحبة المسيحية أخيراً هي بدون حدود، فهي تتخطى جميع السنن النفسية والاجتماعية التي هي طبيعية، وهي تطال جميع البشر بما فيهم الأعداء والخصوم. انها رحمة من اجل المسيح، لا تعرف حدأ ولا تضع شرطا.
ومطلوب ان تنمو المحبة كماً ونوعاً. نقصد “كمّا” بان نحاول ان نحبَّ كل يوم أشخاصا أكثر فأكثر في هذا العالم الواسع، اما “نوعا: فنقصد ان نحب كما يحب الله فنقتدي بالحب اللامحدود وأن نكون علامة حب الآب الذي يحب كل الناس حتى “أعدائه”. وفي هذا الصدد قال العلامة أوغسطينوس “منعنا الله أن نحب الرذيلة التي في العدو، بل أن نرتبط بمحبَّة طبيعيّة معه”.
وقد يعترض البعض بقوله: “كان المسيح إلهًا أما أنا فإنَّسان ضعيف”. فيجيب القديس كيرلس الاول ” أيها الإنسان اعلم أن الله لم يجرِّدك من روح رأفته ومحبَّته، فهو بجوارِك، لا بل في داخلك، هو فيك بالروح القدس، لأننا نحن مسكنه وهو يسكن في نفوس محبِّيه، هو الذي يعضِّدك بيمينه، فلا تتزعزع، ويمسك بك فلا تسقط. إذن “لا تَدَعِ الشَّرَّ يَغلِبُكَ، بلِ اغلِبِ الشَّرَّ بِالخير” (رومة 12: 21).
2) الرحمة:
يطلب يسوع منا الكمال “فكونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل” (متى 5: 48). والكمال الذي يتطلَبه المسيح من تلاميذه، يقوم، في إبداء الرحمة ” كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم” (لوقا 6: 36). يطلب يسوع منا الرحمة من خلال مواقف محسوسة وواقعية: “لا تَدينوا”، “لا تَحكُموا على أَحَدٍ”، “ُأعْفُوا”. فالرحمة شرط أساسي لدخول ملكوت السماوات “طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون” (متى 5: 7). وينادي يسوع بالرحمة (متى 6: 13) مردداً كلمات هوشع النبي “إنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً وَمَعْرِفَةَ اللَّهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ ” (هوشع 6: 6).
هذه الرحمة يجب أن تجعلني شبيه بالسامري الصالح (لوقا 10: 30-37)، قريباً من الشخص البائس الذي تجمعني به الصدفة، ورحيماً بمن يكون قد أساء اليَّ، لأن الله قد منحني رحمته “أَفما كانَ يجِبُ عليكَ أَنتَ أَيضاً أَن تَرحَمَ صاحِبَكَ كما رحِمتُكَ أَنا؟” (متى 18: 33). فالرحمة تجعل البشر كالله. وعليه فإن كانت الرحمة تدفعنا للتشبُّه بالله الرحيم نفسه؛ فإنَّنا إذ نطلب رحمة يلزمنا أن نرحم اِخوتنا ولا ندينهم: لا تَدينوا فَلا تُدانوا. لا تَحكُموا على أَحَدٍ فلا يُحكَمَ علَيكم” (لوقا 6: 37). فمن يدين أخاه ينشغل بخطايا الغير لا بخطاياه ويفقد القوَّة على إصلاح نفسه متطلِّعا على الدوام نحو أخيه، لذلك يقول المسيح: “أَيُّها المُرائي، أَخْرِجِ الخَشَبَةَ مِن عَينِكَ أَوَّلاً، وعِندَئِذٍ تُبصِرُ فتُخرِجُ القَذى مِن عَينِ أَخيك ” (متى 7: 5)؛ لذلك يقول بولس الرسول ” لا عُذر َلَكَ أَيًّا كُنتَ، يا مَن يَدين، لأَنَّكَ وأَنتَ تَدينُ غَيرَكَ نَحكُمُ على نَفْسِكَ، فإِنَّكَ تَعمَلُ عَمَلَه، يا مَن يَدين (رومة 2: 1). في قصة المرأة الزانية يسوع قد أدان الخطيئة لا الإنسان؛ فقالَ لها يسوع: وأَنا لا أَحكُمُ علَيكِ. إِذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة”. (يوحنا 8: 11).
وهكذا سوف ندان بقدر الرحمة التي نكون أظهرناها لشخص يسوع ذاته، في الانسان الجائع والغريب، والمريض المنبوذ ولو على غير علم منا كما جاء في تعليم يسوع عن الدينونة العظمى “يُجيبُه الأَبرار: ((يا رَبّ، متى رأَيناكَ جائعاً فأَطعَمْناك أَو عَطشانَ فسَقيناك؟ ومتى رأَيناكَ غريباً فآويناك أَو عُرياناً فكَسَوناك؟ ومتى رَأَيناكَ مريضاً أَو سَجيناً فجِئنا إِلَيكَ؟)) فيُجيبُهُمُ المَلِك: ((الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه ” (متى 25: 37 -40). لكن الغضب الإلهي ينصب على الذين تجردوا من الرحمة الذين “لا فَهمَ لَهم ولا وَفاء ولا وُدَّ ولا رَحمَة” (رومة 1: 31).
لذا يجب على المسيحي أن يُبدي المحبة والعطف (فيلبي 2: 1)، وأن يكون قلبه عامراً بالرحمة كما يوصينا بطرس الرسول ” كونوا مُتَّفِقينَ في الرَّأي، مُشْفِقينَ بَعضُكم على بَعض، مُتَحابِّينَ كالإِخوَة، رُحَماءَ مُتَواضعين ” (1 بطرس 3: 8). فلا يجوز له أن يغلق أحشاءه لأخ يقع في عوز، لأن محبة الله لا تستقر إلا فيمن يمارسون الرحمة (1 يوحنا 3: 17).

خلاصة
إن سمات الإنسان العادي أنه يحب الذين يحبونه، ويقرض الذين يتوقع أن يسترد منهم، وبكلمة أخرى ان يتعامل بالمثل. أما الإنسان المسيحي فهو خليقة جديدة كما يقول بولس الرسول”إِذا كانَ أَحَدٌ في المسيح، فإِنَّه خَلْقٌ جَديد” (2 قورنتس 5: 17)، لأن كل الأمور تجدَّدت في المسيح وبالمسيح. فهو يتخذ من شخص يسوع المسيح مثالًا له في الحب والرحمة. الرب ينعم على غير الشاكرين والأشرار. وعليه فالمسيحي مدعو الى الحب الفائق، هذا الحب الذي يُترجم إلى عمل محبَّة ورحمة: حب ينبع من الداخل دون انتظار مقابل، ويشمل الأعداء أيضاً، وإحسانه يشمل المبغضين، وصلاته ترفع لأجل المسيئين إليه أيضًا. وبدافع من الرحمة، لا يدين أخاه، بل يغفر له، ويفعل الخير وهو لا ينتظر شيئا، ولا يحكم في أحد، ويُعطي بسخاء. إذ يليق بالإنسان البار التقي أن يكون مستعدًا لاحتمال الضرر بصبر من الذين يريدهم أن يصيروا صالحين، حتى يتزايد عدد الصالحين عوض أن يُضاف هو نفسه إلى عداد الأشرار، بكونه يثأر لنفسه عمَّا يصيبه من ضرر.
فإنَّ احتمال بغض الناس وتعييراتهم ومضايقاتهم بقلب متسع بالحب من أجل الملكوت هو غاية التطويب، إذ فيه يبلغ المؤمن الرجولة الروحيّة أو النضوج الحق وفي هذا الصدد قال القديس ايرونيموس ناسك بيت لحم: “طوبى للإنسان -ليس كل إنسان-بل ذاك الذي يبلغ كمال الرجولة في المسيح”. بمعنى آخر، ما تبغيه كلمة الله منا في احتمالنا الآخرين بفرح هو التمتَّع بسمات السيِّد المسيح المتألّم من أجل أعدائه،” شُتِمَ ولَم يَرُدَّ على الشَّتيمَةِ بِمِثلِها. تأَلَّمَ ولم يُهَدِّدْ أَحَدًا، بل أَسلَمَ أَمْرَه إِلى مَن يَحكُمُ بِالعَدْل” (1 بطرس 2: 23)، فنصير حقاً أعضاء جسده الناضجين.
لكن الفضيلة المسيحية لا تتجزأ، فكما أن الانسان المسيحي يُعطي ويبذل ويتسامح هكذا أيضًا له أن يعاتب في محبة من يخطئ إليه،”إِذا خَطِئَ إِلَيكَ أَخوكَ فوَبِّخْهُ، وإِن تابَ فَاغفِرْ له. 4وإِذا خَطِئَ إِلَيكَ سَبعَ مَرَّاتٍ في اليَوم، ورجَعَ إِلَيكَ سَبعَ مَرَّاتٍ فقال: أَنا تائِب، فَاغفِرْ له”(لوقا 17: 3-4)؛ وله أن يطالب بحقوقه بطريقة إنسانية بعيداً عن العنف كما فعل بولس الرسول تجاه بطرس الرسول ” لَمَّا قَدِمَ صَخْرٌ (بطرس) إِلى أَنْطاكِية، قاوَمتُه وَجْهًا لِوَجْهٍ لأَنَّه كانَ يَستَوجِبُ اللَّوم” (غلاطية 2: 11).