Liturgical Logo

الأحد السادس من زمن السنة (ج)

الأب بيتر مدروس

كتب ف . اسنسيو : “يدخل تاريخ الخلاص بشكل كامل في ميدان العلاقات بين الله والانسان. ويمكن القول انه يختلط بهذا الميدان. إنه لقاء انساني الهي، لاهوتي اساسًا ، يسمح بأن نحسب اللاهوت لاهوتًا انسانيًا انثروبولوجيًا أو انثروبولوجية لاهوتية ، بأخذ القطب الثنائي الله- الانسان، أو الانسان-الله المتداخل هنا. ولكن ، إن لم يرد المرء أن يقع في تحزب خطير عقائديًا ، يجب أن يثمّن المرء أو أن يقدُر حق القدر كُلاًّ من هذه العناصر ، محاولاً رؤية اتجاه كلّ منها وشأنه ، عن طريق الكتاب المقدس”.

الفقير الذي هو أيضًا متواضع
أشارت دراسة رالفس أن ال “فقير” هو انسان قهره العِوَز والكآبة في حياته، في حين أن ال “المتواضع” هو الإنسان الذي يرى صغره وضعفه امام الرب، بحيث أن لفظة “المتواضعين” صارت تعني “المؤمنين ، المتّقين”. أمّا ر. كيتّل فقد اتّجه نحو “روحنة” أعمق أي معنى معنوي لا مادي للّفظين المذكورين بحيث صارا – حسب رأيه – يُشيران الى المظلومين في المجتمع . ومؤخّرًا ، يتبنّى كثيرون نظرية أ. جلان ومفادها : مفردات الفقر أصلها اجتماعي (أي عوز مادّي) أصبحت تحمل معنًى روحانيًا كثيفا” هو التواضع.
فعلاً، يعتقد جلان أن وضع الفقر الاجتماعي أثّر نفسيًا على المعوز فصار وديعًا متواضعًا. وهكذا بات الفقير “زبون الله” أو ضيفه، في موقف التقبّل والتسلّم للنعمة الالهية ، مع الاستعداد للخدمة والطّاعة تجاه المشيئة الربانية.
وينسب جلان تطوّر الموقف والمفهوم – من فقر مادي الى تواضع معنوي – الى تأثير الانبياء ، والى واقع الجلاء – الذي كان مذلّة مبينة. ويكمل رولاند أ . مورفي تلخيصه للتفسيرات المختلفة موردًا موقف موفينكل الذي اعتقد أن “الفقراء- المتواضعين” كانوا الأفراد الذين اساء اليهم الأشرار ولا سيّما المُشعوذون والسّحرة. “وبسبب كثرة الآراء وتنوّعها ، يبدو أن لفظة “فقير” يمكن أن يشير الى معنى اجتماعي وروحاني ديني.
الفقراء-المتواضعون هم الذين يعانون من كل انواع العِوز أي كل اصناف الاحتياجات وهم موضوع تهديد من اعدائهم. ان الفقراء المتواضعين بشر يعيشون في الضيق والقلق بحيث يتّكلون على الله وحده في كلّ شيء ومنه تعالى ينتظرون الكلّ لأن لا شيء لهم.
أمّا دراسة جنفرانكو رافازي الضخمة عن المزامير في ثلاثة مجلّدات ،فإنها تجد تعريفًا جميلاً جدّا للفقير: انّه قبل كلّ شيء رجُل الثقة بالله وهو تعالى له ملجأ وصخرة ولن يتخلّى عنه الرب.
التواضع يتبع القهر – على الأقلّ مبدئيًا . يشرح فويير – مقتبساً عن رابي يوناه في “أبواب التوبة” (“شعاريه هاتشوباه”) أن الكبرياء والترفّع سبب خطايا أخرى . الأثيم المستكبر يطارد البائس الفقير مطاردة الضواري – ولا سيّما الأسد- للفريسة .
ويرى رافازي أن الصرخة الدراماتية المأساوية “لماذا يا رب ؟” لسان حال “الفقير” ، وهي من أصفى الابتهال وأعمقه، أمام استفحال الإثم وذلّ الأتقياء المستضعفين. “وراء هذا ال”فقير” تختبىء حشود المظلومين المُستغَلّين المستضعَفين الذين يستعلي الأثيم بسبب هزيمتهم أمامه” (رافازي).

اذا كان أحدهم ثريّاً وكان له قريب فقير ، يحاول أن ينكر هذه القرابة . وكلما رأى المعوز يختبىء منه لأنه يخجل من الكلام معه. الله ليس كذلك! ولا يتنكّر تعالى لامّته وشعبه، انه الشعب الفقير البائس المظلوم! عندما يرى الله الفقراء يسعى اليهم دائما”.
وقال رابي يوحانان :”اذا رأيتم جيلاً يتخبّط في الفقر والبؤس ، فانتظروا مجيء المشياح لأنه يكون وشيكا، بما أن (الكتاب) يقول : “إنك تخلّص الشعب المسكين” . هذا الفعل يُشير إلى عمل الخلاص الرسمي والحصري “توشياع” ، الذي يذكّرنا بالفادي “يهوشواع” أي الربّ يخلّص (واسمه على جسمه Nomen omen) .
بشّر المَلَك مار يوسف العفيف عن مريم خطيبته : “ستلد ابنًا وتدعو (أنتَ) اسمه “يسوع” لانّه يخلّص شعبه من خطاياهم” (متّى 1 : 21). فيسوع هو هو الرب الاله الذي ينقذ “الشعب المسكين” . ويتألّق سموّ العهد الجديد بالروحنة والشمولية بحيث ان الخلاص ليس فقط انقاذًا من نوائب بشرية أو مصائب زمنية بل هو خلاص أبدي يضمن خلودًا سعيدًا لأناس حُرّروا من عبودية الخطيئة ، وهي شرّ الشّرور.

خاتمة
نأمل أن نكون من النفوس الفقيرة “المتّضعة” تحت يد الله القديرة، كما كتب مار يعقوب أوّل أساقفة مدينتنا المقدّسة!