Liturgical Logo

الأحد ١٦ من زمن السنة (أ. مدروس)

الأب بيتر مدروس

يقرأ المرء ، في الفصل الثاني من الرسالة التي وجّهها القدّيس بولس الإناء المختار إلى المسيحيين المعاصرين، ومنهم قوم أفسس (اليوم في تركيا) ، أنّ يسوع “أبطل شريعة الوصايا”.

ولكنّ النّص والسّياق يفرضان استثناء الوصايا العشر، إذ يكتب رسول الأمم في تلك الآيات والفصل عن “الحاجز” الذي يفصل بين العبرانيين والأمميّين وعن العداوة بينهما، بحيث أنّ الكلام ليس على الإطلاق عن إبطال – حاشى وكلاّ – للكلمات العشر التي تجمع كلّ بني البشر، إذ هي محفورة في قلوبهم أجمعين، بل عن تشريعات خصوصيّة تفنّن فيها الربانيّون والحاخاميّون ولا سيّما التلموديّون، وزادوا فيها نحو ستمائة وثلاث وصايا (“ميتسفوت”) على الكلمات العشر. وانتهى بهم الأمر – كما لامهم السيّد المسيح – بأن “أهملوا شريعة الله وتعلّقوا بتقاليد البشر”.

وقد باتت الكتابات التلموديّة والربابينيّة الأخرى تحظى بقيمة الكتب المقدّسة الملهَمة الموحى بها (أي اسفار العهد القديم). وأمست تلك التشريعات تميّزاً للعبرانيين ونوعا من الامتياز لا يخلو من استعلاء ولا خيلاء. وما تردّد كتّاب التلمود البابلي، على سبيل المثال، في بحث “السنهدرين” (أي “المجمع) أن ينعتوا أطفال الجوييم (غير اليهود) بالحيوانات، وأن يحسبوا نساء الوثنيين نجسات منذ ميلادهنّ، وحرّموا على العبري إعادة خيرات اقترضها من وثنيّ وأقاموا الحواجز والجدران (وما أشبه اليوم بالأمس!) بينهم وبين “الأمم”، بتشريعات تشمل النّظافة والطّهارة ولا سيّما الجسديّة. وذهب الأمر عند نفر منهم أنّهم توهّموا من عند الله إرادة صريحة باستئصال الوثنيين لا لشيء سوى لأنّ الوثنيين – حسب رأي بعض العبرانيين- كانوا يعرّضون التوحيد العبريّ والأخلاقيّات اليهوديّة للخطر والانزلاق في تعداد المعبودات الوثنيّة وفي الفساد والانحلال. وأتى ال”حيرم” ليسمح حسب عقليّتهم بمجازر تستهدف الوثنيين حفاظاً على طهارة الإيمان ونقاوة الأخلاق.

ما طلب منّا السيّد المسيح المحافظة على أيّ من تلك التشريعات، بل أراد الهدف منها أي النقاوة والنصاعة في العقيدة والأخلاق، من غير سفك دماء ولا أحكام إعدام (عن متّى 26: 52، يوحنا 8). وفي شأن الوصايا العشر أكّد يسوع للشاب الغنيّ: “إذا أردت َ أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا: لا تقتل لا تسرق لا تزنِ أكرم اباك وأمّك …”

وفي الرسالة إلى أهل رومة، لخّص رسول الأمم مار بولس الوصايا – وهي فعلاً كذلك – بالمحبّة لله (أول ثلاث وصايا)، والمحبّة للقريب (السبع الأخريات)، مع المحبّة المتّزنة للنفس من غير أنانية. واستنتج القدّيس بولس: “المحبّة هي تمام العمل بالشّريعة”. وفي الرسالة إلى أهل غلاطية ، رفض رسول الأمم (كما تمّ بشكل غير مباشر في مجمع القدس حسب أعمال الرسل 15: 20 وتابع) – رفض إجبار المسيحيين الجدد على التقيّد بالتشريعات الغذائيّة والنظافيّة العبريّة التلموديّة (والنظافة أمر مفروغ منه مطلوب للقلب والجسد) .

المسيحيّة لا مثاليّة غير واقعيّة ولا انفلاتيّة!
تتعرّض المسيحيّة لاتّهامين متناقضَين. الأولى: بأنّ مثاليات السيّد المسيح والإنجيل الطاهر وسائر العهد الجديد خياليّة غير واقعيّة. ويُجيب المرء على هذا الاعتراض لا بكلمات بل بواقع سِيَر الآلاف من جحافل القدّيسين والقدّيسات، من اكليروس وعلمانيين في كلّ العصور وفي أصعب الأوقات. ويكفي أن يقرأ المرء السنكسار أو ال”مارتيرولوجيون” أي حياة القدّيسين، ليرى التنوّع في قداستهم وبِرّهم وفضائلهم وبطولتها.

ويلحظ بصواب الكاتب الفرنسيّ المعاصر”والتر” أنّ المسيسحيّة غيّرت جذريًّا شعوبًا متوحّشة قاسية ، ما لبثت بعد أعوام أو أجيال أن “لبست أحشاء الحنان والرأفة واللطف والتواضع والأناة” وأصبحت حتّى أيامنا – وهي تلبس “وداعة المسيح” – من الشعوب المُسالمة الهادئة الراقية .

وإنّ نشر بعض المفكّرين غير المسيحيين – خصوصاً منذ سنة 1968، ولا سيّما “الفيلسوف” الفرنسي العبري هربر ماركوز والناشط “كوهن بنديت” – أفكارًا تدعو إلى الانفلاتيّة والتحرّر من كلّ القِيَم والأخلاقيّات، وإنْ كان نفر من البشر قد سبح في ذلك التيّار الملوّث وسمح – بخلاف الإنجيل الطاهر – سمح بالإجهاض والعلاقات خارج الزواج المقدّس أو بزيجة المثليين والمثليّات، أو سوى ذلك من الموبقات، فاللوم لا على الإنجيل المقدّس الذي يحرّمها، ولا على الكنيسة – وخصوصًا قداسة البابا، خليفة القديس بطرس، في حاضرة الفاتيكان، ولا على مجامع الأساقفة في الكنائس الرسوليّة، بل على المروّجين لتلك الانحرافات والداعمين لها اقتصاديّاً وإعلاميّاً، واللوم طبعا على كلّ من يقع في حبائل الشّر وفي “شرك إبليس”، بخلاف هدى الإنجيل الطاهر، الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويريد أن يسارع أهله في الخيرات!

وهكذا يزول الاعتراض الثاني على “الانفلاتيّة” المزعومة في “المسيحيّة” – إذ ليست في المبدأ ولا في الدين ولا في المذهب ولا حتّى في كلّ المجتمعات. ويفخر المسيحي العربيّ خصوصًا في الوطن ومع الضغوط والتغييب في المهاجر – يفخر أنّه يسعى – على الضعف البشري – للمحافظة على قِيَم الإنجيل المقدّس وعلى عاداتنا وتقاليدنا الحميدة وصوننا لبناتنا خصوصًا واحترامنا للزواج الذي هو “مكرّم عند الكلّ” والحمد لله!

خاتمة
يبقى البشر بشرًا ضعيفًا، ولكن نعمة الله ترافقه وتحميه وتكفيه. والطامة الكبرى – كما قال أحد المفكّرين الفرنسيين – هي التالي: “من كثرة ما يخالف بعضهم في تصرّفاتهم ما يفكّرون به، ينتهون إلى التفكير كما يتصرّفون”. وقد كتب أحدهم – وأحسبه الكاهن الكاثوليكي العبقري “تيوبالد بيير” – عن أحد زعماء التمرّد على الكنيسة: “إنّ سيرة حياته أصبحت لاهوته” أي أنّه أضحى يفكّر وينظّر ويرى الخليقة من منظار سيرته هو، متطاولاً على المقدّسات، بما أنّه أنزلها إلى مستواه. وما أراد الأب العلاّمة “بيير” حكماً هنا ولا إدانة (بخلاف متّى 7: 1)، بل استنتج فقط واقعًا أليمًا، هو تحوّل الخطأ إلى صواب، بسبب تصرّفات المنظّر الذي لام نفسه في مرحلة أولى على كلّ تقصير وخطأ وخطيئة، ولكن سرعان ما برّر أغلاطه في مرحلة ثانية، ثمّ عرضها كأنّها الصواب والحقّ والأصول في مرحلة ثالثة.

لذا، علينا، على علاّتنا وأخطائنا، أن نقرّ بالحقّ والصّواب ولا نكفّ عن لوم أنفسنا إذا خطئنا. ورحمة الله وعدله وفداؤه تشملنا وتنقلنا بالندامة والتوبة والقصد الصالح من النقمة إلى النعمة، ومن موت الخطيئة وخطيئة الموت إلى حياة النعمة والقداسة، كما قال الله: “كونوا قدّيسين كما أنا قدّوس”!