الأحد ١٧ من زمن السنة ب (أ. مدروس)
الأب بيتر مدروس
قبل أن يبدأ المرء بالتّأمّل في هذا النّصّ من رسالة رسول الأمم بولس الإناء المختار إلى المسيحيّين المعاصرين، وبينهم قوم أفسس (اليوم في تركيا)، يستغفر المرء الرّحمة الإلهيّة طالباً الصّفح عن كلّ إهانة لكلمة الله في الكتاب المقدّس ، خصوصاً بعد أن أقدم أحد المسؤولين العبرانيين في فلسطين، أمام عدسات المصوّرين ، على تمزيق “العهد الجديد” مستهتراً مختالاً وكأنّه يقدّم لله قربانا !
ونسأل المسيح الرّب القائم من بين الأموات، أن يُنزل العبريّ التلموديّ المُشار إليه عن حصانه، ويُضيء له ولسائر مُنكري المسيح، فيعرفون حقيقة قيامة يسوع وألوهيّته ومسيحانيّته وسيادته وفدائه، ويتمّ فيهم انقلاب أبيض، شبيه نوعاً ما بذاك الّذي على طريق دمشق قاد شاؤول الفرّيسيّ الطّرسوسيّ – من أعمال قيليقية – إلى يسوع المسيح المصلوب الحيّ!
إيمان واحد، معموديّة واحدة
رغم الضّعف البشريّ والأخطاء والخطايا، استطاعت الكنيسة الرّسوليّة بنعمة الرّبّ أن “تحافظ على وديعة الإيمان”. وها هي إلى أيّامنا ترفع لواء العقيدة والأخلاق المسيحيّة الرسوليّة الصّميمة، انطلاقاً من الكتب المقدّسة والتقليد الشّريف (عن 1 قور 11: 2، 2 تسالونقي 2: 14 – 15) والتعليم الحبري البابويّ. ورغم الحدود البشريّة والسلبيات لدى عدد من أحبارها ورعاتها ، بقي مبدأ السّلطة وواقع المرجعيّة في الكنيسة، ضماناً للوحدة ومانعاً للتّشرذم وضابطاً للأهواء. وباختصار، ما انقسمت الكنيسة العريقة القديمة “التقليديّة”، أي العتيقة الأصيلة الأصليّة إلى كاثوليكيّة وأرثوذكسيّة، إلاّ أصلاً لأسباب إداريّة وشخصيّة تتعلّق بالزعامة والريادة البطرسيّة (بين روما وإنطاكية والإسكندرية )، أو لأسباب سياسيّة وثقافيّة (في الانشقاق مع القسطنطينيّة بيزنطة سنة 1054).
وبمقابلة بسيطة بين العقيدة الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة، يجد المرء شبهاً يكاد يكون كاملاً ، إلاّ في قضايا إداريّة مثل صلاحيّات الحبر الأعظم الرومانيّ، أو في المفردات (بين “الطبيعة” و “الأقنوم” في شخص المسيح). قصارى القول، ومن غير خوض في الفروق، “أنتج” الانقسام بين الكاثوليك والأرثوذكس كنيستين اثنتين أو ثلاث كنائس، إذا أصرّ قوم على التّمييز بين الرّوم الارثوذكس من جهة، والسريان والأقباط والأحباش والأرمن الارثوذكس من جهة أخرى، والكنيسة المشرقيّة الاشوريّة القديمة التي بقي فيها شيء من النسطوريّة، وفي كلّ تلك المسألة اختلاف في الألفاظ أكثر منه في جوهر السيّد المسيح .
لكن مع الأسف، كما يكتب الأب اليسوعيّ الاسبانيّ خيسوس اورتال: “مع أنّ حركات الاحتجاج (على الكنيسة الكاثوليكيّة) أرادت في الأساس تجديد الكنيسة أو إصلاحها، غير أنّ تلك الحركات أمست أكبر عامل لتشتّت المسيحيّة وتمزّقها وتفتّتها ” من ألمانيا وفرنسا وسويسرا ثمّ انكلترا. وزادت الولايات المتّحدة الطّين بلّة، فضربت رقماً قياسيّاً في التفتّت والتشتت والتشرذم، بحيث أنّ فيها اليوم فقط من الجماعات المعمدانيّة وحدها، ما لا يقلّ عن 30000 (ثلاثين ألفاً). سبب تلك الانقسامات تاريخيّاً ومن غير الحكم على أحد من البشر – هو المبدأ القائل أنّ “الكتاب المقدّس هو المرجع الوحيد، بحيث يحقّ لكلّ إنسان الفحص الحرّ للكتب المقدّسة”، أي أنّه يحقّ لكلّ إنسان تفسير الكتب المقدّسة. وهذا مخالف مخالفة صريحة واضحة لتعليمات أمير الرّسل القدّيس بطرس أنّ ما من نبوّة ولا نصّ آخر من الكتاب المقدّس “يأتي بتفسير فلان من الناس”، وخصوصاً من أهل “الجهل وعدم الرسوخ”، أي المحدثين المستحدِثين الّذين لا جذور رسوليّة لهم في أعماق التاريخ ، بل هم وليدو أوروبا أو أمريكا منذ القرن السادس عشر (عن 2 بطرس 1 : 20 ، ثم 3 : 15 وتابع).
وعدم وجود تقليد وعدم وجود سلطة كنسيّة ، يتركان العنان لكلّ مبدع. وفعلاً ، قبل وفاة أحد المحتجّين الألمان في القرن السادس عشر، كانت هنالك على الأقلّ أربعون بدعة ترفض تعميد الأطفال، وتعيد تعميد الكبار المعمّدين صغارا، بحيث شكا وتذمّر: “إنّ هنالك بِدَعاً وطوائف بقدر ما تجد من رؤوس . (وما من امرىء … ) إلاّ يتوهّم أنّه تلقّى وحياً من روح القدس، فينتصب نبيّاً حالماً فكّر في شيء أو حلم في شيء”! وهذه حالهم اليوم بكميّات أكبر ونِسًب أعلى، خصوصاً في الغرب ولا سيّما شمال أمريكا ، الذي يمكن وصفه بأنه “أمّ البِدًع” (وكان يُشار في الماضي بذلك التعبير إلى ديار العرب Mater haeresiarum).
ومن المؤسف أنّ تلك الانشقاقات الغربيّة – التي نشأت في ألمانيا سنة 1520، وما وصلت إلى فلسطين وإلى القدس عاصمتها سوى سنة 1842، وبعدها في العشرينات من القرن العشرين – من المؤسف أنّها تكسب اليوم عدداً من الناس حتّى المسيحيين العرب، مع أن تلك الجماعات تتنكّر للسيّدة العذراء وتتجاهلها، وتُنكر وجاهتها وبتوليّتها الدائمة، ومع أنّ لا وجود لتلك الجماعات لا في الأماكن المقدّسة، ولا في تاريخ هذه الديار المشرقيّة وطن المسيح والمسيحيّة.
وتزيد تلك الجماعات عدداً، ليس فقط بسبب جهل عند كثيرين، نتشاطر المسؤوليّة عنه إكليروساً وشعبا، بل أيضا بسبب نقمات على الاكليروس، أو عُقَد أو لزواج أو هجرة أو مكسب مادّيّ آخر، (إذ تدفع بعض الفئات للبشر فواتير الهاتف والكهرباء والماء لاستمالتها!)، وما إلى ذلك من مخيّمات للشبيبة على حساب الجماعات، وسفريّات وتسهيلات مادّيّة، تأنف الكنيسة أن تدنّي نفسها لتقدّمها، بما أنّ الكنيسة ترفض أن تكون مثل الكتبة والفرّيسيين والشّيوخ، الّذين أغروا يهوذا بالمال، ليخون السيّد المسيح! نعم، ترفض الكنيسة الأساليب الرّخيصة، (ومنها – مع الأسف الشّديد اجتذاب الشبّان واقتناصهم عن طريق شابّات حسناوات أجنبيّات أو عربيّات).
وتهيب الكنيسة بالمؤمنين ألاّ يقعوا في حبائل الطّمع والغرور والإغواء، ولا يتحمّسوا للهجرة مهما سطع بريقها! وتصلّي الكنيسة بحرارة من أجل المعوزين فعلاً، وتحاول مساعدتهم قدر الإمكان (رغم التقصير أحياناً)، وتدعو مع صاحب المزامير: “يا ربّ ، لا تمتدنّ إلى الجرائم أيدي الصّديقين” أي بسبب الفقر لا يجدر بأحد أن يلجأ إلى السرقة أو الطرق المحرّمة…
فلتساعدنا الحركة المسكونيّة بالتوبة والندامة، إلى تخطّي خلافاتنا بين الكنائس العريقة، وليساعد الإيمان مع العقل السليم والخُلق القويم لإيقاف مدّ الجماعات المحدثة المستحدثة، (التي لا تخلو من تأييد لمشيحانيّة عبريّة سياسيّة معادية للعرب، ولا سيّما القضيّة الفلسطينية). ونحن “نعمل للحقّ في المحبّة” للكلّ (أفسس 4 : 15) نأمل أن ” نصل إلى وحدة الإيمان” وأن “يُعطينا الربّ اتّفاق الآراء فيما بيننا – حتى أنّنا بقلب واحد ونفس واحدة نمجّد الله في يسوع المسيح”!