Liturgical Logo

الاحد الثاني للسنة: شهادة يوحنا المعمدان والتلاميذ الاولين ليسوع (يوحنا 1: 35-42)

الأب لويس حزبون

يقدِّم انجيل يوحنا شهادة يوحنا المعمدان بانَّ المسيح هو “حمل الله” مما حمل تلاميذه ان يتبعوا السيد المسيح ويصبحوا التلاميذ الاولين له (يوحنا 1: 35-42)، وكلما عرفنا المسيح أكثر جذبنا الآخرين له. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: وقائع النص الانجيلي ((يوحنا 1: 35-42)

35 وكانَ يوحَنَّا في الغَدِ أَيضاً قائِماً هُناكَ، ومَعَه اثْنانِ مِن تَلاميذِه.

تشير عبارة “يوحنا ” (اسم عبري יוֹחָנָן معناه الله حنون) الى يوحنا المعمدان وهو ابن زكريا الكاهن وزوجته اليصابات (لوقا 1: 5-25)، وهو مُهيئ طريق يسوع المسيح (متى 11: 14) وشاهد له (يوحنا 1: 7). أمَّا عبارة ” في الغَدِ” فتشير الى اليوم الثالث من الأسبوع الأول في عيد الفصح الاول. أمَّا عبارة ” اثْنانِ ” فتشير الى اندراوس والآخر هو يوحنا ابن زبدى، كاتب الإنجيل الذي يروى القصة بدقة شديدة حتى أنه يذكر الساعة (يوحنا 1: 39). وكعادته فهو لا يذكر اسمه تواضعًا منه. والشهادة تقوم على اثنين كما جاء في الشريعة “شَهادَةُ شاهِديْنِ تَصِحّ” (يوحنا 8: 17)؛ أمَّا عبارة ” مِن تَلاميذِه ” فتشير الى تلاميذ يوحنا المعمدان.

36فحَدَّقَ إِلى يَسوعَ وهو سائرٌ وقال: ((هُوَذا حَمَلُ الله!))

تشير عبارة “حَدَّقَ” باليونانية ἐμβλέψας (معناها نظر اليه ملياً) الى يوحنا المعمدان الذي نظر الى يسوع ملياً وتنبأ بأنّه الحمل الفصحى حيث ان نت خلال يسوع يمكننا العبور من حالة إلى أخرى، من العبودية إلى الحرية. لكن هذا العبور لم يأت أبداً بسهولة! العبور يتطلب ضحية أي إراقة دم الحمل. يتوجب علينا ان ننظر دوما الى يسوع، اسوة بيوحنا المعمدان كي يدلنا على الطريق السوي الذي يجب ان نسلكه في حياتنا. وهذه النظرة تشبه نظرة يسوع الى بطرس “فحَدَّقَ إِلَيه يسوعُ ” (لوحنا 1: 42). ما أحوجنا إلى التطلع نحو السيد المسيح لننظره. نتطلع إليه فنراه يتطلع إلينا، مهتمًا بخلاصنا. اما عبارة ” حَمَلُ” باليونانية ἀμνὸς المشتقة من الآرامية טליא فتشير الى يسوع بحسب شهادة يوحنا المعمدان التي تكررت مرتين (يوحنا 1 :29، 36). والحمل يرمز الى البراء ة والبرّ من ناحية، والى إلى حمل الذبيحة الذي يقدَّم مرتين كل يوم في الهيكل (خروج 29 :38). كما يلمح إلى الحمل الفصحى (خروج 12: 1-28) الذي يرمز الى فداء إسرائيل، والى عبد الله المتألم (اشعيا 52: 13-53). فقد اعتادت البشرية أن تقدم الذبائح لله لمرضاته. أمَّا هنا فالذي يُعد الذبيحة هو الله الآب نفسه الذي يقدم ابنه الوحيد ذبيحةً. أنه ذبيحة كفارة أو ذبيحة إثم، قادرة بالحق أن ترفع الخطايا حقا، وليست ظلًا أو رمزًا كالذبائح الحيوانية. ومن هذا المنطلق يتذكّر بطرس تحرير المسيحيين بدم المسيح الثمين “بدم كريم، دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس”(1بطرس 1 :19). وهكذا يدل يوحنا الإنجيلي بهذه العبارة على موت يسوع التكفيري حيث يرفع خطيئة العالم أي يزيلها كما شهد يوحنا المعمدان” هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يوحنا 1: 29)، بحيث وردت خطيئة العالم بصيغة الفرد وهي تعني في الواقع الجمع، فتدل على كل خطايا العالم التي امتدت في الزمان والمكان.

37فسَمِعَ التِّلْميذانِ كَلامَه فتَبِعا يسوع

تشير عبارة “سَمِعَ” في اللغة العبرية שמע الى سماع كلمة الله وقبولها لا يعني الاستماع إليها بأذن صاغية فحسب، بل يتضمن فتح القلب لها أيضاً (أعمال 16: 14) والعمل بها (متى 7: 24-26)، والطاعة لها. تلك هي طاعة الإيمان التي يتطلبها سماع البشارة (رومة 1: 5). اما عبارة ” تَبِعا ” فتشير الى السير وراء يسوع. يدل هذا الاتباع على انهما صارا تلميذين من تلاميذه. كان فعل “تبع” في الدين اليهودي في القرن الأول، يتضمن عادة التوقير والطاعة ومختلف الخدمات المترتّبة على تلاميذ الرابيين نحو معلميهم. يتبع التلاميذ يسوع، لا كسامعين فقط، بل كمعاونين وشهود لملكوت الله وعمّال في حصاده (متى 10: 1-27)، ويلازمون شخصه؛ ويقتضي إتِّباع يسوع أيضا حمل الصليب كما صرّح يسوع “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني، “(متى 16: 24). إنّنا نجهلُ إلى أين يريد أن يقودنا يسوع على هذه الأرض، وليس علينا أن نسأله قبلَ الأوان. يكفينا أن ” نَعلَمُ أَنَّ جَميعَ الأشياءِ تَعمَلُ لِخَيْرِ الَّذينَ يُحِبُّونَ الله ” (رومة 8: 28)، وبأنّ الدروبَ التي يخطّها الربّ تسيرُ بنا إلى الحياة الأبديّة. أمَّا عبارة ” التِّلْميذانِ ” فتشير الى اندراوس (يوحنا 1: 40) وأمَّا التلميذ الآخر فهو يوحنا كاتب هذا الانجيل، وقد سمع التلميذان صوت يسوع فتبعاه ” إِنَّ خِرافي تُصْغي إِلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني ” (يوحنا 10: 27). وكان هذان التلميذان اول تلاميذ يسوع، مع بطرس (يوحنا 1: 42) وفيلبُّس (يوحنا 1: 34) ونثنائيل (يوحنا 1: 45). هؤلاء التلاميذ هم باكورة تلاميذ السيد المسيح. هكذا بدأت الكنيسة صغيرة جدًا تضم خمسة يتمتعون بالنظر إلى يسوع والملكوت معه. فالشهادة للمسيح تأتي من السماع الى كلمته وأتباعه كما فعل هذان التلميذان اندراوس ويوحنا الرسول حيث أصبحا شاهدين يجذبا اخوتهم للمسيح.

38فَالتَفَتَ يسوعُ فرآهُما يَتبَعانِه فقالَ لَهما: ((ماذا تُريدان ؟)) قالا له: ((راِّبي (أَي يا مُعلِّم) أَينَ تُقيم ؟

تشير عبارة” ماذا تُريدان؟” Τί ζητεῖτε(ومعناها ماذا تطلبان) الى اول كلمات يسوع في انجيل القديس يوحنا حيث يخاطب كمعلم التلميذين: ماذا تطلبان؟ ماذا تبحثان؟ أنها نقطة الانطلاق والدافع الرئيسي لاتباع يسوع المسيح. ويعلق القدّيس أوغسطينوس: “ما كان مقدّراً لنا أن نبدأ البحث عن الربّ ما لم يبدأ هو من جانبه ويكتشفنا”. والآن السيد الرب طلب منهما أن يُحدِّدا موقفهما؛ إن إتباع يسوع ليس كافياً، إذ يجب ان نحدد هدف اتباعنا لمجده لا لمجدنا. إنّنا حين نتّجه إلى الربّ، لا نتّجه إلى إله يبتعد عنّا، ويتركنا في مجاهل الحيرة. إنّنا نتّجه إلى إله يفتح ذراعيّ المحبّة لاستقبالنا. يمهّد الطريق أمامنا، بل يُسرع ليلتقي بنا. سؤال السيد المسيح المستمر لكل إنسان: ماذا تطلب؟ ماذا تبحث؟ أمَّا عبارة “راِّبي ” بالعبرية רַבִּי فتشير الى معلّمي وهو لقب يُعطى لمعلّم كبير يُركن إليه في المجال الدينيّ. كان في الاصل عبارة احترام. وفي القرن الأول المسيحي صارت اللفظة لقبًا رسميًا يطلق على أعظم علماء اليهود ومعلميهم الذين اعتُبروا خبراء في مجال الشريعة اليهوديّة. أمَّا عبارة ” أَينَ تُقيم؟” فتشير الى رغبة التلميذين ان يصرفا اليوم معه فيتبعانه ويمكثان معه. كان تلاميذ الحاخامات في ذلك الوقت يذهبون في كثير من الأحيان إلى بيت معلميهم، للتعلم من خلال العيش، ومن خلال تقاسم الحياة وحكمة وخبرة معلميهم. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “لمْ يقولا علمنا تعليمًا في الآراء والمعتقدات أو غير ذلك من الأمور الضرورية، لكنهما قالا: ” أَينَ تُقيم “. لم تكن حركتهما في الاتجاه نحوه يسوع عفوية، انهما جذبا نحوه لشخصيته المعجزة. أين تعلم؟ اين تجتمع بالتلاميذ؟ يتوجب علينا ان نبحث عن يسوع ثم نتبعه ونقيم معه. إنها مواقف أساسية. إذ طلبا الإقامة معه جاءت الإجابة سريعة أن يأتيا وينظرا في الحال ليقيما معه دون تأجيل. الوقت الآن مقبول (2 قورنتس 6: 2).

39 فقالَ لَهما: ((هَلُمَّا فَانظُرا!)) فَذَهَبا ونظَرا أَينَ يُقيم، فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم، وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الرَّابِعَةِ بَعدَ الظُّهْر.
تشير عبارة “هَلُمَّا فَانظُرا! “الى دعوة للخبرة الشخصية مع الربّ يسوع، واتباعه والسير وراءه والبقاء معه وهذه دعوة الروح القدس والكنيسة لكل واحد “تعال” (رؤيا 17:22). فمن يريد أن يعرف السيّد المسيح يأتي لينظر ويتذوق فيفرح ويقرر الالتصاق به “لِتَكونَ بهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن” (يوحنا 3: 15). ويعلق العلامة أوريجانوس” أن السيد المسيح دعا التلميذين للتمتع به ويسكناه خلال حياة العمل مع التأمل. فبقوله لهما “هَلُمَّا” دعاهما للحياة العاملة، وبقوله لهما “فانظرا” دعاهما لربط العمل بالتأمل فيه”. اما عبارة ” السَّاعَةُ نَحوَ الرَّابِعَةِ بَعدَ الظُّهْر” باليونانية ὥρα ἦν ὡς δεκάτη فتشير الى الساعة العاشرة بالتوقيت اليهودي. وهنا يُحدد يوحنا الإنجيلي الساعة، الساعة التي أدرك فيها أنه يحب السيّد المسيح لأنّ السيّد المسيح أحبه أولًا؛ إذ كان اول حديث مع يسوع، أنه دقيق في تعابيره وذكرياته. ويوحنا الإنجيلي بعد 60 سنة ما زال يذكر الساعة التي اقام فيها في بيت يسوع والتي قرَّر فيها ألاَّ يتركه العمر كله لأنه وجد فيه الحياة (يوحنا 1: 4). ويعُلق القديس أوغسطينوس “أن رقم 10 يشير إلى الناموس حيث الوصايا العشرة. فقد ذهبا إلى السيد المسيح بكونه واهب الناموس ومكمله (متى 5: 17)، لكي يتعلما الناموس من واهب الناموس نفسه لأن الرحمة على لسانه ” تَفتَحُ فَمَها بِالحِكمة وعلى لِسانِها تَعْليمُ الرَّحمَة”(أمثال 31: 25).

40وكانَ أَندرَاوُس أَخو سِمْعانَ بُطُرس أَحَدَ اللَّذَينِ. سَمِعا كَلامَ يوحَنَّا فَتبِعا يسوع.

تشير عبارة ” أَندرَاوُس ” باليونانية Ἀνδρέας (معناه رجل حقا ) الى شقيق القديس بطرس، جليليّ من قرية بيت صيدا ( يوحنا 1: 44) يعمل مع أخيه في صيد الأسماك ( مرقس 1: 16-18)، وكان له بيت مع بطرس في كفرناحوم ( مرقس 1: 29) وكان من تلاميذ يوحنا المعمدان الذي ارشده الى يسوع حمل الله، ويعتبر هو صاحب أول دعوة كما يطلق عليه اليونانيين (Πρωτόκλητος) ، الدعوة الأولى التي يختصّ بها أندراوس هي انطلاقه خلف الرب يسوع وعودته لأخيه لإخباره كأول بشارة باسم المسيح ( يوحنا 1: 35-42)، وقد دعا يسوع اندراوس ليتبعه(مرقس 1: 16) واندراوس هو الذي اخبر يسوع عن الصبي الذي كان معه خمسة ارغفة وسمكتان عند اطعام الخمسة الآلاف ( يوحنا 6: 8)، وقد سأل هو وبطرس ويعقوب ويوحنا عن خراب اورشليم ومجيء المسيح الثاني ( مرقس 13: 3-4) واخبر هو وفيلبس يسوع برغبة بعض اليونانيين في رؤيته ( يوحنا 12: 22).

41ولَقِيَ أَوَّلاً أَخاهُ سِمْعان فقالَ له: ((وَجَدْنا المَشيح)) ومَعناهُ المسيح

تشير عبارة ” سِمْعان ” الى اسم عبري שִׁמְעוֹן ومعناه مستمع أو “مطيع، حيث أنَّه التقى بروح الطاعة بالمسيح ويدل هنا على بطرس (اسم يوناني Πέτρος معناه صخرة)، وكان هذا الرسول يسمى أولا سمعان واسم ابيه يونا (متى 16: 17) واسم اخيه اندراوس، واسم مدينته بيت صيدا. فلما تبع يسوع غيَّر اسمه الى “كيفا” وهي كلمة آرامية כֵיפָא ومعناها صخرة (يوحنا 1: 42) وقلده سلطانا ودورا هاما، وعلى هذه الصخر سيبني المسيح كنيسته.” وأَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت” (متى وكانت مهنة بطرس صيد السمك وكان مقيم في كفرناحوم (مرقس 1: 29). وكان بطرس من تلاميذ وحنا المعمدان قبل إتباعه المسيح، وقد جاء به الى يسوع اخوه اندراوس وكان واحد من تلاميذ يوحنا المعمدان. وقد دعا يسوع بطرس ثلاث مرات فأولا دعاه ليكون تلميذا، ثم دعاه ثانيا ليكون رفيقا له ملازماً إياه باستمرار (متى 4: 19) ثم دعاه ثالثاً وأخيرا لكي يكون رسولا له (متى 4:10: 2). وكان صاحب نشاط وغيرة، ويذكر اسمه دائما أولا عند ذكر أسماء الرسل (متى 10: 2) وكذلك عند ذكر أسماء التلاميذ الثلاثة المقرَّبين الى يسوع. وهو اول من أدرك شخصية يسوع فأقرَّ أنَّه المسيح ابن الله (متى 16: 16)، وبعد القيامة اخذ زمام قيادة الكنيسة فقام بانتخاب رسولا بدلا من يهودا (اعمال الرسل 1: 15)، وأعلن فتح باب الخلاص لليهود (اعمال الرسل 2: 10) وللأمم (اعمال الرسل 10)، وواصل تبشيره حيث يوجد اليهود، تاركا اورشليم ليعقوب والامم لبولس الرسول. وقد واصل رحلاته التبشيرية وزوجته معه من مكان لآخر (1 قورنتس 9: 8) وأخيرا استشهد كما سبق الرب وأخبره (يوحنا 1: 19). أمَّا عبارة ” وَجَدْنا” فتشير إلى اهتمام أندراوس بأخيه وبحثه عنه ليشاركه خبرته الجديدة التي تمتع بها بلقائه مع يسوع المسيح. أمَّا عبارة “المَشيح” باليونانية Μεσσίας (المسيا) المترجمة من اللفظ العبري او الآرامي הַמָּשִׁיחַ فتشير الى المسيح؛ الذي تدل على الذي نال المِسحَة. وهي صرخة اندراوس عندما احضر اندراوس اخاه سمعان ليدلَّه على يسوع المسيح. والمسيح في نظر اليهود، هو داود الجديد الذي ينتظرونه في آخر الأزمنة. أمَّا عبارة ” مَعناهُ المسيح ” فتشير الى المسيح Χριστός هي الصيغة اليونانية للكلمة الآرامية مشيحا والعبرية مشيح والعربية مسيح، ولأن يوحنا كان يكتب للأمم، لقرائه اليونان فسَّر كلمة مسيا הַמָּשִׁיחַ. والمسيح أي الممسوح بالروح القدس ليقوم بعمل الفداء.

42وجاءَ بِه إِلى يَسوعَ فحَدَّقَ إِلَيه يسوعُ وقال: ((أَنتَ سِمْعانُ بنُ يونا، وسَتُدعَى كِيفا)) ، أَي صَخراً.
تشير عبارة “وجاءَ بِه” الى العمل الرئيسي للمسيحي في العالم هو ان يربح آخرين للمسيح؛ أمَّا عبارة “فحَدَّقَ إِلَيه ” باليونانية ἐμβλέψας فتشير الى تفحص يسوع الى سمعان وحبه واختياره، واعدَّ له اسما جديدا وبالتالي دعوة جديدة: لن يعود صياد سمك، بل صيّاد بشر كما قال يسوع له ولى أخيه أندراوس “اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر” (متى 4: 19). أمَّا عبارة ” أَنتَ سِمْعانُ ” فتشير الى إعلان يسوع أنّه يعرف اسم بطرس؛ اما عبارة “يونا” (اسم عبري יוֹנָה معناه حمامة) فتشير الى ابو سمعان بطرس (متى 16: 17)؛ أمَّا عبارة ” كِيفا” فتشير الى الاسم الآرامي כֵיפָא معناها “صَخر ” وهي الترجمة العربية. ومرقس يوضح اسم صخر بقوله ” سمعان ولقبه Πέτρος أي بطرس (مرقس 3: 16)، وهذه الاسم يدل على اعلان اسم جديد، وهو رمز للدخول في علاقة جديدة مع الله، وتغيير جديد على شخصيته والرسالة التي يلتزم بها كشاهدٍ للإيمان بالمسيح والدلالة على دعوة خاصة، وتقوم هذه الدعوة برئاسة الكنيسة (متى 16: 18). فصار بطرس عموداً في الكنيسة الأولى بنعمة الله، لا بصفاته البشرية حيث يتمتع بصخرة الإيمان (1 قورنتس 1: 12).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 1: 35-42)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 1: 35-42)، نستنتج انه يتمحور حول شهادة يوحنا المعمدان ليسوع، حمل الله وشهادة التلاميذ الاولين ليسوع انه المسيح

1) شهادة يوحنا المعمدان ليسوع انه حمل الله.
“حَدَّقَ يوحنا المعمدان إِلى يَسوعَ وهو سائرٌ وقال: ((هُوَذا حَمَلُ الله!)) (يوحنا 1: 36)، وقد شهد يوحنا المعدمان امام تلاميذه ان يسوع هو “حمل الله”. ومن المحتمل ان يوحنا ينوّه بذلك ان المسيح يُمثل حمل الله في ثلاثة معاني وردت في الكتاب المقدس، وهي عبد الله المتألم، وحمل الفصح، وحمل السماوي المنتصر:

ا) عبد الله المتألم (اشعيا 53: 7)

يرمز حمل الله اولاً الى عبد الله المتألم. عندما كان إرميا النبي يعاني اضطهاد أعدائه، أخذ يشبه نفسه “كنتُ أَنا كَحَمَلٍ أَليفٍ يُساقُ إِلى الذَّبْح” (إرميا 11: 19). وطبَّق اشعيا النبي هذه الصورة فيما بعد على عبد الرب الذي، إذ كان مزمعاً أن يموت ليكفر عن خطايا شعبه، بقوله “كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ ” (اشعيا 53: 7). وينبئ هذا النص على أحسن وجه عن مصير المسيح، على نحو ما قام فيلبّس بتفسيره إلى خصي ملكة الحبش وكانَتِ الفِقرَةُ الَّتي يَقرَأُها مِنَ الكِتابِ هي هذه: ((كخَروفٍ سِيقَ إِلى الذَّبح وكحَمَلٍ صامِتٍ بَينَ يَدَي مَن يَجُزُّه هكذا لا يَفتَحُ فاه. في ذُلِّه أُلغِيَ الحُكمُ عَليه. ترى مَن يَصِفُ ذُرِّيَّته؟ لأَنَّ حَياتَه أُزيلَت عنِ الأَرض. فقالَ الخَصِيُّ لِفيلِيبس: ((أَسأَلُكَ: مَن يَعْني النَّبِيُّ بِهذا الكَلام: أَنَفْسَه أَم شَخْصًا آخَر؟ فَشَرَعَ فِيلِيبُّس مِن هذه الفقَرةِ يُبَشِّرُه بِيَسوع (أعمال 8: 33-35). وحيث هذا النص يُبين تواضع العبد وخضوعه، يرجع متى الإنجيلي إلى هذا النص عندما يوضَّح موقف المسيح “ظَلَّ يسوعُ صامِتاً ” أمام المجلس (متى 26: 63)، وأنه “لَم يُجِبْ بيلاطس بِشَيء “(يوحنّا 19: 9).

ومن المحتمل أن يكون يوحنا المعمدان ينوّه بذلك، عندما شهد ليسوع امام اليهود قائلاً “هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم ” (يوحنا 1: 29)، وكذلك عندما شهد ليسوع امام تلاميذه خاصة اندراوس ويوحنا: “هُوَذا حَمَلُ الله!”(يوحنا 1: 36).

ب) حمل الفصح (1 بطرس 1: 19)
يرمز “حمل الله ” أيضا الى حمل الفصح. عندما قرر الله أن يخلص شعبه الأسير لدى المصريين، أمر العبرانيين بأن تذبح كل أسرة منهم حملاً صحيحاً، ذكراً، حولياً (خروج 12: 5)، وتأكله ليلاً، وتنضح بدمه عضادتي بابها. بفضل هذه العلامة يفتديهم ملاك الهلاك عندما يأتي ليضرب كل أبكار المصرّيين. إنه بفضل دم حمل الفصح قد افتدى الله العبرانيين من عبودية مصر، فأمكنهم أن يصبحوا ” مَملَكةً مِنَ الكَهَنَة وأُمَّةً مُقَدَّسة” (خروج 19: 6).

إن التقليد المسيحي قد رأى في المسيح “حمل الفصح الحقيقي ” إن المسيح هو الحمل (يوحنّا 1: 29) الصحيح (خروج 12: 5)، أي بلا عيب ولا دنس (عبرانيين 9: 14) الذي يفدي البشر بثمن دمه كما صرّح بطرس الرسول “قَد عَلِمتُم أَنَّكم لم تُفتَدَوا بِالفاني مِنَ الفِضَّةِ أَو الذَّهَب مِن سيرَتِكمُ الباطِلَةِ الَّتي وَرِثتُموها عن آبائِكم، بل بِدَمٍ كريم، دَمِ الحَمَلِ الَّذي لا عَيبَ فيه ولا دَنَس، دَمِ المسيح” (1 بطرس 1: 18-19).

ويرجع التقليد الذي يرى في المسيح حمل الفصح الحقيقي، إلى بدء المسيحيّة ذاتها حيث حث ُّبولس الرسول مؤمني كنيسة قورنتس على أن يعيشوا كفطير في الطهارة والحق، بما أنه ” ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنا، وهو المسيح”(1 قورنتس 5: 7). ولا يعرض الرسول بولس هنا تعليماً جديدا عن المسيح الحمل، ولكنه يستند إلى تقاليد طقسيّة خاصة بالفصح المسيحي ترجع إلى قبل سنة 57. فإذا أخذنا بعين الاعتبار الترتيب الزمني الذي يتبعه يوحنا نرى أن حادث موت المسيح ذاته هو أساس هذا التقليد. قد أسلم يسوع للموت عشية عيد الفطر (يوحنا 18: 28) أي يوم تهيئة الفصح، بعد الظهر (يوحنا 19: 14)، في الساعة ذاتها التي تفرض الشريعة ذبح الحملان في الهيكل. وبعد موته، لم يكسر الجنود ساقيه مثلما كسروا ساقي المصلوبين الآخرين (يوحنا 19: 33). ويرى الإنجيلي في هذه الواقعة تطبيقاً لشريعة طقسية بشأن الحمل الفصحى “فقد كانَ هذا لِيَتِمَّ الكِتاب: ((لن يُكسَرَ له عَظْم)) (يوحنا 19: 36). فالمسيح هو الذبيحة العظمى والفدية الكاملة التي اعدَّها الله ليكفر عن أثام شعبه كما يؤكده بولس الرسل في تعليمه “فالَّذي لم تَستَطِعْهُ الشَّريعة، والجَسَدُ قد أَعيْاها، حَقَّقَه اللهُ بإِرسالِ ابِنه في جَسَدٍ يُشْبِهُ جَسَدنا الخاطِئ، كَفَّارةً لِلخَطِيئَة. فَحَكَمَ على الخَطيئَةِ في الجَسَد “(رومة 8: 3).

والجدير بالذكر ان مبدأ التكفير عن الخطايا يقوم على مبدأ التعويض. “إَنَّ أُجرَةَ الخَطيئَةِ هي المَوت” (رومة 6: 23)، وان الخطيئة تفصل الانسان عن الله. ويعلمنا الكتاب المقدس “بِأَنَّ جَميعَ النَّاسِ قد خَطِئُوا فحُرِموا مَجْدَ الله” (رومة 3: 23) فأرسل الله ابنه الوحيد يسوع المسيح ليموت على الصليب من اجلنا كما شهد يوحنا المعمدان ” هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم “(يوحنا 1: 29). ويشير هذا النص الى موت يسوع التكفيري حيث يدمج من جهة صورة العبد المتألم (اشعيا 52: 13-53: 12) الذي يأخذ على عاتقه خطايا جماعة الناس والذي، مع أنه بريء، يقرِّب نفسه حمل، ومن جهة أخرى صورة حمل الفصح (خروج 12: 1-28).

فالمسيح مات لفدائنا ولدفع ثمن خطايا كل من يؤمن به (1 بطرس 1: 18-21). ” إِنَّه كَفَّارةٌ لِخَطايانا لا لِخَطايانا وحْدَها بل لِخَطايا العالَمِ أَجمعَ” (1 يوحنا 2: 2). ويؤكد ذلك صاحب الرسالة الى العبرانيين ” المسيحُ قُرِّبَ مَرَّةً واحِدة لِيُزيلَ خَطايا جَماعَةِ النَّاس. وسيَظهَرُ ثانِيَةً، بِمَعزِلٍ عنِ الخَطيئَة، لِلَّذينَ يَنتَظِرونَه لِلخلاص” (عبرانيين 9: 28).

ج) حمل المنتصر (رؤيا 7: 14)
يرمز حمل الله أخيرا الى حمل السماوي المنتصر الذي يتقلَّد قدرة لدى ارتفاعه الى السماء. إن المسيح حمل الله في موته الفدائي، ولكنه في نفس الوقت أسد حرّر بانتصاره شعب الله، أسير قوات الشر كما جاء في وصف صاحب الرؤيا “ها قد غَلَبَ الأَسَدُ مِن سِبطِ يَهوذا، ذُرَّيَّةُ داوُد ورَأَيتُ بَينَ العَرشِ والأَحْياءِ الأَربَعَةِ وبَينَ الشُّيوخِ حَمَلاً قائِمًا كأَنَّه ذَبيح، لَه سَبعَةُ قُرون وسَبْعُ أَعيُنٍ هي أَرْواحُ اللهِ السَّبعَةُ الَّتي أُرسِلَت إِلى الأَرضِ كُلِّها. (رؤيا 5: 5)، وإذ هو يُشارك الله حالياً في عرشه (رؤيا 22: 1) وفي تقبل عبادة الكائنات السماوية (رؤيا 5: 8)، ها هوذا قد تقلد سلطة إلهية. فهو الذي يُنفِّذ أحكام الله ضد الكفار كما جاء في سفر الرؤيا “تَوالَت رُؤيايَ فرَأَيتُ الحَمَلَ يَفُضُّ أَوَّلَ الأَخْتامِ السَّبعَة” (6: 1) ويوقعهم غضبه في الرعب (رؤيا 6: 16) وهو الذي يقود الحرب “الإسكاتولوجية (الاخروية) ضدّ قوّات الشر المتحالفة، وينصّبه نصره ليكون” رَبُّ الأَرْبابِ ومَلِكُ المُلوك” (رؤيا 17: 14). ولن يعود إلى وداعته الأولى، إلا عندما يحتفل بعرسه مع أورشليم السماوية، التي ترمز إلى الكنيسة “طوبى لِلمَدعُوِّينَ إِلى وَليمَةِ عُرسِ الحَمَل (رؤيا 19: 9) فيتحوَل الحمل حينذاك إلى راع ليقود المؤمنين نحو ينابيع ماء الحياة التي تمنح السعادة السماوية كما جاء في سفر الرؤيا “لأَنَّ الحَمَلَ الَّذي في وَسَطِ العَرشِ سيَرْعاهم وسيَهْديهم إِلى يَنابيع ِماءِ الحَياة، وسيَمسَحُ اللهُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم “(رؤيا 7: 17).

2) شهادة التلاميذ الاولين ليسوع انه المسيح.

كان يوحنّا المعمدان “شاهد ليسوع” إلى درجة إنه لم يعد يبحث عن مجدٍ شخصيٍّ له. كان ببساطة يشهد للحق (يوحنا 3). هل كان يفكّر بأن يحتفظ بتلاميذه لنفسه ويمنعهم من اتّباع الرّب يسوع؟ مطلقاً لا! لقد جاء كي يدعو الناس، لا ليكونوا أتباعاً له، لا ليلتصقوا بشخصه، بل ليكونوا أتباعاً للمسيح. لقد دلّ يوحنا المعمدان بنفسه تلاميذه على المسيح كي يتبعوه كما علق القدس اوغسطينوس … لقد أعلن لهم: أنظروا “هُوَذا حَمَلُ الله!” … هوذا الّذي سيحمل خطيئة العالم” بعد هذه الكلمات تبع التّلميذان-الّلذان كانا مع يوحنا-الرّب يسوع.

ان يوحنا المعمدان بفضل شهادته ان يسوع هو حمل الله استطاع ان يجذب التلميذين اندراوس ويوحنا الحبيب الى يسوع ليصبحا تلميذيه. فتبع تلميذاه يسوع، حمل الله. والتلميذان وجدا في يسوع، حمل الله، المسيح. وبهذا أتمَّ يوحنا المعمدان رسالته كما صرّح في شهادته الأخيرة ليسوع ” لا بُدَّ له مِن أَن يَكبُر. ولا بُدَّ لي مِن أن أَصغُر” (يوحنا 3: 30). ومن لم يجد المسيح أولًا لن يستطيع أن يأتي بأحد للمسيح. ومن يعرف يسوع يسعى لأن يعرِّفه الآخرون (نشيد أناشيد1 1: 4). وفي هذا الصدد حث البابا فرنسيس في خطابه الأخير للشباب يوم الأربعاء 10 كانون الثاني 2018 “أيها الشباب الأعزّاء، إحملوا محبة المسيح إلى شباب جيلكم!”.

لقد قبل أندراوس شهادة يوحنا المعمدان عن يسوع وفي الحال ذهب ليخبر اخاه سمعان بطرس عنه “وَجَدْنا المَشيح)) ومَعناهُ المسيح” (يوحنا 1: 41). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم في دعوة أندراوس لأخيه سمعان، ودعوة آخرين لبعضهما البعض “صورة حيَّة لتحقيق الصداقة في الرب، والتعاون في ملكوت الله”. ولم يكن عنده شك في ان يسوع هو المسيح. فلم يخبر أندراوس أخاه بطرس فقط، بل نجده يهتم بتقديم الناس الى الرب يسوع “ههُنا صَبِيٌّ معَهُ خَمسَةُ أَرغِفَةٍ مِن شَعير وسَمَكتا ” لإجراء معجزة الخبز والسمكتين (يوحنا 6: 8)، وقدّم بَعضُ اليونانِيِّينَ الذين ارادا ان يروا يسوع في اورشليم” (يوحنا 12: 22).

ثم قام اندراوس فلقي اخاه سمعان بطرس وجذبه الى المسيح بقوله “((وَجَدْنا المَشيح)) (يوحنا 1: 41) فسرعان ما أنظم الى يسوع. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” وَجَدْنا المَشيح” تعبير عن نفس تجاهد من أجل حضرة الرب، وتبحث عن مجيئه من العلا، وتتهلل عندما يتحقق ما تبحث عنه، وتسرع لتهب الآخرين أخبارًا سارة. هذا هو دور الحب الأخوي، خلال الصداقة الطبيعية، وتدبير مخلص، لبسط اليد للغير لتقديم الروحيات”. فالدعوة المسيحية هي من المسيح الى المسيح. فالمسيح يريد ان يواصل رسالته على يد تلاميذه.
بناءً على كلمة يوحنا المعمدان، يتركه التلميذان اندراوس ويوحنا الحبيب ويتبعا يسوع. ثم فجأة يسألهم يسوع «ماذا تريدان؟» وليس «من تريدان؟». فلو قال لهم «من تريدان؟» لجعل من شخصه مباشرة المحور، متجاهلاً بذلك بحثهم الحقيقيّ. لكنّ يسوع يهتم بهم، بما يبحثون عنه: ما هي رغباتكم الحقيقيّة، عن ماذا تبحثون بالفعل في حياتكم؟ ويعلق أحد المفكرين على قوله “ماذا تُريدان؟” المال، المجد، السلطة؟ أم أنك مُستعد لتعيش التجرُّد، التواضع والخدمة؟ فالعالم يبحث عن القيَم الحقيقية. “العالم يملك أكثر فأكثر الإمكانيات، وأقل فأقل المعنى. الإنسان يصبح أكثر فأكثر ذكاءً والحياة تصبح أكثر فأكثر عبَثيّةً” كما قال المفكر فاريون. في الحقيقة عندما نبحث عن المسيح، لا نعرف بالضبط عن ماذا نبحث ويسوع يساعدنا على توضيح دوافعنا ومعنى وجودنا.
يجيب التلميذان على سؤال يسوع بسؤال: «يا معلم أين تقيم؟» وليس «نحب أن نقوم بهذا أو بذاك العمل معك». كانا يريدان أن يريا أين يقيم الرّب يسوع ليتمما تلك الآية: إِن رَأَيتَ عاقِلاً فاْبتَكِرْ إِلَيه ولتحُكَّ قَدَمك دَرَج بابِه. فَكَرْ في أَوامِرِ الرَّبَ واْهتَمَّ بِوَصاياه كُلَّ حين” (سيراخ 6: 36-37).
لقد فهم يسوع جيداً سؤالهم فيجيب: «تعالا وانظرا». يدعوهما يسوع إذن للإقامة معه ليتعرّفوا عليه، كما أنّه يقيم في الآب ويعرف الآب. فلا يمكن اكتشاف ومعرفة المسيح دون علاقة حميميّة معه، دون شيء من الاستمراريّة. أصغى التلميذان لكلام يسوع وقاما باكتشاف هائل يتجاوز بكثير ما قاله لهما المعمدان. كما حدث سابقاً مع النبي إرميا الذي قال: “قد استغويتني يا رب، فاستُغويت” (20: 7). أن يَستغوينا يسوع لنُقيم بقربه، إنه هو في قلب كل دعوة.
ومنذ ذلك الحين، تجذّرت في قلب يوحنا الرغبة في الإقامة بقرب يسوع. تجد هذه الرغبة ذروتها في خطاب الوداع. وفي واقع أنه استطاع عيش هذه الحميمية وهو يميل برأسه على صدر مُعلّمه أثناء العشاء الأخير وهو يصغي الى كلمات معلمه الإلهي “اُثبُتوا فيَّ وأَنا أَثبُتُ فيكم…فمَن ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه فَذاكَ الَّذي يُثمِرُ ثَمَراً كثيراً” (يوحنا 15: 4-5).
ولكن معرفة المسيح ليست هدفاً بحدّ ذاته، إنها تدفعنا دائماً باتجاه الآخرين وباتجاه ذواتنا. يلتقي التلميذان صدفة بسمعان، أخو اندراوس ويشاركانه اكتشافهما “وَجَدْنا المسيح” (يوحنا 1: 41). فيلتحق بهما سمعان ويذهبون باتّجاه المسيح. هنا لا يقول لنا النص ما الذي اكتشفه سمعان من المسيح، بل على العكس، يقول لنا كيف حوّل المسيح سمعان كليّة بإعطائه اسم جديد “أَنتَ سِمْعانُ بنُ يونا، وسَتُدعَى كِيفا، أَي صَخراً ” (يوحنا 1: 42) فنيل اسم جديد من الله يعني تغيّر الهوّية، وإن لقب الصخرة هو من ألقاب الله نفسه (مزمور 18: 3)، والمسيح أيضا (1 قورنتس 10: 4)، وأخيراً بطرس (يوحنا 1: 42). مع هذا الاسم يعبر شيئاً من الله ومن المسيح إلى بطرس، التلميذ المدعو أيضاً ليكون أساساً لبقية التلاميذ ” وأَنتَ ثَبَّتْ إِخوانَكَ متى رَجَعْتَ” (لوقا 22: 32).

الخلاصة

شهد يوحنا المعمدان لتلاميذه ليدخل بهم إلى العهد الجديد. وأكد لهم أن المسيح يأتي لا في صورة ملوكية مجيدة كما يظن اليهود، بل بصورة حمل الله، متألم، مجده حمل خطايا العالم. وزمن هذا المنطلق تمَّ لقاء حقيقي شخصي وعميق بين تلاميذ يوحنا المعمدان وهم أندراوس ويوحنا وسمعان بطرس الذي أحضره اخوه اندراوس فشكلوا النواة الاصلية للتلمذة. وآلَ هذا اللقاء إلى تغيير كامل للحياة كما للكيان والاسم. فنرى السيد المسيح دخل إلى صميم نفس سمعان، ويحتل أعماقها، ليحوِّله إلى بطرس الرسول؛ وغيّر اسمه ورسالته وحياته وكيانه كله. فنحن أيضاً نريد أن نتعرف على يسوع ونتبعه مثل هؤلاء التلاميذ؟ لماذا نريد أن ان نبحث عن يسوع؟ هل نحن مستعدون ان نلبِّي دعوته لنذهب اليه نقيم عنده؟

دعاء
أيها الآب السماوي، انت الذي أرسلت يوحنا المعمدان ليرشد الآخرين ليسوع، حمل الله، امنحنا النعمة لنعرف يسوع انه مخلصنا الذي فدى نفسه من اجلنا فنعترف فيه مسيحا ولا نعود الى الخطيئة ونشهد له امامك الآخرين فيعرف العالم حقيقة الخلاص بالرب يسوع المسيح آمين.