Liturgical Logo

الاحد الخامس للفصح: الكَرْمةُ الحَقّ: يسوع وتلاميذه (يوحنا 15: 1-8)

الأب لويس حزبون

في إنجيل الأحد الخامس للفصح يتكلم يسوع في خطبته الوداعية الثانية أثناء العشاء الاخير عن حاجة ثبات المؤمنين مع المسيح من خلال مثل الكَرمَةُ الحَقّ (يوحنا 15: 1-8). يسوع هو الكَرْمةُ الحقيقية، فكما ان الأغصان لا تعيش الاَّ إذا ثبتت بوحدة عضوية في الكَرْمةُ كذلك لا يُمكن للمؤمنين ان يكونوا تلاميذ المسيح ويُثمرون بدون الاتحاد به. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 15: 1-8)

1) أَنا الكَرمَةُ الحَقّ وأَبي هوَ الكَرَّام”

تشير عبارة “انا ” باليونانية Ἐγώ εἰμι (معناها أنا أكون، انا هو) الى الكيان الحي الإلهي، كما “قالَ اللهُ لِموسى: אֶהְיֶה אֲשֶׁר אֶהְיֶה أَنا هو مَن هو (خروج 3: 14)؛ وهنا يلمح يسوع انه الله، من يؤمن به يشاركه الحياة الأبدية. وقد تحدَّث يسوع ست مرات في انجيل يوحنا بمثل هذه العبارة: “أَنا نُورُ العالَم” (يوحنا 8: 12)؛ “أَنا بابُ الخِراف” (يوحنا 10: 7)؛ “أنا الباب” (يوحنا 10: 9)؛ “أَنا الرَّاعي الصَّالِح” (يوحنا 10 :11)؛ “أَنا القِيامةُ والحَياة” (يوحنا 11: 25)؛ “أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة” (يوحنا 14: 6). أمَّا عبارة “الكَرْمةُ ” فتشير الى كرمة العنب وهو نبات وفير الإنتاج، وترمز للفرح والثروة والحياة والى شعب الله ككرمة مثمرة تقدم عنبًا يُستخرج منه خمر روحي مفرح كما جاء في نبوات الأنبياء” مثل ارميا “إِنِّي غَرَستُك أَفضَلَ كَرمَة (إرميا 2: 21)، اشعيا 5: 1، وهوشع 10: 1)؛ والثمر الذي كان يجب على شعب العهد القديم أن يعطيه هو الأمانة للعهد وللوصايا وبنوع خاص ما يتعلّق بالعدالة الاجتماعية (اشعيا 5: 7). وفي العهد الجديد تدل صورة الكَرْمةُ على تيار الحياة الذي ينتقل من يسوع الى التلاميذ فيجعلهم يُثمرون الثمر الذي ينتظره العالم. والكَرْمةُ هي مصدر وحدة كل الأغصان؛ وعليه فإنَّ التلاميذ الذين اتحدوا بالكَرْمةُ، واجب عليهم ان يُثُمروا ثمراً صالحاً. أمَّا عبارة ” الكَرمَةُ الحَقّ ” فتشير الى استعارة يعلن يسوع فيها انه شعب الله الحق، إسرائيل الجديدة. ويقارن يسوع هنا الكَرْمةُ الكاذبة في العهد القديم والكَرْمةُ الحق في العهد الجديد. حيث ان الكَرْمةُ في العهد القديم تدلُّ على شعب اسرائيل الذي انتظر منه الله عنباً (ثمار بر وقداسة) فأثمر حصرماً برّياً وتعرَّض للدمار عند الدينونة الأخيرة كما ورد في نبوءة اشعيا ” أيّ شَيءٍ يُصنَعُ لِلكَرْمِ ولَم أَصنَعْه لِكَرْمي؟ فما بالِيَ آنتَظَرتُ أَن يُثمِرَ عِنبَاً فأَثمَرَ حِصرِماً بَرِّيّاً؟”(اشعيا 5: 3-4). وأمَّا الكَرْمةُ الحقيقية في العهد الجديد فتدلّ على يسوع وعلى التلاميذ الذين يرتبطون به ارتباطا حياتيا بالإيمان ويُثمرون أعمال المحبة. يمثل شعب الله اليوم الكنيسة جسد المسيح حيث يباشر الله عمله. فهذه الكَرْمةُ الجديدة (الكنيسة) بدأت بغصن (المسيح) (اشعيا 11: 1) وتفرَّع منه أغصان كثيرة (المؤمنين المعمدين) ليكونوا الكَرْمةُ الحق. وبتعبير آخر، صورة الكرمة توضّح هذه العلاقة الشخصية التي يجب أن تنمو بين يسوع التلاميذ وهي مبنيّة على كلمة الله المدوِّنة وهي الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.
أي الوحي الذي أظهره يسوع لتلاميذه بالملء. وتدلّ الركمة أيضًا على حياة الكنيسة، شعب الله الجديد وحياة التلميذ؛ أمَّا ” الحَقّ ” باليونانية ἡ ἀληθινή (معناها الحقيقية) فتشير لغويا الى الكَرْمةُ الثابتة التي لا تتغير ولا تفسد ولا تزول. أمَّا عبارة “أَبي ” فتشير إلى الآب الذي هو متميز عن الكَرْمةُ التي تدل على المسيح والمؤمنين. واما المسيح بسبب إنسانيته اتحد بالكَرْمةُ. الآب هو حارس هذا الاتحاد، فهو الذي يريده ليكون هناك حياة للكنيسة الكَرْمةُ. وهذه الكَرْمةُ حقيقية لها صفة البقاء والخلود وعدم التغيير والفساد. أمَّا عبارة “الكَرَّام” فتشير الى الله الذي يعتني بالأغصان حتى تثمر (مرقس 12: 1-12). كما كان الآب مع شعب العهد القديم، كذلك يكون مع شعب العهد الجديد، أي كنيسته كما جاء في تعليم بولس الرسول “نَحنُ عامِلونَ مَعًا في عَمَلِ الله، وأَنتُم حَقْلُ اللهِ وبُنيانُ الله” (1 قورنتس 3: 9).

2) كُلُّ غُصنٍ فِيَّ لا يُثمِر يَفصِلُه. وكُلُّ غُصنٍ يثُمِر يُقَضِّبُه لِيَكثُرَ ثَمَرُه”

تشير عبارة ” غُصنٍ ” الى ما هو متشعب من ساق الشجرة. وفي الكتاب المقدس ثماني عشرة كلمة عبرية وأربع كلمات يونانية للدلالة على الغصن أو الفرع، وتستخدم في بضع دلالات مختلفة بين الحرفي (غصن الشجرة) والمجازي للدلالة على شخص هام (تكوين 49: 22)، او للدلالة على الأمم (اشعيا 16: 8). أمَّا عبارة “كُلُّ غُصنٍ فِيَّ ” باليونانية πᾶν κλῆμα ἐν ἐμοὶ فتشير الى كل إنسان يتبع المسيح يتوجب عليه ان يكون في المسيح كما هي الاغصان في الكَرْمةُ، عماً ان اللفظة “فيّ” تكرَّرت ست مرات في هذا النص (يوحنا 15: 2، 4، 5، 6، 7) للدلالة على ان الاغصان تؤلف معه كائنا واحد، وجسدا روحيا واحداً حيث انه لا يمكن فصل المؤمنين عن المسيح كما جاء في تعليم بولس الرسول ” فنَحنُ أَعْضاءُ جَسَدِه” (أفسس 5: 30) بل إن شرط حياتنا هو اتحادنا بالمسيح. والغصن المثمر هو المؤمن الحقيقي الذي باتحاده الحي بالمسيح يحمل ثمراً وإلا يكون غصنا كاذبا، مصيره ان يُقطع ويُرمى في النار. أمَّا عبارة “كُلُّ غُصنٍ فِيَّ لا يُثمِر يَفصِلُه” فتشير الى النوع الأول من التقضيب او التقليم، وهو قطع الغصن وفصله عن باقي الاغصان . فاذا لم يثبت الغصن في الكَرْمةُ كان عصنا ميتا، والغصن الميت يحكم على نفسه بنفسه ولا يصلح الا وقودا للنار، اذ رفض التزوّد بعصارة الحياة ورفض ان يحمل ثمرا كما قال الرب ” كُلَّ مَن كانَ له شَيء، يُعطى فيَفيض. ومَن لَيسَ له شيء، يُنتَزَعُ مِنهُ حتَّى الَّذي له” (متى 25: 29). فالأغصان التي لا تحمل ثمراً تقطع من الكَرْمةُ، فهذه الاغصان ليست فقط عديمة القيمة، ولكنها قد تحدث عدوى للأغصان الاخرى لانَّ من لا يحمل ثمر لله، او يسعى لإعاقة جهود المؤمنين سوف يُفصل عن الحياة الإلهية. وفي هذا الصدد يقول يسوع ” كُلُّ غَرْسٍ لم يَغْرِسْهُ أَبي السَّماويُّ يُقلَع ” (متى 15: 13). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم بقوله “أنه بدون أعمال لا يحق للتلاميذ أن يوجدوا فيه”. والغصن الذي لا يعمل لصالح الكرمة التي منها يستمد وجوده لا يحق له أن يكون أصلاً في الشجرة. فمن يعمل ما لا يحق له لا يحق له أن يكون في الكل. أمَّا عبارة ” يَفصِلُه ” باليونانية αἴρει (معناه ينزع) فتشير الى قطع كل غصن جاف وحرقه، لأنه لا يحمل ثمرا في كرمة الرب ولا يشارك في حياته. يرى البعض أن يسوع يشير هنا إلى يهوذا الإسخريوطي الذي لم يحمل ثمرًا، فاستحق نزعه من الخدمة الرسولية وحرمانه من الملكوت. أمَّا عبارة ” كُلُّ غُصنٍ يثُمِر يُقَضِّبُه لِيَكثُرَ ثَمَرُه ” فتشير الى النوع الثاني من التقضيب، وهو تقليم الاغصان الجيدة، كي تتحلّب العصارة في الغصن، ويعطي نتاجا كثيرا من العناقيد ومزيداً من الثمر. والكَرْمةُ التي لا تُقضّب، لا تعطي الا ورقاً. الغصن الذي في المسيح الذي يُمثِّل المؤمنين الحقيقيين يُنقّى بواسطة اتحادهم بالكَرْمةُ فيحملون ثمراً، وبعكس ذلك يكون غصناً كاذباً، ويجب قطعه وإلقاءه في النار. يحافظ الرب على كل غصن من اغصان الكَرْمةُ، الذي يشاركه في حياته ويعيش حسب هذه الحياة الجديدة، لكنه يقطع كل غصن لا يحمل ثمراً “كُلُّ غُصنٍ فِيَّ لا يُثمِر يَفصِلُه”. أمَّا عبارة ” يُقَضِّبُه “باليونانية καθαίρει (معناه ينقِّيه أو يُطهِّره) فتشير الى شذب الكرام كرمه ليُكثر ثمارها. يذهب الكرّام إلى كرمه ليشذّب الأغصان التي لا تحمل ثمرًا. فإذا لم يفعل ذلك وترك تلك الأغصان تنمو مع الأغصان الجيّدة، فلن تعطي كرمته سوى خمرة فاسدة وخلاًّ. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم “أنَّ التقليم هنا يشير إلى المحن والاضطهادات التي تواجه المؤمنين، فهي لا تحطمهم، بل تزيدهم قوة وإثمارً. حيث ان المحن تُنقِّي اعمال المؤمن وتؤدي به الى حمل الثمر”. ومن هذه المحن الآلام الجسدية والروحية والأمراض والتجارب والشكوك والشعور المؤمن انه متروك والأوضاع الصعبة. فالمحن ليس هدفا في حد ذاتها، وإنما يسمح الله بها لكي تمكّن الانسان من ان يحمل ثمراً. فالتنقية تأديب. ومن هذا المنطلق يُميّز يسوع بين نوعين من التقليم: قطع الغصن ليفصله؛ وتقضيب الغصن بهدف تطهيره وتنقيته وإكثار ثماره. صورة عن عمل الله في كنيسته، فهو يقضِّب باستمرار الاغصان الفاسدة والجافة. تسبب عملية التقليم آلاما وأتعابا، غير أنها تضاعف الغلة والمحصول وتأتي الكَرْمةُ بثمار يانعة. وبتعبير آخر، لا بد في بعض الأحيان من تأديب الله لنا لتقوية المؤمنين وزيادة ايمانهم وتقوية شخصيّتهم؛ وأمَّا عبارة “ثمر” فكانت ترمز في العهد القديم الى ثمر الكَرْمةُ إلى الحكمة (سيراخ 24: 17) وإلى زوجة البار الخصبة (مزمور 128: 3)، كما ترمز ايضا إلى أمل الزوجين (نشيد 6: 11) والثمر يرمز أخيرا إلى الامانة للوصايا؛ وأمَّا في العهد الجديد فترمز خاصة الى الايمان الذي نعيشه في حياتنا اليومية (يوحنا 14: 21)، وكما ان الغصن يشارك في حياة الكَرْمةُ، كذلك المؤمن يشارك باتحاده بالمسيح في حياة الله. وهذه المشاركة تفرض عليه ان يحيا ويعمل بحسب تعليم يسوع. فنحن مرتبطون بالمسيح ارتباطاً يعود بالخير على الكنيسة، جسد المسيح السري. وعليه فان التلاميذ الذين يرتبطون بالمسيح ارتباطا حياتيا بالإيمان يجب أن يثمروا أعمال المحبة. كما ان الغصن يشارك في حياة الكَرْمةُ، كذلك يشارك المؤمن باتحاده بالمسيح في حياة الله. وهذه المشاركة تفرض عليه ان يحيا ويعمل بحسب ما اوحى به يسوع. يطلب الله من الكَرْمةُ عنبًا جيدًا (اشعيا ٥: ٢)، ويطلب من المسيحي حياة مسيحية لائقة، فكر مسيحي، وسلوك مسيحي، وقلب مسيحي محب لكل البشرية. ما نفع الكَرْمةُ بلا عنب؟ وما نفع المسيحي بلا حب؟

3) أَنتُمُ الآنَ أَطهار بِفَضْلِ الكَلامِ الَّذي قُلتُه لَكم”

تشير عبارة ” أَطهار” باليونانية καθαροί (معناها نظيف وطاهر) الى حالة نفس التلاميذ الضرورية للوقوف امام الله، وإبعاد كل العقبات التي تعترض لقاءهم بما هو مقدس والهي. ولا ينحصر عمل التطهير والتنقية في ابعاده المادية، إنما المهم ان يقبل الانسان في الايمان ما يرمز اليه التطهير. ليس في الاطّهار الذي أتى به يسوع من مفعول تلقائي، فلقد غسل يسوع يهوذا الإسخريوطي دون ان يُطهَّر فعلا ” أَنتُم أَيضاً أَطهار، ولكِن لا كُلُّكم. فقَد كانَ يَعرِفُ مَن سَيُسْلِمُه، ولِذلِكَ قال: لَستُم كُلُّكم أَطهاراً ” (يوحنا 13: 10-11)، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “صار كل منهم نقيًا بكلمة الحق التي للمسيح (يوحنا 17: 17)، بالإيمان به الذي يُطهِّر قلوبهم ويُنقِّيها من كل شائبة كما جاء في تعليم بطرس الرسول “طَهَّرَ قُلوبَهم بِالإِيمان”(اعمال الرسل 15: 9). أمَّا عبارة “بِفَضْلِ” باليونانية διὰ (معناها لأجل) فتشير الى حاجة التلاميذ لعون الله كما عبّر عن ذلك صاحب المزامير ” قَلبًا طاهِرًا اْخلُقْ فيَّ يا ألله ورُوحًا ثابِتًا جَدِّد في باطِني ” (مزمور 51: 12). أمَّا عبارة “الكَلامِ الَّذي قُلتُه لَكم” فتشير الى كلمة يسوع، تلك الكلمة التي سمعها الرسل والتي التزموا بها فطهَّرتهم. وهذا الكلام باليونانية λόγος, هو الانجيل، يسوع يعطى كلمة الانجيل ويعطيها الآن كاملة لبقاء التلاميذ في علاقة عضوية معه مثل الاغصان والكرمة. وما دام المسيحي يدع الكلمة تعمل في داخله سيكون محرراً من الخطيئة، وبالتالي طاهرا، لانَّ يسوع ذاته موجود في كلمته كما هو موجود بالقربان الاقدس. ومن خلال كلمته يدخل يسوع الى داخلنا وفي هذا الصدد قال البابا بولس السادس ” عندما تصلنا كلمة الله، يصلنا فكره الإلهي، أي الكلمة ابن الله الذي صار بشرا. وحين نقبل ان تأتي كلمة الله وتعيش فينا، نستطيع ان نؤكد ان الرب يتجسد فينا”. أمَّا عبارة “أَنتُمُ الآنَ أَطهار بِفَضْلِ الكَلامِ الَّذي قُلتُه لَكم ” فتشير الى كون التلاميذ “أَطهاراً” بالإيمان بكلام يسوع وتعليمه من ناحية، وبالاستسلام لعمله دون ان يضعوا العوائق من ناحية أخرى (يوحنا 13:10). فالإيمان والعمل بمشيئة الله يثمران الخلاص.

4) اُثبُتوا فيَّ وأَنا أَثبُتُ فيكم. وكما أَنَّ الغُصنَ، إِن لم يَثْبُتْ في الكَرْمةُ لا يَستَطيعُ أَن يُثمِرَ مِن نَفْسِه، فكذلكَ لا تَستَطيعونَ أَنتُم أَن تُثمِروا إِن لم تَثبُتوا فيَّ.

يشير فعل ” اُثبُتوا ” الى دعوة للاتحاد بالمسيح والحياة فيه، والتعلق به ليس فقط لأوقات معينة بل بصورة دائمة وذلك باتحاد يشبه أتحاد الاغصان بالكَرْمةُ واتحاد الأعضاء في الجسد. وهذا الاتحاد يتم عن طريق الايمان والعماد. وكلمة الثبات وردت في العهد الجديد 112 مرة، منها 66 مرة في إنجيل يوحنا، وتكررت في هذه النص ثماني مرات مما يدل على أهميّة الموضوع في تعليم كتابات يوحنا. “الثبات” عند الانسان هو المحافظة بعزم ونشاط على ما أعطي في الماضي والتمسك به في الحاضر والنظر الى المستقبل انطلاقا منه. وبهذا المعنى، يثبت المؤمن في الله (1يوحنا 4: 13-16) ويثبت في كلامه تعالى (يوحنا 8: 31) بحيث يعيش كلامه فيه (يوحنا 7: 15) بحفظ وصايا الله (يوحنا 10: 15)، ويثبت في المحبة (15: 9-10) خاصة المحبة الأخوية (يوحنا 7: 12-15)، ويثبت في النور (1 يوحنا 2: 10) ويثبت في الله (1 يوحنا 4: 13-16)؛ والعشاء الإفخارستي هو في الوقت الحاضر هو الوسيلة المفضَّلة والأولى لتحقيق هذا الثبات كما جاء في تعليم يسوع “مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه ” (يوحنا 6: 55). ومن هذا الثبات ينشا الثمر الكثير، وهي عطايا الخلاص الممنوحة للمؤمنين (1 يوحنا 2: 27). وهكذا بالأمانة يربط المؤمن حياته بدون مقابل بالمسيح الذي تُمنح فيه عطايا الله للأبد، وهذه الامانة تفترض أيضا تطابقا فعّالا ومعرفة تدريجية لحياة يسوع. إن يسوع يثبت فينا بقدر ما نثبت فيه. وحين نتحد به تكون لنا حياته كما صرّح بولس الرسول ” الحَياةُ عِندي هي المسيح” (فيلبي 23:1)؛ وإذا كنا ثابتًين في المسيح. ولنا حياة المسيح فإننا أغصان مثمرة. وحياة المسيح فيَّ تعطينا قوة لنثبت فيه ونثمر. ويوضح يوحنا الذهبي الفم “ان التقضيب او التقليم يظهر أنه خاص بالابن والثبات في الكَرْمةُ خاص بالآب”. أمَّا عبارة “أَنا أَثبُتُ فيكم” فتشير الى فتح قلوبنا ليدخلها المسيح ليعمل فينا كما جاء في تعليم بولس الرسول ” أَن يُقيمَ المسيحُ في قُلوبِكم بالإِيمان، حتَّى إِذا ما تأَصَّلتُم في المَحبَّة وأسِّستُم علَيها، أَمكَنَكم أَن تُدركوا مع جَميعِ القدَّيسين ما هو العَرْضُ والطُّول والعُلُوُّ والعُمق، وتَعرِفوا مَحبَّةَ المسيحِ الَّتي تَفوقُ كلَّ مَعرِفة، فتَمتَلِئوا بِكُلِّ ما في اللهِ من كَمَال” (أفسس 3: 17-19). وثبات المؤمن في المسيح شرط مطلوب لثبات المسيح في المؤمن. وثبات المسيح في المؤمن هو نتيجة طبيعية لثبات المؤمن في المسيح. فمن يثبت في المسيح بأعماله وتوبته ومحبته، يثبت فيه المسيح. فالثبات يتطلب عمل المسيح وإرادة الإنسان.

5 أَنا الكَرْمةُ وأَنتُمُ الأَغصان. فمَن ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه فَذاكَ الَّذي يُثمِرُ ثَمَراً كثيراً لأَنَّكُم، بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً”

تشير عبارة “أَنا الكَرْمةُ وأَنتُمُ الأَغصان” الى عقيدة الجسد السري في تعليم بولس الرسول ” نَحنُ أَعْضاءُ جَسَد المسيح ” (أفسس 5: 3). ان شعب الله يتكوّن ابتداء بالمسيح وبه وبواسطة اتحاد التلاميذ بشخص المسيح الانسان-الاله، عن طريق الايمان، ويُعلق القديس أوغسطينوس” أن السيد المسيح يدعو نفسه الكَرْمةُ ويدعونا نحن بالأغصان، والكَرْمةُ والأغصان من طبيعة واحدة. هكذا إذ صار إنسانًا حمل ناسوتنا، وصار كرمة ونحن الأغصان الثابتة فيه إذ حملنا فيه. كما أن الغصن يشارك طبيعة الشجرة وينتعش بعصارتها ويحيا بحياتها هكذا يليق بنا أن نكون شركاء في الطبيعة الإلهية ونسلك بحكمته، ونحمل قوته وإمكانياته، ونتطهر ببرّه وقداسته”؛ فالغصن الذي يثبت في الكرمة يعمل، إذًا، لصالح نفسه ولصالح الكرمة، فيحقِّق نفسَه. والغصن الذي لا يثبت يموت، فيخسر نفسه ويخسر الكرمة، بينما تستمر الكرمة في الحياة. أمَّا عبارة ” فمَن ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه” فتشير الى اتحادٍ يفترض وجود اختيار متبادل حر. ولكن يوحنا يركز على الاختيار الذي قام به يسوع من أولوية مطلقة ” لم تَخْتاروني أَنتُم، بل أَنا اختَرتُكم وأَقمتُكُم لِتَذهَبوا فَتُثمِروا ويَبْقى ثَمَرُكم ” (يوحنا 15: 16)؛ أمَّا عبارة “ثَمَر ” فتشير الى الصلاة والفرح والمحبة كما ورد في هذا الفصل من انجيل يوحنا، وهذه الثمار هي صفات الشخصية المسيحية. أمَّا العنب، ثمر الكَرْمةُ في العهد القديم، فكان رمزاً لإثمار بني اسرائيل في أداء عمل الله على الارض (مزمور 80: 8)؛ أمَّا في عشاء الفصح فإن ثمر الكَرْمةُ رمز لصلاح الله لشعبه. أمَّا عبارة “كثير” فلا تأتي من كمية العمل او وفرة وسائل العمل، إنما من الاتحاد بالمسيح. وعليه يتوجب على التلاميذ الذين اتحدوا بالكَرْمةُ، أن يثمروا ثمراً صالحا كما اختبر ذلك بولس الرسول ” أَستَطيعُ كُلَّ شيَءٍ بِذاكَ الَّذي يُقوِّيني” (فيلبي 4: 3). أمَّا عبارة ” بِمَعزِلٍ عَنِّي (بدوني) لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً” فتشير الى انّ كل مجهود بشري لا ينطلق من المسيح ويصل الى المسيح يبقى باطلا، ويتذهب جميع جهودنا أدراج الرياح إن لم نستعن بقوة المسيح الخلاصية، لان يسوع مصدر كل شيء وغاية كل شيء (يوحنا 1: 3)؛ وكل الجهود ستضل غير مُجدية في نظر الابدية، ومن هنا لا يُنكر يسوع واقع المشاريع البشرية وقيمتها الخاصة، ولكن لا بد من الاعتراف بأنها تصب آخر الامر في فراغ إن لم يكن المُقدِمون عليها ثابتين في المسيح، فانه وحده يستطيع ان يُضفي على حياتهم وجهودهم قيمة الابدية “بِه كانَ كُلُّ شَيء وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان”(يوحنا 1: 3). وحيث ان العمل لا يأتي من كمية العمل او وفرة وسائل العمل، إنما يأتي من الاتحاد بالمسيح، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “بدون قوة السيد المسيح لا يمكنهم أن يعمل التلاميذ شيئًا، وأنهم على هذا المثال يحتاجون أن يتحدوا به كاتحاد الغصن بالكَرْمةُ “. نحن نثبت فيه، وهو يثبت فينا، نقيم معه ونتعلق بشخصه وهو يثبت فينا بعطايا خلاصه. فنحن، بغير صلة بالمسيح، لا نستطيع ان نؤتي تمارا من الاعمال الصالحة. بدونه لا نعمة، ولا قوة ولا حياة. فمعزل عن المسيح نصبح كالكرامين الذين تحولوا عن هدف رسالتهم، وعن مهمتهم كخدام وكعبيد لسيدهم، ونسوا أنفسهم وظنوا أنهم هم أصحاب الأمر والنهى، ونسوا أنهم وكلاء (متى 21: 33-44). كيف نستطيع أن نثابر على طريق الإيمان وعلاقتنا مع الربّ؟ ومن هنا ينصحنا القدّيس فرنسيس كسفاريوس “ضعوا قوّتكم كلّها في الله “.

6) مَن لا يَثْبُتْ فيَّ يُلْقَ كالغُصنِ إِلى الخارِجِ فَيَيْبَس فيَجمَعونَ الأَغْصان وَيُلْقونَها في النَّارِ فَتَشتَعِل”

تشير عبارة ” مَن لا يَثْبُتْ فيَّ يُلْقَ كالغُصنِ إِلى الخارِجِ فَيَيْبَس ” الى إنذار مخيف لمن هو غير ثابت في الكَرْمةُ، حيث يصف يسوع مصير الاغصان التي لا تثبت في الكَرْمةُ، وهذا الإنذار هو صدى لنبوءة حزقيال “يا ابنَ الإِنْسان، بِماذا يَفضُلُ خَشَبُ الكَرم على كُلِّ خَشَبِ غصنٍ في أَشْجار الغابَة؟” (حزقيال15: 2-4). بهذه الآية يؤكد يسوع أن الطريق الوحيد للحياة الصالحة هو الثبات به، أي الاتحاد به كاتحاد الغصن بالكَرْمةُ. فكما يُقطع الغصن اليابس ويُتلف، هكذا وضع التلميذ غير الوفي الذي لا يثمر، يُفصل من جماعة المسيح ولا يعود يشارك في واقع موته وقيامته فيفقد الحياة الابدية. ويُعلق العلامة أوغسطينوس “يصلح الغصن فقط لأحد أمرين: إمَّا في الكَرْمةُ أو في النار. إن لم يكن في الكَرْمةُ فمكانه يكون النار. ولكي يهرب من النار يلزمه أن يكون في الكَرْمةُ “. أمَّا عبارة ” فَيَيْبَس ” فتشير الى جفاف، بمعنى إن كان ليس له جذور فإنه يتعرض لخطر الاشتعال، مما يدل على ان التلميذ لا يعيش الا بمقدار ارتباطه الحيوي بيسوع الكَرْمةُ. أمَّا عبارة “يُلْقونَها في النَّارِ فَتَشتَعِل” فتشير الى مثل الكرْمة في نبوءة حزقيال ” كخَشَبِ الكَرْمِ بَينَ أَشْجارِ الغابة، الَّذي جَعَلتُه مَأكَلاً لِلنَّار، كذلك جَعَلتُ سُكَّانَ أُورَشَليم” (حزقيال 15: 6). إذا عزل الشخص نفسه عن الكَرْمةُ، يطرح نفسه خارجًا، ويصير فرعًا جافًا مبتورًا لا يصلح إلا للحريق، ويحل به ما حلَّ بشجرة التين العقيمة التي لعنها الرب فيَبست (متى 21: 19)؛ ومن هذا المنطلق إن كل الذين يقاومون المسيح يحترقون. هل نحن شركاء في الكَرْمةُ الحق المقدسة؟

7) إِذا ثَبَتُّم فيَّ وثَبَتَ كَلامي فيكُم فَاسأَلوا ما شِئتُم يَكُنْ لَكم”

تشير عبارة” إِذا ثَبَتُّم فيَّ ” الى الشرط القائم على وحدة التلاميذ بيسوع عن طريق الايمان بالمسيح والعمل وفق هذا الايمان وحفظ وصاياه (يوحنا 15: 1)، والتي تتلخص في وصية المحبة الأخوية (يوحنا 15: 2)؛ وعلامة الثبات بيسوع وفي محبته هي حفظ وصاياه (يوحنا 15: 10). فالعمل بكلام يسوع هو شرط أساسي وعلامة محسوسة للثبات في المسيح والعيش فينا. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “يربط السيد المسيح بين الثبات فيه والثبات في كلمته، فإنه خلال إنجيله نتمتع بالوحدة الصادقة”. وبناء على ذلك، فإن الثبات في كلمة المسيح هو لقاء دائم مع شخص السيد المسيح. أمَّا عبارة ” وثَبَتَ كَلامي فيكُم ” فتشير الى المسيح الذي يضع كلامه مكان شخصه. فنرى كيف نثبت في المسيح عندما نثبت في كلامه. أمَّا عبارة “فَاسأَلوا ما شِئتُم يَكُنْ لَكم” فتشير الى الوعد كثمرة ثبات المؤمنين مع المسيح، ويقوم هذا الوعد على استجابة الصلاة، عندما تُقدّم باسم يسوع ووفق ارادة الآب. ثباتنا في المسيح وفي كلمته، وبالتالي ثباته فينا، يجعلنا بالحق رجال صلاة نعرف ماذا نطلب، وما هي طلبتنا سوى أن نصير أيقونته، ونحمل مشيئته فينا، ونلتقي به، ونتمتع بالشركة في مجده، ولن نطلب إلاّ ما هو حسب إرادته ومشيئته كما جاء في تعليم يوحنا الرسول ” الثِّقةُ الَّتي لَنا بِه هي أَنَّه إذا سأَلْناه شَيئًا مُوافِقًا لِمَشيئَتِه استَجابَ لَنا “(1يوحنا 14:5). ويعلق القديس اوغسطينوس ” يا ليتنا لا نسقط من كلمات صلاة يسوع ” ابانا الذي في السماوات” ومعانيها في طلباتنا، فكل ما نسأله عندئذ يكون لنا”. أمَّا عبارة “ما شِئتُم” فتشير الى تَماثل في الإرادة بين الذي يثبت في المسيح والمسيح نفسه كما جاء في تعليم بولس الرسول “ذاكَ الَّذي يَستَطيعُ، بِقُوَّتِه العامِلَةِ فينا، أَن يَبلُغَ ما يَفوقُ كثيرًا كُلَّ ما نَسأَلُه أَو نَتصَوَّرُه” (أفسس3: 20). فمن ثبت في المسيح تصبح إرادته الحرة حسب حرية البنين لا العبيد، والابن لا يطلب سوى ما يَسُّرْ أباه. لذا ثباتنا في المسيح يجعل صلاتنا مقبولة. لان الابن يعمل فينا ويتمجّد بواسطة اعمالنا كما صرّح يسوع “فكُلَّ شيءٍ سأَلتُم بِاسْمي أَعمَلُه لِكَي يُمَجَّدَ الآبُ في الاِبْن” (يوحنا14: 13). وليس استجابة صلاتنا هي ثمرة الثبات بالمسيح فحسب، أنما الفرح (يوحنا 15: 11) والمحبة (يوحنا 15: 12) هما أيضا ثمار للثبات مع المسيح. ويضيف بولس الرسول ثمار أخرى “أَمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف” (غلاطية 5: 22 -23) وإن هذه الثمار هي صفات الشخصية المسيحية.

8) أَلا إِنَّ ما يُمَجَّدُ بِه أَبي أن تُثمِروا ثمراً كثيراً وتكونوا لي تلاميذ”

تشير عبارة “يُمَجَّدُ ” باليونانية δοξάζω, (معناها “كثر بهاءً أو وضوحًا” في نظر الناس، كما تعني يتمجد) الى المجد الذي هو ليس مجدنا بل مجد الله تعالى. يتمجد الآب لأننا نحمل ثمرًا كثيرًا، وصرنا تلاميذ المسيح. أمَّا عبارة “إِنَّ ما يُمَجَّدُ بِه أَبي ” فتشير الى ثمرة الثبات، وهي مجد الآب بفضل الاتحاد القائم بين المسيح (الكَرْمةُ) وبين الآب (الكرام)، فالثمار التي تحملها الاغصان تمجّد الآب والابن، الكرّام والكَرْمةُ حيث يُعلن حب الآب الفائق في حياتنا، ويتجلى بهاؤه بنا، ونمارس بالحق بنوتنا له. تمجيد الآب في يسوع، هو ايضا تمجيده في التلاميذ الذين يثبتون في المسيح فيثمرون. في هذا المعنى جاء قول بولس الرسول “فإِذا أَكَلتُم أَو شَرِبتُم أَو مَهما فَعَلتُم؟ فَافعَلوا كُلَّ شَيءٍ لِمَجدِ الله” (1 قورنتس 10: 31). فان الحصاد تمجيد لله رب الحصاد. فيتمجد الله ويتعظم عندما يأتي تلاميذ يسوع بالناس الى ملكوته. بثبات المسيح فينا وثباتنا فيَّه وثباتنا في كلامي تُستجاب صلواتنا كونها تتفق مع إرادة الآب السماوي. أمَّا عبارة “أن تُثمِروا ثمراً كثيراً” فتشير الى ثمار الصلاة والمحبة والطاعة والقداسة. فالمحبة والطاعة هما علامات التلميذ الحقيقي، القادر على فتح أعين اشخاص كثيرين على المسيح. وأمَّا القداسة فهي إرادة الله، ويقول المجمع الفاتيكاني الثاني “ان شعب الله كله مدعو الى القداسة”. والقداسة هي ثمرة الاتحاد بالمسيح. فان الحصاد في المقام الأول هو تمجيد لله رب الحصاد. أمَّا عبارة “تكونوا لي تلاميذ ” فتشير الى مجد الآب المتجلي في يسوع يتجلى أيضا بتلاميذه الذين يثمرون ثمار المحبة بحكم ثباتهم بالمسيح. فالتلاميذ هم رجال الله، يشهدون له ليردُّوا كل نفس إليه، لكي يصير الكل “مِن أَبناءَ وَطَنِ القِدِّيسين ومِن أَهْلِ بَيتِ الله” (أفسس 2: 19).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 15: 1-8)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 15: 1-8)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول ثلاث مفردات لاهوتية مترابطة، وهي: الكَرْمةُ والثمر والتلاميذ.

1) الكَرْمةُ

فلسطين، وهي أرض الكروم، فامتلاك الكَرْمةُ وحراثتها والتذوق من ثمارها، هي عنوان السعادة، وعلامة الأيام السعيدة (1ملوك 5:5). وان الكروم العامرة هي واحدة من الرموز المميزة للبهجة المسيحانية “ها إنَّها تَأتي أَيَّامٌ، يَقولُ الرَّبّ يُدرِكُ فيها الحارِثُ الحاصِد ودائِسُ العِنَبِ باذرَ الزَّرْع وتَقطُرُ الجِبالُ نَبيذاً وتَسيلُ جَميعُ التِّلال” (عاموس 9: 13). وقد عبر حزقيال النبي عن السر الخاص بالكَرْمةُ حيث وحدها بين الأشجار لا تصلح إلاَّ بثمرها (حزقيال 15: 1-8)، وهذا الثمر الذي يعطي الخمر “خَمرٍ تُفَرِّحُ قَلبَ الإِنْسان” (مزمور 104: 15) وثمر الكرْمة هي رمز للخصب وفيض الحياة (نشيد الأناشيد 1: 2).

فلا عجب ان كثيرا ما طُبقت صورة “الكَرْمةُ ” في العهد القديم خاصة لدى الأنبياء على شعب اسرائيل القديم الذي ينتظر الله منه ثمراً (ارميا 2:21، حزقيال 15: 2، مزمور 8: 9)، للدلالة على ما خُصّ به من المحبة والاختيار. فبعد ان غرس الله شعبه وحماه (ارميا 2: 21)، كان يتوجب على الشعب أن يُخرج ثمار بر وقداسة؛ الاَّ ان هذه الكَرْمةُ بدلاً من ثمر العدل لم تنتج إلا سفك الدم (اشعيا 1:5-7)، وتحوَّلت الى غرس أجنبي عقيم (إرميا 11: 21)، وخانت العهد (حزقيال 17: 5-19). وبقدر ما ترفض هذه الكَرْمةُ تلبية ما يريده الله، فإنها معرّضة للدمار عند الدينونة الأخيرة (اشعيا5:1-7).

وأمَّا في العهد الجديد جعل يسوع من عصير الكَرْمةُ سر العهد الجديد بدمه كما أعلن يسوع لتلاميذه في العشاء الأخير ” أَخَذَ كَأساً وشَكَرَ وناوَلَهم إِيَّاها قائلاً: ((اِشرَبوا مِنها كُلُّكم فهذا هُوَ دَمي، دَمُ العَهد يُراقُ مِن أَجْلِ جَماعةِ النَّاس لِغُفرانِ الخَطايا. قولُ لكم: لَن أَشرَبَ بعدَ الآن مِن عَصيرِ الكَرْمَةِ هذا حتَّى ذلك اليَومِ الَّذي فيهِ أَشرَبُه مَعَكُم جَديداً في مَلكوتِ أَبي ” (متى 26: 27-29). ونستنتج مما سبق انَّ ثمرة الكَرْمةُ تصبح في سر الافخارستيا (القربان) العلامة السرية لهذا الدم الذي سُفك توثيقاً للعهد الجديد، وسوف يكون الطريق للاتحاد في محبة يسوع والاستقرار فيه (يوحنا 15: 4-10).

وتطورت صورة الكَرْمةُ خاصة في إنجيل يوحنا. فأعلن المسيح نفسه انه هو الكَرْمةُ الحق، قدّم نفسه كممثِّل لشعب الله، وكرأس له، كما يقول الرسول:” وجَعَلَ كُلَّ شَيءٍ تَحتَ قَدَمَيْه ووَهَبَه لَنا فَوقَ كُلِّ شيء رَأسًا لِلكَنيسة، وهي جَسدُه ومِلْءُ ذاك الَّذي يَملأُه اللّهُ تمامًا” (أفسس 1: 22-23). فيسوع رأس الكنيسة ونحن أعضاؤه، وهو وسيط بين الله والنّاس “لأَنَّ اللهَ واحِد، والوَسيطَ بَينَ اللهِ والنَّاسِ واحِد، وهو إِنْسان، أَيِ المسيحُ يسوعُ” (1 طيموتاوس 2: 5). وفي الحقيقة، إنّ الكَرْمةُ والأغصان هي من الطبيعة ذاتها؛ لذلك، صار يسوع إنسانًا، حتّى يتخذ الطبيعة البشريّة كالكَرْمةُ التي نستطيع نحن أن نكون أغصانها. كما قال يسوع لتلاميذه إنّا الكَرْمةُ وأنتم الأغصان، وبه يتجلَّى ويتحقق شعب الله القديم الحقيقي، الكَرْمةُ المختارة للأزمنة الأخيرة، وذلك لأنه هو الابن، وابوه الكرام (يوحنا 15: 1). ويؤكد يسوع انه لن يستطيع أحد ان يكون من شعب الله، ما لم ينتسب الى الكَرْمةُ الحق، أي إذا لم يكن فيه، كما هي الاغصان في الكَرْمةُ. فالكَرْمةُ الحق هي يسوع، فهو الكَرْمةُ المثمرة، يأتي بثمر وفير (يوحنا 15: 21)، وهو يؤتي ثمره بالتضحية بحياته، بسفك دمه كأقصى دليل على الحبّ “لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه” (يوحنا 15: 13).

يسوع هو الكَرْمةُ، ونحن الأغصان، كما أنه هو الجسد ونحن الأعضاء المتّحدون به. ويعلق القديس أثناسيوس “كما أن الأغصان واحدة مع الكَرْمةُ (الأصل) وهي منها (يوحنا 1:15) هكذا نحن أيضًا جسد واحد متجانس مع جسد الرب، ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا (يوحنا 1: 16)؛ وبفضل هذا الاتّحاد، يصبح الإنسان غصناً في الكَرْمةُ الحقيقيّة. وإذ ينعشه الحب الذي يتحد به يسوع بأبيه فيأتي بثمر، فيتمجّد الآب. وهكذا يشترك المؤمن في فرح الابن في تمجيد الآب (يوحنا 15: 8-11). وحيث ان يسوع وحده، الكَرْمةُ الحق، يمكنه أن يؤتي ثمراً يمجّد الكرام أي الآب. وبالعكس بدون الاتحاد به نصبح أغصاناً منفصلة، محرومة من العصابة، يابسة عقيمة تصلح فقط لطرحها في النار (يوحنا 13: 4-6).

وبتعبير آخر، المسيح هو الكَرْمةُ، والله هو الكرام الذي يعتني بالأغصان حتى تثمر. والاغصان هي كل انسان يتبع المسيح. والغصن المثمر هو المؤمن الحقيقي الذي باتحاده الحي بالمسيح يُثمر ثمراً وفيراً. وقد اختار يسوع تلاميذه واوكل إليهم رسالة خاصة وعلق عليهم امله ” أَنا اختَرتُكم وأَقمتُكُم لِتَذهَبوا فَتُثمِروا ويَبْقى ثَمَرُكم” (يوحنا 15: 16). ومن هذا المنطلق، تثمر كرمة شعب الله لله وللبشر ويشع قلوب التلاميذ بالفرح ” لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً” (يوحنا 15:11).

2) الثمر

إن لفظ ثمر تشير الى ما ينتجه كائن مخلوق حي بأعماله (ارميا 17: 10). والثمر لا يعني هنا فقط النجاح في الحقل الرسولي او المقدرة على نشر ايمان او بناء الجماعة المسيحية، انما أيضا مقدرتنا ان نطلب أي شيء نريد فيُستجاب لنا (يوحنا 16: 7، 15) ومقدرتنا على تمجيد الآب (يوحنا 8: 15) والحصول على ملء الفرح (يوحنا 11: 15). ففكرة الثمار لها مكانة رئيسة في الكتاب المقدس. فقد غرس الله كرمته، واعتنى بها على امل ان تثمر تمرا وافرا، ولكن أمله قد خاب، أمَّا الكَرْمةُ في يسوع فقد لبَّت انتظار الله ومن هنا أهمية تكرار لفظة الثمر في نص الكَرْمةُ الحق (يوحنا 15: 2، 4، 5، 8، 16) التي تدل على حفظ الوصايا ( يوحنا 15: 10-12) وبنوع خاص وصيّة المحبّة الاخوية (يوحنا 15: 9-17).

أمَّا الله بصفته مصدر كل ثمرٍ، فإنه يحصد الثمر التي ينبغي أن تُظهر مجده. وينبغي للمؤمن أن يُقدِّم بواكير ثماره كعلامة لاعترافه بالجميل (تثنية 26: 2). ولذا فإن الله يطلب ثماراً من كرمته: إن كل تهاون مُعاقب عليه (يهوذا 12). فالأغصان غير المثمرة تلقى في النار وتحرق (يوحنا 15: 6)، والأتباع غير المثمرين هم كالموتى يُفصلون ويلقون خارجاً.

ويعلمنا يسوع ان نميّز بين الأتباع الحقيقيين والأتباع المزيفين من خلال الثمر بقوله: “إن الشجرة تعرف من ثمارها” إذ يكشف وراء القشرة الغريبة، عصارة ملعونة (متى 12: 33-35)؛ كما علَّم تلاميذه كيف يميّزون الأنبياء الكذبة: “من ثمارهم تعرفونهم. أَيُجْنَى من الشوك عنَب، أو من العُلَّيق تين؟” (متى 7: 16). إذن، هناك التباس في قلب الإنسان الذي قد “يثمر ثماراً للموت”، في حين يجب “أن يثمر ثماراً للحياة” (رومة 7: 4-5).

وأمَّا في اعطاء الثمر الذي أعلنه يسوع على العالم فكان لنا قدوة: ” إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَراً كثيراً” (يوحنا 12: 24). فقد قَبِل يسوع ساعة التضحية فمجّده الآب. وبذا صارت الشريعة الطبيعية، عن طريق المسيح، “شريعة الوجود المسيحي”. “أنا الكَرْمةُ الحق وأبي هو الكرّام” (يوحنا 5: 1-2)، لا بد لإعطاء الثمر من أن نبقى على الكَرْمةُ (15: 4)، أي أن نكون أمناء للمسيح ومتحدين به. والتلميذ المتحد بالمسيح يساهم في إعطاء الثمار الروحية. وقد وعد يسوع التلميذ المتحد به والمؤمن به بان ” يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها” (يوحنا 14: 12). فتلاميذ المسيح يسهمون في عمل الخلاص: بهم يثمر المسيح وبواسطتهم تكثر ثماره. ونستنتج من ذلك كما يعلق أحد مفسري الكتاب المقدس ان “الكَرْمةُ لا تؤلف عالما مغلقا على ذاته، وإنما عالما منفتحاً”.

إن الاتحاد بالمسيح يجب أن يكون خصباً وسخياً: “كل غصن يُثمر يُقضِّبه الآب ليكثر حمله” (15: 2): تلك هي الطريقة الإلهية التي تفترض أن يتطهّر التلميذ باستمرار وبصبر (لوقا 8: 15)، وهكذا يبلغ نضجه كاملاً. “أَلا إِنَّ ما يُمَجَّدُ بِه أَبي أن تُثمِروا ثمراً كثيراً وتكونوا لي تلاميذ (يوحنا 15: 8) “ممتَلِئينَ مِن ثَمَرِ البِرِّ الَّذي هو مِن فَضْلِ يسوعَ المسيح تَمجيدًا وتَسبيحًا له” (فيلبي 1: 11). وأمَّا ثمر الثبات في الكرمة الحقّ فهو الرسالة: ” لم تَخْتاروني أَنتُم، بل أَنا اختَرتُكم وأَقمتُكُم لِتَذهَبوا فَتُثمِروا ويَبْقى ثَمَرُكم فيُعطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ ما تَسأَلونَهُ بِاسمي. (يوحنا 15: 16). الثمر إذًا هو حفظ وصيّة يسوع الاولى، وصيّة المحبّة والقيام بالرسالة الموكلة إلى التلاميذ من قبله. المحبّة والرسالة يعيشهما التلميذ بفرح وتنتجان عن الثبات بالمسيح.

3) تلاميذ يسوع

التلميذ في اللغة اليونانية μαθητής يدل على من يتبع باختياره معلّماً ويشاركه أفكاره. فيما عدا بعض الإشارات إلى تلاميذ موسى (يوحنا 9: 28)، وتلاميذ يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 35)، وتلاميذ الفرّيسيين (متى 22: 16)، يُخصّص العهد الجديد اسم ” تلميذ” لمن اعترفوا بيسوع معلّماً. ففي الأناجيل، يشير اسم التلميذ أولاً إلى الاثني عشر (متى 10: 1). ثم يشير إلى كل من يتبع يسوع (متى 8: 21)، ولا سيّما إلى الاثنين والسبعين الذين بعثهم في رسالة التبشير بالإنجيل (لوقا 10: 1). ويشير أخيراً لقب “تلميذ” إلى كلّ مؤمن، سواء عرف يسوع خلال حياته الأرضية أم لم يعرفه (أعمال 6: 1-2)؛ لان تلميذ يسوع يتتلمذ لا لنفسه بل للمسيح وحده. وعلى هذا النحو، يتيسر للجميع أن يصيروا “تلامذة الرب” (يوحنا 6: 45). ومن هنا نجد ان شروط التلمذة للمسيح هي:

أ‌) دعوة فريدة:
إن ما يطلب من الإنسان لكي يصير تلميذاً للمسيح، لا الاستعدادات الذهنية، ولا حتّى الأدبية، بل النداء الحر الذي يوجِّهه له يسوع “اِتْبَعْني” (يوحنا 1: 43) ومن خلال هذه الدعوة “يعطي” الآب ليسوع تلاميذه “ومَشيَئةُ الَّذي أَرسَلَني أَلاَّ أُهلِكَ أَحَداً مِن جَميعِ ما أَعْطانيه” (يوحنا 6: 39).

ب‌) تعلّق شخصي بالمسيح والثبات فيه:
ليس من الضروري أن يكون الإنسان عالماً، لكي يصير تلميذاً للمسيح، فالمهم ان يرتبط بشخص المسيح. يقول يسوع لتلميذه: “اتبعني” ويدلّ لفظ “يتبع” على التعلّق بشخص يسوع (متى 8: 19). إن اتّباع يسوع بمفهوم تلاميذه، يعني قطع كلّ علاقة بالماضي قطعاً باتاً، كما يعني الاقتداء بمثاله وسماع تعاليمه، ومطابقة الحياة على سيرة يسوع المسيح المخلّص “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني” (مرقس 8: 34).
ومن هذا المنطلق، فإن تلميذ يسوع لا يرتبط بتعليم، بل بشخص ولذا فهو لا يستطيع أن يترك معلمه يسوع الذي أصبح مرتبطاً به أكثر من أبيه وأمه “مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي” (متى 10: 37).

أمَّا الثبات في المسيح يكمن في الاتحاد بالمسيح والتعلق به. بهذا المعنى يثبت المؤمن في كلام الله (يوحنا 8: 31) بحيث يعيش كلماته الله فيه (يوحنا 7: 15) ويحفظ وصايا الله (يوحنا 10: 15)، ويثبت في المحبة (15: 9-10) خاصة المحبة الأخوية (يوحنا 7: 12-15)، ويثبت في النور (1 يوحنا 2: 10) وفي الله (1 يوحنا 4: 13-16). فالثبات في الانجيل هو الثبات في يسوع، فالثبات في يسوع يعني أن نثبت في محبّته ونبذل ذاتنا مثله (يوحنا 15: 9-17). وفي هذا الصدد علقت القديسة تيريزا دي كالكوتا “علينا أن نكون مدركين وحدتنا مع الرّب يسوع المسيح، كما كان هو مدركًا بأنّه واحد مع الآب. لا يكون نشاطنا رسوليًّا حقًّا إلّا بقدر ما نتركه يعمل فينا ومن خلالنا بقدرته، ورغبته وحبّه”.

وينشا عن هذا الثبات الحياة الزاخرة المثمرة، وتمجيد الربّ. إنّ حياة الغصن المثمر توجّه أفكار الناس لله الّذي أثمر في الإنسان؛ وهكذا بالأمانة يربط المؤمن حياته بدون مقابل بالمسيح الذي تُمنح فيه عطايا الله للأبد، وهذه الامانة تفترض أيضا تطابقا فعّالا ومعرفة تدريجية لحياة يسوع. الثبات في يسوع أمر اختياري، لكنه لازم للمؤمن، بدونه لن يتمتع بثمرٍ روحيٍ، هو شرط قاطع؛ إما ثبات فإثمار، وإلا فلا إثمار قط! لأَنَّكُم، كما يقول يسوع “بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً” (يوحنا 15: 5)، وليس هناك حل وسط بين الأمرين. فالثبات في الكرمة في زمن تكثر فيه الشيع واللامبالاة وحتى الاضطهادات على أنواعها، يعني المثابرة على قبول الوديعة، وديعة الايمان من الكنيسة الرسولية. وكيف نعرف أننا ثابتين في المسيح وهو فينا ؟ يجبي يوحنا الرسول “نَعرِفُ أَنَّنا فيه نُقيمُ وأَنَّه يُقيمُ فينا بِأَنَّه مِن رُوحِه وَهَبَ لنا ( 1 يوحنا 4: 13).تأديب

وأخيرًا نرى أن الذبيحة الالهية هي سرّ الثبات في المسيح. فالمثابرة على الاشتراك بإيمان بمائدتي كلام الله وجسد ودم المسيح، توحدّنا بالكرمة الحقّ فنُثمر بالمحبّة ونمجّد الآب بحياتنا التي تُظهر المسيح الحيّ بيننا. وهذا الحضور يتمّ بقوة الروح القدس، هبة الفصح (يوحنا 14: 17).

ج) مصير وكرامة:
يطلب يسوع من تلميذه مشاركته في المصير نفسه: عليه أن يحمل صليبه “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني” (مرقس 8: 34)، ويشرب كأسه كما جاء في طلب يسوع الى ابني زبدى: “أَتَستَطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سأَشرَبُها” (مرقس 10: 38)، وينال منه أخيراً الملكوت كما وعد يسوع تلاميذه” إِنِّي ذاهِبٌ لأُعِدَّ لَكُم مُقاماً (يوحنا 14: 3).

وليس مصير التلاميذ مثل مصير يسوع فقط بل أنَّ كرامتهم من كرامة يسوع ايضا، وهذا ما نستدل عليه من قول يسوع: “ومَن سَقى أَحَدَ هَؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ باردٍ لأَنَّه تِلميذ، فالحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع”، وبالعكس، فما أعظم ذنب من يعرّض للخطيئة أحد تلاميذه: “مَن كانَ حَجَرَ عَثرَةٍ لِهؤلاءِ الصِّغارِ المؤمِنين، فأَولى بِه أَن تُعَلَّقَ الرَّحَى في عُنُقِه ويُلقى في البَحْر” (مرقس 9: 42).

الخلاصة
الفصح قيامة والقيامة حياة جديدة والمسيح هو الحياة الجديدة بل هو ينبوع كل حياة، وبدون المسيح لا حياة جديدة. هذا ما يكشفه المسيح بمثل الكَرْمةُ والاغصان. تمثّل الكرمة شخص الرّب يسوع المسيح، والأغصان هم المسيحيّون؛ أما الكرّام، فهو الآب السماوي. ويسوع قال لتلاميذه أنّه الكَرْمةُ بصفته رأس الكنيسة ونحن أعضاؤه، وبصفته وسيط بين الله والنّاس “لأَنَّ اللهَ واحِد، والوَسيطَ بَينَ اللهِ والنَّاسِ واحِد، وهو إِنْسان، أَيِ المسيحُ يسوعُ” (1 طيموتاوس 2: 5). ومن هذا المنطلق يعلن لنا يسوع ضرورة العلاقة الشخصية معه لنعطي الثمر الذي يمجّد الآب وهو الايمان والمحبّة. وهذه العلاقة مع المسيح هي الاساس لبناء الكنيسة، شعب العهد الجديد. ولكي نصبح نحن اغصان في الكَرْمةُ، صار يسوع انسانا واتخذ طبيعتنا البشرية كالكَرْمةُ التي نستطيع نحن أن نكون أغصانها. لو لم يصر الرّب يسوع المسيح إنسانًا لما استطاع أن يكون الكَرْمةُ ويعطي هذه النعمة للأغصان.
وطالبنا ان “اثبُتوا فيَّ وأَنا أَثبُتُ فيكم”. فهذا الاتحاد المتبادل لا يفيد الكَرْمةُ بل الاغصان. لا تثبتُ الأغصان في الكَرْمةُ لكي تغنيها، بل لتأخذَ منها مبدأ حياتها. كم ان الكَرْمةُ تُبثّ في الاغصان الطاقة المُحْيية كذلك ثبات المسيح في التلاميذ وثباتهم في المسيح، فيه إفادة مضاعفة للتلاميذ. وكما أنّ الغصن مُحتقَر عندما ينفصل عن الكَرْمةُ، كذلك هو مُمجَّدٌ عندما يثبت فيها. “مَن لا يَثْبُتْ فيَّ يُلْقَ كالغُصنِ إِلى الخارِجِ فَيَيْبَس فيَجمَعونَ الأَغْصان وَيُلْقونَها في النَّارِ فَتَشتَعِل” (يوحنا 15: 6).
دعاء
أيها الآب السماوي، نطلب إليك، باسم ابنك يسوع المسيح، ان تنظُرْ وتفتَقِدْ كَرْمتك وتحمي ما غَرَسَت يَمينُكَ، فيبق كل واحد منا غصنا مثمرا في الكرمة الحقيقية فننمو ونثبت في المسيح، ويثبت المسيح فينا، فنكون حقا تلاميذه وشهودا لقيامته المجيدة فنحمل ثمار الملكوت والحياة الأبدية مُردِّدين مع القديسة تريزا دي كالكوتا:
“اجعلنا يا رب أن نكون أغصانًا ثابتة وغنيّة بالكرمة، التّي هي أنت يا ربّي يسوع، وأن نستقبلك في حياتنا كما يحلو لك أن تأتي إلينا:
كونك الحقّ – لنقوله؛
كونك الحياة – لنحياها؛
كونك النّور – لنكون نحن منارة؛
كونك المحبّة – لنكون محبوبين؛
كونك الطّريق – لنسير عليه؛
كونك الفرح – لنعطيه؛
كونك السّلام – لننشره؛
كونك القربان – لنقدّمه، في عيالنا وفي كل مكان حولنا.”
ومع صاحب المزامير لنترنَّم ” طوبى لِمَن … في شَريعةِ الرَّبَ هَواه وبِشَريعَتِه يُتَمتِمُ نَهارَه ولَيلَه. فيَكونُ كالشَّجَرَةِ المَغْروسةِ على مَجاري المِياه تُؤْتي ثَمَرَها في أَوانِه “(مزمور 1: 1-3).

نموذج للثبات في الكرمة الحقة: القديس لورنس
ظهر في القرن السادس عشر القدّيس لورنس، الّذي عرف في التاريخ باسم الأخ لورنس، من رهبانيّة الإخوة الكرمليّين في باريس. وقد جمعت اختباراته تحت عنوان “إختبار حضور الربّ”، ويقول فيها: “بعد أن سلّمت نفسي تسليماً كاملاً للرب، هجرت في سبيل محبّته كل شيء سواه، وبدأت أحيا في الوجود وكأنّه لا وجود لأحد سوى أنا وهو”.