البابا الأوّل يعمّد الرّوماني الأوّل (أعمال الرسل 10)
الأب بيتر مدروس
يرى الرسول بطرس في رؤيا سماطًا أي ملاءة نازلة من السماء وفيها كلّ ذوات الأرض من زحّافات وطيور. وإذ يأمره هاتف أن يأكل يرفض سمعان بن يونا معترضا حسب الشريعة الموسوية الخارجية أنّ بعض تلك الكائنات نجس لا يجوز للعبرانيين أكله. ويجيبه الصّوت أنّ كل ما خلقه الله طاهر ، “فلا تنجّسه أنت” أي لا تعلنه نجسا (أيضا تيموثاوس الأولى ايضا 4 : 1 وتابع).
ويجد المرء في المصادر الإسلاميّة ذِكر مائدة تنحدر من السماء يرجوها المسيح ابن مريم عيدًا لقومه. وحافظت تلك المصادر نفسها على التمييز الموسويّ بين المأكولات.
وتأتي الثّورة الثّانية لأمير الرسل الّذي يأمره روح الله أن يتوجّه من يافا إلى قيصرية البحر ليشهد بأمّ العين حلول الروح القدّوس على ضابط روماني كان يُدعى قرنيليوس. وفي المعجزة التي سيليها تعميد الضابط وجميع أقاربه وأخصّ أصدقائه عبرة بليغة هي رفض الاحتكار العبريّ للنعمة والعهد والميثاق. وفي الحدث عبرة ثالثة هي نهاية الختان الذي تحلّ المعمودية محلّه. وإذا اعترض هنا آخر أنصار الختان ، من مسيحيّين وغيرهم ، أنّه كان العلامة لعهد الله مع ابراهيم الخليل وأنه كان عهدا أبديّا، يجيب العقل مع الإيمان أنّ الرّبّ يسوع ما أتى ليتقض لا العهد ولا الشريعة بل لكي يكملهما أي ليوصلهما إلى الكمال من غير حدّ ولا نقص (عن متّى 5 : 17 وتابع). الختان كان علامة النظافة والطهارة والميثاق وكان مقصورا على الذكور ، والمعمودية إتمام أي تبليغ الكمال لهذا العهد إذ يتوخّى يسوع منها ويمنح عن طريقها النظافة والطهارة ويجعلها إشارة إلى “العهد الجديد الأبديّ” (مع القربان الأقدس) ، وهو العهد الكامل التامّ الذي يشمل الرجال والنساء والذي لا يبقى فيه تمييز ولا نعرة بين “يهوديّ ويوناني ، وذَكَر وأنثى وعبد وحرّ” (عن غلاطية 3 : 26 وتابع).
عِبَر لحياتنا الروحانية والراعوية والكنسيّة
1- الله عادل “لا يفضّل أحدا على أحد” بخلافنا نحن البشر الذين عندهم “عزّة ومعزة”! بسبب مصالحنا وعواطفنا وميولنا نؤثر أحيانا وبسهولة ولدا على ولد (وهنالك مَثَل شعبي يقول :”مَن يفضّل ولدا على ولد يهلك للأبد”) ونفضّل اعتباطا أو لدوافع عاطفية أو “مصلحية” زميلاً على زميل وموظّفًا على موظّف وجارًا على جار وصديقًا على صديق وطالبًا على طالب وصهرًا على صهر ونسيبًا على نسيب وحفيدًا على حفيد … للواحد نصفح عن كلّ إساءة ونعذره عند كلّ هفوة و”نطبطب” على سيّئاته – في حين نترصّد للآخر ونوبّخه ونفضحه ونعاقبه على أصغر الأخطاء!
وفي عمّاد قرنيليوس دعوة لنا كي نمحو الوثنية الجديدة التي أمست من آفات بعض مجتمعاتنا “مسيحيّة الأصل” التي بات شعارها “جلس القوم يأكلون ويشربون ثمّ قاموا يلعبون”، وقد غدت المادّة معبودتهم واللهوّ والمسلسلات موضع اهتمامهم وأحاديثهم فأصبح – كما يقول مثل قديم عند أهل القدس – “فخرهم فسادهم ومجدهم قبائحهم”. ولعلّ المَثل آت من قول القديس بولس إلى أهل فيليبي في “أعداء صليب المسيح” (3 : 18 – 19) : “إلههم البطن ومجدهم في خزيهم (أي في الختان) وهمّهم الدّنيويات”.
2- من الناحية الراعوية نجد في معمودية الضابط قرنيليوس ساطع الدليل وثابت البرهان على معمودية الأطفال وسائر القاصرين التي راح قوم من الغرب – وبالذات من ألمانيا سنة 1521 – يرفضونها وقد فاتتهم معموديات الجماهير على أيدي الرسل منذ يوم العنصرة (أعمال الرّسل 2 ثمّ أعمال 18) . وقد غفلوا أو تغافلوا عن معموديات العائلات و”الحمائل” التي يذكر منها العهد الجديد خمسا (وقد تمّت فقط على يد اثنين من الرسل الاثني عشر) : قرنيليوس وأسرته وأنسبائه وأصدقائه وعائلاتهم (أعمال 10) ، ليديا والسجّان وعائلتَيهما وكلّ أقاربهما (أعمال الرسل 16) ، قرسبوس رئيس الكنيس (أعمال 18 : 8 أ ) ، اسطفاناس وكلّ بيته (قورنثوس الأولى 1 : 16).
3- من الناحية الكنسيّة نشكر للعناية الإلهية أنها ألهمت القدّيس بطرس التوجّه إلى عواصم العالم وإلاّ لبقيت المسيحيّة محصورة على أرض كنعان أي فلسطين وعلى لسان واحد هو الأراميّة (التي ما عتمت أن اختفت تقريبا من فلسطين وسائر السرق الأوسط انطلاقا من القرن السابع الميلادي). بالفعل ، في أوّل عهد الكرازة ، وقف بطرس (وهو دائمًا الناطق باسم الرسل) في المدينة المقدّسة ، “يبوس ” الكنعانية التي احتلّها داود الملك احتلالاً عسكريًا نحو سنة ألف قبل الميلاد السيّديّ المجيد. أصبحت أوروشالم “مدينة الملك العظيم” يسوع الذي دخلها ظافرا من غير عنف ذات أحد حين هتفت الجماهير مشيدة به ملكًا ومسيحًا وفاديًا! وتربّع يسوع على عرش الصّليب وتألّق ملكًا منتصرًا على الموت فوق عاصمته الأبدية. وبعد حين توجّه مار بطرس إلى قيصرية البحر ، العاصمة الإدارية للإمبراطورية الرومانية في الأرض المقدّسة ، ثمّ إلى أنطاكية عاصمة الشرق (وهي اليوم من أعمال تركيا) وأخيرا وليس آخر الكلّ شأنا إلى روما “رأس العالم” ، نعم إلى هناك توجّه سمعان الصخر كيفا “هامة الرسل” وبقوّة المسيح الحيّ تحوّلت “بابل الوثنية” مضرب الأمثال في الانحلال والشّرك – تحوّلت إلى “السيّدة المختارة” أي كنيسة روما (عن بطرس الأولى 5 : 13) . وهي التي وصفها القديس صفرنونيوس دمشقي المولد سرياني الطقس بطريرك المدينة المقدّسة ايليا كابيتولينا بأنها أي روما “كنيسة الرومانيين جزيلة القداسة التي هي بمثابة منارة جميع الكنائس تحت الشّمس ” ، وهي “الكرسي الرسولي مقرّ العقائد القويمة”!
حين نكفّ عن التمييز والظّلم نخرج من ظلام الأنانية إلى نور العدل والنعمة . ونشكر لله أنه منحنا – على علاّتنا – خلافة رسوليّة أثيلة في المدينة المقدّسة وروما وإنطاكية “لن تقوى أبواب الجحيم عليها” مهما تطاول أعداء المسيح وبطرس عليهما وعلى كنيستهما الواحدة الجامعة الرسولية التي هي “بيت الله الحيّ بما أنها عمود الحقّ وركنه” (عن تيموثاوس الأولى 3 : 15) التي تستقبل بالمعمودية كل الشّعوب التي “تولد من جديد ، من عل ، من الماء والروح” (عن يوحنّا 3 : 1 وتابع) من غير تمييز بل بكلّ تميّز وتألّق وهي – كما كتب القديس ايريناوس (+ 220) في كنيسة روما أنها “تترأس الأخوّة في خدمة المحبة بين الكنائس”.
ونصلّي بدموع ذوارف كي ننتصر كلّ يوم على الوثنية وعلى “الإنسان القديم” الّذي نأمل أن ندفنه “ونصلبه مع الأميال والشهوات” وقد صرنا على ضعفنا “ملح الأرض” وعلى ظلماتنا “نور العالم”!