التجلي في ضوء متى الإنجيلي (متى 17: 1-9)
الأب لويس حزبون
تحتفل الكنيسة في السادس من آب من كل عام بعيد التجلي. وعليه يُسلط إنجيل الاحد (متى 17: 1-9) الأضواء على التجلي أي ظهور لاهوت المسيح كما جاء في انجيل متى أخذ يسوع “بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه، وصعد بهم على انفراد إلى جبل عال، وتجلى أمامهم، فشع وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور” (متى 17: 1، 2)؛ وذلك ليسند ايمانهم قبل موته وآلامه على الصليب ويدركوا ما سينعمون به في الأبدية؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 17: 1-9)
1وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام مَضى يسوعُ بِبُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا، فانفَردَ بِهِم على جَبَلٍ عالٍ،
تشير عبارة ” سِتَّةِ أَيَّام ” الى الأيام الستة التي بين وعد السيد المسيح وبين التجلي؛ ويقوم الوعد على انه “مِنَ الحاضِرينَ ههُنا (التلاميذ) مَن لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا ابنَ الإِنسانِ آتِياً في مَلَكوتِه” (متى 16: 28)، ها هو هنا يريهم عربون المجد الأبدي في الملكوت. ويعلق العلامة اوريجين “خلق العالم في ستّة أيام، أي العدد الكامل (للعمل). لهذا أظن أن من يتخطّى كل أمور العالم غير ناظر إلى المنظورات لأنها وقتيّة، إنّما يتطلّع إلى غير المنظورات وحدها بكونها أبديّة، يتمّ فيه القول: “بعد ستّة أيام أخذ يسوع…” أشخاصاً معيّنين… من يعبر الأيام الستّة كما قلنا إنّما يحفظ سبتًا جديدًا، ويفرح على جبل عالِ، إذ يرى يسوع متجلِّيًا قدّامه”. وقد تشير عبارة ” سِتَّةِ أَيَّام ” الى عيد المظال الذي يبدأ بعد عيد الكفارة بستة أيام، ويمتد سبعة ايام. وعيد المظال هو عيد يعيش اليهود ثمانية أيام في خيام من اغصان شجر يتذكرون مسيرة الشعب في الصحراء بانتظار دخول هم الى ارض الميعاد، عيد المظال هو عيد الرجاء عند اليهود وإقامة العيد مع موسى وايليا هو علامة مجيء ملكوت الله. والرقم (6) هو عدد النقص ويجد كماله في اليوم السابع (السبت) في التجلي. اما في انجيل لوقا فيشير الى ثمانية أيام (لوقا 9: 28) وهي تدل على نهاية عيد المظال؛ وعيد المظال أو السوكوت و (סוכות) أو عيد العُرش او الاكواخ، وهو من الأعياد الثلاثة الهامة مع عيد الفطير وعيد الأسابيع الوارد ذكرهم في تثنية الاشتراع (16: 13). يبدأ هذا العيد بعد يوم الغفران) يوم كيبور(، ويستمر ثمانية أيام؛ وهو إحياء لذكرى خيمة السعف التي آوَت بني اسرائيل في البرِّية أثناء خروجهم من مصر. وفي نهايته يحتفل بنو إسرائيل باستلام التوراة، وتسمى فرحة التوراة “سمحات تورا (שמחת תורה)، وخلال الأيام الخمسة تقام المظلات قرب البيت أو على السطح وشرفات البيوت المفتوحة، وفي اليوم الثامن تبدأ صلوات طلب المطر. ” ثَمانِيَةِ أَيَّام ” ترمز الى القيامة والحياة الأبدية. ورقم (8) هو رقم الأبدية. وأما عبارة “بُطرسَ ويوحنَّا ويعقوبَ” فتشير الى الرسل الثلاثة “المقربين” الذين لهم علاقة حميمة مع يسوع، فإن بطرس الذي يعني الصخرة يُشير إلى الإيمان، ويعقوب عُرف بجهاده وحياته البَارَّة , وكان أول من سينال إكليل الشهادة من الرسل الاثني عشر، كما عُرف يوحنا بالحبيب. وهم يُذكرون في أول قائمة التلاميذ في الانجيل (مرقس 3: 16)، ويشاركون على وجه خاص في عمل المعلم يسوع وسرّه. فقد رافقوه حين شفى ابنة يائيريس (لوقا 8: 51)، وفي نزاعه في بستان الجسمانية (لوقا 22: 39). ويبدو أنهم أكثر استعدادا لفهم وقبول المسيح. وبطرس لم ينسى ما رآه وسجله في رسالته (2 بطرس 16:1-18)، وهكذا يوحنا كما جاء في مقدمة إنجيله “رأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ”(يوحنا 14:1)، ويعلق القديس يوحنا الذهب الفم “أراد يسوع أن يُظهر لهم ما سيكون عليه مجده عند ظهوره، فيروا بأعينهم ويفهموا قدر ما يستطيعون، لهذا أظهر لهم ذلك في الحياة الحاضرة (بالتجلّي)”. وإن عدد ثلاثة تعتبر كافية لإثبات الشهادة بحسب الشريعة الموسوية. أمَّا عبارة ” انفَردَ بِهِم ” في اليونانية ” κατ’ ἰδίαν ” تعني على انفراد فتشير الى حِدَة او وحدهم. فالخلوة تعطينا أن نرى صورة للمسيح في مجده؛ والمجد هو طبيعة الله ” أَرسَلَني المَجدُ إِلى الأُمَمِ ” (حجي 2: 12). وقيل عن الله أبو المجد كما جاء في تعليم بولس الرسول ” لِكَي يَهَبَ لَكم إِلهُ رَبِّنا يسوعَ المسيح، أَبو المَجْد، (أفسس 1: 17)، وهذا يعنى أن المجد يشع منه، فالمجد طبيعته. اما عبارة ” جَبَلٍ ” فتشير الى مكان التجلي. لا يذكر اسم الجبل في أي مكان. وبناء على التقاليد القديمة فقد تمّ التجلي في جبل تابور (طابور). تابور لفظه يونانية أي المرتفع. يعتقد بعض الباحثين بأن كلمة طابور مشتقة من لغة أوغاريت في رأس شمرا بسوريا وهي تعني النور أو البهاء، إذ كانت تقام عبادة طابور إله النور. وهو جبل شهير في أرض الجليل، مع أنه أصغر من جبل حرمون (مزمور 89\12). بالرغم من أن ارتفاعه لا يبلغ إلا 570 متراً فوق سطح البحر الأبيض المتوسط ونحو602م من سهل مرج ابن عامر. يطلق العرب عليه اسم “جبل طور” وطور كلمة آرامية تعني جبل كما هو الحال بالنسبة الى جبل سيناء وجبل جرزيم. وأما القديس بطرس فيشير إليه باسم “الجبل المقدس” (2 بطرس 1: 18). وأما المسيحيون فيسمونه “جبل التجلي” نسبة لتجلي المسيح عليه. وآخرون يرون ان التجلي حدث على جبل حرمون او جبل الشيخ الذي يعلو قمته المغطاة بالثلج نحو 2743 م، ويُمكن رؤيته من أماكن عديدة في فلسطين وهو يـتألق مثل الذهب في ضوء الشمس. كان الجبل يرتبط دائماً بالاقتراب إلى الله والاستعداد لسماع أقواله، فقد ظهر الله على الجبال لكل من موسى (خروج 24: 12 -18)، وإيليا (1ملوك 19: 8-18). وفي نظر متّى الانجيلي، تشكّل جبال الجليل المكان المفضّل لحالات ظهور المخلّص. وتدور حياة يسوع العلنية في إطار مشهدين يتمّان على الجبل. في بدايتها، يعرض الشيطان على يسوع السلطان على العالم أجمع على جبل قرنطل (متّى 4: 8)، وفي نهايتها. يمنح فيه يسوع تلاميذه السلطان الذي أولاه أبوه إيّاه (متى 28: 16). وما بين هذين المشهدين، نرى يسوع يختار هذا أو ذاك الجبل ليعلّم الجمعَ (متى5: 1) ويشفي المساكين ويعطيهم خبزاً عجيبا (15: 29…)، أخيراً، يتمّ حادث التجلّي. إلا أن متّى لم يخبرنا باسم أحد هذه الحبال، وكأنّ يسوع قد حذّره من خطر تقييد سكناه بواحد منها. فالذكرى وحدها تظلّ حيّة لدى الذين “عاينوا جلاله” وقد تحققت أقوال الأنبياء عن “الجبل المقدّس” (2 بطرس 1: 16-19)، ولكنّ يسوع لا يعلق رسالته على مكان ما من أمكنة الأرض، بل على شخصه بالذات. اما عبارة “عال” فلا تشير الى جبل بوجه عام (متى 14: 23) بل الى جبل عال كما كان الامر حين جُرّب يسوع في البرية على جبل قرنطل (متى 4: 8) وحين أرسل التلاميذ لإعلان البشارة قبل صعوده الى السماء على جبل الارسال (متى 28: 16). لهذا الجبل دلالة لاهوتية أكثر منها جغرافية، فهو مكان للوحي (أشعيا 2/2-3). فالوحي الأخير لا يتم على جبل صهيون (مزمور 2: 6)، بل على جبل نهاية الأزمنة حيث تأتي الأمم (اشعيا 2: 2-3). وقد يرمز علو الجبل للسمو، سمو قدر المسيح الذي سيرونه الآن متجليًا.
2وتَجلَّى بِمَرأًى مِنهُم، فأَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس، وتَلألأَت ثِيابُه كالنُّور.
تشير عبارة “تَجلَّى” باللغة اليونانية μετεμορφώθη الى “تحول” و “تغيّر هيئته” أي ان شكله ومظهره تغيَّر. ويدل الفعل على تحوّل روحي (رومة 12: 2 و2 قورنتس 3: 18). واما لوقا فيستخدم كلمة تبدّل ἕτερον ἐγένετο (لوقا 9: 29) بدل كلمة تجلى التي لها مضمون وثني عند قرائه، وهذا التحول منظور هنا في الوجه والثياب وبمشهد من التلاميذ. فهذه الكلمة توحي الى التجلي بمعنى ظهور مجد يسوع المسيح الإلهي. نجد في هذه العبارة إشارة الى موسى حين لقائه بالله على جبل سيناء (خروج 34: 29) علماً ان يسوع هو موسى الجديد. كان التجلي إعلاناً خاصاً عن ألوهية يسوع لثلاثة من تلاميذه، كما كان تأكيداً من الله لكل ما فعله يسوع ولكل ما كان على وشك أن يفعله من آلامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء وإرساله الروح القدس. أما عبارة “أَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس” فتشير الى تأثير التجلي على وجه يسوع (لوقا 9: 29)، إنه شَمسُ البِرِّ، (ملاخي 3: 20)، وعلق أحد آباء الكنيسة “لم يتغيّر شكل جسد الرب يسوع، بل تغيّر لونه فصار نيراً بالمجد الباهر حتى أن التلاميذ انبهروا فلم يستطيعوا النظر إليه، فقد شاء تعالى أن يظهر بهاء مجده فسطعت أنواره، وأشرقت، فبهر بريقها أعين الرسل فسقطوا على وجوههم. وقد وقع التغيير على الهيئة المنظورة لا على رسم جوهره” وهذه العبارة “”أَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس” ” تلمح الى موسى النبي حين لقائه بالله على جَبَلِ سيناء (خروج 34: 29). لكن التغيير الذي لحق وجه موسى فاستنار والنور الذي أنار وجهه كان خارجاً عنه. أما السيد المسيح فقد كان النور نابعاً منه لأنه هو “النُّورُ الحَقّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم” (يوحنّا 1: 9). وعلى صعيد الحواس، إن نور الشمس هو الأقوى في الطبيعة، وأما على صعيد الروح، فإن التلاميذ رأوا خلال فترة وجيزة بهاء أقوى، بهاء مجد يسوع الإلهي الذي ينير كل تاريخ الخلاص. اما عبارة “تَلألأَت ثِيابُه ” فتشير الى تأثير التجلي على ثيابه (مرقس 9: 3، لوقا 9: 29). الثياب البيضاء هي علامة مجد المسيح الذي سيظهر يوم مجيء ابن الانسان في غمام السماء (مرقس 9: 3) وفي الرؤى اليهودية ترمز الثياب المتلألئة إلى المجد السماوي (رؤية 3: 4، و4/4) المُنعم به على المختارين الذين يصيرون كالملائكة يوم قيامة الرب كما جاء في انجيل متى ” مَلاكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ وجاءَ إِلى الحَجَرِ فدَحرَجَه وجلَسَ علَيه. وكانَ مَنظرُه كالبَرْق ولِباسُه أَبيضَ كالثَّلْج”(متى 28: 2-3). اما عبارة “ثِيابُه كالنُّور” في اليونانية λευκὰ ὡς τὸ φῶς وتعني بيضاء كالنور فتشير الى الثياب المشعَّة وهي إحدى علامات المجد السماوي التي تُمنح للمختارين كما قال اشعيا (53: 11). واللون الأبيض هو لون القيامة والظفر. ويعلق العلاّمة ماكسيموس “الثياب التي أضحت بيضاء ترمز إلى كلمات الكتاب المقدس التي كادت تصبح واضحة وشفافة ونيرة” (PG 91, 1128.). عرف التلاميذ ان يسوع يصعد الى اورشليم (متى 16: 21) ليتألم، فاراهم مجده السرّي الذي هو أول صورة عن مجد القيامة. ولا يظهر معنى هذا المشهد العجيب إلا في ضوء قيامة المسيح المجيدة.
3وإِذا موسى وإِيلِيَّا قد تَراءَيا لَهم يُكلِّمانِه.
تشير عبارة ” موسى وإِيلِيَّا ” الى ظهور موسى وإيليا هنا بمظهر الشاهدين والممثلين للعهد؛ يمثل موسى الشريعة فقد كتب الا سفار الخمسة، وتنبأ عن مجيء نبي عظيم (تثنية الاشتراع 18: 15-19). ويشهد له هنا في التجلي وإيليا يمثل الأنبياء الذين تنبأوا عن مجي المسيح (ملاخي 4: 5-6). ويعلق هيلاريوس اسفف بواتييه “إن كان موسى قد تسلّم الناموس وإيليّا يمثّل الأنبياء، فإن تجلِّي السيّد المسيح بينهما إنّما يُشير إلى أنه هو غاية الشريعة (رومة 4:10،) ومركز النبوّات” (رؤية 19: 10). كان إيليا سابق المسيح (ملاخي 3: 23)، ويطابق الانجيل بينه وبين يوحنا المعمدان (متى 17: 12) الذي قتله هيرودس (متى 14: 3-12). أمَّا موسى فقد عُرف في الدين اليهودي على مثال إيليا أنه صعد الى السماء (2 ملوك 2: 11) ومثال أخْنُوخ الذي اختطفه الله الى السماء (التكوين 5: 24). وكان ظهورهما مع يسوع ليس تأييداً لرسالته السماوية بصفته المسيح لإتمام شريعة الله وأقوال أنبياء الله ووعودهم فحسب إنما تأكيد انه هو ابن الله. والجدير بالذكر أن “موسى” وإيليا “يتمتعان” بالمجد، لأنهما اُشركا في عمل الله (خروج 34/29 11) وعادا إليه بطريقة غامضة (تثنية34: 5-6 و2 ملوك 2: 11-12). اما يسوع فيتمتع بهذا المجد في هذه الأرض قبل قيامته (لوقا 9: 32). وسيهب “المجد” لجميع الذين سيُقبلون في العالم الآتي (1 تسالونيقي 2: 12)؛ اما عبارة ” قد تَراءَيا لَهم ” فتشير الى موسى وايليا اللذين لم يظهرا بالروح بلا جسد، وإنما بهيئة جسميَّه كما كان يسوع. إن إيليا نُقل بالجسد الى السماء (2 ملوك 2: 11) واما عبارة ” يُكلِّمانِه” فتشير الى موسى وإيليا مع يسوع حول الحدث الفصحيّ الذي يتمّ في أورشليم. وكان حديث إيليا وموسى مع يسوع اثناء ء التجلي كما كان سابقا مع الرب في صوت نسيم لطيف (1 ملوك 19: 21) قدوة الالفة التي يدعو اليها الرب كل المؤمنين. ويعلق القديس إفرام السرياني “موسى وإيليّا يمثّلان رجال العهد القديم، وبطرس ويعقوب ويوحنا يمثِّلون رجال العهد الجديد، وكأن السيّد المسيح هو مركز الكتاب المقدّس بعهديه، أو هو سرّ خلاص الكل ومشتهى الجميع”.
4فخاطَبَ بُطرُسُ يسوعَ قال: ((يا ربّ، حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا. فإِن شِئتَ، نَصَبْتُ ههُنا ثَلاثَ خِيَم: واحِدَةً لكَ وواحِدَةً لِموسى وواحِدَةً لإِيليَّا)).
تشير عبارة ” يا ربّ، حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا” فتشير الى احتمالين: هل الامر حسن لبطرس في فرحته، أم حسن ليسوع وإيليا وموسى الذين يريد بطرس ان يقدّم لهم مساعدة؟ على كل حال كلامه يدل على فرحته واهتمامه بخدمة الضيوف الثلاثة شأن ابراهيم (التكوين 18). أراد بطرس البقاء في ذلك المكان، وان يدوم المشهد، لذا اقترح ان ينصب ثلاث خيم. يقول أحد الشرّاح: “إن الناس تستمتع بجبل التجلّي أكثر من استمتاعها بخدمة المسيح الربّ العاديّة أو بطريق الصليب”. واما القديس اوغسطينوس فيعلق ” إنك ترغب في البقاء على الجبل يا بطرس، انزل “أعلن كَلِمَةَ الله وأَلِحَّ فيها بِوَقْتها وبِغَيرِ وَقتِها، ووَبِّخْ وأَنذِرْ والزَمِ الصَّبرَ والتَّعْليم.” (2 طيموتاوس 4: 2)، احتمل، جاهد… حتى تنال ما يعنيه ثوب المسيح الأبيض من بهاء وجمال خلال عمل المحبّة المستقيم”. امَّا عبارة ” خِيَم” فتشير الى سكن الله بين شعبه ورعايته لهم؛ اما عبارة “ثَلاثَ خِيَم” فتشير الى تلميح بطرس هنا إلى “عيد الأكواخ أو المظال” (خروج 23: 16)؛ لعل بطرس كان يفكر في هذا العيد، حيث كانت تُنصب الخيام للاحتفال بتذكار الخروج وخلاص الله لبني إسرائيل من العبودية في مصر. لكن القديس أوغسطينوس يعقب قائلاً “إننا نملك مسكناً واحداً هو المسيح؛ فهو “كلمة الله، كلمة الله في الشريعة، كلمة الله في الأنبياء، (PL 38, 491) وعندما نضج بطرس في فهمه بعد ذلك، كتب بإرشاد الروح القدس عن يسوع أنه “حَجر لِلزَّاويَةِ مُختارًا كريمًا” (1 بطرس 2: 6).
5وبَينَما هُوَ يَتَكَلَّم إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم، وإِذا صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: ((هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا)).
تشير عبارة “غمام نَيِّرٌ” الى علامة الحضرة الإلهيّة وتجلي الله ومجيئه وحضوره كما كان الامر على جبل سيناء (خروج 19: 16) وعلى خيمة الموعد (خروج 40: 34) وعلى الهيكل يوم تدشينه في زمن سليمان (1ملوك 8: 10) ولكن هنا صار الله منظوراً في شخص يسوع المسيح. وكما سيَظهَرُ المسيح يوم الدينونة في آخر الأزمنة كما ورد في الكتاب المقدس “جميعُ قبائِلِ الأَرض تَرى ابنَ الإِنسانِ آتِياً على غَمامِ السَّماء في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال” (متى 24: 30). وامَّا عبارة “ظَلَّلهُم” فتشير الى مجيء الله كما اختبره الشعب خلال مسيرة الخروج (خروج 40: 34–35). وما يحصل على جبل التجلي هو امتداد لما حصل على جبل سيناء. ولكن الجديد هو ان الله صار منظوراً في شخص يسوع؛ أمّا عبارة “صَوتٌ مِنَ الغَمام” فتشير الى صوت الاب السماوي. وكما أعطى صوت الله من السحابة على جبل سيناء السلطان لشريعته (خروج 19: 9)، فإن صوت الله على جبل التجلي أضفى سلطاناً على أقوال يسوع؛ أمَّا عبارة ” ابنيَ الحَبيبُ ” فتشير إلى يسوع الابن (مزمور 7: 2)، الى البنوة الإلهية كما جاء لدى اعتماده (متى 3: 17)، والعبد المتألم (أشعيا 42: 1) والنبي الذي يجب على الشعب كله أن يسمع له (أعمال الرسل 3: 22). إن يسوع كابن الله، له قوة الله وسلطانه، وهو مرجعنا الأخير. أمَّا عبارة “فلَه اسمَعوا” فتشير الى توصية الاب التي تسند تعليم يسوع عن آلام ابن الانسان وقيامته. وقد وردت هذه العبارة في عمَّاد يسوع والكلام في عمَّاد يسوع موجّه الى يسوع، أما في التجلي فالكلام موجّه الى التلاميذ ومن خلالهم الى الجموع. جاءت كلمة الاب لتؤكد صحة تعاليم يسوع. فيسوع هو النبي الذي يجب على الشعب كله ان يسمع له (اعمال الرسل 3: 22). وعندما يقول انه سيتألم وسيموت وسيقوم، إنها قوله حقيقة وحق. ويجب ان نسمع له. وقد شهد بطرس الرسول في رسالته على ان هذه المشهد ليس خرافة بل حقيقية “لا اتِّباعًا مِنَّا لِخُرافاتٍ سوفِسْطائِيَّة، بل لأَنَّنا عايَنَّا جَلالَه. فقَد نالَ مِنَ اللهِ الآبِ إِكرامًا ومَجْدًا، إِذ جاءَه مِنَ المَجْدِ-جَلَّ جَلالُه-صَوتٌ يَقول: ((هذا هو ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضيت)) وذاكَ الصَّوتُ قد سَمِعناه آتِيًا مِنَ السَّماء، إِذ كُنَّا معَه على الجَبَلِ المُقدَّس ” (2 بطرس 1: 16-18). أن كل كلمة يقولها المسيح هي كلمة الهية من يسمعها يحيا. وهذه أيضًا كانت وصية العذراء ” مَهما قالَ لَكم فافعَلوه” (يوحنا 2: 5).
6فلَمَّا سَمِعَ التَّلاميذُ ذلك، سَقَطوا على وُجوهِهِم، وقدِ استَولى علَيهِم خَوفٌ شديد.
تشير عبارة “سَمِعَ التَّلاميذُ” الى الصوت هنا موجّه إلى التلاميذ ومن خلالهم إلى “الجموع”. وعلى التلاميذ أن يسمعوا ليسوع، وليس لأفكارهم ورغباتهم الخاصة. إن القوة اللازمة لإتباع يسوع المسيح تنبع من ثقتنا أنه ابن الله. أمَّا عبارة ” سَقَطوا على وُجوهِهِم ” فتشير الى شعور التلاميذ أنَّهم أمام الحضرة الإلهية، فسجدوا ولامست وجوهم الأرض. تماما كما كان أنبياء العهد القديم يفعلون لدى تجلي الله. إن الرب يسوع أعظم من مجرد نبي، فإنه ابن الله ايضا، لذا يستحق السجود له والطاعة. ويقول أحد باحثين الكتاب المقدس “ان ما راه التلاميذ لم يكن بهاء اللاهوت بل كان مجد الناسوت الكامل الذي هو بلا خطيئة.” اما عبارة ” خَوفٌ ” فتشير الى عاطفة الإنسان تجاه الحضور الإلهي. وهو الخوف الديني الذي يعتري كل إنسان إزاء كل ما هو إلهي ومقدس (لوقا 1: 29-30)، فنحن امام رعب مقدس يُمسك بالإنسان الذي يزوره الله، فينزعه من الأوضاع العادية للحياة والمعرفة كما حدث مع بطرس لدى تجلي الرب أمامه “فلم يَكُن يَدْري ماذا يَقول، لِما استَولى علَيهِم مِنَ الخَوف”(مرقس 9: 6).
7فدنا يسوعُ ولمَسَهم وقالَ لَهم: ((قوموا، لا تَخافوا)).
تشير عبارة ” لمَسَهم ” الى حلول السيد المسيح في وسط التلاميذ كواحد منّهم، وهذه اللمسة تشير أن يسوع أتى وتجسد ليقيمنا من التراب الذي نحن فيه ويعطينا أن نتقابل مع الآب. اما عبارة ” قوموا، لا تَخافوا” فتشير الى خوف التلاميذ امام الظهور الإلهي وصاروا كالموتى، فأقامهم يسوع، وقال لهم ما قال للمرأتين في القيامة: لا تخافا” (متى 28: 5). ويعلق القديس ايرونيموس ” إذ كانوا ساقطين منطرحين على الأرض وغير قادرين على القيام تحدّث معهم بوداعة ولمسهم. فبلمسه إيّاهم انصرف الخوف عنهم”.
8فَرفَعوا أَنظارَهم، فلَم يَرَوا إِلاَّ يسوعَ وحدَه. 9وبَينما هم نازلونَ مِنَ الجَبَل، أَوصاهُم يسوعُ قال: ((لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا إِلى أَن يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات)).
تشير عبارة ” يسوعَ وحدَه ” الى تركيز الأنظار على المسيح وحده كمخلص، فلا الناموس ولا الأنبياء يستطيعان أن يخلصا، ولكنهما يقودان فقط للمسيح المخلص. أمأ عبارة ((لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا ” فتشير ان سر المسيح الذي لن يُكشف إلا بعد القيامة؛ وفي الواقع تلاميذه لم يدركوا تماما ما رأوه وما سمعوه ولم يستطيعوا تفسيره (متى 17: 10 -13) إلا بعد ان قام يسوع من الأموات. وقد قصد الرب بهذه العبارة أيضا تجنب اية ثورة شعبيه من جانبه (يوحنا 6: 14-15). وبعد موته وقيامته فد انتهى الخطر لمن يروا فيه مسيحا سياسيا. أن حدث التجلي لا يُفهم إلا بعد ظهور مجد سيدنا يسوع المسيح في قيامته من بين الأموات. وان اسئلتهم تدل على سوء فهمهم (متى 17: 10-13). وعليه فان التلاميذ حافظوا على السر حتى قيامة يسوع، حيث انَّ مسيرة آلام المسيح لا تفهم إلاّ في إطار مخطط الله الخلاصي الذي نكشفه في الكتب المقدسة. اما القديس هيلاريون أسقف بواتييه فيعلق “أمرهم يسوع بالصمت فيما يخُص ما رأوه حتى يمتلئوا بالروح القدس ويشهدوا للروحيّات.” اما عبارة ” يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات ” فتشير الى قيامة يسوع القريبة، في حين كان التلاميذ يتوقعون حصول القيامة في آخر الأزمنة. آمن اليهود بالقيامة، ولكن هذه القيامة لا تتم الآن، بل في نهاية الأزمنة. لذا لن يُفهم حدث التجلي الا على ضوء قيامة المسيح.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 17: 1-9)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 17: 1-9)، نستنتج انه يتمحور حول تجلي سيدنا يسوع المسيح. ومن هنا نطرح ثلاث أسئلة: ما معنى التجلي. وما هو دور التجلي في حياة السيد المسيح؟ وما هو دور التجلي في حياة التلاميذ والكنيسة؟
1) ما معنى التجلي؟
كلمة “تَجلَّى” كما ورد ت في انجيل متى باللغة اليونانية μετεμορφώθη تعني “تحول” و “تغيّر هيئته” أي ان شكل السيد المسيح ومظهره تغيَّر. ويدل الفعل على تحوّل روحي (رومة 12: 2 18). وهذا التحول منظور هنا في الوجه والثياب وبمشهد من التلاميذ.
فعلى صعيد الوجه يصف متى الإنجيلي يسوع بقوله “أَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس”؛ وهنا يلمح الى موسى النبي حين لقائه بالله على جبل سيناء (خروج 34: 29). إن نور الشمس هو الأقوى في الطبيعة، وأما على صعيد الروح، فإن التلاميذ رأوا خلال فترة وجيزة بهاء أقوى، بهاء مجد يسوع الإلهي الذي يُنير كل تاريخ الخلاص. والنور الذي أشعّ به وجهِّ المسيح هو، في الواقع، نور مجد الله ذاته (2 قورنتس 4: 6)، إنه ” شعاع مجده ” (عبرانيين 1: 3). وعلى هذا النحو، يظهر شيء ما في الجوهر الإلهي من خلال المسيح النور، ولا “يسكن الله نوراً لا يُقترَب منه (1 طيموتاوس 6: 16)، أو يمكن أن نسميه “أبا الأنوار” فحسب (يعقوب 1: 17)، بل وكما يوضّحه لنا القديس يوحنا “إن الله نور، لا ظلام فيه ” (1 يوحنا 1: 5). من أجل ذلك، فإن كل ما هو نور يصدر عنه، ابتداء من خلق النور الطبيعي، في اليوم الأول (يوحنا1: 4)، إلى إضاءة قلوبنا بنور المسيح (2 قورنتس 4: 6). وكل ما يخرج عن دائرة النور فهو يتبع سلطان الظلمة: ظلمة الليل، وظلمة الجحيم والموت، وظلمة إبليس.
واما على صعيد الثياب فيصف متى الانجيلي يسوع بقوله ” “تَلألأَت ثِيابُه “. وترمز الثياب المتلألئة إلى المجد السماوي (رؤية 3: 4) التي تُمنح للمختارين (اشعيا (53: 11) الذين يصيرون كالملائكة كما هو الحال مع “مَلاكَ الرَّبِّ الذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ وجاءَ إِلى الحَجَرِ فدَحرَجَه وجلَسَ علَيه. وكانَ مَنظرُه كالبَرْق ولِباسُه أَبيضَ كالثَّلْج”(متى 28: 2-3). ويضيف متى ان “ثِيابُه كالنُّور” في اليونانية λευκὰ ὡς τὸ φῶς وتعني بيضاء، وهي إحدى علامات المجد السماوي؛ واللون الأبيض هو لون القيامة والظفر. وقد وصف الكتاب المقدس يسوع المسيح ابن الانسان الذي أعلن عنه قديم الايام ” لِباسُه أَبيَضَ كالثَّلْج وشَعَرُ رَأسِه كالصُّوفِ النَّقِيّ” (دانيال 7: 9). ويعلق القديس ايرونيموس “عندما يتحدّث عن ضياء وجهه وبياض ثيابه لا يخفي هيئته، إنّما تتغيّر بالمجد. إنها بلا شك تغيّرت على شبه مجده الذي سيكون له في ملكوته. صبغ هيئته بالسمُوّ، لكنّه لم ينزع عنه مظهره الخارجي”.
واما على صعيد حياة بسوع على هذه الأرض فظل النور الإلهي الذي كان يحمله مختبئاً وراء تواضع جسده. إلا أن هناك مناسبة ظهر فيها بطريقة ملموسة، لدى شهود محظوظين ” في رؤية التجلي. واما الوجه المشعّ كالشمس، وتلك الملابس ” المتلألئة كالنور (متى 17: 2)، فهي أمور لا تخص حالة البشر الأرضية، إنما تعبر مقدماً عن حالة المسيح القائم من بين الأموات، الذي سيظهر لبولس الرسول في نور ساطع (أعمال 9: 3)، وهي أمور تنبع من الرموز الخاصة بالظهورات الإلهية في العهد القديم.
إن نص تجلي المسيح في انجيل متى (17: 1-9)، يقع في لحظة حاسمة، وهي اللحظة التي يكشف فيها يسوع لتلاميذه انه صاعد الى اورشليم ليعاني الموت من ناحية (متى 16: 21-23)، ومن ناحية أخرى هي اللحظة التي يعترف له التلاميذ بأنه المسيح، (متى 16: 13-20). هذا الإطار هو الذي يعطي هذا المشهد معناه في حياة المسيح، ومعناه في حياة المسيحي
2) ما دور التجلي في حياة السيد المسيح؟
بعد معرفة معنى التجلي يجدر بنا البحث عن دور التجلي في حياة السيد المسيح كاله وانسان وجواب على انبائه بالأمه وموته وتممه للنبوءات وأخيرا استباق لمجده بعد موته
(ا) التجلي في حياة يسوع: إله وإنسان
أن التجلي يوحي الى ظهور مجد يسوع المسيح الإلهي، وإعلان لاهوته بخروجه عن مستوى الأرض والزمن. فهو يسبق ويرمز إلى الحدث الفصحي، الذي عن طريق الصليب سيُدخل المسيح في كامل ازدهار مجده وكامل كرامته النبوية. وكان التجلي بمثابة القمة في حياة يسوع وذروة ناسوته الكامل الخالي من كل خطيئة. ويعلق العلامة أوريجانوس “يشدّد على ظهور الطبيعة الإلهية في يسوع وهي لا تتخلّى عن إنسانيتها”. كان بوسع يسوع ان يتوج حياته الأرضية بصفته ابن الانسان بخروجه عن طريق جبل التجلي، لكنه رجع ليمضي في طريق الصليب وهكذا يُنجز فداء العالم. وقد عبّر الصوت الآتي من الغمام التي كان تظلل المشهد عن رضى الآب عن خضوع الابن.
(ب) التجلي جواب من الآب الى إنباء يسوع بآلامه
جاء خبر التجلي بعد اعتراف بطرس بالمسيح (متى16: 13-20) وبعد الانباء الأول بالآلام وتعاليم يسوع حول الآلام التي تنتظر التلميذ (متى16: 21-24)، انه يعيد التوازن بين آلام القيامة. فشد التجلي على الانباء بالآلام على الألم، دون ان ينسى القيامة. وشدَّد على المجد، دون ان ينسى الطريق التي تقود إليه. فليس المجد في نظر يسوع تهربا من الواقع، بل نور في طريق الموت. التجلي يُفهمنا اننا لا نسير الى المجد الاّ ببذل حياتنا. نحن لا نبلغ قمة المجد الاّ بالتضحية بالذات. ونحن لا يمكننا أن ننعم بمجد المسيح فينا وتجليه فينا الآن ما لم نقبل وصية الصليب معه، ولن ننعم بالمجد الأبدي بدون صليب. وقد أكد انجيل متى ان التجلي هو جواب من الآب الى إنباء يسوع بآلامه اذ يرتبط الخبران بظرف زمني دقيق “وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام ” من أنباء يسوع بآلامه (متى 17: 1). كان التجلي تأكيداً من الله لكل ما فعله يسوع ولكل ما كان على وشك أن يفعله من آلامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء وإرساله الروح القدس.
(ج) التجلي هو تتميم للنبوءات
إن الصوت الإلهي يأمر بأن يسمعوا لمن هو الابن، “صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: ((هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا” (متى 17: 5). إن هذه الكلمة التي رنّ صداها على سيناء الجديدة، تعلن بأن شريعة جديدة في طريقها لتأخذ مكان الشريعة التي أُعطيت من قبل. وتذكّر هذه الكلمة بثلاث نبوات من العهد القديم: الأولى، تخص المسيح وبنوته الالهية كما جاء على لسان صاحب المزامير ” قالَ لي: أَنتَ اْبني وأَنا اليَومَ وَلَدتُكَ” (مزمور 2: 7)، والأخرى تتعلق بعبد الله واختياره كما جاء على لسان النبي اشعيا ” هُوَذا عَبدِيَ الَّذي أَعضُدُه مُخْتارِيَ الَّذي رَضِيَت عنه نَفْسي قد جَعَلتُ روحي علَيه فهو يُبْدي الحَقَّ لِلأُمَم. ” (اشعيا 42: 1)، والثالثة يعلن فيها عن موسى جديد كما جاء على لسان موسى النبي “يُقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثْلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتكَ، فلَه تَسْمَعون، (تثنية 18: 15). وقد اكّده أنجيل يوحنا بقوله” لأَنَّ الشَّريعَةَ أُعطِيَت عن يَدِ موسى وأَمَّا النِّعمَةُ والحَقّ فقَد أَتَيا عن يَدِ يسوعَ المسيح” (يوحنا 1: 17)؛ فالسماع له هو في الواقع السماع للكلمة الذي صار جسداً، والذي يرى فيه المؤمن مجد الله كما جاء على لسان يوحنا الإنجيلي “الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ” (يوحنا 1: 14).
وإن مجيء موسى وإيليّا الى يسوع، موسى ممثّل الناموس وإيليا أوّل الأنبياء وأعظمهم هي الموافقة على عمله، معناه أنّ يسوع هو موسى الجديد، إذ تعدّى الشريعة بالبلوغ بها الى الكمال (متى 5: 17)، لأنه هو غايتها (رومة 10: 4)، وهو متمم النبوءات وتحقيق كلّ رجاء الماضي، ومعناه تحقيق التاريخ واكتماله فيه.
(د) التجلي هو استباق لمجد المسيح
يعُد حدت التجلي في حياة يسوع الأرضية استباق للمجد الذي سيتمتع به هو بعد موته. فهو كشف مسبق لمجد ابن الانسان الفصحى وظل لمجد الملك وظهوره عند مجيء ابن الانسان وسيراه تلاميذه آتيا في ملكوته ” فسَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه” (متى 16: 27).
يُقدِّم القديس بطرس شهادته عن هذا الحدث بقوله: “قد أَطلَعْناكم على قُدرَةِ رَبِّنا يسوعَ المسيح وعلى مَجيئِه، لا اتِّباعًا مِنَّا لِخُرافاتٍ سوفِسْطائِيَّة، بل لأَنَّنا عايَنَّا جَلالَه. فقَد نالَ مِنَ اللهِ الآبِ إِكرامًا ومَجْدًا، إِذ جاءَه مِنَ المَجْدِ -جَلَّ جَلالُه-صَوتٌ يَقول: “هذا هو ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضيت” وذاكَ الصَّوتُ قد سَمِعناه آتِيًا مِنَ السَّماء، إِذ كُنَّا معَه على الجَبَلِ المُقدَّس” (1 بطرس 1: 16-18). من خلال الرسل الثلاثة، تعلّمت الكنيسة جمعاء ممّا رأوا بعيونهم وسمعوا بآذانهم. ليشتدّ إيمان الجميع. ففي التجلي رأى بطرس ويعقوب ويوحنا حقيقة شخصية يسوع وقوته كابن الله (2 بطرس 1/16). نحن نؤمن بالإنجيل المقدس “والإيمان ليس قبولاً من غير دليل بل ثقة من غير تحفّظ بكائن لا حدود لعلمه ومحبّته وحكمته وكمالاته”. “والإيمان يبحث عن العقل والعقل عن الإيمان” كما يقول القديس أوغسطينوس الفيلسوف.
3) ما دور التجلي في حياة التلاميذ والكنيسة؟
لم يكن دور للتجلي في حياة يسوع فحسب، إنما أيضا في حياة التلاميذ والكنيسة. وفي هذا المجال كان للتجلي ثلاث أدوار في حياة التلاميذ والكنيسة
(ا) الدور الأول: إعداد التلاميذ لآلام السيد المسيح
كشف يسوع لتلاميذه كيانه العميق ومهمّته الإلهية من خلال التجلي. إذ حدّث السيد المسيح تلاميذه عن آلامه وموته، فكان لا بُد له أن يظهر لهم ما سيكون عليه مجده عند ظهوره يوم التجلي، وإذ رأوا ما رأوه كان هذا قوة لهم وسندًا على احتمال الآلام والاضطهادات التي سيواجهونها دون أن يتعثروا فيه، لأنه يتعذر على التلاميذ أن يفهموا لماذا اختار معلمهم طريق الآلام كما هو الحال مع بطرس الرسول (متى16: 22). أراهم الله شيئاً من مجد ابنه، لكي يُعدّهم للتغلب على ما في الصليب من عار وعثار، وليقوي ايمانهم به تحسباً لما قد يعتريهم لدى مشاهدتهم نزاعه في بستان الزيتون وموته على الصليب. ويعلق القديس افرام السرياني “صعد يسوع بتلاميذه إلى جبل عال لكي يُظهر لهم أمجاد لاهوته. فلا يتعثّروا فيه عندما يرونه في الآلام التي قبلها بإرادته، والتي احتملها بالجسد من أجلنا.”.
فكان التجلي إعلانا خاصا عن الوهية الرب يسوع لثلاثة من تلاميذه، كما كان تأكيد من الله لكل ما فعله يسوع ولكل ما كان على وشك ان يفعله. عرف التلاميذ ان يسوع يصعد الى اورشليم ليتألم (متى 16: 21)، فاراهم مجده السرّي الذي هو أول صورة عن مجد القيامة. وفي هذا الصدد يقول العلامة أوغسطينوس “أن يسوع سطع كالشّمس لأنّه النور الذي يضيء كل إنسان آت إلى العالم”.
يصلح التجلي بوجه خاص كوحي من الآب الى التلاميذ، إذ كشف ألوهية يسوع في وحدته مع الآب. فلما تأمل بطرس ويعقوب ويوحنا بألوهية الرب، أصبحوا مستعدين لمواجهة عار الصليب، كما يرنم في نشيد قديم: “لقد تجسدت على الجبل، وتأمل تلاميذك بقدر استطاعتهم مجدك أيها المسيح الله لكي يستطيعوا عند رؤيتك مصلوباً أن يفهموا أن آلامك طوعية ويعلنوا للعالم أنك حقاً إشراق الآب” (الليتورجية البيزنطية، نشيد عيد التجلي). وفي هذا الصدد جاءت شهادة البابا لاون الكبير “أنّ الطبيعة الإلهية تتمجّد في تواضع الابن الحبيب الوحيد الذي أراد، من خلال تجلّيه أمام تلاميذه، أن ينزع من قلوبهم عار الصليب، وألاّ يكون خزي موته أساسًا لتعكير إيمانهم، هم الذين رأوا عظمة كرامته المخفيّة. أراد الربّ أن تكون كنيسته المقدّسة مبنيّة على أساس الرجاء، بما أنّ كلّ واحد منهم مدعوّ إلى المشاركة في مجد الربّ المتجلّي. هو الذي يفتح الطريق إلى السماء، وبصليبه يهيئ لنا الصعود لبلوغ ملكوته”.
(ب) الدور الثاني: تقوية ايمان الكنيسة بيسوع الها ومسيحا ومعلما
قوى التجلي ايمان الكنيسة بالسيد المسيح الها ومسيحا ومعلما. انه إله بسماع صوت الآب القائل لتلاميذه ” هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، ” (متى 17: 5)؛ وإنه مسيح، ان يسوع هو مسيح الله، فجاء وحي التجلي تأكيدا ً لاعتراف بطرس الرسول في قيصرية فيلبس “أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ” (متى 16: 16). وهو مسيح لدى ظهور موسى وايليا وهذا يعني ان المسيح يكمّل عملهما (الشريعة والنبوءات) فأنشأ عهداً جديداً هو عهد الملكوت (متى 17: 3)، والذي بموته وقيامته تتمم نبوءات الكتب المقدسة (لوقا 24: 44-46).
وانه معلم، إذ أمر صوت الاب التلاميذ كي يصغوا إلى تعليمه (متى 17: 5). يظهر يسوع بمظهر معلم في الجماعة، أنه الطريق والحق والحياة، فهو الذي يرشدنا الى طريق الخلاص، والذي الذي يعلمنا الحق وهو الذي يحيينا بالنعمة.
وظهر أيضا معلما عند القيامة، اذ قال لتلاميذه قبل صعوده الى السماء “إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض. فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، 20 وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم (متى 28: 16-20). فإليهم وجّه الصوت وأضاف “اسمعوا له (تثنية الاشتراع 18: 15).
(ج) الدور الثالث: أثبات خلود النفس واستباق مجد الابرار
لا يظهر معنى التجلي إلاَّ في فكرة قيامة المجيدة، وهو استباق لها. وقد جاءت حادثة التجلّي برهاناً عملياً لإثبات حقيقة خلود الروح، إذ رأى التلاميذ الثلاثة بُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا بأم أعينهم موسى وسمعوه يكلّم الرب يسوع، وهم يعلمون أن موسى قد مات قبل ألف وخمسمائة سنة ودفن في جبل نبو، وأخفي قبره عن شعبه. وإن الرسل الثلاثة برؤيتهم موسى بهيئة جسد ممجّد علموا أن بإمكان الروح أن تعود لتتّحد بالجسد، وهذه الروح المرتبطة بجسد أرضي في هذه الحياة ستتّحد بهذا الجسد في الحياة الثانية بعد أن يتحوّل هذا الجسد إلى جسد روحاني ممجّد. تماماً كما رأينا الرب يسوع بعد قيامته من بين الأموات يظهر لتلاميذه في العلية والأبواب مغلقة بل كيف قام من القبر والحجر الكبير موضوع على باب القبر.
ويُعد حدت التجلي ايضا استباق للمجد، إذ أنبا بان الابرار سيتمتعون به في آخر الأزمنة في ملكوت الآب “الصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم” (متى 13: 43) فقد أشار يسوع بتجليه الى الكنيسة جسد المسيح السري التي ستتلألأ كالنور مثل رأسها. ويؤكد لنا القديس بولس الرسول أننا “نَحنُ جَميعًا نَعكِسُ صورةَ مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجوهٍ مَكشوفةٍ كما في مِرآة، فنَتَحوَّلُ إِلى تِلكَ الصُّورة، ونَزدادُ مَجْدًا على مَجْد، وهذا مِن فَضْلِ الرَّبِّ الَّذي هو روح” (2 قورنتس 3: 18). فنحن سنحصل على جسد ممجد على مثال السيد المسيح “الَّذي سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد بما لَه مِن قُدرَةٍ يُخضِعُ بِها لِنَفْسِه كُلَّ شيَء” (فيلبي 3: 21) وكما جاء أيضا في تعليم يوحنا الرسول ” أَيُّها الأَحِبَّاء نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو” (1 يوحنا 2:3). ولكن لا إكليل مجد دون إكليل شوك، ولا قيامة دون موت، ولا نعيم مع المسيح دون تحمّل الآلام في سبيله.
نستنتج مما سبق أن الغرض من التجلي هو مساندة التلاميذ عند اشتراكهم في سر الصليب. وإذ أصبح المسيحيون بالعماد شركاء في سر القيامة، فإنهم مدعوون منذ الآن لأن يتجلوا على الدوام، أكثر فأكثر، بقوة الرب (2 قورنتس 3: 18)، انتظاراً لتجليهم الكامل مع أجسادهم يوم مجيء المسيح الثاني المجيد (فيلبي 3: 21).
الخلاصة
التجلي حادثة لها أهميتها في حد ذاتها لشخص المسيح. فقد لعب دوراً هاماً في التدريب الروحي للتلاميذ وقد ترك أثرا بالغاً على الكنيسة الاولى (2 بطرس 1: 16-18)، فقد ثبت إيمانهم الذي لولاه لتزعزع بعد إعلان الرب عن آلامه وموته (متى 16: 21). كما اظهر ان فكرة المسيح المتألم لم تكن مناقضة لإعلان العهد القديم بل كانت مطابقة لشهادة الناموس والأنبياء الذين كان موسى وايليا يمثلانهم، كما حضهم على اهمية الاستماع الى الرب عندما تكلم عن آ لامه المقبلة وهو ما لم يكن بطرس مستعدا ان يعمله (مرقس 8: 8: 22).
وعليه فان التجلّي هو الدخول بالنفس إلى تذوّق حياة الامجاد الإلهيّة. هذا العمل الإلهي الذي تحقّق بطريقة ملموسة على جبل تابور أمام ثلاثة من التلاميذ ونبيّين من رجال العهد القديم، يتحقّق بصورة أو أخرى داخل القلب من حين إلى آخر، فتسند الإنسان في حمله الصليب والشهادة للسيّد المسيح. إنه لقاء مستمر مع ربّنا يسوع المسيح على الدوام، فيه يكشف أمجاده جديدة في كل لحظة من لحظات حياتنا، حتى نلتقي به وجهًا لوجه في مجيئه الأخير. لنفهم عيد التجلي ونعيشه في وقع حياتنا. ويعلق العلامة أوريجانوس معلما لنا كيف يمكن لحادثة التجلّي أن تُغيّر حياتنا “عندما تجلّى، يُشرق وجهه أيضاً كالشمس كي يتمّ إظهاره لأبناء الربّ الّذين خلعوا أعمال الظلام وارتدوا درع النور، ولم يعودوا أبناء الظلام أو الليل، بل أصبحوا أبناء النهار، ويسيرون بأمانة كما يسيرون في ضوء النهار. كونه متجلّياً وظاهراً، فهو سوف يُشرق عليهم، ليس فقط كالشمس، بل مُثبتاً أنّه شمس البِرّ”.
دعاء
أيها الآب السماوي، أشرق وجهك علينا كي ننضم الى الرسل الثلاثة المقرَّبين، ونرى بالإيمان ابنك الوحيد يسوع المسيح في بهاء مجده وجلال شخصيته، ونسمع صوته الها ومسيحا ومعلما ونشهد له فنصبح يوما على صورته المجيدة الذي اظهرها بالتجلي. آمين.