التفرّغ للحياة الرسولية (لوقا 9: 51-62)
الأب لويس حزبون
يروي إنجيل الاحد الثالث عشر من السنة (لوقا 9: 51-62) حوار يسوع مع ثلاثة رجال يريدون اتباعه من اجل التفرغ للحياة الرسولية. فما هي الشروط؟ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي (لوقا 9: 51 – 62) وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 9: 51 – 62)
51ولَمَّا حانَت أَيَّامُ ارتِفاعه، عَزَمَ على الاتِّجاهِ إِلى أُورَشَليم.”
تشير عبارة ” لَمَّا حانَت أَيَّامُ ” الى أن كل شيء يسير وفق خطة إلهية أزلية، فلا مجال للصدفة في الأحداث؛ أمَّا عبارة “ارتِفاعه ” فتشير الى بدء صعود يسوع الى اورشليم لكي يواجه بها أصحاب السلطة (لوقا 9: 51-62) ثم ارتفاعه على الصليب ثم صعوده الى السماوات؛ وهذا الارتفاع ليس صدفة، إنما هو تتميم للسر الفصحى. وقد استخدم هذا التعبير “ارتفاع” مع إيليا عند ارتفاعه إلى السماء (2 ملوك 2: 9-11)، وفي تمجيد “العبد المتألِّم “(اشعيا 42: 1) وعند صعود المسيح (أعمال 11: 1-2)، إذ قرُبت أيَّام السيِّد المسيح ليتمجَّد بدخوله الى الآلام كعبدٍ ليعبُر الى أمجاده صاعدًا إلي السماوات؛ أمَّا عبارة “َعزَمَ” في اللفظة اليونانية πρόσωπον ἐστήρισεν فمعناها الحرفي “قسّى وجهه” او ثبّت وجهه وهو تعبير عبري יָּשֶׂם אֶת־פָּנָיו (حزقيال 6: 2) يعني العزيمة القوية أمام الصعوبات القائمة، وهو تلميح الى ما ورد في اشعيا ” جَعَلتُ وَجْهي كالصَّوَّان” (اشعيا 50: 7). فالمسيح قصد أن يتوجه إلى أورشليم، وهو مُتيقّن ان أعداءه يتآمرون عليه وأنه هناك سيُحاكم ويُصلب ويموت، ولكنه قد جاء لهذه الساعة ليخلِّص البشر فيُمجدنا معه وبه وفيه؛ فيسوع يُقرر المضي قدماً في مسيرته الى اورشليم حيث سيتم السر الفصحي لتحقيق مصيره مهما كانت الظروف، كما جاء في أقواله: “ما مِن أَحَدٍ يَنتزِعُها مِنَّي بل إنّني أَبذِلُها بِرِضايَ. فَلي أَن أَبذِلَها ولي أَن أَنالَها ثانِيَةً وهذا الأَمرُ تَلَقَّيتُه مِن أَبي” (يوحنا 10: 19). أما عبارة “الاتِّجاهِ إِلى أُورَشَليم” فتشير الى انطلاق يسوع على الطريق المباشر مجتازاً السامرة ثم عبر الأردن الى بيريه ثم الى اورشليم.
52فأَرسلَ رُسُلاً يَتَقَدَّمونَه، فذَهبوا فدَخَلوا قَريَةً لِلسامِريِّين لِيُعِدُّوا العِدَّةَ لِقُدومِه”
تشير عبارة ” فأَرسلَ رُسُلاً: الى ان يسوع أرسل تلاميذه كي يمهِّدوا وصوله إلى القرية؛ أمَّا عبارة “يَتَقَدَّمونَه” في اللفظة اليونانية πρόσωπον فتشير الى الاتجاه او امام وجهه. تكررت هذه اللفظة في الآية السابقة (51) وفي الآية اللاحقة (53) مما تدل على المعنى القدسي من رحيل يسوع الى اورشليم واهميته؛ اما عبارة “لِيُعِدُّوا العِدَّةَ لِقُدومِه ” فتشير الى إعداد الحاجات الجسدية من مأوى وطعام له ولتلاميذه. وتوكّد اللفظة اليونانية ἑτοιμάσαι “لِيُعِدُّوا” على ان يسوع قرّر المرور في ارض السامرة ـ لأنه يحب جميع البشر آيا كانوا؛ اما عبارة ” اِلسامِريِّون” فهم من السلالة الناتجة من تزاوج مع من تبقى من اليهود في السامرة مع غرباء من شعوب مختلفة لدى غزو الاشوريون مملكة الشمال سنة 721 ق.م. (2 ملوك 17: 24-41). والسامريون لا يقبلون من العهد القديم سوى أسفار موسى. ولذا كان هناك كراهية متبادلة بين اليهود الاصلين والسامريين وزادت بينهم خاصة لما بنى السامريون هيكلهم على قمة جبل جرزيم لينافس هيكل أورشليم؛ اما عبارة” قَريَةً لِلسامِريِّين ” فتشير الى العداوة بين اليهود والسامريين فكان اليهود يتجنّبون الاتصال بالسامريين وكانوا يكرهونهم بسبب فساد أصلهم واختلاف أفكارهم الدينية كما نستنتج من كلمات السامرية الى يسوع “كَيفَ تسأَلُني أَن أَسقِيَكَ وأَنتَ يَهوديٌّ وأنا امرَأَةٌ سامِريَّة؟ لِأَنَّ اليَهودَ لا يُخالِطونَ السامِرِيِّين”(يوحنا 4: 9)؛ اما يسوع فلم يكن لديه مثل تلك الأحقاد بل تخلى عن تلك المنازعات كما ورد في مثل السامري الرحيم (لوقا 10: 33-37)؛ ولا شك ان لوقا يرى في ذلك مقدمة لرسالة فيلبس في السامرة (اعمال الرسل 8: 5-25)، لكن السامريون رفضوا استقبال يسوع، فتوجب عليه وعلى تلاميذه تجنّب المرور بالسامرة، بل بشرق الأردن، فيعبروا في اريحا (لوقا 19: 1) للوصول الى اورشليم.
53فلَم يَقبَلوه لِأَنَّه كانَ مُتَّجِهاً إِلى أُورَشَليم.”
تشير عبارة “لَم يَقبَلوه” الى رفض اهل القرى استقبال يسوع لأنه كان متجها نحو اورشليم، ولأنَّ السامريون لا يحبون اليهود وبالذات الصاعدين منهم للعبادة في اورشليم، لأنهم يعتقدون أن السجود ينبغي أن يكون عندهم في جبل جرزيم وليس في اورشليم (يوحنا 4: 20). فالسامريون لم يرفضوا يسوع لشخصه المخلص، بل رفضوه نتيجة جهلهم بما لاورشليم من رمز ومكانة، ونتيجة تعصبهم لعقائدهم.
54فلمَّا رأَى ذلكَ تِلميذاهُ يَعقوبُ ويوحنَّا قالا: ((يا ربّ، أَتُريدُ أَن نَأمُرَ النَّارَ فتَنزِلَ مِنَ السَّماءِ وتَأكُلَهم؟ ))
تشير عبارة ” أَن نَأمُرَ النَّارَ فتَنزِلَ مِنَ السَّماءِ وتَأكُلَهم؟ ” الى العقاب الذي انزله إيليا النبي بخصومه (2 ملوك 1: 10-12). وعندما رفضت القرية السامرية استقبال تلاميذ يسوع، لم يرد يعقوب ويوحنا ان يكتفيا بنفض الغبار عن أقدامهما (لوقا 9: 5)، لكنهما أرادا الانتقام بان يطلبا من السيد المسيح إنزال نار من السماء والتهام هذه القرية كما فعل الله مع مدينتي سدوم وعمورة (التكوين 19)، ولعلَّه بسبب هذا الروح المتَّقد دعاهما المسيح “بُوَانرْجس” Βοανηργές, وفي العبرية בְּנֵי־רְגוֹשׂ أي اِبنيْ الرَعد (مرقس 3: 17). إن روح الشر والانتقام متأصل في قلب الانسان.
55 فالتَفَتَ يسوعُ وانتَهَرَهما. 56فمَضَوا إِلى قَريَةٍ أُخرى.
تشير عبارة “انتَهَرَهما” الى تعنيف يسوع بسبب رغبتهما في ان يستزلا على القرية ناراً من السماء، ويضيف بعض المخطوطات كلمات يسوع ” لا تعلمان من أي روح أنتما”. رفض يسوع طلب يعقوب ويوحنا موبِّخًا إيَّاهما، “لِأَنَّ ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه” (لوقا 19: 10)؛ إنه طويل الأناة، ينتظر توبة الجميع في الوقت المناسب، لان الحقيقة تتسرب الى قلب البشر ببطء. وبالفعل قَبلت السامرَّة الإيمان فيما بعد (أعمال الرسل 8: 5-25). ويعلِّق يوحنا الذهبي الفم بقوله ” من يقبل الإيمان عن خوف سرعان ما يتركه، أما من يقبله خلال الحب فيثبت فيه”. أما روح الانتقام والإفناء فهي من عدو الخير وليس من روح الله القدوس الذي يسكب المحبة في قلوبنا.
57وبَينَما هُم سائرون، قالَ لَه رَجُلٌ في الطَّريق: ((أَتبَعُكَ حيثُ تَمْضي)).
تشير عبارة ” أَتبَعُكَ “الى السير في طرق الله، تلك الطرق التي من خلالها قاد الله شعبه زمن الخروج، وتلك التي يخطُّها ابن الله، ليأتي بجميع البشر إلى الخلاص. فعبارة ((أَتبَعُكَ حيثُ تَمْضي تشير الى المعنى الروحي بالإضافة الى المعنى الحرفي أي إتّباع المسيح “حيثما يذهب” (رؤيا 14: 4، يوحنا 8: 21-22). عندئذ سيتحقق وعد يسوع: “من أراد أن يخدمني يتبعني، وحيث أكون يكون خادمي” (يوحنا 12: 26).
58فقالَ لَه يسوع: ((إِنَّ لِلثَّعالِبِ أَوجِرَة ولِطُيورِ السَّماءِ أَوكاراً، وأَمَّا ابنُ الإِنسان فلَيسَ لَه ما يَضَعُ علَيهِ رَأسَه)).
تشير عبارة “ابنُ الإِنسان ” الى يسوع كونه انسان مثل سائر الناس (حزقيال 2: 1-3). او بالأحرى هو ذاك الآتي على سحاب السماء (دانيال 7: 13). ففي هذا التقليد الرؤيوي يأتي ابن الانسان في اليوم الأخير ليدين الخاطئين ويخلّص الابرار. فلقب ” ابن الانسان” ورد في الانجيل وعلى لسان يسوع. وفضلته الجماعة المسيحية الأولى على سائر الالقاب ليسوع الناصري، لان هذا اللقب يُرينا في يسوع ذلك الذي استبق الدينونة بسلطانه مخلصاً الخاطئين (متى 9: 6) وفاتحا الزمن المسيحاني (متى 12: 8). كما يرتبط هذا اللقب مع لقب “العبد المتألم ” فيضم الصليب الى المجد (مرقس 8: 31)، هذا ما لم يستطع اليهود ان يفهموه وهم الذين انتظروا مسيحا ممجداً؛ اما عبارة ” فلَيسَ لَه ما يَضَعُ علَيهِ رَأسَه” فتشير الى انه لا بيت ليسوع ولا لتلاميذه (لوقا 5: 29). فتشير الآية الى ان يسوع هو في مسيرة دائمة لا تتوقف حتى الصليب، والى هنا يطلب من يعمل الشريعة ان يتبعه على الدوام.
59وقالَ لآخَر: ((اِتْبَعْني!)) فقال: ((إيذان لي أَن أَمضِيَ أَوَّلاً فَأَدفِنَ أَبي)).
تشير عبارة “اِتْبَعْني! ” الى مبادرة يسوع في دعوة الى رجل لاتِّباعه بعكس الرجل الأول حيث هو الذي يقدم نفسه لإتِّباع يسوع. أما عبارة “إيذان لي أَن أَمضِيَ أَوَّلاً فَأَدفِنَ أَبي” فتشير الى اعتذار يقدمه الرجل بتأجيل الدعوة لان عليه واجب مقدس وتقوي يفرض على البنين ان يؤمِّنوا دفن لائق لوالديهم. “فقد قالَ موسى: ((أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ” (مرقس 7: 10).
60فقالَ لَه: ((دَعِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهم. وأَمَّا أَنتَ فَامضِ وبَشِّرْ بمَلَكوتِ الله)).
تشير عبارة” الموتى ” ليس فقط الى المعنى الحقيقي وهم المتوفيون حقا، انما أيضا الى المعنى المجازي وهم الموتى روحياً الذين لا يهتمون إلا بأمور هذه الحياة وينكبّون على أمور الدنيا، فهم الخطأة (متى 8: 22). وعليه فان عبارة “دَعِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهم ” فتشير الى ان التبشير يأتي في المركز الرئيسي، وطقوس الدفن الموتى يأتي في المركز الثانوي، كما يوكّد ذلك يسوع بقوله ” مَن أَتى إِلَيَّ ولَم يُفَضِّلْني على أَبيهِ وأُمِّهِ وامَرأَتِه وبَنيهِ وإِخوَتِه وأَخواتِه، بل على نَفسِه أَيضاً، لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً ” (لوقا 14: 26). وإنَّ التبشير بالملكوت هو الامر الجوهري الذي لا يحتمل أي تأخير، وله أولوية على أسمي ما تستطيع الحياة ان تعطي حتى إذا كانت المطالب مختصة بعائلة الشخص نفسه.
61وقالَ لَه آخَر: ((أَتبَعُكَ يا ربّ، ولكِنِ ائذَنْ لي أَوَّلاً أَن أُوَدِّعَ أَهلَ بَيتي)).
تشير عبارة ” أَتبَعُكَ يا ربّ، ولكِنِ ائذَنْ لي أَوَّلاً أَن أُوَدِّعَ أَهلَ بَيتي ” الى حوار إيليا النبي مع تلميذه اليشاع بن شافاط ” تَرَكَ اليشاع البَقَرَ ورَكَضَ وَراءَ إِيليَّا وقالَ لَه: ((دَعْني اقبِّلُ أبي وامِّي، ثُمَّ أَسيرُ وَراءَكَ” ( 1ملوك 19: 20) . لكن يسوع يتطلب أكثر من ايليا، إذ كان أيليا يدع تلميذه يودّع ذويه.
62فقالَ لَه يسوع: ((ما مِن أَحَدٍ يَضَعُ يَدَه على المِحراث، ثُمَّ يَلتَفِتُ إِلى الوَراء، يَصلُحُ لِمَلَكوتِ الله)).
تشير عبارة ” ِمَلَكوتِ الله ” الى المحور الرئيسي لرسالة يسوع في الانجيل “يَجِبُ عَلَّي أَنَّ أُبَشِّرَ سائرَ الـمُدُنِ أَيضاً بِمَلَكوتِ الله، فإِنِّي لِهذا أُرسِلْت”(لوقا 4: 43). وردت عبارة ملكوت الله أو ملكوت السماوات في العهد الجديد أكثر من مئة مرة وقد شرحها يسوع مرارا مستخدما الأمثلة. وتفيد عبارة ملكوت الله عدة معان: حياة التقوى في القلب “فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه” (متى 6: 33) والنظام الذي أتى به المسيح “تُوبوا ، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات ” (متى 4: 17) ومجد المسيح وسلطانه “ألحَقَّ أَقولُ لكم: مِنَ الحاضِرينَ ههُنا مَن لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا ابنَ الإِنسانِ آتِياً في مَلَكوتِه” (متى 16: 28) وسلطان الله على الكل “لِيَأتِ مَلَكوتُكَ لِيَكُنْ ما تَشاء في الأَرْضِ كما في السَّماء” (متى 6: 10) والحالة السماوية “قولُ لَكم: سَوفَ يَأتي أُناسٌ كَثيرونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِب، فَيُجالِسونَ إِبراهيمَ وَإِسحقَ ويَعقوب على المائِدةِ في مَلَكوتِ السَّمَوات” (متى 8: 11). واما عبارة “يَصلُحُ لِمَلَكوتِ الله” فتشير الى ان يدخل الى الملكوت او ليعلن الملكوت (لوقا 4: 43).
ثانياً: تطبيقات النص الانجيلي (لوقا 9: 51-62)
انطلاقا من هذه الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 9: 51-62)، نستنتج انه يتمحور حول اتباع يسوع من خلال التفرّغ للحياة الرسولية.
اتّباع يسوع، في الواقع، لا يعني اعتناق تعليم أدبي وروحي فحسب، وإنما مشاركته في مصيره أيضاً ومجده: “قد تركنا نحن كل شيء وتبعناك، فماذا يكون جزاؤنا؟” (متى 19: 27). فمن أراد ان يتبع المسيح عليه أن يشاركه أولاً في تجاربه وآلامه. ويطالب يسوع بالتجرد الكامل، بزهد في المال والطمأنينة. وبترك الأقارب (متى 8: 19-22)، دون ما مقاسمة أو رجعة (لوقا 9: 61-62). ومن مقابلته للرجال الثلاثة رجال الذين اقبلوا الى المسيح ليتبعوه بمبادرة منه او منهم طالبهم يسوع بالتفرغ للحياة الرسولية من خلال ثلاثة شروط: دون تحفظ وبدون رجوع والى الابد.
الشرط الأول: دون تحفظ:
الحياة الرسولية تتطلب التفرغ للمسيح دون تحفظ. تقدم الرجل الأول وبادر في عرض نفسه للحياة الرسولية “أَتبَعُكَ حيثُ تَمْضي ” (لوقا 9: 57). عقله في المسيح، لكن قلبه في الضمانات البشرية فهو منقسم. يُعلِّق القديس أوغسطينوس على هذا الرجل ” أراد هذا الإنسان أن يتبع المسيح لكن يسوع تأكد أنه كان يطلب ما لنفسه لا ما هو ليسوع المسيح كما جاء في تعليم بولس الرسول “يَسعى إِلى ما يَعودُ على نَفْسِه، لا إِلى ما يَعودُ على يسوعَ المسيح” (فيلبي 2: 21)، وفي هذا الصدد يقول الرب إذ يقول: لَيسَ مَن يَقولُ لي ((يا ربّ، يا ربّ)) يَدخُلُ مَلكوتَ السَّمَوات “(متى 7: 21).
وفد بيّن يسوع لهذا الرجل الذي يُريد ان يتبعه ان الحياة الرسولية لا تكمن في الضمانات البشرية من بيت ومال وسلطة واستقرار ومجد أرضي، بل الزهد بالذات “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفسهِ ويَحمِلْ صَليبَهُ كُلَّ يَومٍ ويَتبَعْني”(لوقا 9: 23)، إنه التجرد من كل ضمانة بشرية ومشاطرته مصيره حتى التضحية. فقدّم يسوع شهادة التجرّد التام من الأشياء، إلى حدّ عدم امتلاك مكاناً يضع عليه رأسه. “وأَمَّا ابنُ الإِنسان فلَيسَ لَه ما يَضَعُ علَيهِ رَأسَه (لوقا 9: 58).
فلا يجد من يريد ان يتبع المسيح الضمان المطلق سوى في ربّه، فالحياة الرسولية تتطلب التجرد التام والاستعداد للتنازل عن كل شيء آخر يعتمد المرء عليه ليعطيه الضمان سوى ربه، وإذ يركز قلبه في المسيح ينبغي ألا يسمح لأي شيء يجرفه عن الحياة الرسولية او يقبل في حياته أي تجزئة او تحفظ، بل يترك كل شيء ليسعي وراء الانجيل والحياة الرسولية.
ومن هنا نستنتج ان اتباع يسوع ليس طريقا سهلا دائما، بل يقتضي كلفة باهضه وتضحية عظيمة وبدون استقرار او امان في العالم، فلم يكن ليسوع مكان يسيمه بيته. وعليه فمن يريد أن يتبع الرب بِغْية كرامة أرضيَّة أو نفع مؤقَّت او طلبا للاستقرار، يعلن له السيد المسيح أنَّ الثعالب التي تعيش في البرِّيَّة لها أوْجِرة ترتبط بها، وفيها تستريح، والطيور التي تهيم في الجو لها أوْكار تعود إليها من حين إلى آخر، أما ابن الإنسان فليس له راحة، ولا موضع استقرار. يريد يسوع ممن يتبعه أن يكون مستعداً دوما وجاهزاً باستمرار، ساهراً متأهباً دوما للرحيل والتوجه إلى حيث يريد يسوع لا إلى حيث هو يريد ان يجد راحة واستقرارًا. لذلك فالرجل الأول لا يصلح للحياة الرسولية إلا إذا كان قلبه دون تحفظ ودون ضمانات بشرية.
الشرط الثاني: دون رجوع
لا تتطلب الحياة الرسولية التفرغ للمسيح دون تحفظ فقط بل دون رجوع ايضا. دعا يسوع رجل ثان للتفرغ للحياة الرسولية “قالَ لآخَر: ((اِتْبَعْني!)) ” (لوقا 9: 59). فهذا الرجل لم يطلب ان يتبع الرب مثل الرجل الاول، لكن الرب دعاه للتلمذة، فأجابه في صراحة “إيذان لي أَن أَمضِيَ أَوَّلاً فَأَدفِنَ أَبي” (لوقا 9: 59). فكر هذا الرجل مع يسوع، لكن قلبه عند ابيه فهو منقسم ومتواني، إذ أن عليه التزامات وضرورات يؤجل بسببها تبعيته للرب. فجعل دفن أبيه “أولًا”، بينما يلزم أن يكون الله “أولا”. فهو إنسان حسن النِيَّة ومشتاق للحياة الرسولية، لكن يعيقه واجب عائلي ضروري في نظر الناس، ألا وهو الاهتمام بوالده حتى يدفنه.
فكان جواب المسيح “دَعِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهم. وأَمَّا أَنتَ فَامضِ وبَشِّرْ بمَلَكوتِ الله” (لوقا 9: 60). علِّمه الرب أن يكون الله في المقدِّمة ويأتي بعده الإنسان. لا يمنع الرب أن نبكي ونَدفن موتانا، لكنه يضع التقوَى الدينيَّة في المرتبة الأولى ثم تليها الارتباطات العائليَّة.” ليُترك الموتى (روحيًا) أن يدفنوا موتاهم، أما المُختارون فليتبعوه” يقول القديس أمبروسيوس.
وعليه فانه ليس هناك أيّ دافع على الصعيد الإنساني يصرف المدعو عن خدمة الإنجيل. لا يرضى الرب من تابعه بانشغاله عنه بأهله وذويه. وهذا ما يوكِّده يسوع بقوله “دَعِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهم ” (لوقا 9: 60). فالتبشير يأتي في المركز الرئيسي، وطقوس دفن الموتى تأتي في المركز الثانوي، كما يتضح ذلك من تعليم يسوع ” مَن أَتى إِلَيَّ ولَم يُفَضِّلْني على أَبيهِ وأُمِّهِ وامَرأَتِه وبَنيهِ وإِخوَتِه وأَخواتِه، بل على نَفسِه أَيضاً، لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً ” (لوقا 14: 26). فان اتباع يسوع والتبشير بالملكوت هو الامر الجوهري الذي لا يحتمل أي تأخير، وله أولوية حتى على المطالب المختصة بعائلة الشخص نفسه. ويعلِّق القديس أوغسطينوس على ذلك بقوله ” وصيَّة أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ (أفسس 6: 2)، تُلزم محبَّة من ولدنا، لكنه لا يُفضل عمَّن خلقنا”.
كان الرب يسوع صريحا مع الذي دعاه، ولم يتردد، كونه ابن الله، في ان يطلب الولاء الكامل، فحتى دفن الموتى لم يكن له الأولوية في نظره على مطالب الدعوة والحياة الرسولية.
الشرط الثالث: إلى الأبد
لا تتطلب الحياة الرسولية التفرغ للمسيح بتحفظ وبدون رجوع انما أيضا الى الابد. يعلن يسوع هذا المطلب في قوله لمن لرجل ثالث أراد ان يتبعه: “ما مِن أَحَدٍ يَضَعُ يَدَه على المِحراث، ثُمَّ يَلتَفِتُ إِلى الوَراء، يَصلُحُ لِمَلَكوتِ الله” (لوقا 9: 62). الرجل الثالث يده على المحراث، ولكن عينه الى الوراء. فهو رجل منقسم. إنّ صورة من يضع يده على المحراث، وبعد ذلك يلتفت إلى الوراء مأخوذة من المجتمع الفلسطيني القديم. ارضنا الفلسطينية غير مُنفّذة للماء وحجريّة. إذا التفت الحارث إلى الوراء ولو للحظة واحدة، يعمل ثلم خاطئ. فهذا الرجل يشتاق أن يتتلمذ للرب ويتبعه، لكن مع حنين إلى الماضي. أراد أولًا أن يودِّع الذين في بيته” ائذَنْ لي أَوَّلاً أَن أُوَدِّعَ أَهلَ بَيتي”، وهذا الشرط شبيه ما طلبه إيليا من تلميذه اليشاع (1 ملوك 19: 19-21).
فهذا الرجل غير جادٍ وغير ناضج في إتباع المسيح، يده الى الامام ونظره الى الوراء فهو منقسم، يريد أن يتبع المسيح وفي نفس الوقت يحِنّْ للعالم. يبدأ ولا يكمل. الله يريد يد الانسان ونظره الى الامام والى الابد، ولا يلتفت الى الوراء حتى لا يصير عمود ملح كزوجة لوط التي خلصت بخروجها من سدوم مع لوط وبنتيها، لكنها لم تكمل الطريق بل “اَلتَفَتَتِ اَمرَأَةُ لُوطٍ إِلى وَرائِها فصارَت نُصْبَ مِلْح” (التكوين 19: 26).
فلا يمكن لأيّ أحد او أي شيء يوقف الانسان ولا حتّى للحظة واحدة في مسيرته لكي ينظر الى الماضي؛ فلا يجوز الحنين الى ما ترك. التعلق العاطفي بالأهل او الأقارب او الأصدقاء او الأحباب لا يترك مجالا في قلب الانسان لحب يسوع واتباعه وهو الذي يقول “مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي” (متى 10: 37). فالتعلق بالأهل يجعل استمرار العلاقة مع يسوع مستحيلا.
فمن الواضح ان من يضع يده على المحراث، لا بُد وأن ينظر للأمام ليسير في خط مستقيم غير ملتو، ومن ينظر للخلف يلتوى منه خط السير. فيسوع حثّنا على الجهاد الروحي بلا توقُّف ولا تراجع، “والَّذي يَثبُتُ إِلى النِّهايَةِ فذاكَ الَّذي يَخلُص”(متى 24: 13). ومثالنا على ذلك هو السيد المسيح نفسه، فبالرغم من انه كان يعرف أنه سيواجه الاضطهاد والموت في اورشليم إلا أنه اتجه بثبات نحوها “ولَمَّا حانَت أَيَّامُ ارتِفاعه، عَزَمَ على الاتِّجاهِ إِلى أُورَشَليم”(لوقا 9: 51).
ولا بد ان تتميز دعوتنا في اتباع المسيح بمثل هذا العزم والتصميم، فنتجه بثبات نحو دعوتنا ورسالتنا وحياتنا الرسولية، مهما كانت المخاطر الكامنة التي تنتظرنا هناك. فإتباع يسوع ليس معناه حياة خالية من المتاعب، بل الاستعداد لخدمة الملكوت على الدوام والخضوع الكامل ليسوع حتى الموت كما يقول القديس ميشيل كريكويتس مؤسس جمعية آباء قلب يسوع البترام ” اتبع يسوع دون تحفظ، وبمحبة، ودوما. وهذا يذكّرنا بقول القدّيس بولس “يَهُمُّني أَمرٌ واحِد وهو أَن أَنْسى ما ورائي وأَتَمطَّى إِلى الأَمام فأَسْعى إِلى الغاية، لِلحُصولِ على الجائِزَةِ الَّتي يَدْعونا اللّهُ إِلَيها مِن عَلُ لِنَنالَها في المسيحِ يسوع” (فيلبي 3، 13-14).
خلاصة
التفرغ للحياة الرسولية هي دعوة وتتطلب من الانسان حياته ووقته. إنها انفصال عن ذاته وعن ماضيه. انها انقلاع من أرضه، وافتراق عن اهله، انها دعوة للعمل في الحياة الرسولية هو العمل الذي لا يتقدمه عمل، ولا ينوب عنه عمل، ولا يمكن ارجاؤه، ولا تعطي له مهلة، ولا ينظر معه الى الوراء. انه التخلي عن ماضيه من أجل مثال أعلى أفضل. يريد منا يسوع التكريس الكامل له، وليس الالتزام الجزئي، فلا يجوز ان ننتقي ونختار بعضا من أفكاره ونتبع ما نريد.
اننا مدعوّون، لكِن لا مُرغَمون. هكذا نجد أنفسنا أمام تناقض: علينا أن نستعمل حريّتنا لكي نتحرّر. وعطاء الذات في الحبّ هو عمل حريّة بكل معنى الكلمة: هنا في الحياة الرسولية الواقع لا يستطيع الإنسان التصرّف بممتلكاته، ولا بوقته، ولا بقوّته، ولا حتى بكيانه. فبمقدار ما نتحرر من ذاتنا نصبح فعلاً ذاتنا. وهذا ما حقّقه السيّد المسيح في آلامه.
دعاء
أعطنا، أيّها الربّ الإله، أن يكون الاهتمام بشخصك وبنشر ملكوتك هو الأول والآخر في حياتنا. ونسألك، أن تعضد حرّيتنا في التفرغ للحياة الرسولية، حتّى لا تفشل أمانتنا لك في الخدمة السخيّة للإخوة. يا مريم أمّنا، حرّرينا من كل عقبة تُعيق سيرنا وراء ابنك يسوع. آمين”.