Liturgical Logo

التّواضع في مدرسة المسيح

الأب بيتر مدروس

(بن سيراخ 3: 17-19، عبر 12: 18-24، لوقا 14: 1 و 7-14)

يحضّ الحكيم القُرّاء أن يتّسموا بالتواضع لأن هذه الفضيلة تجعل الناس”يعرفون قدر أنفسهم” ويعاملون سواهم باحترام، وتقاوم أكبر مرض كاد يقضي على البشرية وهو الكبرياء، أبو العصيان الأول. ومع أنّ اليهود كانوا يطالعون من هذا السِفْر، يشوع بن سيراخ، حتى القرن الرابع الميلادي في مجامعهم، على ما يبدو، غير انهم يتجاهلونه تماما في أيّامنا. وما خلا بعض الجماعات منها في السويد، أخذ اشقاؤنا البروتستنت الموقف اليهودي منذ سنة 1520 م على لسان “كارلشتاد” (الذي كان اسمه الأصلي أندرياس بودشتاين، وأحسبه عبري الأصول) في مؤلّفه في اللغة اللاتينية: ” في لائحة الاسفار المقدسة”
” De canone sacrarum Scripturarum”
وهنا يأسف المرء لضياع كلّ هذه الكنوز من آيات أسفار بن سيراخ والحكمة وطوبيا (عن الزواج المقدّس) عند ملايين من المسيحيين منذ خمسة قرون، ويزيد الألم لعدم الوحدة وقلّة الاتفاق بين المسيحيين في شأن عدد الكتب المقدّسة. والحمد لله الذي ألهم أناسًا موهوبين أن يقوموا ب”ترجمات” مسكونية للكتاب المقدس وضعوا فيها الأسفار القانونية الثانية (ومنها بن سيراخ) وهي الكتب المقدسة التي يرفضها بشكل عام اليهود سنة 90 م والبروتستنت سنة 1520 و 1522. والأمل أن تضيق الفجوات ويتمّ الوفاق خصوصًا بعد زيارة قداسة البابا فرنسيس رعاة إخوتنا اللوثريين في السويد سنة 2016 وهم يحتفلون بخمسمئة سنة على احتجاج مارتن لوثير (الذي كان كاهنًا كاثوليكيًّا المانيًّا). ويحلو للمرء في هذه المناسبة أن يوضح أن قداسته لا يؤيد تمرّد الراهب الألماني وسواه على الكنيسة، ولكنه يسعى إلى الوحدة والتقارب والمودّة التي طلبها منا المسيح، وزيادة التفاهم ونبذ أي موقف سلبي ظالم جائر من أيّ طرف.
التواضع مدرسة تعلّم فيها يسوع وأصبح فيها معلّم المعلّمين!
بصراحة، تعوّدنا أن “نبدأ قصّة” يسوع مع التواضع بنقص كبير، غير مقصود عندنا ومقصود عند غيرنا. نستهلّ عظاتنا ومحاضراتنا بتواضع يسوع “السيّد والرب والمعلّم” الذي سيغسل أرجل تلاميذه. ولكن قبل أن يصبح يسوع شابا يافعًا ومعلّمًا ناضجًا للوداعة، كان قد تعلّم التواضع “في البيت”: من والدته الطهور، بلا أدنى شكّ! كان قد بشّرها المرسل السماوي: “ستصبحين أمًّا للرب!” وهي لو نطقت بالضاد لكانت زادت حرفًا واحدًا، أي “تاء مربوطة” على كلمة “أمّ” لتصير “أمة الرب”. (والحقّ أن التاء المربوطة ظهرت لاحقًا). تواضع العذراء مضرب الأمثال: “إنّ الرب نظر إلى اتّضاع (أو حتى: ذلّ) أمته…القدير أتاني فضلاً عظيمًا”. ولكن التواضع لا يشوّه الحقيقة بل ينسب الخير إلى الله ولا ينكره: “ها منذ الآن تطوّبني أي تهنّئني جميع الأجيال” (لوقا 1: 47 وتابع).
أمّا تواضع القدّيس يوسف فقد تجلّى في طاعته لمشيئة الله الصعبة عليه، وثقته الكاملة بمريم خطّيبته الحامل، وإيمانه بكلام يسوع الفتى في الهيكل، مع أنّ مار يوسف لم يُدركه، ومحو القديس يوسف البطولي لنفسه ولمصالحه وميوله ولمفهوم معيّن عند اليهود وسائر الشرقيين “للرجولة” بمعنى الفحولة والعنتريّات… تواضع مذهل وبراءة ملائكيّة يغفل عنهما “مسيحيون” كثيرون!
وتألّق تواضع يسوع الفتى بأنّه، بعد أن وجده “والداه” في الهيكل، وحتى بعد أن فهم أنّهما “لم يفهما الكلمة التي قالها لهما” عن “أبيه” السماوي، مع ذلك “نزل معهما إلى الناصرة وكان خاضعًا لهما” (لوقا 2: 51 وتابع).
بعد أن تعلّم يسوع الإنسان في مدرسة مريم ويوسف – اللذَين يهملهما مسيحيّون كثيرون ويتجاهلونهما – أصبح يسوع المعلّم الأكبر في التواضع، وأعلن أن هذه طريقه وهذه مدرسته: “احمِلوا نيري عليكم وصيروا تلاميذي لأنني وديع متواضع القلب، تجدوا الراحة لأنفسكم” (متّى 1: 27).
ويكتب القدّيس أمبروزيوس: ” ليس التواضع حقارة ولا دناءة بل رفعة مقدّسة، تمنع أن ننتفخ تيهًا في سعادتنا أو أن نحترق غيرة في سعادة غيرنا”. وأوضح مار برنردوس في مؤلّفه عن “درجات التواضع”، الفصل الأوّل: “المسيح هو هو طريق التواضع التي تقود إلى الحقيقة” (عن يوحنا 14: 6). أمّا الراهب الأرثوذكسي الورع، سيلوانس من جبل اثوس (المتوفى سنة 1938) فكان يقول: “الإنسان الذي يعرف الله بفضل روح القدس يتعلّم منه تعالى التواضع وقد أمسى شبيها بمعلّمه الإلهيّ” في هذا المضمار.

خاتمة
يضيق هنا المقام لو أراد المرء إيراد كتابات آباء الكنيسة والمعلّمين الروحانيين عبر العصور في التواضع. ولكن العبرة واحدة في هذا المجال عبّر عنها السيّد له المجد: “مَن رفع نفسه وُضع، ومن وضع نفسه رُفع”. وكتب إلينا جميعنا مار بطرس أوّل بابا: “اتّضعوا تحت يد الله القادرة ليرفعكم يوم الافتقاد” (1 بطرس 5: 6).