التّوبة والضّمير الصّالح
الأب بيتر مدروس
يصف صاحب المزامير خصومه وأعداء الله بأنهم “ينقّبون عن الشّرّور” (مزمور 64 (63): 7)، وقد “تأبّطوا شرًّا”. ويقرأ المؤمن الكتاب المقدّس ويسمعه في الكنيسة، من غير أن يشكّ، أو أن يحلم عن إمكانيّة استغلال بعض القوم للنّصوص الملهمة لا لبنيان الإيمان بل لهدمه. ولعلّ في قراءة اليوم من رسالة مار بطرس الأولى خير مثال على ذلك -يسعد المرء أن يتطرّق إليها، وذلك لأنّ معظم النّاس عنها غافلون، لا عن غباوة ولا عن جهل، لا سمح الله، بل لعدم اطّلاعهم على مكايد إبليس ونسله وقومه. وكم يجدر بنا أن نقتدي برسول الأمم الإناء المختار الّذي كتب: ” لئلاّ يخدعنا الشّيطان، فنحن لا نجهل وساوسه ومكايده”.
“من شابه أباه فما ظلم!
في بعض السّنوات (أي أ و ج) تُقدّم لنا كنيستنا اللاتينيّة، بالتّفصيل، “تجربة المسيح” على جبل قرنطل. ومع أنّ قراءة هذا الأحد تُشير فقط بكلمتين إلى هذا الاختبار (مرقس 1: 12)، إلاّ أنّنا نلجأ إلى ذلك النّصّ المقدّس من بشارتَي متّى (4: 1- 11) ومرقس (4: 1- 13) لدعم الفكرة التي عُبّر عنها هنا: استشهاد قوم بالكتاب المقدّس، وذلك بشكل غير صحيح وغير نزيه، ما هو إلاّ اقتداء بإبليس أبيهم، “أبي الكذب” الّذي، لكي يُوقع يسوع، استشهد زورًا وبهتانًا بمزمور 91 (90): 10 – 11: “إنّه يوصي ملائكته بك، ليحرسوك في جميع طرقك، على أيديهم يحملونك لئلاّ تصدم بحجر رِجلك”. اختبأ “الشّرّير” وراء النّص الملهم الموحى به، واستغلّ قدسيّته، لكي يُلحق الضّرر بدل الخير ويزرع الضّلال بدل الهدى والصّواب.
إلى رسالة مار بطرس: “المسيح أُميت موت الجسد، ولكنّه أُحيي حياة الرّوح” ( 1 بطرس 3: 18)
“ما صدّق” نفر من اليهود الأمريكيّين أرباب مؤسّسة “شهود يهوه” بمجلّتها “يرج صهيون للمراقبة” وكتاباتها أن يجدوا القسم الثّاني من الآية المذكورة، مع أنّنا، نحن المؤمنين الصّادقين النّزهاء الشّرفاء، لا نرى فيها ما يُقال. (نقول عنها في اللهجة الأردنيّة: “ما بيها خلاف”، وفي العراقيّة: “إيش أكو بيها؟”) ولكنّ “عدوًّا” يريد أن يزرع الزّؤان.
أولى “لفّات الثّعلب” (حسب اللّهجة المصريّة “تعلب فات فات…”) هي تحريف يكاد لا يلحظه خلق كثير: “المسيح قام بالرّوح”! لا ثمّ لا! أمير الرّسل واضح: لم يكتب “قام بالرّوح” لأنّه ليس غبيًّا ولا مُضلّاً، فالرّوح لا تقوم لأنّها لا تموت (جامعة 12: 7). كتب البابا الأوّل: “المسيح أُميتَ موت اللّحم” σαρκί أي “أُميت جسدًا”، منصوبة على التّمييز، بمعنى: بصفته صاحب جسد، بما أنّ الرّوح لا تموت. “وأُحييى” πνεύματι أي “بصفة الرّوح وقوّتها”. ويمكن نقلها إلى العربيّة بشكل أفضل: “أُحييى روحًا”، منصوبة على التّمييز. بكلمات أخرى، كمال الألوهة وتمام الرّوح الإلهيّة الّتي تسكنه بشكل جسديّ (عن قولسّي 2: 9) أقامت فيه أو منه الجسد المائت المصلوب. نقرأ آية مقابلة من رسالة مار بطرس إلى أهل رومة(08: 11): “إذا كان الرّوح الّذي أقام يسوع (أي جسده) من بين الأموات حالاًّ فيكم، فالّذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات يُحيي أيضًا أجسادكم الفانية بروحه الحالّ فيكم”
لفّة ثانية للثّعلب الجهنّميّ: “المعموديّة… معاهدة الله بمضير صالح”؟! أين المشكلة؟
يأتي اللّفّ هنا والدّوران في “تجيير” (لفظة مصرفيّة أساسها إيطاليّ girare) لرفض تعميد الأطفال وسائر القاصرين. يقول المنطق “الثّعلبيّ”: ” بما أنّ المعموديّة (الّتي يرمز إليها فُلك نوح هنا) هي معاهدة الله بضمير صالح، فهذا الكلام لا يصلح للأطفال! هذا صحيح!
ولكنّ الخدعة كلّ الخدعة هي استغلال هذا النّصّ الّذي يكتب عن الكبار البالغين، لإنكار أو تجاهل أو إغفال أحداث وآيات أخرى تؤكّد ضرورة تعميد الأطفال، وإلاّ “لن يروا ملكوت الله” (يوحنّا 3: 3). وهكذا يسعى أولئك الخصوم إلى “نسف” آيات من الكتاب المقدّس بآيات أخرى، كأنّها تناقضها!
في شأن المعموديّة، طلب الربّ أن تُعمَّد” “جميع الأمم”، “بكبارها وصغارها” (متّى 28: 19، أعمال 2: 39، غلاطية 3: 14). العهد من الله والوعد لإبراهيم “ونسله، ونسله هو المسيح” قُطع بدم المسيح في المعموديّة الّتي تقابل الختان وتحلّ محلّه، بحيث يجب أن تُعطى في اليوم الثامن لميلاد كلّ طفلة وطفلة بلا تمييز (غلاطية 3: 27 وتابع). والمعموديّة “ميلاد جديد، من عل، من جديد άνωθεν ، من الماء والرّوح”: يجب أن يتمّ قدر الإمكان بعد الميلاد الأوّل، وإلاّ بقي الطّفل كائنًا “لحميًّا جسديًّا: “فالمولود من اللحم إنّما هو لحم σαρξ”، والأطفال المعمّدون كائنات روحانيّة أو تروحنت.
وفي أعمال الرّسل 2 و 10 و16 و 18 وفي 1 قور 1: 16 عمّد الرّسل والتّلاميذ الأوّلون عائلات بأكملها وجماهير غفيرة، بكبارها وصغارها.
خاتمة
من عِبَر رسالة القدّيس بطرس قيامتنا المعنويّة من خطايانا مع المسيح، بعد توبة نصوح، وتعميدنا لأطفالنا، على أمل قيامة الأجساد الممجّدة!