Liturgical Logo

الدّرهم المفقود، والضالّ الّذي يعود

الأب بيتر مدروس

(خروج 32: 7-14، 1 تيم 1: 12-17، لوقا 15)

“يا موسى انزِل!” (خروج 32: 7وتابع)
أحيانًا نحلّق نحن الإكليروس في الأجواء الرّوحانيّة والخياليّة، في داخل أديرتنا التي تحوّل بعضها إلى “أبراج عاجيّة”، فنكون مجازًا “في واد والناس في واد”، أو نقبع مع رعايانا مسرورين بها وقد نسينا النعاج الضّالّة والكباش المفقودة. يخاطبنا الله: “انزل يا خادم العهد الجديد! لا بمعنى أنك أعلى من البشر ولا “المسيطر على إيمانهم” بنظرة فوقيّة، بل للاطّلاع على الواقع، “والحقّ يحرّرك”. ويوضح الرب لموسى طبيعة المصيبة: “تحت الجبل ضلّ شعبك وعبد العجل!” أساء الحاخاميون فهم عبارة “تحت الجبل” اي عند قدمه وتصوّروا أنّ الله نهض بالجبل فوق رؤوسهم وهدّدهم: “إذا ما حفظتم شريعتي أوقعت هذا الجبل عليكم”.
صحيح أنهم كانوا شعبًا “قاسي الرّقاب” يعبدون إلى أيّامنا “الذّهب” ويعبّدوننا العجل. ولكنهم ليسوا الوحيدين من ناكري الجميل. فمِن معصياتهم بل مِن “كُفرهم بروح القدس” نَسبُهم فعال الله إلى الشيطان أو إلى الأصنام الممثّلة بالعجل. ومع أنهم كانوا شعبًا ذكيًّا مبدئيًّا، غير أنّ الإلحاد والنّمردة والعصيان تحجب الفهم وتطلق العنان للغباوة. لنسمعنّ ما هتف به الشعب العبريّ بخشوع أمام صنم العجل- في غياب العقل عنهم والتقوى والنهى والرٌّشد: ” هذه هي آلهتك (في الجمع) التي أخرجتك من أرض مصر!” بالإضافة إلى الشّرك في عبارة “آلهتك” نجد عندهم “الكُفر” بالمعنى الأصليّ الكنعاني للكلمة اي الإنكار، إنكار جميل الله، وثالثًا نسب أفضاله ومعجزاته إلى “العجل”. وهذا ما يفعل نفر كثير من “العلمانيّين” منذ الثّورة الفرنسيّة على الأقلّ: نسب أفضال الرب يسوع والإنجيل الطّاهر إلى “الجمهوريّة” أو “العلمانيّة” أو “حركات الاستنارة” أو “عصر النّهضة”. على سبيل المثال: ” حرّيّة – مساواة- أخوّة”: ما اخترعها “روبسبيير” بل يسوع المسيح! والعلمانيّة نفسها بالمعنى الجيّد أي فصل السلطة الدينية عن السياسية، ما أتت من عالم ملحد ولا نبوغ دنيويّ بل من عبقرية السيّد المسيح الذي أعلن: “ردّوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله!” وما يُنسب في كتب التاريخ، في الشرق والغرب، إلى غير الكنيسة (وبالذات الكاثوليكية) هو كذب وتورية وخداع وتضليل- أو تكرار غير نقديّ لشائعات: فللكنيسة الكاثوليكية الفضل كل الفضل في أوّل مدارس وأوّل جامعات وأوّل مستشفيات واوّل دور لليتامى وأوّل جمعيّات خيريّة في الغرب. وبالفعل حتى ايامنا، تحتفظ معظم المستشفيات الغربيّة وآلاف المدن والقرى التي بنتها الأديرة- تحتفظ بأسمائها المسيحية الرهبانية. وللكنيسة وخصوصا الرهبان الأيادي البيض في كلّ مجالات العلوم والآداب والفنون. لذا، من الضلال (في العبرية “طاعوت”) “اليهودي الصنميّ” نسب تلك الأفضال إلى غير المسيح والكنيسة. ومع كل ذلك نقرّ بضعف رعاتها ورعيتها البشريّ عبر القرون. والشكر لله الذي حفظ الكنيسة الكاثوليكية، سفينة بطرس، طيلة عشرين قرنًا، “واحدة مقدّسة جامعة رسوليّة” في حين تشتّت غيرها وتفتّت إلى ما لا نهاية…
شفاعة القدّيسين الأحياء والأموات
ينوي الله أن يهلك هذا الشّعب العقوق ولكنّ موسى يتشفع به. هذه هي شفاعة القديسين الأحياء. ويتوسّل بالأولياء الموتى ، الآباء إبراهيم واسحاق ويعقوب، سائلاً الله أن يذكرهم – مع أنّ “عظامهم صارت مكاحل”- للإبقاء على نسلهم. وهذا مثال على شفاعة القدّيسين الأموات أو وجاهتهم لدى الله، ممّا لا ينقص من جلاله شيئًا فهو الإله المكرم لمتّقيه المكلل نعمته بقدّيسيه!

التّوبة – العودة إلى الله ( 1 تيم 1:12-17، لوقا 15)
يعترف مار بولس بخطاياه ويندم عليها ويبالغ بوصف نفسه “أوّل الخاطئين”. وربّما قصد أنّ رفضه الفرّيسيّ لمسيحانيّة يسوع واضطهاده كشاول الطرسوسيّ للكنيسة كانا من أكبر الكبائر. لذا نقول: يا ليت مضطهدي الكنيسة اليوم، في الشّرق والغرب، يندمون ندامة بولس ويتوبون توبته وينقلبون مبشّرين بإنجيل السلام والخلاص بدل أن يدمّروا الشعوب بالحروب ويقتلوا الملايين جسدًا نفسًا بالانفلاتيّة وبإبادة الأطفال غير المولودين وإفساد الزواج وتخريب البيوت العامرة وهم يعبدون العجل الذهبيّ الذي تتراكم عليه الأموال المسبوكة من بيع الأسلحة التي سلعتها الجثث !
وفي الإنجيل الطّاهر يعطينا الرّبّ ثلاثة أمثلة على “الضّياع” : الدرهم المفقود والخروف الضّالّ والابن “الشّاطر”.

من أسباب هجران البيت الوالديّ والضّلال
1- الدّلال أحد أسباب الضّلال!
قد يستنتج المرء من مَثَل “الابن الضّالّ” شيئًا ما ورد فيه صراحة وهو الدلال والدلع “والتجليط” للأولاد خصوصًا الذّكور ولا سيّما أصغر الأطفال! “قال أصغرهما لأبيه: “أعطني نصيبي من الميراث!” بدالّة الابناء المدلعين الدلوعين “المجلوطين” يرفع التكليف ولا يعرف عبارات مثل “لطفًا، من فضلك، رجاء، لو سمحت….” مأساة طريقة مخاطبة كثير من أولادنا لنا، خصوصًا نحن … المسيحيين!
” الصّغير” “الزغنّون” “الزغنّن” (في اللّهجة المصريّة). لماذا “الأصغر”؟ أوّلاً لوفرة الدّلع وشدّة الولع عند الوالدين به “اسم الله عليه، اسم الله عليه!” ويقول اللبنانيّون : “يخزي العين” والفلسطينيون وسواهم: “كلّ شبر بنذر!” الأصغر مثل إنسان اليوم “مستعجل”. يخاف أن ينفق والده وشقيقه الأكبر النقود ف”يخرج هو من المولد بلا حمص”!
2- الانفلاتيّة أو “الفلتان”: في البيت الأبويّ أصول وأخلاقيّات وحدود ورقابة ومحاسبة. وفي الغربة “حرّيّة” فلا حسيب ولا رقيب. هذا من اقوى الدّواعي او الذرائع عند “مسيحيين” خصوصًا في الغرب أن يتركوا الكنيسة التي “تقيّد حرّيتهم”. يريدون الإجهاض، يريدون “الاتحادات الحرّة” حتّى المثليّة ، والكنيسة تقول “لا”. وفي هذا المضمار قيل: “إنّ رفض الوصايا العشر يؤدّي إلى رفض قانون الإيمان”. وكان البابا النابغة بيوس الثّاني عشر يقول: “عندما يفقد البشر معنى الخطيئة يفقدون معنى الله، وبالعكس”.
3- الأوهام حول العالم “خارج البيت”: تخيّل الابن الأصغر أنّ الدّنيا بعيدًا عن الأسرة الطّبيعيّة فردوس دائم وشهر عسل قائم. ويمكن أن نقول مستعينين بأبحاث الدكتور “جراي” Gray: “يهجر كثيرون، حتّى الشباب، الإيمان لابتلاعهم أكاذيب وأوهام وأضاليل من أشدّها أنّ الإيمان المسيحيّ يعادي العقل والعلم. وتشجّع المناهج الدراسية، حتّى في بلادنا، هذه الأكذوبة الضّخمة التي لا شيء يخالف الحقيقة التاريخية مثلها! فللكنيسة، نعم للكنيسة، الفضل معظم الفضل إن لم يكن كلّه، ليس فقط في الروحانيات بل في حفظ أفضل ما جاء في التراث الإغريقي الروماني. وبأبحاث إكليروسها والعلمانيين الذين موّلتهم الكنيسة انطلقت العلوم في شتّى فروعها وأتت الاختراعات والاكتشافات على يد اساقفة وكهنة. ومع أنّ الموضوع يستأهل منّا كلّ عناية، فإنّ المقام به يضيق هنا. ولكن حسبنا أن نعود إلى كتاب القانوني الأب فرانسيس “ريبلي” الذي يعدّد أكثر من ثلاثين اسقفًا وكاهنًا مخترعًا ومكتشفًا، بحيث أنّ الأغلبيّة السّاحقة للعلماء والمكتشفين كانوا من الإكليروس الكاثوليكيّ على الأقل حتى سنة 1850.
وكان قدس الأب المعلّم الراحل د. فيصل حجازين رحمه الله قد وزّع على إدارات المدارس المسيحية ومعلّمي التاريخ كتيّبًا كان للأخت الباحثة الشرف أن تؤلّفه وتصحّح فيه الأخطاء الموجودة في كتب التاريخ المدرسية والجامعيّة. وعنوان الكتيّب “التّاريخ معلّم الحياة”. رحم الله الأب فيصل وأفادنا من غيرته وأبحاث سائر الغيارى!
واليوم في الفاتيكان دائرة حبريّة اسمها “المجلس البابوي للعلوم” وهي دائمة الاتّصال بعالم العلم.

خاتمة
لنتوبنّ إلى الله ف”يتوب تعالى علينا”. وهنا “يتوب” لا تعني، حاشى وكلاّ، أنّ الله يندم بل “يعود إلينا” حسب المعنى الكنعاني والعبريّ للفعل. ولنصلّ بحرارة لعودة الخطأة وسائر الضّالّين كي “تفرح السماء” بعودة خطأة الأرض!