Liturgical Logo

السيد المسيح في شهادة يوحنا المعمدان

الأب لويس حزبون

في الاحد الثالث من زمن المجيء يستهل يوحنا الإنجيلي مقدمة انجيله بشهادة يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 6—8، 19-28)؛ وهذه الشهادة تصف هوية يسوع وشخصه في التاريخ مقارنة مع يوحنا المعمدان استعدادًا لميلاده في قلبنا وعالمنا. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 1: 6—8، 19-28)
6 ظَهَرَ رَجُلٌ مُرسَلٌ مِن لَدُنِ الله اِسْمُه يوحَنَّا “:
تشير عبارة “ظهر” في اليونانية “Ἐγένετο ” الى معنى كان. على عكس فعل “كان” في اليونانية ἦν الذي ورد في الآية الاولى “كان الكلمة” (يوحنا 1: 1) حيث أنه جاء في صيغة فعل الكينونة، بمعني أنه كائن أزلي غير مُحدَّد بزمن معين. ويعلق القدّيس غريغوريوس الكبير “إن كان المسيح أعظم منّي، برغم أنّه ولد من بعدي، فذلك لأنّ وقت ولادته لا يحصره في حدود معيّنة. فهو ولد من أمّ في الزمن، لكنّه مولودٌ من الآب قبل الدهور وخارج الزمن”. والجدير بالذكر اننا لا نجد خبر طفولة يسوع في إنجيل ويوحنا كما إننا لا نجده ايضا في إنجيل مرقس. كل شيء يبدأ في هذين الإنجيلين برسالة يوحنا المعمدان وذلك نحو ثماني وعشرين او نحو ثلاثين سنة بعد مولده. أمَّا عبارة ” رَجُلٌ مُرسَلٌ مِن لَدُنِ الله ” فتشير الى الإرسالية ذاتها، وغايتها الشهادة لشخص الكلمة الإلهي بكونه النور المُشرق على الجالسين في الظلمة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” إذا سمعت أن يوحنا مُرسل من الله فلا تظن أنه يتكلم بأقواله، لكنه إنما يتكلم أقوال مرسله، ولهذا ُسمى ملاكًا كما ورد في سفر ملاخي النبي “هاءَنَذا مُرسِلٌ رَسولي فيُعِدُّ الطَّريقَ أَمامي، ويَأتي فَجأَةً إِلى هَيكَلِه السَّيِّدُ الَّذي تَلتَمِسونَه، ومَلاكُ العَهدِ الَّذي تَرتَضونَ بِه.”(ملاخي 3: 1)، وفضيلة الملاك ألا يقول قولًا من ذاته”. أمَّا عبارة ” يوحَنَّا ” فتشير الى الصيغة العربية في اسفار العهد الجديد للترجمة اليونانية Ἰωάννης وهي لفظة مشتقة من العبرية יוֹחָנָן ومعناها الله حنون. “يوحنا” المقصود به هو يوحنا المعمدان، ابن زكريا الشيخ وزوجته اليصابات، دُعي وكُرَّس منذ ولادته ليكون سابق المسيح (لوقا 1: 5-25) وكان أبواه يسكنان اليهودية في يطّا، مدينة الكهنة، وهي إحدى قرى منطقة الخليل. وكانت ولادته قبل ولادة المسيح بستة أشهر (لوقا 1: 26) في قرية عين كارم بحسب التقاليد. ودُعي القديس يوحنا المعمدان رسولًا أو ملاك الله (ملاخي ٣: ١). ولم يذكر عنه الكتاب المقدس أنه صنع معجزة ما، لكنه شهد للحق، وجذب الكثيرين للتوبة بحياته الجادة وشهد للمخلص يسوع المسيح.
“7جاءَ شاهِداً لِيَشهَدَ لِلنَّور فَيُؤمِنَ عن شَهادتِه جَميعُ النَّاس”:
تشير عبارة ” شاهِداً” الى يوحنا المعمدان اما يوحنا الإنجيلي فهو الشاهد (يوحنا 21: 24). أمَّا فعل “لِيَشهَدَ ” فقد ورد 33 مرة في انجيل يوحنا ومرة واحدة في انجيلي متى ولوقا، ولم يرد في إنجيل مرقس. ويوحنا المعمدان يشهد بما “رأى وسمع” (يوحنا 3: 32). وهذا الامر حدث خاصة عند عماد يسوع ” وشَهِدَ يوحَنَّا قال: ((رَأَيتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ كأَنَّه حَمامَة فيَستَقِرُّ علَيه. وأَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنَّ الَّذي أَرسَلَني أُعَمِّدُ في الماءِ هو قالَ لي: إِنَّ الَّذي تَرى الرُّوحَ يَنزِلُ فيَستَقِرُّ علَيهِ، هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس. وَأَنا رأَيتُ وشَهِدتُ أَنَّه هو ابنُ الله ” (يوحنّا 1: 32-34).
لم يكن المسيح بحاجة إلى من يشهد له، فهو شاهد لنفسه بنوره، إنما كان يوحنا السراج الحامل لنور المسيح فيه. أمَّا عبارة ” شَهادتِه ” فتشير الى شهادة يوحنا المعمدان، هي شهادة بشرية الهية، شهادة لا يقوم بها البشر الاَّ بدعوة يخصُّهم الله بها. وهذه الحال في دعوة الأنبياء، (أشعيا 55: 4). ودعوة الرسل والكهنة (اعمال الرسل 1: 8). فالشهادة تقوم على معرفة ومسؤولية لإعلان حقيقة وتفنيد الكذب والزور. وقد وردت لفظة شهادة 14 مرة في انجيل يوحنا، ولم ترد في انجيل متى، ووردت ثلاث مرات في انجيل مرقس، ومرة واحدة في انجيل لوقا. ومن هذا المنطلق هذه الشهادات كثيرة للمسيح كشهادة الآب (يوحنا 5: 31)، وشهادته لنفسه (يوحنا 8: 14)، وشهادة الروح القدس (يوحنا 15: 26)، وشهادة أعمال المسيح (يوحنا 5: 36)، وشهادة يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 7)، وشهادة التلاميذ (يوحنا 15: 27)، ونستنتج من هذه الشهادات انَّ ما يشغل ذهن الإنجيلي يوحنا هو الإعلان عن شخص السيد المسيح، حتى نؤمن به، فنتمتع به نورًا لنا في هذا العالم، ومجدًا في الحياة الأخرى.
8 لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور”:
تشير عبارة “النور” الى يسوع الذي ” يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم ” (يوحنا 1: 9)، حيث صرّح يسوع بقوله “أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة” (يوحنا8: 12)، وفي موضع آخر يقول “جِئتُ أَنا إِلى العالَمِ نوراً فكُلُّ مَن آمَنَ بي لا يَبْقَى في الظَّلام.” (يوحنا 12: 46). المسيح هو النورُ الأزليّ، النورُ الذي لا زمنَ له، والذي ظهرَ في الزمنِ، ظهرَ في جسدِه وخَفِيَ في طبيعتِه، النورُ الذي أحاطَ بالرعاةِ، وقادَ المَجُوسَ في الطريق. وحيث ان يسوع هو النور، الذي لا يعرف الظلمة، وحياة لا تعرف الموت، ومحبة موجهة إلى كلّ شخص على وجه الأرض دون تمييز. علينا ان نسير في النور والسير في النور يعني مشاركة بعضنا مع بعضا كما يقول يوحنا الرسول ” وأمَّا إِذا سِرْنا في النُّور كما أَنَّه هو في النُّور فلَنا مُشارَكةٌ بعضُنا مع بَعض “(1 يوحنا 1: 7)، فلا مشاركة لله بدون مشاركة لإخوتنا. أمَّا عبارة “جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور” فتشير إلى ان يوحنا المعمدان لا يدعو التلاميذ إليه، بل الى يسوع، والى الايمان به حيث ظنَّ بعض التلاميذ انَّ يوحنا هو المسيح الذي يؤمنون به. وفي الواقع، يوحنا هو الشاهد للنور، لا النور، هو الشاهد للمسيح، لا المسيح نفسه، يوحنا رفيق العريس، لا العريس (يوحنا 3: 29). ويُعلق القدس اوغسطينوس ” هكذا كان يوحنا نورًا، لكنه لم يكن النور الحقيقي، لأنه لو لم يستنر لكان فيه ظلمة، لكنه بالاستنارة صار نوراً”.
19 “وهذه شَهادَةُ يوحَنَّا، إِذ أَرسَلَ إِلَيه اليَهودُ مِن أُورَشَليمَ بَعضَ الكَهَنَةِ واللاَّوِيّينَ يَسأَلونَه: ((مَن أَنتَ؟))
تشير لفظة “اليهود” التي وردت 70 مرة في انجيل يوحنا الى الخارجين من سبط يهوذا بحسب اشتقاقها، لكنها أطلقت بعد السبي على كل الأمة الإسرائيلية، لأن الراجعين إلى بلادهم، بعد السبي، كان اغلبهم من سبط يهوذا. وفي انجيل يوحنا تدل هذه اللفظة على أعضاء شعب إسرائيل (يوحنا 3: 25)، ولكنها تدل في اغلب الأحيان على الفئة المتعصبة والمعادية للمسيح التي قامت بصلبه. وبهذا المعنى تصف هذه الكلمة خاصة السلطات القائمة (يوحنا 2: 1-8) الذين يرفضون المسيح. ولفظة اليهود هنا جاءت للدلالة على الوفد الذي ارسله المجلس الأعلى للتحقيق في نشاط المعمدان، ذاك الانسان الذي لم يسمح له أحد بان يعلم. أمَّا عبارة “بَعضَ الكَهَنَةِ واللاَّوِيّينَ” فتشير الى قسم من اعضاء مجمع السنهدريم اليهودي الذين كانوا يستمدُّون سلطتهم من وظيفتهم الدينية. وكانوا يقومون بخدمة الهيكل. وكان مجمع السنهدريم مؤلفاً في أُورُشَلِيمَ من واحد وسبعين شيخاً، يرأسهم عظيم الكهنة. وأعضاؤه يؤلفون من ثلاث فئات: فئة “رؤساء الكهنة” من المتقاعدين القائمين بالخدمة الكهنوتية من العائلة الكهنوتية العليا؛ وفئة “شيوخ الشعب” وهم خدام الهيكل من اللاويين؛ وهم من قبيلة لاوي الذين ارتبطوا بالهيكل وبشعائر العبادة (عدد 3: 17-37) كما اهتموا بالتعليم، وبهذه الصفة أرسلوا الى يوحنا المعمدان. وفئة “الكتبة” وهم علماء الشريعة وأحكامها المختصّون رسمياً للتعليم بها. وبالإجمال كان هذا المجمع اليهودي صورة لمجلس الشيوخ القديم (عدد11: 16). هذه هي المرة الوحيدة، التي وردت فيها كلمتا “كهنة ولاويين” متَّحدتين معاً في العهد الجديد. لما انجذبت جماهير غفيرة الى يوحنا، اهتز مجلس السنهدريم خاصة كانت الافكار مشبعة وقتئذ بانتظار المسيح الموعود به في الأنبياء، وخاصة أن بعضاً ظنه المسيح المنتظر؛ فأرسلوا وفداً ليحقِّقوا في نشاط يوحنا المعمدان، ذاك الانسان الذي لم يسمح له أحد بأن يعلم فيحكموا بأمره. وقد جاء في “المشنا” أن محاكمة أي نبي كاذب هو من اختصاص مجلس الواحد والسبعين (سنهدريم1: 5). وباختصار فإننا نجد شهادة يوحنا المعمدان أمام وفد السنهدريم (يوحنا 1: 19-28). وهي نقطة فاصلة في رسالة يوحنا المعمدان. وأمَّا سؤال “من أنت؟” فتشير الى استجواب وفد مجلس السنهدريم الذي يحوم حول شخصية المعمدان، كي يتوصلوا من خلالها لمعرفة شخصية المسيح المنتظر.
20″فاعتَرفَ ولَم يُنكِرْ، اِعتَرَفَ: “لَستُ المسيح”:
تشير عبارة ” فاعتَرفَ ولَم يُنكِرْ، اِعتَرَفَ ” الى ثلاث كلمات، الكلمتان الواقعتان في الطرفين هما إيجابيتان والكلمة المركزية سلبية. وذكرت الكلمات الثلاث معاً تأكيداً على صراحة وصدق شهادة يوحنا المعمدان حيث ان اظهر استعداده باعترافه، وبعدم إنكاره، وباعترافه قدَّم برهاناً قاطعا على شهادته. وهي شهادة رسمية أمام وفد رسمي. كان جواب يوحنا المعمدان جواباً صريحاً قاطعاً. كل هذا التأكيد لأن جماعة من تلاميذ يوحنا ظلت تؤمن به وترفض المسيح. ( ( اعمال الرسل 13: 25، يوحنا 1: 19). وأمَّا عبارة “لَستُ المسيح” فتشير الى جواب يوحنا المعمدان الذي بلغ به قمة التواضع، وأظهر حقيقة أمره. إن شهادة يوحنا المعمدان هي غُرَّة تاريخ الإنجيل، إذ هي أول مرة سمع فيها رؤساء اليهود كلمة البشارة (الإنجيل) مواجهة. أمَّا عبارة ” المسيح ” فتشير بالنسبة الى اليهود المسيح المنتظر بمعناه القومي والسياسي، أمَّا في المسيحية فيدل على ان يسوع هو المسيح ويوحي بما لسيادته من طابع إلهي كما جاء في عظة بطرس الرسول الأولى ” فَلْيَعْلَمْ يَقينًا بَيتُ إِسرائيلَ أَجمَع أَنَّ يَسوعَ هذا الَّذي صَلَبتُموه أَنتُم قد جَعَلَه اللهُ رَبًّا ومَسيحًا ” (اعمال الرسل 2: 36). فالمسيحي هو في آن واحد إنسان أصله معروف (يوحنا 6: 42) / وان الله أصله السماوي يخفى على البشر. هنا نجد صدى مجادلات بين اليهود والمسيحيين طوال القرن الأول ” على أَنَّ هذا نَعرِفُ مِن أَينَ هو، وأَمَّا المسيح فلا يُعرَفُ حينَ يأتي مِن أَينَ هو ” (يوحنا 7: 27).
21 فسأَلوه: ((مَن أَنتَ إِذاً؟ أَأَنتَ إِيلِيَّا؟)) قال: ((لَستُ إِيَّاه)). ((أَأَنتَ النَّبِيّ؟)) أَجابَ: ((لا! ))” :
تشير عبارة ” مَن أَنتَ إِذاً؟ ” الى سؤال وفد السنهدريم عن هوية يوحنا المعمدان؛ أمَّا سؤال ” أَأَنتَ إِيلِيَّا؟” فتشير الى اعتبار اليهود أن إيليا لم يمتْ (2ملوك 2: 11)، وأنه يعود ليعلن نهاية العالم (ملاخي 3: 23)، وليُعد الشعب للقاء المسيح بلم شمله في الوحدة والأمانة (متى 17: 11) ويَحضّ الناس مرة أخيرة على التوبة قبل الدينونة العامة (متى 11: 14)؛ وكان الكتبة يعلمون أن إيليا ينبغي أن يأتي قبل المسيح (متى17: 10). وهذا الاعتقاد الخاطئ ناشئ عن سوء فهم سفر ملاخي (4: 5). ولقد جاء في التلمود انه سوف يظهر إيليا قبل المسيح. هناك مجيء أول (ملاخي 1:3) يسبقه فيه المعمدان، ومجيء ثانٍ (ملاخي 5:4) يسبقه فيه إيليا، فأشار يسوع لمجيء المعمدان كسابق له في مجيئه الأول ولكن بروح وقوة إيليا واكتفى بذلك. ويعلق القديس أوغسطينوس “لو أنه قال: “أنا إيليا” يكون ذلك بمعنى أن المسيح قادم فعلًا في مجيئه الثاني للدينونة، وليس في مجيئه الأول ليُحاكم… لقد جاء كرمزٍ (لوقا 1: 17) حيث يأتي فيما بعد إيليا بشخصه اللائق به، أما الآن ففي شبهه (بروحه) جاء يوحنا”. اما عبارة “لَستُ إِيَّاه” فتشير الى جواب يوحنا الجريء والصريح في قوله “لست أنا” أي لست شخص إيليا بالذات بحسب ما كان يقصد به المستجوبون. الانجيل يتكلم هنا مجازياً قاصداً “روح” إيليا لا “ذات” إيليا وذلك بحسب قول الملاك لزكريا عن ابنه يوحنا ” يَسيرُ أَمامَه وفيهِ رُوحُ إيليَّا وَقُوَّتُه” (لوقا 1: 17). وأمَّا سؤالهم “أَأَنتَ النَّبِيّ؟ فلا شك أنهم قصدوا “النبي” الذي تنبأ عنه موسى بقوله ” يُقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثْلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتكَ، فلَه تَسْمَعون” (تثنية الاشتراع 18: 15)، وهذه النبوة استخدمها بطرس (اعتمال الرسل 3: 22) واسطفانس (اعمال الرسل 37:7). وكان انتظار نبي في الازمنة الأخيرة، الذي ما بعده نبي، منتشراً في البيئات اليهودية. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” لم يقولوا ليوحنا: أنبي أنت؟ أي هل أنت واحد من الأنبياء؟ لكنهم سألوه قائلين “ألنبي أنت؟” بإضافة أداة التعريف. بمعنى هل أنت النبي الذي سبق موسى فأخبر عنه (تثنية الاشتراع 18: 15)؟ أنكر هذا المعنى، ولم ينكر أنه نبي، لكنه أنكر أنه هو ذاك النبي “. وكان من المعتقد لدى الكثيرين ان النبوءة ستعود إلى الظهور مع مجيء المسيح (يوئيل2: 28؛ وملاخي 3: 1). أمَّا كلمة “لا” فتشير “لا النافية” فتدل على جواب يوحنا الصريح القاطع. نفى يوحنا ان يكون النبي المنتظر على مثال موسى. وقد استنتج بعضهم خطأ، أن ” النبي” هو ذاك الذي ظهر في بلاد العرب في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع بعد الميلاد. ويظهر بطلان هذا الاستنتاج من سؤال هؤلاء الفريسيين أنهم كانوا يقصدون نبياً يأتي قبل المسيح ليهيئ الطريق له، وأمَّا نبي العرب فقد ظهر بعد المسيح. وواضح ايضا أن نبي العرب ظهر للعرب لا لليهود، ولم يستمع اليهود لرسالته. أمَّا المسيح فقد قيل فيه عند المعمودية: ” هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيب، فلَهُ اسمَعوا”. (مرقس9: 7). ومما يسترعي الانتباه في هذه الآية أن جواب يوحنا كان في كل مرة يزداد اقتضاباً واختصاراً فمن قوله ” لَستُ المسيح “. إلى قوله ” لَستُ إِيَّاه “، إلى قوله “لا”. فشهادة يوحنا تُعلن انه ليس المسيح او ايليا او النبي الذي تنبأ عنه موسى.
22 فقالوا له: ((مَن أَنتَ فنَحمِلَ الجَوابَ إِلى الَّذينَ أَرسَلونا؟ ماذا تَقولُ في نَفسِكَ.”
تشير عبارة “مَن أَنتَ فنَحمِلَ الجَوابَ إِلى الَّذينَ أَرسَلونا؟ ماذا تَقولُ في نَفسِكَ ” الى استمرار رؤساء اليهود بالضغط على يوحنا المعمدان ليقول من هو، لان الشعب كان ينتظر مجيء المسيح “وكانَ الشُّعبُ يَنتَظِر، وكُلٌّ يَسأَلُ نَفسَه عن يوحَنَّا هل هو الـمَسيح”(لوقا 3: 15)؛ الاَّ ان يوحنا ركّز فقط على سبب مجيئه وهو إعداد الطريق امام المسيح.
23 قال: ” أَنا صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: قَوِّموا طَريقَ الرَّبّ. كَما قالَ النَّبِيُّ أَشَعْيا”:
تشير عبارة ” أَنا صَوتُ ” الى إعلان يوحنا انه ليس سوى ” صَوتُ ” ومهمته الإعداد لمجيء المسيح القريب. نفى يوحنا ان يكون إيليا بذلك صرّح المعمدان أن له شخصية مستقلة عن الأنبياء السابقين، إنما قال، بكل تواضع وإخلاص، بأنّه لم يكن سوى صوت يعرض على الناس الاستعداد لوصول الملك والمسيح الربّ الممسوح. ويعلق العلامة أوريجانوس “يوحنا الذي يشبه الصوت في علاقته بالمسيح الذي هو الكلمة”. وأمَّا عبارة ” مُنادٍ ” باليونانية βοῶντος معناه صارخ فتشير الى الذي يتقدم طليعته صارخاً “هوذا الملك القادم! فأعدوا الطريق أمامه”. ويعلق العلامة أوريجانوس “ماذا يعني بالصراخ. إنه لا يعني الصوت الخارجي المرتفع أو الصياح، لكنه يتكلم مع الله والناس بلغة الروح التي يسمعها الله حتى وإن صمت اللسان، والتي تخترق قلوب الناس. ولهذا يقول أيضًا داود: ” إِلى اللهِ صَوتي فأَصرُخ إِلى اللهِ صَوتي فإِلَيَّ يُصْغي” (مزمور 76: 2). أما عبارة ” أَنا صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة”. فتشير الى جواب يوحنا المعمدان مقتبساً جوابه من اشعيا النبي “صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: َعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ وآجعَلوا سُبُلَ إِلهِنا في الصَّحْراءِ قَويمة” (اشعيا 40: 3)، لم يصرح اشعيا النبي عن اسم صاحب هذا الصوت. لكن يوحنا المعمدان طبّق هذه النبوءة على رسالته في دعوة الشعب الى التوبة، استعدادا لمجيء المسيح. أراد الفريسيون ان يعرفوا من هو يوحنا، أمَّا يوحنا فأراد ان يعرِّفهم من هو يسوع المسيح، وهذه هي شهادة المعمدان بحقيقة رسالته ودوره. جاء يتمم ما ورد في الكتب، وأنه يحمل سلطانًا إلهيًا كسابقٍ للمسيح، يُهيِّئ له الطريق. أمَّا عبارة ” البَرِّيَّة ” فتشير الى برية اليهودية التي تبعد نحو 32 كم عن القدس، عند هضبة قريبة من نهر الأردن حيث عاش يوحنا صباه كما جاء في انجيل لوقا (لوقا 1: 80)؛ وللبرية رنة عميقة. هناك عاش شعب العهد القديم بداية مسيرته مع الرب. والى هناك أراد الرب ان يُعيد شعبه كما قال الرب على لسان الني هوشع “هاءَنَذا أَستَغْويها وآتي بِها إِلى البَرِّيَّةِ وأُخاطِبُ قَلبَها” (هوشع 2: 16). أمَّا عبارة ” قَوِّموا طَريقَ ” فتشير الى عادة مألوفة حيث يذهب الملك إلى مكان وعر يعبدون له الطريق وذلك برفع الأماكن الواطئة وإزالة المرتفعة. وروحياً فالأماكن الواطئة تشير الى الكذب والأنانيّة والازدواجيّة والأماكن العالية تشير للكبرياء والتعلق بعظمة العالم. وبدون هذا وذاك نعد الطريق للرب ليسكن في حياتنا.
“24وكانَ المُرسَلونَ مِنَ الفِرِّيسِيِّين”:
عبارة “الفريسيون” في اليونانية Φαρισαῖος للفظة العبرية הַפְּרוּשִׁים (أي المفروزن) الين يطلقون على أنفسهم هاسيديم أي الاتقياء) تشير الى حزب ديني محافظ وقد انفصل عن الشعب وتعلق بشريعة موسى كما تعلق بالشريعة غير المكتوبة أي تقليد الشيوخ (متى 15: 2)، وهم وجزء من السنهدريم المسؤول عن الحالة الروحية للامة اليهودية، وهم غير حزب الصدوقيين. وكثيرا ما ندَّد كل من يسوع المسيح ويوحنا المعمدان بهؤلاء الفريسيين. وكان الكثيرون منهم يطيعون شرائع الله ظاهريا كي يظهروا للناس انهم اتقياء، لكن قلوبهم كانت مملؤة من الكبرياء والجشع (متى 5: 20). وقد جاءوا لرؤية يوحنا لتقصي الحقائق حول هويته وكان في اذهانهم اربعة احتمالات وهي: هل المعمدان هو النبي الذي سينطق بكلمات الله (تكوين 18: 15)، او إنه ايليا (ملاخي (4:5)، او انه المسيح المنتظر او انه نبي كذاب؟
25″فسَأَلوهُ أَيضاً: “إِذا لم تَكُنِ المسيحَ ولا إِيلِيَّا ولا النَّبِيّ، فلِمَ تُعَمِّدُ إِذاً؟ ” :
تشير عبارة ” المسيح” في اليونانية Χριστός مشتقة من العبرية הַמָּשִׁיחַ المشيح، الذي أنبأ به الأنبياء ومهّدوا له السبيل، ومنهم يوحنا المعمدان، والمسيح في الأصل هو الممسوح بالزيت من اجل خدمة معينة. ويُمسح الملك (1 صموئيل 16: 10) والكاهن (خروج 40: 13-15) والنبي، ولكن الشعب لم ينتظر مسيحا مثل سائر المسحاء، بل انتظر المسيح. وفي المسيحية، المسيح هو الكلمة المتجسدة والمتألم والقائم من بين الأموات وهو ابن الله. أمَّا عبارة ” فلِمَ تُعَمِّدُ إِذاً؟ ” فتشير إلى تعصب الفريسيين الديني لدرجة أنهم خرجوا عن حدود مهمتهم التي انتدبوا لها، فبدلاً من الاكتفاء من استجوابهم المعمدان عن شخصه، شرعوا يستجوبونه عن معموديته، لأنه بعمَّاده اليهود القادمين بالتوبة يكون قد تعامل معهم كمن هم من الأمم الوثنيين. “وكانَتْ تَخرُجُ إِليهِ أُورَشليم وجَميعُ اليهوديَّةِ وناحيةُ الأُردُنِّ كُلُّها، فيَعتَمِدونَ عَنِ يدِهِ في نَهرِ الأُردُنِّ مُعتَرِفينَ بِخَطاياهم” (متى 3: 5-6) وعندما سأل الفريسيون يوحنا بأي سلطان كان يعمد، فهم إنما كانوا يتساءلون “لماذا تعامل شعب الله المختار مثل الأمميين؟ حيث كان العماد شائعًا جدًا بين اليهود، إذ كانوا يعمدون الداخلين إلى الإيمان اليهودي لكي يتمتع الدخيل بكمال الحقوق التي للمؤمن. وحيث أن معموديته جرحت كبريائهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن المعمودية هي الباب الذي منه يدخل الأمم إلى الدين اليهودي ولعلَّهم استنتجوا مما جاء في حزقيال “أَرُشُّ عليكم ماء طاهِرًا، فتَطهُرونَ مِن كُلِّ نَجاسَتِكم، وأُطَهِّرُكم مِن جَميعِ قَذاراتِكم” (حزقيال 36: 25). أنه لا بد من معمودية مميّزة يقوم بها “المسيح” أو النبي الذي يهيئ الطريق له، لذلك سألوه قائلين: “فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح، ولا إيليا، ولا النبي”؟
26″أَجابَهُم يوحَنَّا: ((أَنا أُعَمِّدُ في الماء، وبَينَكم مَن لا تَعرِفونَه”:
تشير عبارة ” أَنا أُعَمِّدُ في الماء ” الى تأكيد يوحنا أن طقس معموديته كان تطهيريا. فهي إذاً معمودية رمزية، تمهيدية، جسدية، وقتية وخارجية للتوبة. لكن معمودية المسيح بالروح القدس وهي معمودية جوهرية، داخلية، روحية ودائمة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “معمودية يوحنا هي مجرد ظل وصورة. لكن يأتي من يضيف إليها الحقيقة.” أمَّا عبارة “بَينَكم مَن لا تَعرِفونَه” فلا تشير الى عدم معرفة شخص يسوع من حيث انه شخص بشري، بل عدم معرفته من حيث انه المسيح المنتظر، ابن الله بالجوهر، والذات، والطبيعة. فهو صورة الله غير المنظور. وهو بهاء مجده. ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته. ويعلق القدّيس غريغوريوس الكبير” قد باح يوحنّا بسرٍّ حين كشف أنّ الرّب يسوع المسيح موجودٌ بين البشر وهم لا يعرفونه، لأنّ الربّ لمّا اتّخذ جسمًا، صار له جسدٌ مرئيٌّ للبشر بينما احتجب مجده الإلهي “. لم يأت المسيح بمظهر الملوك، بل جاء وضيعاً، “لا صورَةَ لَه ولا بَهاءَ فنَنظُرَ إِلَيه ” (اشعيا 53/3)، جاء يعمِّد بالروح القدس لمغفرة الخطايا؛ وهو دور لا يقدر سوى ابن الله، المسيح على إدائه وإتمامه. وكم كان جارحاً لهم أن يسمعوا من فم المعمدان هذه الكلمة: ” لا تَعرِفونَه “، في وقت كانوا يدعون فيه أنهم “حملة مفاتيح المعرفة”؛ والحقيقة فإن المسيح الذي تبحثون عنه هو بَينَكم الآن ولكنكم لا تعرفونه. هذه الكلمات تذكرنا بكلمات حزقيال النبي ” يا ابنَ الإِنْسان، أَنتَ ساكِنٌ في وَسْطِ بَيتِ تمَرُّد، لَهم عُيونٌ لِيَرَوا ولا يَرَون، ولَهم آذان ليَسمَعوا ولا يَسمَعون، لأَنَّهم بَيتُ تَمَرّد” (حزقيال 12: 2). وكم من المرات يكون المسيح في وسطنا ونحن لا نعرفه “جاءَ إِلى بَيتِه. فما قَبِلَه أَهْلُ بَيتِه” (يوحنا 1: 11) إما لخطية فينا، أو لقساوة قلوبنا، أو بسبب الظلمة في عيوننا. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “يا للعجب إنه خالق العالم بقدرته، وقد نزل إليه ليحلَّ في وسطنا، ويبعث بنوره إلينا وفينا، لكن العالم الشرير رفضه، مفضلًا جهالة الظلمة عن معرفة النور”. يُدعى الأشرار “العالم”؛ يُدعى غير المؤمنين “العالم”. أخذوا هذا الاسم من ذاك الذي يحبون أي الشرير.
27″ذاكَ الآتي بَعدِي، مَن لَستُ أَهلاً لأَن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه.”:
تشير عبارة “ذاكَ الآتي بَعدِي” الى ان يوحنا الذي ولد تاريخيا وبشريا قبل يسوع، ويسوع جاء بعده في التاريخ، لكن يسوع يفوقه على الاطلاق في أصله ورسالته الإلهية “لأنه إله مولود من إله، مولود من الآب قبل الدهور ” (يوحنا 1: 15). في الموكب الرسمي الأخير هو الأهم. أمَّا عبارة ” لَستُ أَهلاً ” فتشير الى عدم استحقاق يوحنا ان يكون عبدا للمسيح، أمَّا المسيح فيقول عنه إنه “لَيسَ في أَولادِ النَّساءِ أَكبَرُ مِن يوحنَّا”(لوقا 7: 28). فإن كان المعمدان الانسان العظيم قد أحس بعدم استحقاقه أن يكون عبداً للمسيح، فكم بالحري يجب علينا ان نُنْحي كبرياءنا جانبا لنخدم المسيح. أمَّا عبارة ” أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه ” فتشير الى وصف يوحنا المعمدان مقامه تجاه المسيح، وهو مقام الخادم الوضيع. جاء في التلمود ان التلميذ يجب أن يقوم لمعلمه بكل الخدمات التي يقوم بها الخادم لسيده ما عدا ان يفكَّ رِباطَ حِذائه سيِّده. ويوحنا بقوله هذا كأنه يقول أنا لست مستحقًا أن أكون تلميذًا للمسيح بل خادمًا له. وبهذا الامر يتبرأ يوحنا المعمدان من ادعاء أي سلطان وكرامة شخصيين، ويشهد باستحقاق وفضل المسيح الذي هو الآن حاضر. ويعلق القديس اوغسطينوس ” ظهر تواضع يوحنا المعمدان عظيمًا. عندما يقول إنه غير مستحق لفعل هذا. إنه كان حقاً مملوءً من الروح القدس الذي به عرف كخادم سيده، وتأهل أن يكون صديقًا عوض خادم “. توخّت شهادة يوحنا ان تعلن تفوق يسوع على يوحنا المعمدان، تجاه بعض الجماعات التي ظلت ترتبط بيوحنا المعمدان (اعمال الرسل 19: 3). وقد اكّد بولس الرسول تفوّق ذلك بقوله “إِنَّ يوحَنَّا عَمَّدَ مَعمودِيَّةَ تَوبَة، داعِيًا الشَّعبَ إِلى الإِيمانِ بِالآتي بَعدَه، أَي بِيَسوع ” (اعمال الرسل 19: 4).
28 وجَرى ذلك في بَيتَ عَنْيا عِبْرَ الأُردُنّ، حَيثُ كانَ يوحَنَّا يُعَمِّد”:
تشير عبارة “بَيتَ عَنْيا” اسم ارامي בֵּית־עַנְיָה معناه “بيت البؤس او البائس. ليس المقصود بها هنا قرية لعازر القريبة من اورشليم (يوحنا 11: 1) المعروفة حاليا باسم العيزرية، انما “بيت عّبْرة” كما قد ورد اسمها في بعض المخطوطات القديمة. وبيت عبرة اسم عبري בֵית הָעֲרָבָה معناه “بيت المخاضة” اي مكان ضحل الماء يخوضه النَّاس مشاةً أو رُكابا لقلة عمق مياهه، والعبرة وهو اسم مدينة تقع على الضفة الشرقية لنهر الاردن حيث يظن انه موضع المخاضة التي عبر فيها العبرانيون النهر ايام يشوع.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 1: 6—8، 19-28)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 1: 6—8، 19-28)، نستنتج انه يتمحور حول شهادة يوحنا حول هوية يسوع في التاريخ وبدء خدمته.
أولا: هوية يسوع في التاريخ في شهادة يوحنا المعمدان:
تستهل مقدمة الانجيل يوحنا بشهادة يوحنا المعمدان التاريخية، فقد بشّر يوحنا المعمدان بمجيء يسوع كلمة الله المتجسد، وأكَّد خضوعه “للكلمة” يسوع الذي ينبغي ان تكون له الاولوية. واخذ يشهد للنور وبشهاديته قاد الناس الى إيمانٍ حيٍ في الشخص الآتي يسوع المسيح (يوحنا 1: 6-7).
(1) يوحنا المعمدان لم يكن النور
اعترف يوحنا بحقيقة امره وميّز بين المسيح وبين ذاته واعتَرفَ أنَّه ليس المسيح. وكان يوحنا المعمدان متواضعا يحبّ ربّه أكثر من نفسه، وتمنّى أن يصغر حتّى يكبر يسوع. “لا بُدَّ له مِن أَن يَكبُر. ولا بُدَّ لي مِن أن أَصغُر” (يوحنا 3: 30). وكان يجتهد في أن يُزيد مجد الرّب يسوع المسيح بجعل نفسه أصغر، مؤكّدًا بتصرّفه هذا ما قاله الرسول بولس: “فلَسْنا نَدْعو إِلى أَنْفُسِنا، بل إِلى يسوعَ المسيحِ الرَّبّ. وما نَحنُ إِلاَّ خَدَمٌ لَكم مِن أَجْلِ يسوع” (2 قورنتس 4: 5).
أعترف يوحنا أنه “لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور” (يوحنا 1: 8). يوحنا هو شاهد للنور، ويسوع هو النور (يوحنا 1: 7). يوحنا ليس مصدر نور الله لكنه يعكس فقط ذلك النور. ان المسيح اختاره لكي ينعكس نوره على العالم غير المؤمن، فدور يوحنا ليس ان يقدم نفسه الى الآخرين على انه النور، بل يوجِّههم الى المسيح النور الحقيقي.
يوحنا صوت الكلمة (يوحنا 1: 23)، ويسوع هو الكلمة (يوحنا 1: 1). وإن معرفة الكلمة المتجسد، المسيح يسوع، تهدي جماعة المؤمنين الى الاشتراك على وجه يزداد في فيض الخيرات الروحية الذي فيه وبه وحده “فمِن مِلْئِه نِلْنا بِأَجمَعِنا وقَد نِلْنا نِعمَةً على نِعمَة” (يوحنا 1: 16).
يوحنا هو نبيء، ويسوع هو المسيح المنتظر. يوحنا هو انسان، يسوع هو الله. يوحنا هو الخادم الذي يصغي ويطيع، ويسوع هو السيد والمعلم، يوحنا هو رفيق العريس، ويسوع هو العريس (يوحنا 3: 29). يوحنا يعمّد بمعمودية الماء، ويسوع يعمِّد بمعمودية الروح القدس والنار. يوحنا هو الشاهد للمسيح، ويسوع هو المسيح المشهود له، “حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يوحنا 1/29). أكان يوحنا يشير إلى حمل الله الذي رمز الحمل الذي قُدِّم بدل اسحق (تكوين 22: 13) أم إلى الذي رمز إليه حمل الذبيحة اليومية (خروج 29: 48)؟ أم إلى الذي أشار إليه حمل الكفارة ويوم الفصح؟ (الخروج 2: 12 و13). يسوع المسيح هو حمل الفصح الذي يرمز الى فداء الشعب كما يرمز الى عبد الرب المتألم الذي يخلص شعبه بآلامه وموته من خطايا العالم مهما امتدت في الزمان والمكان كما ورد في اشعيا (اشعيا 52: 13-53: 12). “بدون سفك دم لا تحصل مغفرة”. ومن هنا انطلقت أنشودة المسيحية الخالدة “مات المسيح لأجلي”.
(2) يوحنا شاهد للمسيح نور العالم:
ركز الإنجيلي يوحنا على شهادة يوحنا المعمدان للمسيح، لأن المعمدان رأى الروح القدس يستقر عليه وسمع صوت الآب شاهدًا للمسيح أنه ابنه الحبيب. والمسيح أشار لشهادة المعمدان عنه “هُناكَ آخَرُ يَشهَدُ لي وأَنا أَعلَمُ أَنَّ الشَّهادَةَ الَّتي يَشهَدُها لي صادِقَة. أَنتُم أَرسَلْتُم رُسُلاً إِلى يوحَنَّا فشَهِدَ لِلحقَّ”(يوحنا 32:5-33). ويعلق القدّيس إيريناوس “بما أنّ يوحنّا كان شاهدًا، قالَ الربّ إنّه كان أفضل من نبيّ. أعلنَ الأنبياء الآخرون كلّهم مجيء نور الآب وتمنّوا أن يستحقّوا رؤية ذاك الذي كانوا يبشّرون به. تنبّأ يوحنّا مثلهم لكنّه رآه حاضرًا، وأقنعَ الكثيرين بأن يؤمنوا به، إلى حدّ أنّه لعبَ دور النبيّ والرسول في آنٍ معًا. لذا، قالَ الرّب يسوع المسيح عنه إنّه “أفضل من نبيّ”. وغاية شهادة يوحنا المعمدان هي إيمان التلاميذ والشعب.
لم يلتفت يوحنا الإنجيلي إلى شخصية المعمدان، وإنما إلى شهادته. وقد بدأت شهادة يوحنا المعمدان لمّا انتهى زمن وعود الانبياء وبدء زمن الوفاء بالوعود وذلك بحضور يسوع المسيح ابن الله على الارض نوراً يهدي خطواتنا. وعليه شهادته مبنية على ما رأته عيناه وسمعته اذناه “أَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ (يوحنا 34). فقدّم لنا نظرة شخصية عن يسوع المسيح ابن الله الابدي. وقد ” سار يوحنا أمام الربّ بروح إيليّا وقدرته” (لوقا 1: 17)، فكان “السِّراجَ المُوقَدَ المُنير” (يوحنا 5: 35) المُختار لإنارة العالم. وقد قبل يوحنا المعمدان أن يكون شاهدًا للنور، وأن يترك نفسه في مهب الروح ليقوده حيثما يشاء، ليصبح خادمًا لحياة الله وكلمته وسط الناس. قد شهد للمسيح أمام الشعب اليهودي وامام تلاميذه وامام السلطات الدينية والسياسية.
أ) شهد يوحنا المعمدان للمسيح امام الشعب: فأعدّ الطريق بالتوبة للمسيح في البرية، وأعاد قلوب الآباء إلى الأبناء وقلوب الأبناء إلى الآباء (لوقا 1: 17). اننا بِفَضِلِهِ تعرَّفنا إلى نور المسيح الّذي “يَشرِقُ في الظُّلُمات ولَم تُدرِكْه الظُّلُمات” (يوحنا 1: 5). فهو أوّل مَن ثقَّفَ الكنيسة، وبدأ بتنشئتها على التوبة، وحضَّرَها من خلال العماد؛ وبعد أن انتهى من تهيئتِها على هذا الشكل، سلَّمَها للرّب يسوع المسيح وضمَّها إليه (يوحنا 3: 29). لقد علَّمَها كيفيّة العيش في الزهد، وبموته منَحَها القوّة على الموت بشجاعة. بهذا كلِّه، أعدّ يوحنّا “لِلرَّبِّ شَعباً مُتأَهِّباً” (لوقا 1: 17). ويعلق القدّيس ايريناوس “إنَّ يوحنّا كان يُعِدُّ شعبًا من خلال إعلانه المسبق لمُرافِقيه الّذين كانوا يحيون في العبوديّة عن مجيء الربّ ومن خلال تبشيرهم بالتوبة، لكي يكونوا مستعدّين لقبول المغفرة يوم مجيئه، وليَعودوا إلى ذاك الذي ابتعدوا عنه نتيجة خطاياهم”.
ب) شهد يوحنا للمسيح أمام تلميذيه اندراوس ويوحنا الانجيلي (يوحنا 1: 35 – 37): وجَّه أنظارهما إلى المسيح حمل الله (يوحنا 1: 29، 36) ثم دُعيا إلى البيت الذي كان المسيح ساكناً فيه (يوحنا 1: 9)، فصارا تلميذين للمسيح وشاهدا معجزاته فرأيا مجده (يوحنا 2: 11). ثم صارا فيما بعد رسولين، بل عمودين في هيكل الكنيسة المقدسة.
ج) شهد يوحنا للمسيح امام السلطات الدينية والسياسية: ولم تقتصر شهادة المعمدان امام الشعب اليهودي وتلاميذه بل أمام مجمع السنهدريم الديني وامام هيرودس الملك. سُئل القديس يوحنا المعمدان من السلطات الدينية اليهودية: “من أنت؟” (يوحنا 1: 19: 22). لآنه كانت مهمة السنهدريم بحسب الناموس أن يتحققوا من أي إنسان يدعى النبوة (تثنية الاشتراع 1:13-2) ويحققوا معه. فأوضح المعمدان أنه ليس المسيح، ولا إيليا (2 ملوك 11:2)، ولا النبي المخلص (تثنية الاشتراع 15:18). أعلن أنه مجرد “صوت” (إشعيا 40:3)، يتنبأ عن مجيء المسيح (يوحنا 1: 23).
عندئذ سألته السلطات: “إن كنت لا تحتل مركزًا رسميًا في الخدمة فلماذا تعمد؟” كانت أجابته أن عماده ليس غاية في ذاته، بل تهيئة لعمل روحي أعظم يُحقِّقه ذاك الذي يأتي بعده وهو كائن قبله، وأن يوحنا غير مستحق أن ينحني ليَفُكَّ رِباطَ حِذائِه. ويعلق القديس يوحنا الذهبي ” لقد ظن السلطات الدينية أن خضوع يوحنا للمسيح شيء لا مبرر له، لأن أمورًا كثيرة كانت تُظهر يوحنا عندهم بهيًا جليلاً، أولها جنسه وجلالته وظهور شرفه، لأنه كان ابنًا لرئيس كهنتهم، ثم طعامه وصعوبة طريقته، وإعراضه عن الممتلكات الإنسانية كلها، ولأنه كان مهوبًا بثوبه ومائدته وسكنه وطعامه بعينه”. وأكّد يوحنا المعمدان أنه ليس بالمسيح المنتظر “فاعتَرفَ ولَم يُنكِرْ، اِعتَرَفَ: “لَستُ المسيح ” (يوحنا 1: 20). ونفي أنه المسيح، وكان نفيه قاطعًا إذ أن كثيرون ظنوا أنه المسيح ” كانَ الشُّعبُ يَنتَظِر، وكُلٌّ يَسأَلُ نَفسَه عن يوحَنَّا هل هو الـمَسيح”(لوقا 3: 15). كل هذا التأكيد لأن جماعة من تلاميذ يوحنا ظلت تؤمن به وترفض المسيح.
لم تكن شهادته للمسيح بلسانه فحسب، بل بموته واستشهاده على يد هيرودس انتيباس لأنه واجهه بحقيقة الفحشاء التي ارتكبها مع، هيروديا، امرأة أخيه (متى 14: 3). قد ناضل من أجل الحقيقة حتّى الموت، ومهّد طريق الرّب يسوع المسيح حتّى في مثوى الأموات، فكان شهيدًا للمسيح قبل آلامه في سبيل اعلاء الحق. فدوره هو أن يشع نور يسوع في قلب كلّ إنسان، ويكفيه أن يكون شاهدًا للنور. وكان شاهد الايمان وعلامة الرّجاء الّتي شكّلها العديد من شهود الإيمان في ايامنا الحاضرة في الشّرق.
عرف يوحنا أن يعيش حياة الإنجيل في ظروفٍ عدائيّة وظروف اضطهاد، أدّت إلى أن يشهد الشّهادة الأخيرة بسفك دمه “الذَبيحَة الحَيَّة المُقَدَّسة المَرْضِيَّة عِندَ الله” (رومة 12: 1). كان واثقاً أنّه لا يستطيع أن يحيا من دون الرّب يسوع المسيح وأنّه مستعدّ للموت من أجله وفقًا لقناعته بأنّ يسوع هو الرّب وهو مخلّص البشر وأنّ به وحده يستطيع الإنسان أن يجد ملء الحياة الحقيقيّ مؤمناً بما قاله الرب “مَن يَتبَعْني يكونُ له نورُ الحَياة” (يوحنا 8/12). ويتوقع شهود الإنجيل نفس المصير على هذه الأرض (رؤيا 11: 7). وما أكثر الذين يسفكون دمهم “في سبيل كلام الله والشهادة التي يشهدوها”(رؤيا 6: 9).
ثانيا: يوحنا شاهد لخدمة المسيح (يوحنا 1: 19-28)
ترتبط شهادة يوحنا بكشف الهوة القائمة بين الذين يؤمنون باسم يسوع والذين لا يؤمنون. فإن وصول وفد من الكهنة واللاويين من اورشليم الذين حضروا الى بيت عبرا في الأردن ليسالوا يوحنا المعمدان بخصوص المعمودية والتصريحات التي أعلنها (يوحنا 1: 19) تشير الى هذه الحقيقة الواقعية التاريخية.
يسال الكهنة واللاويون بسلطان ” مَن أَنتَ؟” (يوحنا 1: 19)، ويوحنا ينفي في اجابته أنه المسيح او ايليا او النبي الذي تنبا عنه موسى (يوحنا 1: 20-21). ومرة أخرى يُلحون عليه بان يُخبرهم ماذا يقول عن نفسه (يوحنا 1: 22) فيعلن ان ليس له اسم، إنما هو مجرد ” صوت صارخ في البرية ” أمام المسيح (يوحنا 1: 23) وأمَّا مهمته فهي اعداد الطريق للمسيح. وعند سؤاله بعد ذلك، يؤكد ان طقس معموديته كان تطهيريا اعداديا لمجيء المسيح، ويتبرأ من ادعاء أي سلطان ويشهد باستحقاق وفضل واحد هو، يسوع المسيح الحاضر الآن.
أراد الفريسيون ان يعرفوا من هو يوحنا، أمَّا يوحنا فأراد ان يعرفهم من هو يسوع. فهو لم يجلبهم على نفسه، بل حوّل القلوب والعقول نحو الآخر الذي هو الربّ. “بَينَكم مَن لا تَعرِفونَه” (يوحنا 1: 26). فقد بيّن يوحنا ان اشخاص كثيرين من معاصريه لم يفهموا يسوع ولم يتمكنوا من سبر غور شخصيته.
في الزمن السابق للميلاد نتذكّر توالي الاجيال حتى المسيح. هو زمن الأنبياء من موسى إلى يوحنا المعمدان وهو الزمن الذي كانوا يرون فيه الربّ رهيباً مخيفاً. لأنهم لم يكونوا يعرفونه حقاً. وفي وسط الدهشة العامة التي أحدثها يوحنا المعمدان، جعل يخبر الناس ويعلن ان المسيح آت بعده وانه يعمّد بالروح القدس وانه غير مستحق ان يفك رباط حذاءه” أَنا أُعَمِّدُ في الماء، وبَينَكم مَن لا تَعرِفونَه ذاكَ الآتي بَعدِي، مَن لَستُ أَهلاً لأَن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه”(يوحنا 1: 26-27). قد اكتشف يوحنا سر عظمة يسوع الإلهية، وهو “يغفر الخطايا بالحقيقة، وهو دور لا يقدر سوى المسيح، ابن الله، على أدائه وإتمامه. ففي معمودية يسوع تتضمن القوة المطلوبة لعمل إرادة الله.
شهد يوحنا للمرة الثالثة عن عظمة يسوع المسيح إذ يأتي بعده (يوحنا 1: 27) مع أنه الأزلي السابق له، وأنه واهب النعم والمخبر عن الآب (يوحنا 1: 15-18)، موضحًا أنه غير ” أَهلاً لأَن يَفُكَّ رِباطَ حِذائِه” (يوحنا 1: 26-27) وهو قائم في وسطهم ولم يعرفوه. ويعلق العلامة أوريجانوس ” لا تظن أن السبب أن يوحنا المعمدان حمل الشهادة لكي يضيف شيئًا إلى الثقة في سيده. لا، وإنما لكي يؤمن أولئك الذين من ذات طبقته البشر”. لقد سبق وأخبرنا يوحنا نفسه، إذ يقول: “لكي يؤمن الكل بواسطته”.
قال يوحنا المعمدان إنه غير مستحق أن يكون خادما للمسيح (يوحنا 1: 27). أما يسوع فقد قال عن المعمدان إنه لا يوجد بين كل البشر أعظم منه﴿ لوقا 7:28﴾. فإن كان الإنسان العظيم قد أحس بعدم استحقاقه أن يكون خادما للمسيح، فكم بالحري يجب علينا أن نُنَحي كبرياءنا جانباً لنخدم المسيح! فعندما ندرك حقاً من هو المسيح يذوب كبرياؤنا ويتلاشى إحساسنا بأهمية ذواتنا.
الخلاصة
شهد يوحنا المعمدان ان يسوع ليس مجرد انسان، إنه ابن الله الابدي. وهو نور العالم لأنه يهب عطية الحياة الابدية لكل من يؤمن به. ويا لها من مغالطة ان نعتبر ان يسوع مجرد إنسان صالح غير عادي، او معلم للفضيلة والأخلاق. إن كان يسوع المسيح هو ابن الله فعلينا واجب الانتباه لهويته الإلهية ورسالته التي تمنح الحياة. وينشأ الإيمان في الناس بقبول هذه الشهادة كما جاء في تعليم بولس الرسول “قد قُبِلَت شَهادَتُنا عِندَكم بِإِيمان” (2 تسالونيقي 1: 10).

. ونحن بدورنا علينا ان نكون شهودا للمسيح على خطى يوحنا المعمدان. نحن لسنا مصدر نور الله، لكننا نعكس فقط نور المسيح كما قال “جِئتُ أَنا إِلى العالَمِ نوراً فكُلُّ مَن آمَنَ بي لا يَبْقَى في الظَّلام.” (يوحنا 12: 46). يسوع المسيح النور الحقيقي الذي يساعدنا ان نرى طريقنا الى الله ويوضِّح لنا كيف نسير في تلك الطريق. وطلب منا ان نشهد له فنكن نور العالم بأعمالنا الصالحة. كما وضّح في انجيل متى “أَنتُم نورُ العالَم…فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات” (متى 5/ 14-16). وبهذا نحن لا نشهد بالكلام فقط، إنّما أيضًا بالأعمال. “وكُلَّ رُوحٍ يَشهَدُ لِيَسوعَ المسيح الَّذي جاءَ في الجَسَد كانَ مِنَ الله” 1يوحنا 4: 2).

إننا، مثل يوحنا المعمدان، لسنا مصدر نور الله، لكننا نعكس فقط ذلك النور. أما النور الحقيقي فهو يسوع المسيح. وهو يعيننا على أن نرى طريقنا إلى الله، ويوضح لنا كيف نسير في ذلك الطريق. إلا أن المسيح قد اختار أن ينعكس نوره من أتباعه على العالم غير المؤمن

الدعاء
أيها الاب السماوي، يا من أرسلت ابنك يسوع المسيح الى العالم ليخلص به العالم، فهو بيننا وفي داخلنا، ونحن لا نعرفه بل نتجاهله. ساعدنا كي نكتشف حضوره. فهو يبدو بعيدا، بينما هو أقرب الناس الينا. ويبدو غائبا وهو حاضر في داخلنا، دعنا نهيّا ميلاده فينا. تعال أيها الرب إلينا واجعلنا شهوداً لنورك في عالم يسوده الظلمة واليأس والفشل والخطيئة والموت (أشعيا 61، 1-2)، فنعدّ القلوب لاستقبال يسوع المخلص الذي يعيد لنا جميعا الفرح والسلام المحبة.