الشمّاسيّة والكهنوت في خدمة الثالوث !

الأب بيتر مدروس

القراءة الاولى من أعمال الرسل ( 6 : 1 -7): “كثُر عدد التلاميذ” – بخلاف الوضع المأساوي المعاصر للمسيحيين في الشرق الأدنى والاقصى وحتّى في أوروبا، يبدو أن كلّ شيء يعمل لاستئصال المسيحيين مع أنّهم نواة شعوب بلادهم ، سواء قامت ثورات داخليّة أو تدخّل أعاجم من الخارج ، سواء قامت أنظمة ملحدة أم مؤمنة “أصوليّة”! ومنذ أيّام نيرون تعوّدت الاقوام والزعامات أن تصبّ جام غضبها على المسيحيين وكأنّهم – بصفتهم أتباع الحَمَل البريء- كبش الفداء. ويذكر المرء كلمات السيّد له المجد :”سيُبغضكم الكلّ من أجل اسمي ولكن من صبر إلى المتهى نال الخلاص” (متّى 10 : 22).

“أخذ اليهود الهلينيّون (وهم من الناطقين باليونانية ومن المُتنصّرين) يتذمّرون على العبرانيين (أي الناطقين بالارامية) ” . والتذمّر بسبب أو بلا سبب من عادات بعض القوم ،إذ “لكلّ امرىء من دهره ما تعوّدا”! وقد اشتهرت أمم معيّنة بالتذمّر والتشكّي وكأنها الوحيدة المظلومة دائما. “ادّعى الهلينيّون أن أراملهم يُهمَلن في خدمة توزيع الأرزاق اليوميّة”. يمكن بسهولة تصديق دعواهم، لانّ العبرانيين كانوا شعوريًّا أو لاشعوريًّا، يحسبون أنفسهم أسمى من الآخرين لتكلّمهم “اللسان المقدّس” أي العبريّة ، التي كانوا يعدّون الارامية فرعًا لها، ويرون في ذلك تفوّقًا روحانيًّا وثقافيًّا على الناطقين بلسان وثني، أي اليوناني. مشهد شبه يوميّ نصادفه ، أي النعرة والتمييز حتّى بين أبناء الايمان الواحد ، فهذا غربي وهذا شرقي ، وهذا “من جماعتنا” وذاك “من جماعتهم” ، ولا أحد أفضل منّا، فنحن كما تقول العامّة “غير عن غيرنا” أي نختلف عنهم – ونقولها بكلّ تواضع – اختلاف الثريا عن الثرى! خلقنا الله وكسر القالب!

يضرب الرسل بيد من حديد هذه النعرة، التي يتمّ وأدها منذ ميلادها .ويقنصون عصفورين بحجر واحد : أوّلاً يطلبون انتخاب سبعة رجال مشهود لهم ليخدموا الموائد . هؤلاء هم أوّل شمامسة – واللفظة آرامية تعني مثل اليونانية “ذياكونوس” أي خدّام. وسبعة دليل على الكمال لعلاج نقص النعرة وعيب التمييز ، ويُعلن الرسل ثانيًا للجماعة أنّهم لا يسمحون لأحد ولا لشيء أن يشغلهم عن كلمة الله. لا ، لن يخدم الرسل وخلفاؤهم الموائد، ولن يغوصوا في الماديات ولن تثقلهم الدنيويات ، بل سيتفرّغون لمائدة الكلمة المكتوبة، في خدمة الكلمة المتجسّدة ، وسيقدّمون للناس المائدة السماويّة الافخارستيّة القربانيّة!

ما أبلغ هذا المغزى لنا ، نحن معشر المؤمنين بالمسيح جميعًا ، المعرّضين للانشغال بأمور الدنيا، وإدارة شؤونها على حساب الروحانيّات والمساعي الروحانيّة ! وما أثمنه درسًا للاكليروس كي “يطرح عنه كلّ ثِقَل” (عن عبرانيين 12 : 1) ، كما تنشد الليتورجيّة البيزنطيّة “لنطرحنّ كلّ همّ عالمي ، مستعدّين لاستقبال ملك المجد”. وكان الأقدمون من شعبنا يقولون عن نهاية العالم “”سيكون المنتهى عندما يُمسي الحاكم جائرًا والكاهن تاجرًا ، وعندما سيتكلّم الحديد” ، ولعلّها كناية عن المذياع!

في القراءة الثانية ( 1 بطرس 2 : 4 – 9) ، يُعلن أمير الرسل بطرس كيفا أنّ معشر المؤمنات بالمسيح والمؤمنين جماعة كهنوتية ملوكية ، في الكهنوت العام لكلّ المعمّدين ، مع كهنوت الخدمة عند الرسل وخلفائهم الأساقفة والكهنة والشمامسة. وييبيّن مار بطرس أن يسوع المسيح حجر الزاوية والأساس، ولكنّه في نفس الوقت “هدف للنزاع” ، بحيث يرفضه بعضهم فيصبح لهم حجر عثار وصخرة زلّة. لا يقبله قوم بسبب ألوهيّته ويرفضه آخرون بسبب صليبه! ويجتمع الرفضان المتناقضان لأنّهم ينبعان عن تصميم على إقصاء يسوع، لسموّ شخصه وتعاليمه، التي لا يريدون أن تغيّر حياتهم ولا أن تنتهر أهواءهم. ونحن ننضمّ إلى ذلك الطّابور ، بمعرفة أم عدم معرفة ، عندما ننبذ الصليب، أو نشكّ في الوهيّة السيّد المسيح، أو نفسّرها على هوانا . لا يخلو كلام يسوع من صعوبة : من جهة يقول أنه والاب واحد بحيث أنّ من رآه رأى الاب (عن يوحنّا 14 : 1 – 12)، ولا عجب فهو صورة (في اليونانيّة “ايقون”) الاله غير المنظور” (عن قولسي 1 : 16) ومن جهة أخرى “الاب أعظم منه” ، بسبب الطبيعة البشريّة في يسوع الانسان حيث” يسكن كلّ ملء اللاهوت جسديًّا” (عن قولسّي 2 :9).

مع صعوبة التوفيق بين الإعلانين ، نصدّق يسوع وبه نثق وعليه نتّكل لأنّه “الطريق والحقّ والحياة”. لنسأله النصر على العنصريّة والنعرة والتمييز والكبرياء والغرور والظلم والتحيّز والتشرذم والأنانية وتأليه الذات والجماعة ، متّضعين كخدّام على مثال الذي أتى ليَخدُم لا ليُخدَم . ونغلب الالحاد والمادّيّة، فنبلغ بعد عمر طويل مكاننا في الفردوس الذي “أعدّه لنا “!